قاعدة - في الصراط ، و هو لغة الطريق و المراد منه هنا هو الطريق الي المبدء اي طريق كل احد الي مبدئه و باعتبار الظاهر و التأويل و الباطن و باطن الباطن يختلف ظاهرا معناه ففي الظاهر هو جسر ممدود علي جهنم ادق من الشعر و احد [ص 110] من السيف فيه عقبة كؤد طولها ثلثة آلاف عام الف عام هبوط و الف عام شوك و حسك و عقارب و حيات و الف عام صعود لايمر عليها بسهولة الا محمد و آلمحمد عليهم السلام و هذا لا شك فيه الا ان جميع ما اخبر به عما بعد الموت من امور الآخرة انه كذا و كذا فالمراد حقيقة ذلك الشيء و علي صفته لا الصورة الدنياوية التي هي تابعة للمواد الدنياوية مثلا في الجنة شجر لا شك ان في الجنة شجرا لكن لا بكثافة شجر الدنيا و ما يلزم كثافته في الدنيا و لكن ما هنالك حقيقة الشجر و الشجر الحقيقي و يقال علي صفة الشجر و ليس المراد علي صفة شجر الدنيا و كذلك البواقي و منها الصراط و ليس المراد انه كالجسور الممدودة علي الانهار في الدنيا و ادق من شعر الدنيا و احد من سيفها فان المواد الكثيفة تقتضي صورا كثيفة و المواد اللطيفة تقتضي صورا لطيفة علي حسبها اذ الصور اطراف ماهية كل وجود و تختلف الماهيات بحسب مراتب الوجودات فالصراط يوم القيمة هو مسير النفس من منتهاها الي مبدئها و هو علي الطبيعة التي هي حفرة جهنم و هي علي صفة البعير في هيبتها و شدة حقدها علي اعداء الله و ذلوليتها للولي و خشونتها و جميع الخلق يسيرون في تلك الطريق الي مبدئهم اما الي الجنة و اما الي النار و هم مختلفون في السرعة و البطء و الاستقامة و الانحناء و ذلك المسير هو عملك و علمك و معرفتك و انت تسير في هذا المسير باقدام اعمالك و نظر علمك و معرفتك و هو ادق من الشعر اي يمور و يضطرب بالساير عليه الا من ثبته الله او انه طريق الي الاحد جل شأنه فمن انحرف بقدر ذرة انحرف عن الصراط السوي و هوي في النار و الاخلاص لله الواحد الاحد جل شأنه ادق من الشعر و هو احد من السيف يشق اقدام المشاعر شقتين شقة الحق و الباطل و مع ذلك منهم من يمشي عليه كالبرق [ص 111] الخاطف آمنا لايعرضه خطرة في نيته و لا وسوسة في علمه و معرفته و لا ميل في عمله بجذب شهوة او غضب او طبيعة او غير ذلك و منهم من يمشي كعدو الفرس و منهم من يمشي كالانسان و منهم من يمشي حبوا و منهم من يميل تارة و يستقيم اخري و منهم من يمشي متعلقا و يأخذه النار من الاسفل و منهم من يقع في الاواخر او في الاواسط او في الاوائل نعوذ بالله هذا ظاهر الصراط و له تأويل و هو كون المراد به النفس من منتهي بعدها عن المبدء الي غاية قربها بواسطة الاعمال الشرعية و العلوم الدينية و كيفية ذلك ان كل شيء امكاني امكان لكمالات هي فيه بالقوة و علي السواء لا تمايز بينها فيه و القوة حقيقة هي العدم الامكاني فتلك الكمالات فيه معدومة لا رجحان لاحدها علي الآخر و لايجوز ان يخرج واحد منها الي الفعلية بذات نفسه و لا بذات ذلك الامكان ابدا لتساوي نسبته و تساويها في ذاتها فعلي ذلك لايجوز ان يخرج شيء من تلك الكمالات الا بمرجحات خارجية و اسباب بادية و بذلك يحتاج كل حادث الي محدث غيره فلايعقل الحركة الجوهرية علي ما قالوا اللهم الا ان يحرك ذلك الجوهر غيره محرك مكمل له و لا بد في ذلك الغير من فضل كمال يطرحه علي ذلك الامكان و يكمله و يصوره علي صورة كماله و من الاشياء النفس فلاتتحرك من مقامها الا بمكمل خارجي فان صعدت تحتاج الي مصعد و ان نزلت تحتاج الي منزل فان كل حركة تحدث عليها و تبرز عنها تحتاج الي محرك ففي السعادة تحتاج الي سعيد كامل قوي يطرح نور سعادته عليها و يأخذ بناصيتها و يقودها الي مبدئها و يخرج في كل آن من كمونها الي البروز حركة الي جهة المبدء و قبولها هو عملها و انقيادها و امتثالها و بذلك العمل و الامتثال تترقي الي جهة المبدء و تقبل الي ربها و ان كانت هي محدثة لعملها احداث انفعال فكلما تعمل عملا تزداد تقربا و كلما [ص 112] تزداد تقربا تزداد انفعالا و انقيادا و قوة علي العمل فبالعمل تزداد صعودا و بالصعود تزداد عملا كما روي بالعقل استخرج غور الحكمة و بالحكمة استخرج غور العقل ، فتبين ان حركة النفس الي المبدء ليست من ذاتها و انما هي بقائدها و هاديها نزولا و بعملها و علمها صعودا يعني ان النفس تمشي في طريق مبدئها و سبيل ربها باقدام اعمالها و انظار علمها او تمشي في ظلماء تلك الطريق بنور العلم و قدم العمل و كذلك كلما تعمل تزداد علما و بصيرة و ينكشف لها ما لميكن منكشفا مع ان العلم روح العمل و لكن ليس كلما تزداد علما تزداد عملا و لاجل ذلك قد يتقرب العامل بغير علم و لايتقرب العالم بغير عمل كالشيطان ، العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل و العلم الحاصل من العمل انكشافي و العلم بغير عمل وصفي فالسلوك العملي روح شرعي للسلوك العلمي يعني ان العلم يسعد و يطيب و يحيي بالعمل و الا فهو شقي و خبيث و ميت و العمل هو العلة الغائية للعلم و هي مقدمة وجودا علي ذيها بالجملة النفوس صراطات الي مبدئها و ان كانت هي ايضا سائرة الا انها من حيث سائرة و من حيث درجات كمالاتها صراط و مسير تسير الي نحو مبدأها اما صاعدة و اما نازلة و هي ممدودة علي جهنم طبيعتها فانها حارة يابسة و منها من يمشي علي ذلك الصراط الي ان يقرع باب الجنة و منها من تقع في حفرة الطبيعة و تنهمك فيها و تهوي به الريح في مكان سحيق و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث و اما باطن الصراط فهو الولي عليه السلام فانه السبيل الاعظم و الصراط الاقوم الممدود بين الله و بين خلقه من اراد السلوك اليه فلا بد و ان [ص 113] يسلك