[ص 81] و منها ان الاجساد في الدنيا و الآخرة باقية بابقاء الله و بامداده الا ان في الآخرة يمدها الله بلا فصل علي ما كان و لايتوقف علي شروط و لايمنع عنه مانع و اذا جني المؤمن من شجرة شيئا نبت مكانه في الفور بلا فصل مثله و هو تأويل كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل و اتوا به متشابها .

و منها ان الاجسام في الدنيا و الآخرة قوابل للنفوس و النفوس مقبولة فيهما و لا فرق في الدارين الا في التباين و التشاكل يعني ان في الآخرة لغاية التشاكل النفوس جسدانية و الاجساد نفسانية و في الدنيا بينهما بينونة لمخالطة الاعراض و لذلك تتفارقان فاذا صفيتا تشاكلتا فتعانقتا تعانق خلود .

و منها ان في الدارين النفوس في مقام الفعلية تنزل الي الاجساد فتكون فيها بالقوة ثم تخرج عنها بنداء اقبل فتكون ثانيا بالفعل و الثانية عين الاولي الا ان مقامها في النزول فعل مقدم و الملحوظ حيث المادة و الوجود و في الصعود فعل مؤخر و الملحوظ الماهية و الصورة و ان كان جميع ما في المنتهي من الصور و الحدود ايضا نزلت من مقام النفوس حقيقة لقوله و ان من شيء الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم .

و منها ان الفعل في الدنيا و الآخرة اشرف من القوة لانه اثر المشية التي هي بالفعل و هي اثر الذات التي لا قوة فيها و هو الفاعل نزولا و الغاية صعودا و لا فرق في الدارين في ذلك .

و منها ان الاجسام في الدنيا و الآخرة متناهية الا ان التناهي يختلف باختلاف الموارد في اللطافة و الكثافة و امتياز اهل الجنة و النار و نعيم الجنان و آلام النيران كلها من جهة امتياز اجسام الآخرة نعم لاجسام الآخرة من جهة [ص 82] تجردها عن المواد و المدد الزمانية كثير من احكام المجردات فلا تزاحم بينها و لا تضايق و يمكن لكل واحد ان يسكن في مكان الآخر كما يسكن النور في النور بلا تزاحم و يدرك الجسم ما يدرك العقل و بالعكس و لايحتاج العقل في ادراك الجسمانيات الي استعمال الجسم الا من باب التكرم و التعزز و انما ذلك لانقياد كل شيء لتلك المراتب و تشاكلها و تماثلها و لكل واحد من اهل الآخرة عالم برأسه بقدر قوة ايمانه لايزاحمه فيه غيره و سر ذلك ان كل واحد منهم يتوجه بمرآة خياله الي مثال من المثل التي اعدها الله لهم في جنة نور الولي مثلا اذا كان من اهل الحق ساير اليه طالبا له فينطبع فيها شبحه فيختص به كما مر و اذا توجه الف رجل الي ذلك المثال انطبع في مرايا خيالاتهم الف صورة فيختص بكل واحد ما تصوره و ما عند كل واحد خلق من خلق الله خلقه في خلق نوعي من مادة و صورة نوعية و خلق شخصي من حصة من ذلك النوع اي من شبحه و صورة شخصية من طلب الشخص و ميله و محتاج الي مدد الله النوعي و الشخصي و كذلك لهم ما يشاؤن فيها و الجنة المخصوصة بكل واحد علي ما وصفنا فلكل واحد عالم برأسه من غير مزاحمة الغير و ان كان بجنبه وسعة عالمه بقدر وسعة مادة خياله و لطافتها بسبب اعماله و لايلزم من ذلك ان يكون الجنة مثلا خيالية لا تأصل لها في الخارج لانها في الخارج موجودة و انما يتعلق بك منها ما طلبته كما انك تلتذ في الدنيا من اللذات علي حسب شبحها الحاصل في مشاعرك لا غير و ليس لك منها الا ما ادركت منها بمشاعرك حرفا بحرف الاتري انك لو اكلت طعاما لايصلك منه لذة الا ما ادركت منه بذوقك و هو شبح طعمه في ذائقتك و مادة المأكول في الدنيا عارضة في بدنك و تخرج منك و اما في الآخرة تكون مددا ذاتيا لك لايصل الي غيرك فان شبح ذلك المثال [ص 83] قد تخصص بك بانطباعه في مرآة خيالك و صار مادة طينة شرعية لروحك الايماني تعرف في وجوههم نضرة النعيم و صورة كل شخص عمله و ماتجزون الا ما كنتم تعملون ، سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم .

قاعدة - في الباقي من اجزاء بدن الانسان و ما يحشر به و نحن و ان ذكرنا في القواعد السابقة منها شيئا الا ان فهم هذا المطلب علي نهج الحقيقة مشكل جدا كجميع المطالب و كل مطلب سهل فهمه فانما هو لما تسومح فيه و لم‌يستقص فيه و لم‌يتعمق البتة فاقول اعلم ان هذه العناصر هي طبيعة يؤخذ عنها حصص مواد و يلبس عليها صور المواليد فهي امكان للمواليد فيه قوة جميع المواليد علي نحو عدم التناهي بحيث يكون حصة منه صالحة لان تتصور بصورة كل مولود الي غير النهاية بل كل مولود منها صالح لان يصير غيره الي ما لا نهاية له فاذا اخذت حصة من العناصر و مثلت علي صورة و حصل مولود رسم في اللوح المحفوظ الذي هو لوح الامضاء بمداد مادته و صورة مثاله الذاتيين في محل وجوده و وقته فلايمحي منه ابدا لانه لايضل ربي و لاينسي فالمرسوم في ذلك المحل لايمازج غيره ابدا سواء في ذلك الجماد و النبات و الحيوان و الانسان و النبي و غيرها فالعائد بالممازجة هو المكتوب في لوح المحو و الاثبات لا لوح الامضاء كالسرير اذا صنعته فهو من حيث كونه صالحا للكسر مرسوم في لوح المحو و الاثبات فانه يجوز ان يمحي عن لوح الزمان فيعدم في الزمان و لكن من حيث كونه مرسوما في لوح الامضاء فلايمحي ابدا الاتري انك متي ما توجهت الي ذلك الوقت و المكان رأيته فيه و كيف يجوز محوه و هو كلمة من لوح علم الله سبحانه فاذاً كل مرسوم في لوح المحو و الاثبات يعود عود ممازجة و كل مرسوم [ص 84] في لوح الامضاء يعود عود مجاورة فعلي ذلك الجمادات و النباتات لكونها مؤلفة من الاجزاء الزمانية اي لكون مراياها مرايا مؤلفة من اجزاء مستقلة و يمر عليها الازمنة عودها بهذا اللحاظ عود ممازجة كما تشاهد و تري و لايحتاج الي برهان بعد العيان و اما الحيوان اي النفس الحيوانية فهي لكونها مركبة من طبايع جوهرية و يمر عليها اعلي الزمان فكذلك فانها ايضا جسمانية و مركبة من الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة الجوهرية التي تألفت منها الافلاك و هي كامنة في غيب العناصر الزمانية و تستخرج منها و تؤلف علي حسب الاعتدال علي خمسة اجزاء من البرودة جزءان و من البواقي من كل جزء و تصفيها و تنضجها يد التقدير علي حسب التدبير فهي في العناصر العرضية كالنار في الدهن التي تستخرج و تشتعل في الدهن و تتصور بصورته و تتشخص بهيئته فكذلك تلك الطبايع اذا استخرجت معتدلة مصفاة اشتعلت في العناصر العرضية بعد ترقيقها و تصفيتها و تعديلها و صيرورتها بخارا صافيا و تشخصت بهيئته فهي ايضا غيب هذه العناصر و زمانية و مثبتة في لوح المحو و الاثبات و تعود عود ممازجة اذا تفرق البخار و تفرقت الطبايع و هي ادني دهري تعلق بالمواد الدنياوية و انهمك فيها و منزلتها منزلة الحس المشترك يرتبط من حيث الاسفل بالمواد و من حيث الاعلي بالدهر و كذلك النفس المثالية حرفا بحرف فان الحيوانية من فلك القمر و المثالية من ساير الافلاك الا ان الحيوانية اشد انهماكا في المواد من المثالية و المثالية اشد ارتباطا بالدهر من الحيوانية و الحيوانية تتفرق بتفرق العناصر و المثالية تبقي مدة اذا كانت متمحضة مفارقة في الجملة مصورة بصورة شرعية من ايمان او كفر فانها بالشرع تنقطع عن المواد الدنياوية في الجملة و يغلب [ص 85] عليها جهة النفس الدهرية الا انها سوف تتفرق و تمحي عن لوح اعلي الزمان ايضا و تعود عود ممازجة كالحيوانية و ان كانت مستضعفة منهمكة في الحيوانية و النباتية تتفرق كالحيوانية و اما الانسانية فانها ليست من عالم الزمان لا من اسفله و لا من اعلاه و انما هي بنفسها دهرية و ليست من كلمات لوح المحو و الاثبات اولا و آخرا فهي في حقيقتها كحقيقة الجماد و النبات و الحيوان من حيث لوح الامضاء الا ان الجماد الممضي و النبات لا شعور لهما و لا حيوة و لو في لوح الامضاء و الحيوان لا شعور لها و لا دراية الا الحواس الظاهرة و شيء ضعيف من ساير المشاعر و لو في الدهر و اما الانسان فهو كلمة من لوح الامضاء اولا و آخرا و هو ناطق دراك مكلف يليق بالخطاب و الثواب و العقاب فما تري في الانسان من زمانية و برزخية فهو لجماديته و نباتيته و حيوانيته و اما انسانيته فلايمر عليها وقت زماني و لا برزخي و هي قائمة فوق زيد الدنياوي و البرزخي و لايمر عليها هذه الاوقات فهي لاتبقي بعد موت زيد في الزمان فيمر عليها الاوقات و السنين و انما هي فوق الزمان علي كون زيد فلعله مات بدن زيد منذ ثلثين سنة و لايجوز ان تقول فارق نفس زيد بدنها منذ ثلثين سنة اذ لا سنة و ان جاز ان تقول فارق بدن زيد نفسه منذ ثلثين سنة و تلك الانسانية لها مراتب ثمانية و جسدها هو الجسد الاصلي الذي يبقي في القبر مستديرا الي ان يحشر و ذلك الجسد في غاية المشاكلة مع الارواح حتي انه يصدر منه ما يصدر من العقل كما ان من عقله يصدر ما يصدر من جسده و ذلك بسر المشاكلة و تلك النفس دهرية الحصة الكرسية التي في جسد الانسان اذ ما دونها من الحصص دهرياتها ظلية لنفس الكرسي و ليس لها وحدانية و قوة شعور كالانسان يكلف بها بتكليف الانسان و تلك الحصة هي الروح [ص 86] الدخاني الذي يحصل في الدماغ بعد دورانه في جميع التجاويف و استكمال جميع المشاعر بالفعل فدهريتها من حيث الادراك هي النفس لا من حيث المشاعر و من حيث البخار و تلك النفس تختلف بحسب اختلاف مراتب الدخان فان دهرية قليل الشعور قليلة الشعور و دهرية متوسطته متوسطة الشعور و دهرية كثيرته كثيرة الشعور و لاجل ذلك دهرية المستضعفين مستضعفة يبقي روحهم مع جسدهم في قبر طبايعهم مدة ايام البرزخ و يلهي عنهم و تحتاج الي تنبيه و تذكير جديد في ايام البرزخ يعني ان المستضعف في ايام البرزخ قد يصفي و يحصل له دهرية صافية متذكرة كما تحصل لمن تصفي في الدنيا و اما من لم‌يتصف في البرزخ فيحصل له تصف فيما بين النفختين اذ تراب الروحانيين الدهريين لايمازج غيره فيما بين النفختين غاية الامر انه يحصل له تفكك فيكون اجزاؤه صالحة للتركيب الخالد و التوحد فينشرون يوم القيمة و يكلفون لصفاء مشاعرهم و امكان تكليفهم فاما شاكرين و اما كافرين و امّا من لم‌يتخلص بين النفختين فانه يجدد له التكليف بعد حشره و تخلصه في عرصات القيمة و صلوحه للتكليف فيوقد لهم نار الفلق التي هي صورة دهرية الشريعة المقدسة و يكلفون بدخولها فمنهم من يقبل و يلقي نفسه فيها فتكون عليه بردا و سلاما كما كانت الشريعة للمؤمنين في الدنيا سهلا و منهم من يهابها فلايدخل فيكون عاصيا كفورا بالجملة التكليف فرع صفاء العقل و فعليته و خلوصه فان صفا في الدنيا و صار بالفعل يكلف في الدنيا و ان صفا و خلص و صار بالفعل في البرزخ يكلف و الا فيكلف في الآخرة بعد صفائه و خلوصه عن الشوائب و الكدورات الحاجبة لصلوح الامر و النهي انما يتذكر اولوا الالباب ، ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب ، لتنذر من كان حيا ، و ما انت بمسمع من في القبور .

[ص 87] بقي شيء و هو ان دهرية هذا العالم الكلي النفس الكلية كما ان دهرية الانسان الجامع لجميع حصص هذا العالم نفسه الجزئية و النفس الكلية حقيقة هذا العالم كما ان النفس الجزئية حقيقة الانسان و ما لم‌يزل اعراض الدنيا و البرزخ لم‌يصل العالم الكلي الي مقام القيمة الكبري و لايزول اعراض الاناسي الدنياوية و البرزخية عن الاناسي حتي يشاهد القيمة و العالم منذ نزل الي غاية ادباره و هي الدنيا صاعد الي بدئه و سيصل الي مبدئه و نفس العالم الكلي بالفعل ابدا لفعلية الكرسي و العرش فيه و ان لم‌تكن ظاهرة بالفعل من عناصره و افلاكه لان عناصره لغلظته حاجبة للحيوة الحيوانية و فلك القمر حاجب للحيوة المثالية و باقي افلاكه حاجبة للنفس و انما هي بالفعل في الكرسي فما صنع من حصص عنصرية فلا نفس لها حيوانية و انما بدؤها من العناصر و عودها اليها و ما صنع من حصة قمرية فلا نفس لها مثالية و بدؤها من فلك القمر و عودها اليه و ما صنع من حصص فلكية فلا نفس لها دهرية و بدؤها من الافلاك و عودها اليها و لكن ما صنع من حصة كرسية فلها نفس دهرية فهي بدؤها من الدهر و عودها اليه فما سوي الانسان من النبات و الحيوان و البدن المثالي عوده مجاورة باعتبار دهريته في حده و مقامه و ممازجة بالنسبة الي الاعلي و اما الانسان فعوده مجاورة بالنسبة الي الدهر لكنه ايضا بالنسبة الي النفس الكلية الالهية عوده ممازجة لانه ينقطع عنده فلا تعين له و ان قلت فاذاً جميع الاشياء عودها بالنسبة الي نفسها مجاورة و بالنسبة الي الاعلي ممازجة فما الفرق قلت الفرق انقطاع النبات دون الحيوان و الحيوان دون المثال و المثال دون النفس الانسانية فلاتحشر في محشر الانسان و مع ذلك لا شعور لها كالانسان و لا تكليف لها كتكليفه و لا ثواب و لا عقاب لها كثوابه و عقابه و محط النظر محشر الانسان و جنته و ناره و الكلام في قيمته فلاجل ذلك نقول انها لاتعود [ص 88] عود مجاورة بل ممازجة هذا و انها لها اوقات عرضية هي في وقت كائنة و في وقت فاسدة عائدة عود ممازجة و ان حصل لها علي وقت كونها حقيقة دهرية علي حسبها لاتمازج غيرها ابدا فللدهر درجات دهرية النبات هي حقيقة العناصر و دهرية الحيوان هي حقيقة فلك القمر و دهرية المثل هي حقيقة الافلاك و دهرية الكرسي هي حقيقة الكرسي و دهرية العرش هي حقيقة العرش فكذلك لعنصرية زيد اي نباتية جسده حقيقة دهرية هي عرض زيد الانساني و لقمريته حقيقة دهرية و لفلكيته حقيقة دهرية هما عرضا زيد كل منها ينتهي الي حده و يتخلص زيد الانساني في اعلي الدهر و هو هو .