في درجات معرفته و كل ما يصل من الله الي الخلق فانما يأتي في ذلك الطريق و هم السبيل الي الله في جميع الجهات الخلقية اذ هم العلل الاربع لجميع ما سواهم و بهم ينزل مدد الخلق و الرزق و الحيوة و الموت الي جميع ما سواهم صلوات الله عليهم اما انهم العلة الفاعلية فانهم اوكار المشية و القي الله في هويتهم مثاله و اظهر عنهم افعاله فهم لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و اما انهم العلة المادية و الصورية فان الله خلق الخلق من انوارهم و علي هيئة صفاتهم الباطنة المحبوبة او صفات مخالفتهم الظاهرة المسخوطة و هم اولي بانوارهم منها او يقال هم العلة المادية من باب ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و ما في الديار سواه لابس مغفر و اما انهم العلة الغائية فانهم الغاية الباعثة للفاعل علي الفعل قال تعالي في القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف و قال عليه السلام ان معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي و اما نزول امداد جميع اطراف الخلق بهم فانهم الرحمانية المستوية علي عرش الوجود و روح العرش و حيث اسميته لله عز و جل نحن والله الاسماء الحسني التي امر الله ان تدعوه بها فجميع اركان العرش متحركة بهم بكم سكنت السواكن و تحركت المتحركات فهم طريق جميع ما سواهم الي الله في جميع جهات الكون و كذا الشرع فانهم الادلاء الي الله بصفاتهم و افعالهم و اقوالهم و احوالهم و هم الدالون علي الله بجميع انحاء الدلالة فالكل من جميع الجهات عارفون بالله بهم عابدون لله بهم سالكون الي الله تعالي بهم صلوات الله عليهم فهم السبيل الاعظم و الصراط الاقوم و الصراط المستقيم الي الله تعالي فهم سايرون في طريق معرفة الله بهم [ص 114] و في طريق التقرب اليه بالتقرب اليهم و كذلك من عرفهم و سلم لامرهم و اقتدي بهم فهو يمر علي الصراط الذي هو جسر جهنم و ان جسر جهنم تمثل ولايتهم و الايتمام بهم و الايمان بهم صلوات الله عليهم و لذا روي ان الصراط هو الطريق الي معرفة الله عز و جل و هما صراطان صراط في الدنيا و صراط في الآخرة اما الصراط في الدنيا فهو الامام المفترض الطاعة من عرفه في الدنيا و اقتدي بهداه مر علي الصراط الذي هو جسر علي جهنم في الآخرة و من لميعرفه في الدنيا زلت قدمه عن الصراط في الآخرة فتردي في نار جهنم ، و اما باطن باطن الصراط فعلي سبيل الاشارة ان الذي طوي بوحدته القاصد و القصد و المقصود و السالك و السلوك و المسلك و المسلوك اليه لا مسلك اليه و لا سلوك فلا سالك و انما يسلك السالك الي مسلوك اليه في مسلكه الممتد بين السالك و المسلوك اليه فالمسلوك اليه للكل هو الواحد و جميع الاعداد يسلكون في طريق ما بينهم و بين الواحد لا غير فهو المقصود و المقصد و الصراط صراطه و هو الاعداد الفاصلة و السالك يسلك فيه بقصد الواحد فيها و الاستمداد منه منها و لكل منا مقام معلوم و انا لنحن الصافون و من رام غير ذلك فقد سلك سبل الردي و تردي في جهنم و هوي الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، و لاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله فافهم و تفهم ان كتب لك و الا فذره في سنبله حتي يأتي اوانه و علي اي معني اخذت ان النفس سائرة في صراطها الي مبدئها فاما ان تسير الي مبدء النور و الكمال و صراطها مستقيم و اما ان تسير الي مبدء الظلمة و النقص و صراطها معوج و ان ندبت الي الصراط المستقيم و اقدامها لا اعمالها فان عملت بمقتضي الشرع الباطن الذي هو العقل او العقل الظاهر الذي هو الشرع مشت مستقيما [ص 115] و صراطها مستقيم و الا فمعوج و الاشارة الي تفصيل ذلك ان في الانسان نفسا نباتية و لها قوي خمس و خاصيتان و نفسا حيوانية و لها قوي خمس و خاصيتان و نفسا ناطقة كونية علي الفطرة و عقلا هو علي وفق مشية الله و هو محلها و لسان ترجمانها و بعيثه و رسوله الي الخلق و النفسان الاوليان هابطتان غير قابلتين للخطابات الانسانية و هما عاملتان علي مقتضي طباعهما و الناطقة قابلة للخطاب و الامر و النهي الانسانيين و قد امرها الله سبحانه باتباع العقل و امتثال امره و نهيه و بمخالفة النفسين الاوليين و الاعراض عنهما و عصيانهما فان اطاعت النفسين الاوليين دعتاها الي مقتضي طباعهما و الطبع ذو جهة واحدة فاما تدعوانها الي جهة التفريط ان كانتا قاصرتين و اما تدعوانها الي جهة الافراط ان كانتا قويتين فتنصبغ باصباغهما و تمشي علي وجهها من غير روية و ان اطاعت العقل الخارج عن الطبايع المستوي علي عرشها فتعمل برويته و يستعمل كل طبع في محله و هذا هو الاعتدال و الاستقامة لا ان يكون الطبع من الصفراء و البلغم بميزان الاعتدال مثلا فان السكنجبين لايظهر منه الحموضة القوية و الحلاوة القوية بل طعمه دائما بين الطعمين و هو ايضا غير مطلوب من المؤمن فان المطلوب ان يغضب مثلا في غاية الغضب عند حكم الله به و يشتهي في غاية الشهوة عند حكم الله بها و يتوسط عند حكم الله به فليس معني الاعتدال ان يكون الانسان مركبا من طبعين علي ميزان الاعتدال فانه ميزان اعتدال طبعاني مذموم لايتمشي منه غير التوسط و لكن المقصود من الاعتدال ان تكون النفس مطيعة للعقل الخارج عن حدود الطبايع و تقف عند امره و نهيه نعم يجب ان تكون طباعها معتدلة يعني يجب ان يكون فيها صفراء صافية كاملة تستعملها عند الحاجة و بقدر الحاجة و بلغم صاف كامل تستعمله عند الحاجة و بقدرها [ص 116] فلو لميكن فيه بلغم صاف كامل او كان مقهورا ضعيفا لايقوم بالخدمة علي ما امر و هو ناقص منحرف خارج عن الاعتدال البتة فاعتدال المزاج وجود جميع