الباب الثالث

في احوال تعرض الانسان من حين فراقه الدنيا الي عرصة القيمة و فيه قواعد :

قاعدة - اعلم ان كل مولود اكتسب الحيوة من الغير اي حيوته اشراقية لا بد و ان يموت قال الله تعالي انك ميت و انهم ميتون و قال كل نفس ذائقة الموت و سبب الموت علي طريقتنا ان الله سبحانه لايفعل فعلا بمقتضي ذاته و لا مقتضي لها و لو فعل بمقتضي ذاته فرضا و لايعقل لمااوجد الا شيئا واحدا اذ لا اختلاف فيه و لا تعدد و انما فعل ما فعل اجابة لسؤال القوابل الامكانية العلمية بها و هي سبب التعدد و الاختلاف و التكثر و ان قلت ان القوابل ان كانت قديمة تعددت القدماء و ان كانت حادثة فهي من فعل الله و لزم المحذور قلت يلزم المحذور اذا فرضنا ان الله كان و لا خلق ثم خلق و بينهما امد ممتد و مكان ممهد او فرض ان القوابل كانت مدة مديدة بلا مقبولات فسألت بعد حين المقبولات فافيضت عليها و هذا الفرض سبب تحير العقول و ليس الامر كذلك [ص 89] بل الله جل و عز احد و ظهر بالاحدية لا بحركة بعد سكون و لا بنطق بعد سكوت بل هو كمال قائم و نور دائم و الظهور بالاحدية من حيث هو يتحقق بعدم التناهي و عدم التناهي يتحقق بطي جميع مراتب التناهي بما لايتناهي فحصل بذلك لذلك الظهور جهتان جهة احدية و جهة عدم تناهيها من حيث نفسها و لما كان ذلك الظهور كماله جل و علا غير المتناهي و علمه الظهوري كان في علمه جميع المعلومات غير المتناهية علي وجه لاتتناهي و من معلوماته امكانات الاشياء علي وجه كلي لاتتناهي في الامكان يعني كان امكان كل شيء امكان كل شيء فامكان زيد صالح لان يكون منه عمرو و بكر و خالد و هكذا الي ما لا نهاية له بل زيد فيه صالح لان يكون بكرا و خالدا و ارضا و سماء و هكذا الي ما لا نهاية له كما تري من حال الف في المداد فان المداد امكان الالف و صالح لان يصاغ منه الباء و الجيم و الدال و غير ذلك و الالف فيه صالحة لان تكون باء و جيما و دالا و هكذا بالجملة ان القوابل غير المتناهية حصلت لاجل عدم تناهي الظهور فلما ظهر الله بالاحدية غير المتناهية بها حدثت القوابل باحداث الله سبحانه اياها بها ثم لمّا اراد الله اظهار ما في علمه الي الكيان اظهر ما علمه كما علمه و علمه اولي بحقيقة التصديق و خلق كما علم فانخلق ما خلق كما خلق فكان ما كان علي ما كان و لسنا بصدد بيان ازيد مما بان بالجملة ما من الله اولاً في النزول اذن لسؤال القوابل فلما سألت ما سألت استجاب الله لها في الصعود علي حسب دعواتها و البدن هو من جهة قابلية الروح و انما يفاض عليه الروح علي حسب سؤاله و لذلك لو كان علي صورة انسان يفاض عليه روح انسان و لو كان علي صورة كلب يفاض عليه روح كلب و لو لم‌يكن مستعدا مشاكلا مع الروح في اللطافة لماتعلق به الروح كما في النطفة و اذا [ص 90] استعد تعلق به كما عند الحيوة فمهما كان البدن مرتبط الاجزاء صالح الآلات و الادوات جاري الدم يبخر في القلب يتعلق به الروح علي حسبه و اذا تخلل الآلات و الادوات او انفصل الاجزاء او جمد الدم فلم‌يبخر و امثال ذلك من العوارض رفع الروح تعلقه عن البدن اي لم‌يحكه كجدار بنيته في الشمس فاشرقت عليه و اضاء بها ثم هدمته فرفع الضوء عنه و كدخان صالح مستضيء بالنار فاذا غلب عليه رطوبة الدهن او نفد رفع الضوء عنه و انقطع عنه النار و لذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام في النفس الحيوانية سبب فراقها اختلاف المتولدات و قال في النفس الناطقة سبب فراقها تحلل الآلات الجسمانية فليس الموت بشدة تجوهر النفس و الحيوة بعدم تخلصها اذ الولي الكامل يبقي سنين و الجاهل الغافل يموت بل مناط وجود الضياء في البيت وجود المرآة في مقابلة الشمس و مهما انكسرت انقطع الضوء عن البيت فلو فرض ان بدنا لن‌يصيبه آفة ابدا بقي حيا ابدا و لكن الله سبحانه قدر الفناء لكل خلق مركب من جزئين شخصيين و قال كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و هو غير مركب من جزئين شخصيين بل من ركنيين فكل حي حيوته اشراقية يموت و يعود هو و حيوته عود ممازجة و كل حي حيوته ذاتية اي ذاته حيوة يبقي بابقاء الله سبحانه و مدده و وجه تقدير الفناء تخالف الكثرات و تواردها و تصادمها و تعارضها و منها الاسباب السماوية و توارد الحوادث و اختلاف العناصر فيفسد كون البدن و ينقطع عنه الروح القائم فوق البدن في الدهر فلو ركب البدن ثانيا مستعدا له اشرق عليه كما كان اول مرة لاينكر من نفسه شيئا كما في الرجعة كالجدار في الشمس اذا بنيته ثانيا علي الهيئة الاولي يظهر الضوء كما ظهر في الاولي بل البدن في كل آن من آنات كونه في التبدل و يتجدد جماديته و نباتيته [ص 91] و حيوانيته بواسطة تحلل الاجزاء و جريان البدل و لما كان المدد الثاني من نوع المدد الاول في الامداد العرضية و يتصور بصورته يتعلق به نفس الاول و هو هو في الاول و الآخر بل هم في لبس من خلق جديد ، و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون الاتري انك لو صغت خاتما من فضة ظهر عليه نفس الخاتم و صورته و اذا كسرته و صغته ثانيا ظهر عليه الخاتم ثانيا و كذلك لو خلطت مثقال برادة ذهب بمنّ من طين و صنعته علي هيئة ابل ثم اذا كسرته و زدت عليه طينا او نقصت من طينه او بدلت طينه و صنعته علي هيئة ابل لكان قيمته كالاول بلا تفاوت فالنفس و ان كانت تستنبط من هذه الاعراض الا انها اذا صارت بالفعل سكنت دار الثبات و هي متعلقة بتلك الاعراض و اذا كسرت الاعراض ارتفع تعلقها و اذا صنعت بدنا ثانيا علي كم الاولي و كيفه بعينها كان متوجها الي تلك النفس بعينها سائلا اياها من الله فيضعها الله فيه و ان قلت لم لايستخرج من ذلك البدن نفس اخري كالاول قلت اما النفس الشخصية الزمانية فلا شك ان الثانية غير الاولي كما ان شعلة السراج في كل آن غير ما في الآن السابق و اما النفس النوعية الدهرية فان كان البدن كالاول لاتتوجه الا الي مركز البدن الاول و قطبه كبدن زيد في اوقات عمره فنفس الآخر هي نفس الاول نوعا دهريا و ان كان غير الاولي شخصا زمانيا و تعدد الاشخاص الزمانية لاتنافي وحدة النوع و الشخص الدهري في ظهوراته الزمانية كالنوع من الاشخاص و كما هو في كل آن كذلك فلا تناسخ و لا تعدد بل الثاني هو الاول و بذلك يتحقق لك معني رجعة المؤمنين في آخر الزمان و حيوة الاموات علي يد الحجج عليهم السلام و اعادة وقت الصلوة و مجيئ الاوقات يوم القيمة و لو شاء نبي ان يعيد كل جماد و نبات و حيوان اعادها كذلك و انظر الي حمارك كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ثم ادعهن يأتينك سعيا و اعلم ان الله علي كل شيء قدير فتدبر .

[ص 92] قاعدة - اعلم ان الاعمال صور الثواب و العقاب و هيئاتها هيئاتهما فكل احد يأتي يوم القيمة بصورة علمه و عمله سواء تمحض عمله عليه و غلب ام لا فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره و ذلك بمن يعطي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه و ييسر لكل احد ما يقتضيه ما هو عليه كما قال تعالي و اما من اعطي و اتقي و صدق بالحسني فسنيسره لليسري و اما من بخل و استغني و كذب بالحسني فسنيسره للعسري فيصل كل من الفريقين الي مقتضي ميله و شهوته بتيسير الله سبحانه بمن جعلهم الله اعضادا لخلقه و ذوادا عن حوضه قال تعالي قل كل يعمل علي شاكلته فربكم اعلم بمن هو اهدي سبيلا و علمه السابق بكل شيء اولي بحقيقة التصديق فهم سلام الله عليهم القادة يقودون كل احد الي غاية مسعاه و هم الناشرون الحاشرون و يحشرون كل احد مع مشاكله كما قال تعالي احشروا الذين ظلموا و ازواجهم فيحشرون كل احد مع مشاكله في طبعه او تطبعه و في عمله و علمه حتي انه لو احب رجل حجرا حشره الله معه و قولي كل احد يأتي بصورة عمله فالعمل يغير الصورة اذا صدرت من الذات لا من الاعراض الخارجة و الذات اذا كانت مبدأ عمل يتكرر عنه ذلك العمل لان الذات فعلية و اذا كانت مبدأ عمل يدوم ذلك العمل و ان منع مانع عن ظهوره لايمنع مانع عن نيته و لاجل ذلك يخلدون بنياتهم فما قيل ان تكرر الافاعيل يوجب الملكات هو من باب النظر من الاسفل الي الاعلي و لو عكسوا النظر [ص 93] لرأوا ان الملكات النفسانية هي سبب تكرر الافاعيل و صدورها من الشخص من غير قصد اللهم الا ان يراد منها الملكات التطبعية التي هي الطبيعة الثانية فان القاسر لو قسر شيئا علي عمل كرات عديدة استأنس المقسور بذلك شيئا بعد شيء حتي يسكن عنده فيقر ثم يستقر ثم يطمئن ثم يميل ثم يتطبع حتي يشتاق الي ذلك العمل و يصدر منه عن غير حاجة الي قصد جديد و لكن ذلك خارج عن ذاته و لا بد و ان يزول في مواضع التفتين فان العارضي زائل و الذاتي مستقر و لايدوم العارضي في القيمة و لايفيد العرض طبعا بل تطبعا بالجملة الانسان يوم القيمة مصور بصورة عمله الذاتي فمنهم من يأتي علي صورة الانسان و منهم من يأتي علي صورة الحيوان و المراد بالانسان الانسان الظاهري و الا فالناطقة القدسية لاتتصور بصورة الحيوان ابدا اذ المراد بالنفس الناطقة هو نور يشرق من النفس الكلية الالهية علي نفس الشخص الكونية كما ان المراد بالامارة هي ظلمة تظل من الجهل الكلي و النفس الكلية الشيطانية علي نفس الشخص الكونية و الا فالنفس الكونية من حيث هي لا سعادة فيها و لا شقاوة و القدسية و الامارة نفسان شرعيتان فالناطقة القدسية ابدا لاتتصور بصورة الحيوان و لكنها تنزع اذا نزعت و تفارق الشخص و تلحق بالكرسي ثم العرش و تبقي الامارة و النفس الشيطانية و لها تقلبات في الصور الشيطانية و الحيوانية اذ هي كلية في الانسان لا فصل لها لجامعيتها و شدة اختيارها و شدة اعتدالها و صفائها بالنسبة الي ساير الشياطين كما ان حيوانيته لا فصل لها و كذا نباتيته و جماديته بخلاف ساير الحيوانات مثلا فان للاسد مثلا فصلا لايتجاوزه و لايقدر علي التصور بصورة غيره لانهماكه في طبعه الخاص و تعينه الطبيعي و اما حيوانية الانسان فانها قريب المفارقة عن الطبائع ليست بمقيدة بطبع خاص فهي كالمطلقة فلاجل ذلك [ص 94] تصلح لان تتصور بجميع صور الحيوانات و كذلك نفسه الامارة فهي كالمطلقة عن جميع صور الشياطين و الحيوانات فلاجل ذلك تصلح للتصور بصور جميعها نعوذ بالله كما ان نفسه الناطقة مطلقة عن صور الملئكة جميعا و تقدر ان تتصور بصور ملئكة القيام و القعود و الركوع و السجود و هكذا الا انهم من جهة غلبة جهة الوحدة عليهم كثيروا التناسب و التشاكل فالنفس الكونية نفس صالحة و اليها يأول قوله تعالي كان الناس امة واحدة و فطرة الله التي فطر الناس عليها ثم يختلف الدعاة الي الحق و الباطل عليها فاما ان تقبل الي دعاة الحق و تستنير فالنور الحاصل له مادة صادرة من المبدء و صورة من قبول تلك الكونية و لهذا النور آثار و اعمال من الحسنات ثم تلك الحسنات صور الثواب للمؤمن فان الثواب هو شعاع المبدء و نوره له مادة و صورة نوعية فاذا اقبل المؤمن عليه استشرق و تصور ذلك الثواب النوعي بصورة شخصية خاصة به علي حسب عمله فالاعمال صور الثواب الشخصية الا ان ذات ذلك الثواب و حقيقته تحصل لذاته في ذاته و ظل تلك الحقيقة و الذات يحصل له في مقام ملكه و جنته و دوره و قصوره كما يأتي و اما ما قلنا من ان الملكات النفسية هي سبب تكرر الافاعيل فيحتاج الي زيادة شرح و هي ان النفس و ان كانت دهرا مقدمة علي البدن و لكنها زمانا مؤخرة عن البدن علي معني ان نطفة زيد لا نفس لها دهرية ابدا و لو سقطت لم‌تحشر اذ لا نفس لها و لا حقيقة و انما بدؤها من الزمان و عودها اليه و اما اذا تولد حصل له نفس دهرية في الدهر فبعد ما تولد و حصل له نفس دهرية كان نفسه مقدمة عليه باربعة آلاف عام قائمة فوقه ابدا لايمر عليها من الوقت ما يمر علي بدنها و تلك النفس هي جهة رب البدن و البدن جهة نفسها فالبدن هو القابلية السائلة و النفس هي المقبولة المسؤلة فالله سبحانه و ان [ص 95] اذن للبدن بالسؤال بالنفس الا انه بعد ما سأل استجاب له بالنفس ما سأل فصورة النفس علي حسب صورة البدن و سؤاله و كذا يتعين افاعيل النفس في البدن الاتري انها تبصر بالعين و تسمع بالاذن و تنطق باللسان و هكذا و كذلك تغضب بالدم و تحلم بالبلغم و تتكبر بالصفراء و تتذلل بالسوداء و هكذا تتخيل بالمتخيلة و تتفكر بالمتفكرة و هكذا و الغرض ان النفس لتوحدها و تفردها و تخلصها عن التعينات البدنية و المثالية تتصور افعالها بالصور الخاصة في البدن فصورها تابعة للبدن ظهورا و ان كانت مبدأ صورة البدن نزولا فافهم ذلك ان كنت تفهم .