الطبايع علي نحو الصفا من غير غلبة واحدة و مغلوبية اخري لا التركيب بحيث يكسر كل واحدة سورة الاخري و يبطلها و الطبايع كلها ظلمانية و المركب من الظلمات ظلمة و المطلوب استنارة النفس بنور العقل فافهم و لما كانت النباتات لا حيوة لها ظاهرا و هي ميتة ظاهرا تعد الطبايع في اجزاء البدن و يقال ان الارواح الداعية للنفس الناطقة الحاملة اياها علي الانحراف ثلثة روح الحيوان و هو الاصل و يقال له روح البدن به يدب الانسان و يدرج و روح الشهوة و هو خاصيته الرضائية و روح القوة و هو خاصيته الغضبية و هما حركتان من الحيوان بالميل و الاعراض عند المناسبة و المنافرة فهما قوتان من الروح الحيوانية و جميع خصالها من فروع هاتين و اذا مالت الناطقة الي الحيوانية تنصبغ اراداتها و روياتها و علومها و اعمالها كلا في هاتين و ذلك الصبغ و تلك الصورة هي النفس الامارة و هي طينة سجين و خبال و كمالها ان تكون في جميع ذلك مطيعة للعقل و تستعمل هاتين في طاعته و ذلك الصبغ الحاصل لها من نور العقل و طاعته هو النفس القدسية و طينة عليين و طينة الجنة و هما نفسان شرعيتان و محلهما و مرآتهما النفس الكونية و هي امكان لهما و هما كونان استخرجا من ذلك الامكان بقوة داعي الحق و العقل الباطن و الظاهر و بقوة داعي الباطل و الجهل الباطن و الظاهر فان اطاع الانسان داعي الحق تضعف النفس الامارة و يزول سوادها شيئا بعد شيء حتي تكون شحمة بيضاء نقية و حمامة بيضاء و يزول عنها ريش الغراب فان تابوا و اقاموا الصلوة فاخوانكم في الدين و مواليكم و ان اطاع الانسان داعي الباطل تفر القدسية و تلحق بمبدئها [ص 117] و لاتطيع الجهل و لاتعصي و لاجل ذلك لاتتصور بصور الحيوانات ابدا بخلاف الامارة فانها لا فصل لها من ذاتها و يمكن ان تتصور بصورة الانسان و لو بالعرض ان اسرها القدسية و حملتها علي الطاعة كما يأتي في محله ان شاء الله .
قاعدة - في نشر الكتب و الصحائف و هو مسئلة صعبة مشكلة قد رمزها المشايخ و لا بد من شرحها ان شاء الله . اعلم ان الانسان له مراتب و لكل مرتبة اعمال هي افعاله في تلك المرتبة و الفاعل لكل تلك الافعال هو حقيقته في لحاظ و مشية الله جل قدره في لحاظ اذ لا فاعل في الوجود الا الله و الله خلقكم و ما تعملون ، قل الله خالق كل شيء و ما من شيء في الارض و لا في السماء الا بسبعة بمشية و ارادة و قدر و قضاء و اذن و اجل و كتاب فمن كان يزعم انه يقدر علي نقص واحدة فقد اشرك ، الا ان اثر فعله سبحانه يقع في مرايا القوابل فان كانت صافية حكت اثر المشية علي ما هو عليه و هو مطابق للمشية و هي محبة الله فيكون ما يظهر من تلك القابلية علي حسب محبته و ان كانت كدرة غيرت اثر المشية علي حسبها فكان ما يظهر منها علي خلاف محبة الله فتبين ان ما اصابك من حسنة فمن الله و هو اولي به و ما اصابك من سيئة فمن نفسك و انت اولي به و اما نفس القوابل فقد خلقها الله علي حسب سابق علمه بها و علمه اولي بحقيقة التصديق اذ علمه حق صدق مطابق للواقع فمن علمه سعيدا في سابق علمه خلقه سعيدا و من علمه شقيا خلقه شقيا و هيأ للفريقين ما يتمكنون به من اظهار مقتضي ما هم عليه و لولا ذلك لميقدر احد علي اظهار مقتضيات سجيته و من تلك الاسباب الامر و النهي فامر و نهي فاطاع المطيع و اهتدي و عصي العاصي و هوي و تردي بالجملة الحركة الايجادية من الله سبحانه و الخلق كلهم متحركون بتلك [ص 118] الحركة و تحركهم انفعالهم عند فعل الفاعل و خروج ما في قوتهم الي الفعلية اما مطابقا لكمال الكامل المكمل و اما مخالفا فالحقايق فعلها المعرفة او الانكار و المحبة او العداوة و العقول الكونية فعلها درك المعاني الكلية و الرجاء او القنوط و النفوس فعلها درك صور العلوم و الخوف او الجرأة و الحواس فعلها درك الصور الظلية و الرضا و الغضب و الجسم فعله الافعال الظاهرة من انواع الحركة و السكون و امثال ذلك و كل مرتبة من المراتب خرج من قوته الي الفعلية قبول فعل ظهر عليه صفة المشية و لها مادة من نور المشية و اثرها و صورة من نفس قابلية ذلك العامل و لما كان مادتها من نور المشية الكاملة كان لها كمال و فضل الا ان ذلك الكمال يظهر منه علي حسبه كما يظهر نور الشمس من الزجاجات المختلفة علي حسبها و ذلك النور كمال النور الواقع عليها المتصف بصفتها و لاجل ذلك يكون علي حسبها صورة و علي حسبه مادة فمن اجل ذلك لكل ذي فعلية اثر و شعاع و مثال يقع علي مرآة المقابل فالاجسام مثلا اذا تهيأت بهيئة يقع عنها مثل في مرايا ما يقابلها من الواح السماوات و الارض و مرايا حواس الحاضرين و مشاعرهم من الاناسي و الجن و الملئكة و الانبياء و غيرهم و ينتقش تلك المثل في تلك الالواح بقوة الملئكة الكتبة يكتبون تلك المثل بقوة ما فيهم من ظل امر الله عز و جل في تلك الالواح و الواح السماوات و الارض نفوس ملئكتها و اما نفس تلك الصفات فقد ذكرنا انها من مادة هي نور المشية و صورة هي صفة القابلية فما دامت القابلية التي هي ذلك الجسم مواجهة للمشية يقع نورها فيه و يبقي الصفة بابقاء الله و امداده فاذا انحرفت و زالت المقابلة محي تلك الصفة عنها فاذا محيت قامت مادة تلك الصفة بمبدئها كما يقوم نور الشمس بالشمس بعد زوال مقابلة المرآة و صورتها ايضا يقوم [ص 119] بمبدئها و هو المشية الانفعالية من الله سبحانه اي الارادة و الاشارة الي ذلك ان الشمس مثلا تشرق بمشية الله و لولاها لميخرج من قوتها الي الفعلية هذا الفعل فهي مشرقة بمشية الله و كذلك الجدار مستشرق بمشية الله عز و جل و لايخرج من قوته الانفعال الي الفعلية الا بمشية الله لان الانفعال منه فعل و الفعل حركة و لا