قاعدة - في النفختين و معرفتهما علي الحقيقة ايضا من المشكلات . اعلم ان الاشياء منذ وصلت الي غاية البعد اخذت في الصعود و لاتصعد الاشياء الا بجذب المبدء بالبداهة كما انه لاتصعد الاجزاء الارضية الي السماء الا بقوة جذب الافلاك الصادرة من اشعتها التي هي منها و اليها فاذا اختلطت بالاجزاء الارضية لطفتها و قوت ما في كمونها من الفلكية المائلة الي حيزها فبذلك تصعد الواصل الي غاية البعد فلا صعود للهابط طبعا الا بقوة جذب جاذب خارجي فاذا تعلق الجذب بالروح المناسب للريح عبر عنه بالنفس المنجذب الي الجوف حيث يدخل الهواء و ما فيه الي جوفك و عبر عن الآلة الجاذبة للريح بالصور و فسر بقرن من النور و من البين ان النفس ينجذب الي الجوف الي القلب فلما كان الارواح مبدؤها الروح الكلية الساكنة في القلب الكلي و هو الجاذب حقيقة و الريح ينجذب الي القلب فالقلب هو آلة الجذب و هو صنوبري فعبر عنه بالقرن و لما كان مادته من النور قيل هو قرن من نور و رأس منه ادق و رأس منه اغلظ فالقلب الكلي هو الصور و مظهره [ص 96] العرش و قلب المؤمن عرش الرحمن و العرش صنوبري محدبه ارق و الطف و مقعره اغلظ و اكثف و حقيقة مقعر العرش ما في الافلاك و الارض من عرشية غليظة كامنة فلجانب اغلظه طرفان طرف الي السماوات و طرف الي الارض و هما اذنان للقلب يستمع باحديهما من الملكوت و باحديهما من الملك او هما ثقبتان له يخرج من احديهما صوت الجذب و الدفع لاهل السماء و من احديهما لاهل الارض بالجملة كما بدئت الارواح نزولا من العقل الكلي الذي هو باطن القلب تعود صعودا اليه و الثقبة التي للصور الي اهل الارض هي ثقبة كلية لها ثقب جزئية بعدد الارواح الجزئية الارضية و كذلك الثقبة التي الي اهل السماء فاذا جذب الحي الكلي الذي هو مبدء الارواح نفسه الي فوق ينجذب كل روح الي ثقبته و كما بدأ اولا في النزول بالسماء و ختم بالارض يبدء صعودا بالارض و يختم بالسماء و يبدأ في النفخة الاخري التي هي كالبدء باهل السماء و يختم باهل الارض و في كل ثقبة ستة مخازن فاذا جذب الجاذب نفسه الي فوق خرج الحيوة من بدن المثال و هي اشراق المادة فمات المثال و تفرق اجزاؤه و بقيت في حيزها و هو المخزن الاول ثم خرج الحيوة من بدن المادة و هي اشراق الطبع فتفرق اجزاؤها و بقيت في حيزها و هي المخزن الثاني ثم خرج الحيوة من بدن الطبع و هي من اشراق النفس فتفرق اجزاء الطبع و بقيت اجزاؤه في حيزها و هي المخزن الثالث ثم خرج الحيوة من النفس علي ما مر و بقيت في المخزن الرابع ثم خرج الحيوة من الروح الملكوتية علي ما مر و بقيت في المخزن الخامس ثم خرجت الحيوة من العقل الجبروتي و بقيت في المخزن السادس و لاتمازج شيء من الاجزاء المذكورة غيرها بل تجاور و سبب مفارقة الحيوة وجود الاعراض و التنافر في الاجزاء فاذا [ص 97] زالت الاعراض و عاد كل شيء الي اصله خلصت الاجزاء و تشاكلت التأمت علي ما سيأتي و درك هذا التفصيل مشكل جدا و لم‌يسطر في كتاب و لم‌يجر في خطاب و بيانه ان الاجزاء الاصلية من هذه المراتب هي الاجزاء الركنية من حقيقة زيد و هي ما بها زيد زيد لا غيره و هي اجزاء الخلق الاول لزيد و تلك الحقيقة لماتبلغ حد الامضاء و الفعلية و انما هي بالقوة في الطبايع الدنياوية و البرزخية كما ان الحديد مثلا كامن في العناصر و ما دام العناصر غير مؤلفة علي الصفة الحديدية ليس الحديد في حد الفعلية فاذا صفيت العناصر عن الاعراض المانعة عن ظهور الحديد و تألفت علي ميزان الحديد ظهر عليها الحديد و صار بالفعل و وجد عليها في الدهر الحديد فافهم المثل و كذلك ما دام الانسان في الدنيا ليس له نفس مفارقة خالصة بالفعل بل الموجود عليه في الدهر نفس مشوبة البتة و لذلك يكون نفس المستضعف مستضعفة و نفس الماحض ماحضة و هكذا فالانسان المشوب في الدنيا نفسه مشوبة البتة و كذلك جميع ارواحه من فؤاده الي مثاله فاذا مات في الدنيا و عادت الاعراض الدنياوية الي اصولها تخلص المثال عنها و له اعراضه و ليس نفسه بالفعل و اذا مات في البرزخ مثلا عادت اعراضه الي اصولها فثم صارت النفس مجردة و بالفعل و علي هذه فقس ما سواها فما لم‌يمت كل رتبة دنيا لم‌يتخلص الرتبة العليا عن شوائب اعراضه البتة فحين نزل الفؤاد الي العقل حصل له اعراض عقلية و حين نزل العقل الي الروح حصل له اعراض روحية و هكذا الي ان نزل المثال الي الجسم حصل له اعراض جسمية فما دام الانسان في الحيوة الدنيا ثابت له الاعراض و ما لم‌يمت فيها لم‌تزل تلك الاعراض عن العليا كما شاهدت ان فهمت و اصل وجود الاعراض هو سبب عدم تألف الاجزاء الركنية ما تتخللها و موت [ص 98] كل دان و جذب العالي الداني و نداؤه اقبل هو لازالة الاعراض حتي يتألف الاجزاء الركنية تألف خلود فكل نفس ذات اعراض ذائقة الموت و كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و بهذا الاقبال يتحقق العود الي ما بُدئ منه فاذا مات كل رتبة دنيا تخلص العليا عن اعراضها و صارت بالفعل فاذا تخلص جميع الاجزاء الركنية لحقيقة الشيء انجذب بعضها الي بعض لسر التشاكل فتألفت تركيب خلود كما هو مشهود في الفلسفة فاذا تألفت تألف خلود لغاية المشاكلة صار حكم البعض حكم الكل و اثر كل جزء ككل جزء و حدث من كل جزء ما يحدث من كل جزء فادرك العقل ما يدرك الجسم و بالعكس و فعل ما يفعله و بالعكس فهو حينئذ واحد حقيقي لا حقي و هو هو خلق واحد ليس معه غيره فيثاب بثوابه و يعاقب بعقابه و صفة التألف نزولا ان يتعلق الفؤاد بعد صيرورته بالفعل بالعقل فيحييه و لغاية المشاكلة حينئذ لايلحقه عرض ثم ينزل الي الروح فيحييه و هكذا الي ان ينزل الي الجسد فيحييه و اما صعودا فاذا تصفي اجزاء الجسد انجذب بعضه الي بعض فتألف فسأل بلسان تألفه مثالا صافيا فاعطيه و سأل المثال مادة صافية فاعطيها و هكذا الي ان سأل العقل الصافي فؤادا صافيا فاعطيه كما سأل المراتب في الدنيا حين تألف البدن علي هيئة البدن و يعبر عن كيفية التألف انه يمطر من بحر الوجود المطلق و الفؤاد المسمي بالصاد الذي هو تحت عرش المشية مطر اربعين يوما و هو المادة النازلة من المبدأ و جهة الانسان الي ربه فيقع علي الارض حتي يصير وجه الارض بحرا واحدا لاتحاد الكل في المادة فيغوص ذلك الماء في قبور الطبايع و لحق الاجزاء الاصلية لكل جسد و تعينها هي جهتها الي نفسها فاذا اقترن الجهتان ارتبطت الاجزاء فتألفت كما ان الاجزاء العنصرية في الدنيا ترتبط بواسطة ماء المادة [ص 99] التي هي مبدء الاتحاد فاذا تألف البدن فما دام في القبر يتألف نباتيته و ينبت لحمه و عظمه و الله انبتكم من الارض نباتا ثم يحيي بالحيوة الحيوانية في الارض فيخرج من الارض فيتعلق به المثال ثم المادة ثم الطبع ثم النفس ثم الروح ثم العقل ثم الفؤاد و هو النشور ثم يحشرون الي مقام العرض الاكبر .

بقي حكم ما بين النفختين . اعلم ان مبدأ كل رتبة امكان ما فيها و طبيعته ثم يؤخذ منها حصة و تسمي بالمادة و تصور بصورة و هي المثال و المركب منهما هو الشخص الكائن الموجود المميّز فالاشخاص في الدنيا اذا كسروا محيت صورها الصناعية و ردت موادها الي العناصر و هي الطبايع و هذا حال كل كسر و ذوب في كل رتبة الا ان ما يرد الي طبايع الدنيا من اعراضها يعود عود ممازجة و كذلك ما يعود الي طبايع البرزخ من اعراضه و اما الاجزاء الاصلية فلاتعود في الدنيا الي طبايعها و لا في البرزخ الي طبايعها عود ممازجة اذ هي دهرية و فوقهما لايعقل ممازجته معهما نعم تتفكك لتخلل الاعراض بينها و الفرق بين التفككين ان الدنياوية تتفكك في آن بعد آن التركيب في عرضه و البرزخية قريب من ذلك و اما الدهرية فتفككها في درجة فوق درجة و في الآنات الرتبية فتتفكك في الدرجة الدنيا لوجود الاعراض و تتألف في الدرجة العليا لتصفيها عن الاعراض و كلما يصعد صاعدا يشتد تألفه و خلوده و يتخلف في كل رتبة اعراضه التي هي سبب ضعف الخلود و التألف فالتفكك الدهري نسبي بالنسبة الي الدرجة العليا و ان كان تألفا بالنسبة الي ادني منه ففي الدهر في الحقيقة لا موت الا بمعني الصعود عن الدنيا الي العليا بقي شيء و هو ان حقيقة محمد و آل‌محمد عليهم السلام كما شرحناه في ساير كتبنا ملحقة بعالم الامر و ان بدء عالم الخلق هو عقلهم و هو باطن الصور [ص 100] و مبدأه و النفخ هو جذبه الارواح و دفعه فحقيقتهم فوق الصور و النفخ و النافخ فلايجري عليهم الصعق كما قال الله تعالي فصعق من في السماوات و الارض الا من شاء الله فهم المستثنون و نفخة الصعق من آياتهم و صعق الكل باعراضهم نعم يجري علي ظواهرهم التي بها ظهروا للمراتب الدانية فافهم فقد شرحنا جميع اطراف المسئلة و الحمد لله .

قاعدة - في القيامتين الصغري و الكبري . اما الصغري فلها ظاهر و تأويل اما الظاهر فمن مات بالموت الطبيعي قامت قيامته فانه عالم صغير انقضي اجله الدنياوي و خرج روحه من بدنه و شاهد ما له و ما عليه و هو قوله تعالي و جاءت سكرة الموت بالحق اي اتت بما ثبت علي نفسه من صورة علمه و عمله حتي شاهدها عليها و انما ذلك في الماحضين و اما المستضعفون فلم‌يتحقق لهم حق اي امر ثابت و لم‌يتصور نفوسهم بصورة ثابتة لهم فهم موقوفون و اما التأويل فمن امات نفسه علي ما امره الله فلم‌يبق لها و لقواها و مشاعرها و طبايعها و شهواتها و عاداتها اقتضاء بتركه العمل بمقتضياتها و فارق روح ايمانه مقتضياتها و خرج عن تحت سلطانها و رجع الي ربه بالتوبة و مار سموات مشاعره و سير جبال ارض انيته و طبيعته و شهوته و صارت قاعا صفصفا لاتري فيها عوجا و لا امتا من تعيناته المبدلة المغيرة و بدلت ارضه بارض لم‌يعص عليها بارزة و سمواته فقد قامت قيامته و شاهد ما له مشاهدة كشفية وجدانية الي ان يموت بالموت الطبيعي فيشاهد مشاهدة وجودية و قد تطلق و يراد منها الرجعة خاصة و هي يوم نحشر من كل امة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون او يراد منها ايام ظهور دولتهم لقيام بعض الاموات عند ظهور القائم بين جمادي و رجب و هو اولي استعمالاتها .