محرك في الوجود الا الله و لايخرج الشيء من العدم الي الوجود الا الله فالنور علي الجدار مادته من اشراق الشمس بالله عز و جل و صورته من صفة الجدار القائمة بامر الله عز و جل و ذلك ان الجدارية ايضا فعلية خرجت من قوة التراب و الماء و لاتخرج تلك القوة الي الفعلية الا بمكمل خارجي هو رأس من رؤس المشية فهي قائمة بذلك الرأس و هي قابلية للنور المشرق عليه من رأس آخر من رؤس المشية و ذلك النور مادة ما علي الجدار و صفة الجدار صورته فهما قائمتان بامر الله عز و جل فاذا زالت مقابلة الطين عن ذلك الرأس و زال الجدار عن مقابلة الشمس قام النور الذي كان عليه مادة برأس من رؤس المشية و صورته برأس و هو باق في محل وجوده و حده قائما بامر الله عز و جل و كذلك بدن زيد اذا ظهر عليه القيام فالقيام قائم بامر الله عز و جل مادة و ببدن زيد صورة و بدن زيد بنفسه قائم برأس من رؤس المشية و صورة القيام قائمة بصفة ذلك الرأس و كذلك اصل بدن زيد فان البدنية صورة استخرجت من كمون الطين و قوته و كانت معدومة لاتخرج بنفسها و انما تخرج بتكميل رأس من رؤس المشية كما بينا فلها مادة هي من نور رأس المشية المكملة و صورة من قابلية الطين و هكذا يصعد المتكملات صاعدة الي ان تبلغ المادة الاولي اي الماء الذي منه كل شيء فهو ايضا مركب من مادة هي نور المشية و صورة هي نفس ذلك النور القائمة بالارادة و هي اي تلك النفس ما علمها الله عليه [ص 120] و لمتكن مكونة قبل ان يكون النور فهما معا كالكسر و الانكسار فافهم بالجملة ذكرت ما ذكرت استطرادا و لماكن بصدده و الغرض ان كل ذي صفة اذا فارق تلك الصفة بقي تلك الصفة في محل وجودها و انتقش مثلها في كل ما يقابلها من الالواح و هي تابعة لتلك الصفة منتزعة عنها فلصفات كل ذي صفة مثل مكتوبة في الواح السموات و الارض اي نفوس ملئكتها و نفوس الحاضرين من الجن و الانس و نفس صاحب تلك الصفة و لها مبادي نزولا في نفس العامل و آثار صعودا فيها و لها اكتسابات منها لاحقة بنفسه و هي صورة النفس و هي طائرها الملزم عنقها يلزمها اياه الملك الموكل بذلك و هو رومان فتان القبور فاذا مات الانسان خرج ظله عن البدن و هو مصور بما اكتسب من عمله و اذا قام في القيمة قام نفسه مصورة بصورته و اما الكتاب المنشور فهو لوح كتب عليه نفس اعماله فما دام في الدنيا يكتب عليه عمله في ذلك الكتاب و هو منسوب اليه لان مبدء ذلك العمل منه و اكتسب منه و اذا مات فهو مكتوب عليه في محله منسوب اليه لان مبدأه منه و عوده اليه و اذا حشر فهو مكتوب عليه في محله منسوب اليه لما مر و اما اذا ندم الانسان علي عمله تبرأ نفسه من ذلك العمل و تبين انه لميكن مبدأ العمل منه و لميكتسب منه فبقي العمل مكتوبا في محله و لكن منسوبا الي مبدئه من عليين او سجين اي العرض الذي كان ملحقا به فان كان مبدأه عرضه الدنياوي يتبرأ منه اذا مات و ان كان مبدأه عرضه الظلي يبقي منسوبا اليه في البرزخ معذبا عليه و جاء يوم القيمة بريئا من ذلك و يستر الله ذلك العمل عليه فيراه اهل الجمع بريئا من ذلك العمل كما اذا كان تائبا في الدنيا من قبيح عمله و علمت بتوبته بعد علمك بقبح عمله فتراه بريئا من ذلك القبيح ليس مبدءاً لذلك العمل و لا مكتسباً منه و لايعود اليه اولئك الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات و لايطلع علي سيئاتهم [ص 121] في المحشر الا الله المحيط بجميع خلقه و يسترها بستره و يخفيها عن اعين خلقه يا من اظهر الجميل و ستر القبيح استر قبيح عملي بسترك فاني ابرأ اليك منها و اتوب اليك انك انت التواب الرحيم بالجملة الكتب هي محال ثبت نفس الاعمال و نشرها ظهورها يوم القيمة و مثال الشخص المقارن لكل عمل متلبس به و هي اما في عليين فيؤتاها المؤمن بيمينه ان كانت الاعمال علي وفق محبة الله و رضاه و اما في السجين فيؤتاها الكافر بشماله ان كانت علي خلاف رضاه و الزام الطاير الزامه مقتضاه في ذاته و اتصافه بما اكتسب منه اذا كان ملكة راسخة في نفسه يصدر منه من غير كلفة و عزم جديد و ما زعمه قوم من ان تلك الملكات هي الملئكة و الشياطين الواردة في الشرع خطاء فانهم نفوس علي حِدَةٍ ذوات شعور و تكليف و اختيار واقعون بين امر الله سبحانه و المخلوق بذلك الامر و فهم ذلك عسير جدا و هو ان كل شيء في محله و مقامه مخلوق بنفسه بالنسبة الي مؤثره القريب فله اعتبار فعلية هي فعل الله عز و جل لاينسب الا اليه و اعتبار مفعولية هي مفعول الله عز و جل و مخلوقه و هما اعتباران واقعيان خارجيان كل واحد منهما غير الآخر فالفعل دائر علي مبدأه و المفعول من حيث نفسه دائر علي مبدأه من نفسه و لا بد بينهما من واسطة يتلقي اثر الفعل منه بالمناسبة و يؤدي الي المفعول بالمناسبة و لا بد من تلك الواسطة بين كل فعل و مفعول و تلك الواسطة هي الملك ان كان بين المشية الشرعية المحبوبة و بين المشاء و شيطان ان كان بين المشية المبغوضة الشرعية و بين المشاء و اما الواسطة بين المشية الكونية و المشاء فكلها ملئكة لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و تلك الواسطة كما عرفت غير الفعل و غير المفعول بل هي نفس مختارة الا انه يغلب عليها جهة الرب فلاتكون الا علي حسب رضاء الله سبحانه و مقامها في كل مكون مقام مادته الثانية الشخصية التي هي [ص 122] الواسطة بين حيث فعليته و مفعوليته فافهم ان كنت تفهم بالجملة تلك الملكات هي التي ثبتت علي الانسان في عالم الذر عند نزوله و سيعود اليها ، ثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه يوما ما و هي ثابتة علي نفسه في الدنيا ايضا الا ان عينه مغشية بغواشي الاجسام و الاعراض فلايراها فمن سبقت له من الله الحسني و اعرض عن الدنيا و تولي و توجه الي مبدأه بالحسني وجد ما سوف يجده في الدنيا و قامت قيامته و عرف مفصوله و موصوله و الا فاذا مات قهرا و كشف غطاؤه الذي هو جسده حد بصره فشاهدها لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد .
قاعدة - في ظهور كيفية ظهور احوال تعرض يوم القيمة علي نحو الاشارة التي يستفاد منها حقايقها ان شاء الله فان بسطها يقتضي دفاتر عظيمة . اعلم ان دار الآخرة في غيب هذه الدار سمواتها في سمواتها و ارضوها في ارضيها كبرادة الذهب في التراب و كالزجاج في الحجر و الزبد في اللبن فهي بالفعل موجودة عند الله مشوبة بالاعراض عند الخلق و ستطهر و ستصفي و تخلص و تظهر علي ما هي عليه وجودا و اما الآن فليست تظهر لعارف الا وجدانا فاذا رفع العارف توجهه عن الدنيا و قطع علايقه عنها و صرف توجهه الي مبدأه حصل له تجرد علمي وجداني فعرف حال الآخرة وجدانا و ليست تظهر لاحد وجودا فانها لمّاتتخلص عن الاعراض وجودا و مثل ذلك انك تسمع بالهند و صفاته فتتصوره و تجده في ذهنك و لماتصل اليه فاذا وصلت اليه رأيته عيانا و ما لمتصل تعرفه وجدانا مع انه موجود في محله و رتبته و اما رؤية رسول الله صلي الله عليه و آله الجنة و النار ليلة المعراج مع انهما لمتتخلصا بعد عن الاعراض فوجهها انهما في محلهما من كتاب العلم موجودتان بالفعل خالصتان عن [ص 123] الاعراض يعلمهما الله سبحانه خالصتين و انما تكونان مشوبتين في مقام الاكوان و رسول الله صلي الله عليه و آله ليلة المعراج قد قطع جميع العوالم الخلقية و الامرية و سار في مقامات الآئية الي ما لا نهاية له فنظر بعين الله الي معلومات الله حين تدلي و شاهد كل شيء في مقامه و حدّه هذا و مقام القيمة مقام النفس الكلية و هي نفسه و انه لعلم للساعة و اياب الخلق اليكم و حسابهم عليكم و بعثت انا و الساعة كهاتين فافهم و اما في عرصات الاكوان الصالحة للمحو و الاثبات و الزيادة و النقصان فليستا بموجودتين خالصتين عن الاعراض وجودا كما ان نفسك الآن ليست بخالصة وجودا و ليست بمفارقة لبدنك وجودا و ستخلص اذا سار العالم بسيره الطبيعي الي ان وصل الي مقام الآخرة فيخلص العالم كما تخلص نفسك فتخلص الجنة و النار وجودا و تظهران للحواس وجودا خالصتين و قد اشرنا الي ذلك سابقا بالجملة من سرع سيره و اجاب نداء اقبل قبل ان يجيب ساير اجزاء العالم فاقبل الي المبدء باقدام امتثال الاوامر و النواهي تقرب الي المبدأ تقربا وجدانيا علميا و تخلص عن الاعراض تخلص الانقطاع التعلقي و الالتفاتي فلايلتفت الي الاعراض و يلتفت الي الله سبحانه دائما فيظهر علي بدنه سلطان عقله و يظهر له عرصات عقله فاذا بلغ هذا المبلغ فقد مات وجدانا و يظهر له البرزخ و الساهرة كما اذ نمت يظهر لك عالم المثال و اذا غلب عليك الفكر ظهر لك عالم المثال ثم اذا ادام الاقبال و تجاوز عن تلك الاحوال و قطع النظر عن الكثرات المثالية ظهر له عالم الهباء كذلك فاذا قطع النظر عن الروابط الهبائية ظهر له عالم الطبيعة فظهر له اسرافيل و صوره علي فمه و ينفخ فيه نفخة الجذب و يظهر له انكسار جميع المثل و تفرق الاهبية و رجوع الكل الي الطبيعة و الفنا و يري جميع العالم بحرا واحدا و يري انه دكت الارض دكا و بست [ص 124] الجبال بسا و كشطت السموات و كورت الشمس و القمر و انخسفت النجوم و فني الاشياء فلا حاس و لا محسوس و يمر اربعمائة سنة كذلك ثم يظهر له نفخة الصور نفخة الدفع فيري ان السموات بنيت بناء آخر و الارض وضعت بيضاء نقية و الابدان اعيدت علي صفة اعمالها و الجنة ازلفت و النار برزت و قام الناس لرب العالمين كل ذلك في السير الوجداني الالتفاتي فاذا كان ذلك مرة يسمي حالا و اذا تمكن من نفسه فكانت في الاغلب في هذه الحالة تسمي ملكة و هو من اهل الآخرة و الفؤاد و ساكن تلك البلاد و لايطلع علي هذه الحالات من لميصل اليها و اما اذا سار العالم سيره الوجودي كذلك و بلغ مقام الآخرة تبلي السرائر و يكشف غطاء الاعراض عن عامة الابصار فيشاهد جميع الديار عيانا نعوذ بالله من الخزي و الافتضاح يومئذ و يشاهد يوم القيمة نار جهنم محيطة بالكافرين و كيفية احراقها و استيقادها بالناس و الحجارة و لها مراتب علي حسب مراتب الكافر و لجميع تلك المراتب و وجوه كل رتبة مظاهر في الدنيا مشوبة بالاعراض و هي جميع مكاره الدنيا من الاجسام المنافرة لجسم الانسان و الاعراض المنافرة لاعراضه سواء كانت جسمانية او روحانية و جميع المنافرات في الدنيا تقدرت بقدر لشوبها بالموافق كما ان الحر يتقدر بقدر بشوب البرد فلولا البرد الممازج معه لماكان للحر حد يوقف عليه فاذا كان يوم القيمة تخلص كل شيء عن شوب غيره كما يتخلص زيد عن لطخ غيره و كانت المنافرات لك هي شؤن عذاب جهنم نعوذ بالله فيرد علي الكافر حر غير مقدر و برد غير مقدر و سيلان غير مقدر و يبس غير مقدر و هكذا همّ غير مقدر و حزن غير مقدر و فقر غير مقدر و خوف غير مقدر بقدر نعوذ بالله و هكذا جميع انحاء البلاء فان جهنم هي في جهة البعد الذي لا قرب فيه و الظلمة التي لا نور فيها نعم هذا حكم النوع في اسفل جهنم و تختلف [ص 125] دركات جهنم لاختلاف الناس في الاستحقاق و درجات البعد و كلما تصعد صاعدة يظهر فيها اثر النور الموافق للفطرة الاصلية فيخف به العذاب اي يقل بالنسبة الي الدرك الاسفل و تألم المتألمين جميعا لمنافرة تلك الواردات التي هي ثمرات الاعمال المخالفة للفطرة الالهية فكما ان الاعمال صادرة من الفطرة المغيرة المنافية للفطرة الاصلية يكون ثمرات تلك الاعمال ايضا منافية للفطرة الاصلية فتتألم دائما و اما قوله تعالي كلما خبت زدناهم سعيرا فخبو النار بغفلة الفطرة عن الم او عمل معصية و اشتغالها بغيرهما و توجهها الي غيرهما اذ ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه فاذا خبت اثر المعصية بسبب غفلة زدناهم سعيرا بسبب اعمالهم الباطلة التي يتوجهون اليها فانها تزيدهم قوة علي المعصية و تستمد من الامداد السجينية بسببها اكثر و اعلم انه كما يكون البدن الاخروي مجانسا للعقل و عقله مجانسا لبدنه و هكذا جميع مراتبه مجانس بعضها لبعض كذلك يؤثر عذاب بدنه في عقله و يتألم به نعوذ بالله و عذاب عقله يؤثر في بدنه و يتأثر به و يجري عذاب كل مرتبة منه علي كل مرتبة نعوذ بالله و جميع مراتب تلك النيران يتزايد علي مر الدهر لان المعذب بها معرض عن المبدأ مستمد من المنتهي و كلا نمد هؤلاۤء و هؤلاۤء من عطاء ربك و كذلك يتزايد نعيم اهل الجنة علي مر الدهر لانهم مستمدون من المبدأ دائما و المبدأ جذاب دائما داع الي نفسه سرمدا و الحادث ممكن ذو قوة فلا وقوف فيتصاعد دائما و كذلك حال النازل و اما قوله عليه السلام اعوذ بك من نار يأكل بعضها بعضا و يصول بعضها علي بعضها ، فمثلها بذورها في الدنيا حيث يأكل الغضب الشهوة و يصول عليها و كل معصية اقوي يغلب الاضعف او ان كل نار لا بد فيها من المدد و المدد الجائي اقوي من الماضي فهو اشد حرارة و الماضي له كالحطب يشتعل فيه النار و تتقوي به فالمدد الناري الثانوي يأكل [ص 126] الممدود الناري الاولي و يصول عليه نعوذ بالله و مثله ان الانسان كلما يعصي يزداد حرصا علي المعصية و يأكل حرصه هذا حرصه الاول و يتقوي به و منها ان يوم القيمة يوم مجموع له الناس و يوم مشهود و تبلي السرائر و يخزي الكافر الفاجر و يحشر الذين ظلموا و ازواجهم و شرح ذلك انه يحد كل اداة نفسها و يشير الي نظيرها فالفؤاد يدرك نفسه بنفسه و يدرك ساير الافئدة التي في عرضه بالانطباع فان لكل فؤاد مميزا عن غيره في رتبته و له مثل لاتنطبع الا في مرآة من جنس تلك المثل و هو فعل فؤادك و نوره فاذا انطبع مثال فؤاد آخر في مثال فؤادك يتصور به و يحضر تلك الصورة في محضر فؤادك و محضره عرصة فعله فيدرك الفؤاد الفؤاد الآخر بفعله و مثاله و كذلك العقل يدرك العقل الآخر بفعله و تعقله و يدرك نفسه بنفسه و يدرك الفؤاد عقله بفعله بنفس ذلك العقل و العقل الآخر بفعل عقله و هكذا في كل رتبة و مقام فيوم القيمة تجتمع نفوس جميع الاناسي و حقائقهم مصورات بصور اعمالها و يطلع كل نفس علي كل نفس و لايحتجب نفس عن نفس لعدم المانع الحاجب فذلك يوم مجموع له الناس و ذلك يوم مشهود و اما قوله تعالي لكل امرأ يومئذ شأن يغنيه فمعناه ان كل انسان مشغول بنفسه و بما له و بما عليه لايلتفت الي غيره الا ان يتعلق شأن منه به من مطالبه بان يكون ظلمه او ظلمه هو او يشفعه او يستشفع به او يحبه او يحبه هو و اما قوله سبحانه احشروا الذين ظلموا و ازواجهم فالمعني انه يحشر كل انسان مع من يشاكله فالعشار مع العشار و الحاكم مع الحاكم و العالم مع العالم فان هيئة العلماء تقتضي لهم درجة و مقاما و محشرا يجتمع كلهم في تلك الدرجة و ذلك المحشر و مع ذلك كلهم في صعيد واحد يشاهد بعضهم بعضا لو شاؤا و توجهوا و التفتوا و كذلك لو احب رجل حجرا حشره الله معه فان المحب يناسب المحبوب و يكون [ص 127] من نوعه و يقف معه في الدرجة و المقام و هو متوجه الي محبوبه مشتغل به و منها ان الله سبحانه خلق الدنيا دار فناء و زوال لحكمة الاختبار و الابتلاء فجعل جميع ما فيها من المواد و اعراضها و اسبابها و قراناتها و روابطها و ارتباطاتها في معرض الزوال و من ذلك تملكهم لما يملكون بحسب ظاهر حيوة الدنيا و الله هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه في الدنيا و الآخرة و يوم القيمة يزول تلك الارتباطات و التملكات و يعرفون علانية ان الملك يومئذ لله و يكون جميع ما فيها باقيا بابقاء الله عز و جل علي حسب ما رأي من الحكمة و المصلحة و ليس باقيا بالذات و لا ببقاء الله سبحانه بل الدنيا و الآخرة كلتاهما باقيتان بابقاء الله قائمتان بامر الله و هو الذي سبب في الدنيا اسباب الفناء لحكمة الاختبار و سبب في الآخرة اسباب البقاء و جعلها دار القرار مع انهما في الحقيقة علي نهج واحد اي كلتاهما دار فناء و انما الباقي الذي لايتغير هو الله سبحانه ففي كلتيهما الشيء في الذهاب دائما و ليس بمستمسك بنفسه و يحتاج الي الامداد و التجديد الا ان الله سبحانه جعل امداد الماديات الي انقطاع كما قال نحن قدرنا بينكم الموت و ما نحن بمسبوقين علي ان نبدل امثالكم و ننشأكم فيما لاتعلمون و جعل امداد الآخرة علي الدوام فكلما يتحلل من الشيء فيها شيء يعيده الله عليه و يكون العائد اقوي و ادوم لتخلصه عن الارمدة كما هو محقق في علم الفلسفة فما تحلل تخلص عن التأليف و عاد الي الامكان الاعلي من المؤلف فاذا عاد عاد اصفي و اعلي حيزا و ادوم بقاء و بذلك يشتد الآخرة دائما جدة و قوة و دواما فافهم و منها ان ما وراء هذه الدار ليس الا فضل او عدل خالصان لخلوص اهلهما فجميع من فيها اما اهل فضل و هم اصحاب اليمين و الباطن و الغالب عليهم جهة الرب و الوجود و النور و اما اهل عدل و هم اصحاب الشمال و الظاهر [ص 128] و الغالب عليهم جهة النفس و الماهية و الظلمة و المتعلق بكل من رحمة الله الواسعة ما يناسبه فكتب الله للمتقين الرحمة و للفاسقين النقمة و هنا دقيقة مشكلة و هو ان الله سبحانه غني قدوس عن الاقتضاء فلايفعل شيئا بمقتضي ذاته المقدسة و انما يفعل ما يفعل علي حسب قوابل الخلق و مسائلهم فان سميت عطاءه فضلا لان القابلية لاتوجب