[ص 101] و اما الكبري فهي عود الارواح الي الابدان بعد اجتماعها بعد تفرقها و لها ميعاد لايطلع عليه علي وجه التوقيت الحتمي الا الله عز و جل فانها مما لم‌يقع و تحتمل البداء و انما علمها عند ربي لايجليها لوقتها الا هو ثقلت في السموات و الارض لاتأتيكم الا بغتة و ان الساعة آتية اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي و سر ذلك ان جميع ما سوي الله جل و عز من عرصة الامكان و ما لم‌يمض في عرصة الاكوان يكون تحت المشية و الارادة و القدر و القضاء و يحتمل المحو و عدم الامضاء و القيمة لماتقع وجودا عند الخلق فتحتمل المحو عندهم و ان قلت فما معني علمهم بما كان و ما يكون علم مشاهدة لا علم اخبار قلت اما علمهم بما كان فهو علمهم بما امضي و لا شك في ذلك و اما علمهم بما يكون فمنه ما وصل اليهم و لكن مابرز عنهم لعدم استعداد القوابل و متي ما حصل الاستعداد يظهر منهم او لايحصل و لايظهر فهم يعلمونه بوجهه عندهم و اما في عالم الزمان فقبل وجوده فلا و منه ما لم‌يصل اليهم كونا اي لم‌يفض اليهم وجهه فهو علم امكاني لا كوني اذ لمايكن ما سيكون بعد في عرصة الكون عند الخلق نعم متي ما اراد الله ايجاده بدأ بهم فاوقفهم علي وجهه و اوجده في اي مقام من مقامات الوجود شاء بهم و اما ما سيكون فهو كائن عند الله جل و عز في علمه الازلي و ان قلت فما معني كون ما سيكون موجودا في حده قلت ما سيكون فهو موجود في العلم الازلي الذي لايتغير و لايتبدل بتفصيله بلا شك و اما في السرمد فموجود علي نحو الامكان الراجح و اما في الوجود المقيد فموجود علي نحو الامكان الجايز و اما في الجبروت فموجود علي نحو الكلية الجبروتية و عدم التعين الجزئي و اما في النفوس فموجود علي نحو الكلية الدهرية و بالوجوه الدهرية و اما في الاظلة فهي موجودة نزولا قبل التعين الجسماني علي نحو الابهام و صعودا علي نحو التعين فهو بعد الامضاء [ص 102] الجسماني فكل ما امضي في عرصة الاجسام تشخص مثاله في عرصة الاظلة فوقه لا غير و القيمة امر صعودي لا نزولي و لمايصعد الاشياء اليها و اما في النزول فيقابلها عالم الذر و هو لا تعين له ما لم‌يتعين في الاجسام فاذا تعين في الاجسام تعين في عالم الذر فوقها بالف سنة علي ان المقبول تعينه من جانب القابل و ان كان المقبول مبدأ تعين القابل كما شرحناه في هذه الرسالة و لهذا جاءت الرسل في عالم الاجسام و دعت الدعاة و ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل فما في الاعلي علة ما في الاسفل نزولا و تابع لما في الاسفل صعودا فافهم ان كنت تفهم فانه دقيق جدا فهم سلام الله عليهم في كل رتبة يعلمون ما في تلك الرتبة بمشعر يناسب تلك الرتبة و المشعر الاعلي لايدرك ما في الادني الا بالادني و ما يدركه بمشعر ذاته احدي بالنسبة الي كثرات الادني فلايعلمون ما سيكون علي سبيل البت و التحديد الشخصي الامضائي الا بعد وقوعه و هو قول علي عليه السلام لميثم التمار لولا آية في كتاب الله و هو قوله يمحو الله ما يشاء و يثبت لاخبرتكم بما كان و ما يكون الي يوم القيمة ، نعم يمكن علمهم بما لم‌يكن علم اخبار خاص و قد عرفت ان علم القيمة عند ربي لايجليها لوقتها الا هو و قال تعالي فيم انت من ذكريها ، انما انت منذر من يخشيها و انه لعلم للساعة اذ هو الساعة و اعلم ان آية معرفة القيمة ما اخبر الله به في كتابه حيث قال و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و قال يا ايها الناس ان كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة و غير مخلقة لنبين لكم و نقر في الارحام ما نشاء الي اجل مسمي ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا اشدكم و منكم من يتوفي و منكم من يرد الي ارذل العمر لكيلايعلم من بعد علم شيئا و تري الارض هامدة فاذا انزلنا عليها الماء اهتزت و ربت و انبتت من كل زوج بهيج ذلك بان الله هو الحق و انه يحيي الموتي و انه علي [ص 103] كل شيء قدير و ان الساعة آتية لا ريب فيها و ان الله يبعث من في القبور و الاشارة الي طريق الاستدلال ان النطفة و العلقة و المضغة و العظام و اللحم في بطن الام موات و الروح الحيواني فيها بالقوة ثم ينشيها الله خلقا آخر فيسل منها الروح الحيواني و يمضيه و يجعله بالفعل و هو آية خروج الروح من البدن عند الموت فان الروح المثالي يخرج من البدن اي يرفع تعلقه من البدن و يستقل بالفعل و يمضي في البرزخ مجردا عن اعراض الدنيا ، الناس نيام فاذا ماتوا انتبهوا فالمخلقة آية البرزخ و اخراج الطفل و سل النفس الناطقة من الحيوانية بعد ان كانت فيها بالقوة و امضاؤها انسانا آية سل الناطقة يوم القيمة عن الروح المثالي البرزخي فتولد الروح الحيواني من البدن و تولد الناطقة من ذلك الروح آية انسلال المثال عن البدن الدنياوي و انسلال الناطقة عن الروح الحيواني و اما كيفية الاحياء اي كيفية تركيب البدن ثانيا يوم القيمة فآيتها ما ذكرها الله عز و جل و تري الارض هامدة اي يابسة و هي آية ارض القبور و انزال الماء هو آية مطر المطر من بحر صاد و اهتزاز الارض تحرك اجزاء الابدان و رباها بحدوث النامية فيها كما خلقها اول مرة و في مطر الصاد الذي هو نطفة الرجل قوة عاقدة و فاعلة و في تلك الاجزاء التي هي صفايا الارض و هي نطفة المرأة قوة الانعقاد و الانفعال و الانبات آية نماء البدن و تولده بعد ان كان متفرقا في ساير التراب الذي هو آية الرحم ذلك بان الله هو الحق الخ ، بالجملة باب معرفة القيمة و حالاتها و آيتها معرفة النفس فمن لم‌يعرفها كان عن معرفتها بواد سحيق و لدركها غير حقيق و من شاهد حشر جميع القوي الانسانية مع اختلافها في الظاهر و الباطن الي حضرة النفس و وقوفها في مواقفها عند النفس في رتبة افعالها و عدم اتحادها معها ابدا عرف ان الخلق لايعود الي [ص 104] الخالق و لايتحد به مع ما فيه من بطلان الثواب و العقاب و انقطاع الجنة و النار بل يعود الي امره و فعله و لايتجاوز حده و مقامه ابدا و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره ، و في الدعاء كل شيء سواك راجع الي امرك و امورهم آيلة الي حكمك الدعاء ، و كون النفس باصرة سامعة ذائقة شامة لامسة بذاتها بكلها لايدل علي عود القوي اليه بل هي في محالها ثابتة و في النفس مباديها متحدة فانها تبصر بالذي تسمع و تسمع بالذي تبصر و كذلك الله ربنا و فوق ما نقول و لايدرك صفاته الذاتية كما لاتدرك ذاته و لا كثرة فيها كما لا كثرة لذاته .