عليه شيئا فهو في الفريقين سواء و ان سميته عدلا لانه علي حسب القوابل ففي الفريقين سواء هذا و ان كان القابلية لاتوجب عليه شيئا فكل ما يعطي بلا موجب و سد الفاقة و جبر الكسر و عطاء السائل كلام قشري قلت لا شك ان الخلق مع الحق ممتنع فلايذكر معه و لايصدر منه و لايرجع اليه حتي يقال هل خلق باقتضاء منه او غيره فاذاً يرجع الكلام الي الخلق في الخلق ففي عرصة الخلق جري الخلق علي نهج الحكمة و الصواب فترتب المسببات بالاسباب و المعلولات بالعلل و المشروطات بالشروط و المقتضيات بالفتح بالمقتضيات بالكسر و هكذا لتدل علي وحدته جل شأنه لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا و من حكمة الخلق ان قد تركب من نور و ظلمة و لكل منهما مقتضيات بالفتح تلزمه و النور جهة وحدة الخلق المسماة بجهة الرب و لها مقتضيات ترجع الي الرب و تضاف اليه لا الي العبد فهي من فضل الرب و هو هنا البادي بالنعمة اذ لا عبد و لا حيث نفس هنا و الظلمة جهة كثرة الخلق المسماة بجهة العبد و لها مقتضيات ترجع الي العبد و تضاف اليه فهي تلزمه علي حسب العدل فجهة الفضل جهة الوجود و مقتضياته مقتضيات الفضل و جهة العدل جهة الماهية و مقتضياته مقتضيات العدل فلاينجو ناج الا بفضله و لايهلك هالك الا بعدله و الكل عند الذات علي حد الامتناع علي السواء و ليس شيء معه حتي يقال انه اولي به من شيء آخر بالجملة الدنيا و الآخرة في هذين علي [ص 129] السواء الا انهما في الدنيا مشوبان و في الآخرة يخلصان فاهل العدل الذاتي في النيران السبع و اهل العدل العرضي في حظائرها السبع و تسمي بالضحضاح ايضا و اهل الفضل الذاتي في الجنان الثمان و اهل الفضل العرضي في الحظائر السبع و الثامنة لا حظيرة لها كما يأتي ان شاء الله و في الدنيا قد ينال اهل العدل فضل و اهل الفضل عدل لمكان اللطخ و الخلط و منها ان يوم القيمة يوم الجمع يجتمع جميع الخلايق فيه لانه يوم الجزاء و التزييل كما قال فزيلنا بينهم و لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا و ذلك يوم مشهود و يوم تبلي السرائر و تفصيل ذلك ان الله علم بسابق علمه جميع ما يمكن ان يكون علي ما يمكن ان يكون و علم ان كل ممكن اذا كان كيف ينبغي ان يكون و بم هو هو و مما ينبغي ان يكون الممكن عليه ان يكون مركبا من وجود هو نور و رحمة و ماهية هي ظلمة و نقمة اذ يمتنع تعقل وجود ممكن بسيط قائم بنفسه دون غيره اذ هو الوجوب لا الامكان فاذ وجب ان يكون قائما بغيره وجب ان يكون له جهتان جهة الي ذلك الغير يصدق عليه اسمه و حده و جهة الي نفسه يمتاز بها عن غيره الاتري ان التراب مثلا لما قام بالجسم علي الاطلاق حصل له جهتان جهة جسمية يطلق عليه فيها الجسم و يصدق عليه و جهة نفسانية يمتاز فيها عن الماء و الهواء فكذلك كل ممكن له جهة الي الاحد فوقه يقع عليه اسمه و جهة الي نفسه بها يمتاز عن غيره و جهته الي الاحد فوقه هي صفة الاحد نفسه له به و آيته و عنوانه لا ذاته فكل ممكن زوج تركيبي من هاتين الجهتين و يعبر عنهما بالوجود و الماهية و النور و الظلمة و الرحمة و النقمة و هما علي ما حققناه في محله كالمثلثين المتداخلين فقاعدة الرحمة في اعلي درجات الامكان و قاعدة النقمة في اسفل مقاماته و هما اخلصا ما في الامكان من الاختلاط لاضمحلال الضد فيهما [ص 130] لا انهما بسيطتان و اما ما بينهما فيظهر فيه آثار الاختلاط يعني يظهر من الحصة فيما بينهما اثرا الجهتين و قد خلق الله كل مخلوق علي ما علمه في سابق علمه الذي هو اولي بحقيقة التصديق و هو ما هو به هو و لولا ان خلقه عليه لخلقه علي غير ما هو به هو و علي غير ما سأل ربه ان يخلقه عليه و لا اقتضاء لذلك لا من نفسه و لا من خلقه فجعل في كل مخلوق من الجهتين ما له منهما و ما به هو هو فهنالك امتاز الشقي من السعيد و الكافر من المؤمن و العاصي من المطيع و الدني من العلي و تفرقوا كل التفرق و هو في الخلق الاول الذي منه البدء و اليه العود لايتجاوزونه الي اجتماع ابدا و لايضل ربي و لاينسي و تلك عرصة الحقيقة و عرصة العدل الربوبي و اعطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه و عرصة الذر و موقف المحشر ثم كسرهم و جمع بينهم للنشأة الثانية حتي يزيل بينهم ثانيا و تحقيق ذلك ان تلك الحقايق المميزة في النشأة الاولي اي الخلق الاول كانت علي نهج الكلية و الواحدية الجامعة و لها كمالات تفصيلية في مقام الافعال و الظهورات لا بد من وجودها فان الفعل تمام القوة و الظهور تمام البطون و ما لميكن الشيء تاما في ظهوره تاما في بطونه كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و الله الاحد اجل من ذلك فالنشأة الثانية نشأة ظهورات تلك الحقايق و افعالها الشخصية الجزئية و لها مرتبتان مرتبة الشخصيات الروحية و مرتبة الشخصيات النفسية فبهاتين المرتبتين حصلت الدنيا و البرزخ و يسبقهما مقام امكان ظهوري يكون تلك الشخصيات و الظهورات فيه علي نحو القوة و الابهام الامكاني فنزلت تلك الحقايق الكلية اولا في ذلك الامكان و احتجبت به ثم اخرجهم منها اولا ذرا يدبون بين يديه و جعل فيهم ما اذا سألهم اجابوا فكانوا اشخاصا مميزة كونية ثم زيل بينهم بواسطة الدعاة الي الحق و الباطل [ص 131] فتفرقوا سعداء و اشقياء و مؤمنين و كافرين و مطيعين و عاصين فهنالك ايضا ثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه يوما ما و كذلك صنع باجسادهم في الدنيا حرفا بحرف فبذلك تمت المراتب و عمرت الدنيا و ظهر جلال الجبار و يعودون الي ما بدؤا منه و يصعدون كما نزلوا و لا بد و ان يعودوا الي ما بدؤا منه من العالم الاول فيجتمعون في ذلك العالم لظهور عدله سبحانه و اعطاء كل ذي حق حقه و السوق الي كل مخلوق رزقه و اخذ ما لكل احد علي كل احد من الحقوق و لايتحقق مشاهدة ذلك العدل عيانا للناس الا في ذلك اليوم اللهم الا لاوحدي الزمان الذي قد مات قبل ان يموت و قامت قيامته و حاسب نفسه و اقام الموازين القسط ليوم قيامته و شاهد الحقايق علي ما هي عليه و اما غيره فلايصل الي ذلك الا مع سير العالم الكلي بالجملة ذلك اليوم يوم تبلي السراير و لايحتجب نفس عن نفس بشيء و كلهم علي صعيد واحد حقيقي لا تمانع بينهم و لا تصادم و لا احتجاب لغلبة جهة البساطة و الرب عليهم و ضعف الجهات المميزة و الشخصيات المتصادمة اللهم الا ان لاتشتغل نفس بغيرها و بغير ما لها و ما عليها من باب لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ، و كذلك هو يوم الفصل لانه مقتضي العدل و اعطاء كل ذي حق حقه و رد كل شيء الي سنخه و لاينافي ذلك الجمع كما قال تعالي هذا يوم الفصل جمعناكم و الاولين و قال و يوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فيفصل بينهم بان يقضي لكل احد ما له و عليه ما عليه فيكون فريق في الجنة و فريق في السعير و قد اشرنا آنفا ان سر الفصل اظهار مقتضي العدل الذي اجري الله الخلق اولا عليه ثم جمعهم في الخلق الثاني ثم ميز بينهم و حصل بينهم اللطخ و الخلط فاشتبه الامر و احتيج الي الافتتان كما قال احسب الناس ان يتركوا ان [ص 132] يقولوا آمنا و هم لايفتنون و لقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا و ليعلمن الكاذبين ثم ارسل الرسل و انزل الكتب ليميز الله الخبيث من الطيب و يعرفهم مقتضيات عدله و يحصل لهم كمال هذه المعرفة يوم القيمة و قل من يحصل له هذه المعرفة قبلها هذا ظاهر الامر المنبئ عن الباطن و اما باللسان العلمي فاعلم ان الله الاحد جل شأنه اول ما تجلي تجلي بمشيته الواحدة خلقها بنفسها و هي كاملة لها ظهور هو تفصيل تلك الوحدة علي نهج الكلية لكن علي طبق تلك الوحدة من الدوران علي نفسه فتفصل ظهورها علي جهات فعلية و جهات مفعولية فحصل بذلك ظهور كينونة المشية فدارت الجهات الفعلية علي الجهات المفعولية علي اختلاف اجزائها في الانفعال و الاجابة دوران المكمل الكوني فتفرقت الاجزاء و الحصص و حصلت افراد مختلفة علي حسب اختلاف قوابلها فتم ظهور كينونة المشية ذاتا و صفة فمنها ما غلب عليه جهة الفعل و منها ما غلب عليه جهة المفعول علي اختلافها فكانت تلك الافراد تفاصيل ذلك الظهور الكلي و علي طبقه لكن علي النهج الجزئي التفصيلي فحصل ثانيا لها افراد فعلية و افراد مفعولية فاجري الافراد الفعلية علي الافراد المفعولية جريان المكمل الشرعي علي المتكمل علي النحو البراني العرضي حتي استخرج من كمونها مقتضيات الغالب علي كل فرد فتقوي كل فرد بمشاكله و ظهر من الافراد مقتضيات وجوداتهم او ماهياتهم من الصفات فكمل بذلك ظهور تلك المشية الواحدة كونا و شرعا علي مقتضي الحكمة فظهر في عرصة الفعلية ما الحكمة ظهوره و بقي في القوة ما الحكمة بقاؤه فيها فالظهور الاول الكوني مقام اجتماع الخلق و اشتراكهم في الوجود و الماهية النوعية و لاجل الاجتماع كان بينها لطخ و خلط يعني [ص 133] ذاتي و عرضي و لميفصل بينهما الا بواسطة تلك الافراد الفعلية التي هي علي قسمين توفيقي و خذلاني فبهاتين اليدين ميز الله بين الافراد المفعولية و اظهر مقتضيات جهتيها فبهذا الجمع و الفصل ظهر الفضل و العدل اللذان هما وجها الرحمة الواسعة التي هي المشية المحيطة النافذة في الكل و منها ان الناس من حين كونهم كيلوسا يصعدون الي الله سبحانه و يسيرون اليه فساع سريع نجا و متاخر بطيء رجا فمنهم من يقطع مسافة الدنيا و البرزخ و الآخرة وجدانا و علما في الدنيا و منهم من يقطع الدنيا و البرزخ في الدنيا و الآخرة في البرزخ و منهم من يقطع الدنيا في الدنيا و البرزخ في البرزخ و الآخرة في الآخرة مع اختلاف سيرهم في السرعة و البطء و طول يوم القيمة خمسون الف سنة لمن يتخلص شيئا بعد شيء عن القيود و التعلقات حتي يصل الي غايته من جنة او نار و منهم من يتخلص في طرفة عين و الباقون بين ذلك علي اختلاف سيرهم و من تخلص عن القيود في الدنيا يسرع سيره في الآخرة و هو قوله فاذا هم من الاجداث الي ربهم ينسلون اي يسرعون و مهطعين الي الداع و كذلك المتخلصون عن الاعراض النورية يسرعون الي جهنم نعوذ بالله بالجملة تري الجبال تحسبها جامدة و هي تمر مر السحاب و الكل سايرون الا انهم في الدنيا يظنون انفسهم ساكنين و يرونها في الآخرة سايرين و منها ان الدار الآخرة هي الحيوان و الموت الذي هو عبارة عن هلاك الروح الحيواني بتخلل آلات جسده و خروج الروح البخاري عن الاعتدال ليس يجري علي احياء الآخرة فيصور يوم القيمة علي صورة كبش ذليل املح لانه كان يجري علي المؤمنين نورا و علي الكافرين ظلمة فيذبح [ص 134] بسكين الحيوة فينادي المنادي الا حيوة و لا موت فيشتد حسرة اهل النار و سرور اهل الجنة و ظهور الموت لاهل الجنة و النار لانه كان مشعورا في مشاعرهم معلوما لهم و ذلك العلم حاصل لهم بتوجه نفوسهم الي الموت في عرصة الحيوة الحيوانية البرزخية فيرون الموت حقيقة علي صفة كبش املح كما قلنا لا كصورة كبش من اكباش الدنيا كما يرون جهنم بارزة علي صورة بعير لشدة حقدها تقاد بالف زمام آخذا بكل زمام مائة الف ملك من الغلاظ الشداد لها حدة و زفير و شهيق يخرج منها عنق فيحيط بالخلايق و يوضع عليها الصراط نعوذ بالله و ليست علي صورة بعير من بعران الدنيا و لكنها علي صفة البعير يرونها الخلايق كلهم بارزة ظاهرة نعوذ بالله من حرها و شرها .