قاعدة - في ارض المحشر ، و هي هذه الارض مادة دهرية و انما تبدل صورتها كما قال الله تعالي يوم تبدل الارض غير الارض و السموات كما ان العالم الصغير يعود ارض جسده بمادته الدهرية و انما تبدل صورته الدنياوية الي صورة علمه و عمله ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و درك المادة الدهرية عسير و باب دركه ان تفرق بين المادة الدنياوية و الدهرية فالمادة الدنياوية هي اهبية اجتمعت علي صورة تأليفية شخصية دنياوية كحصيات مثلا نضدتها علي الارض علي هيئة جمل ثم جمعتها و نضدتها علي صورة جمل آخر فتلك الحصيات هي مادة صورتها علي اي صورة شئت قال تعالي في اي صورة ما شاء ركبك ، و اما المادة الدهرية فهي المادة الحجرية التي في تلك الحصيات و هي مادة نوعية لها صورة حجرية نوعية و هما موجودتان في جميع الحصيات مادة لها و يصدق علي كل حصاة انها حجر فانت لو اخذت الحصة الحجرية التي في الجمل و صورتها بصورة جمل آخر او غيره يصدق عليه انه هو هو و هو غيره كما مثل الصادق عليه السلام باللبنة و مثال آخر لو خلطت مثقالا من [ص 105] برادة الذهب باتربة و صورتها علي صورة جمل ثم غسلت عنها الاتربة و صغتها علي صورة الجمل فهو هو و هو غيره و كذلك لو عقدت اللبن و جعلته علي هيئة ثم اخرجت منه الزبد فجعلته علي تلك الهيئة هو هو و هو غيره فتبصر و كذلك هذه الارض مؤلفة من اجزاء هبائية هي المادة الدنياوية لها قد تألفت علي هذه الهيئة و لتلك الاهبية مادة نوعية لو اخذت و صيغت صيغة اخري هي هي و هي غيرها و تلك المادة هي التراب المطلق الدهري الذي ظهرت بالاهبية الارضية من لدن اول الزمان الي آخره و في جميع اوضاع تلك الاهبية و انضادها و هي في الاهبية كالمداد في الحروف و الاهبية في الارض كالحروف في الكلمة فتلك المادة الدهرية التي هي التراب المطلق هي المعادة و هي التي كانت في الدنيا علي هذه الهيئة فتكسر و تصاغ يوم القيمة علي صورة تناسبها كما ان لبدن زيد مادة دنياوية و هي الاهبية الدنياوية و مادة دهرية هي السارية في تلك الاهبية و هي السارية فيها في جميع حالات الاهبية و هي التي تكسر صورتها الدنياوية ثم تصاغ علي صورة تناسب الآخرة و هي الصورة العملية و العلمية و كذلك تصاغ الارض علي صورة فضة بيضاء نقية لانها ارض حيوة و علي صورة الخبز يأكل منها اهل المحشر حتي يفرغوا من الحساب و ذلك ان اجساد اهل المحشر من صفايا ارضه و نباتيته و تحتاج الي المدد من جنسها و هي الارض و لكن هنا دقيقة و هي ان ابدان الاناسي فيها اعراض من نبات الدنيا و عناصرها و من حيوان الدنيا و افلاكها و هما ليسا من الانسان و لا الي الانسان و ليس مادته الدهرية سارية فيهما سريان المطلق في المقيد و انما المراد الانسان الذاتي لا العرضي و الانسان هو الناطق المدرك الذي قواه الحلم و العلم و الذكر و الفكر و النباهة و خاصته النزاهة و الحكمة و هي التي عودها عود مجاورة لا ممازجة [ص 106] كما قال علي عليه السلام فالانسان في هذا البدن الحيواني و النباتي هو بدن علي حسب تلك القوي و المشاعر ليس مواده من العناصر و الافلاك العرضية لا من غلايظها و لا من لطايفها و انما تلبست مادته بهذه الاعراض حين نزلت من شجرة المزن و نزلت الي هذه الدنيا و وقعت علي اشجارها و اكلها الوالدان حتي تحولت نطفة فعلقة فمضغة فعظاما فلحما ثم روحا حيوانيا ثم خرجت روحا حيوانية فلكية ثم خرج من ذلك الروح الانسان العليم الحليم الذكور الفكور النبيه و مادته من ارض العلم فتلك المادة تصورت في الدنيا بعد مخالطة الاعراض بهذه الصورة فاذا زالت الاعراض و كسرت و تخلصت ظهرت بصورة علمه و عمله الاخروية فافهم ذلك و اعرف المذهب الحق الذي لايمكن ان يعترض عليه و تلك المادة هي التي في القبور و هي المادة الدهرية للعظم الرميم و اللحم و الدم الا انه اختلطت بها اعراض و تصورت بهذه الصورة المرئية فاذا كسرت و زال عنها الاعراض و الصورة الدنياوية عادت بصورة علم زيد و عمله و هي اما موافقة للفطرة الالهية التي فطر الناس عليها و علي طبق عليين و المشية المحبوبة و اما مخالفة لها و علي طبق سجين و المشية الخذلانية و كذلك ارض الآخرة فانها فوق الارض العنصرية الدنياوية و الطبيعية الفلكية الدنياوية بل هي الطف من محدب العرش و هي حقيقة هذه الارض و اجزاؤها الاصلية الدهرية و هي التي تمد مد الاديم العكاظي و تبسط و تسع جميع الخلايق و لكن ليس بسطها و مدها بسطا و مدا مقداريا دنياويا ليس المراد بسعتها الخلائق و هم وقوف بعضهم في جنب بعض بل المراد انها تصفي عن الاعراض كما تصفي الارض الجديدة و تفرغ عن القوم الجبارين ثم تتحمل كل ما سقي من الماء الالهي و لو الي ما لا نهاية له فكذلك اذا صفيت الارض عن الاعراض الدنياوية و عادت صافية دهرية كالنوعية وقفت في حد الجسم المطلق [ص 107] الذي يسع الماء الالهي النفساني و لو سقي الي ما لا نهاية له فيقف زيد في ارض المحشر و يقف عمرو فيه و في موقفه و بكر فيهما في الموقف و خالد فيهم في الموقف و هكذا و زيد زيد و عمرو عمرو و بكر بكر كما اذا اشعلت سراجا في بيت فملئ بنوره ثم اشعلت سراجا آخر فملئ ايضا بنوره و هكذا و لو اتيت بالف الف سراج في بيت يمتلئ البيت من نور كل واحد بلا مزاحمة و يخص كل نور بمنيره و لو ذهبت بسراج ذهب نوره الخاص به معه و لو حركت سراجا و سكنت الباقي تحرك نوره الخاص به و انوار البواقي ساكنة و كذلك اهل المحشر يقفون علي ارض المحشر و سعيدهم في راحة و ظل و شقيهم في تعب و ضحي و المحشورين في المحشر كوجوه اعمالك و اقوالك في نفسك ففي نفسك وجوه لاكلك و شربك و قيامك و قعودك و جميع ما تفعله الي ما لا نهاية له بلا مزاحمة و تضايق من نفسك ثم تنزل تلك الوجوه الي خيالك ثم الي حسك ثم الي قلبك ثم الي اعضائك فالاكل الدنياوي آية بدنك الدنياوي و الاكل الخيالي آية بدنك البرزخي و وجهه في نفسك آية بدنك الاخروي و نسبته الي نفسك نسبة بدنك الي ارض المحشر و يختلف سعة النفس و ضيقها بحسب هبوطها و ميلها الي المبدء و المنتهي فان كانت صاعدة فهي في فسحة عليين و الا ففي مضيق سجين و اعلم انه كما يتحد بدن الانسان في الآخرة مع مراتبه العالية في المنظر و يصدر من كل واحدة اثر كل واحدة كذلك يتحد ارض الآخرة مع سماواتها و كرسيها و عرشها فهي ككرات متداخلة حادة متحدة في المنظر و يصدر من كل واحدة اثر كل واحدة فالكل امر واحد دهري و هو حقيقة هذا العالم و الابدان و النفوس الجزئية وجوه في تلك الحقيقة و انوار بعضها في بعض بلا مزاحمة كانوار السرج المذكورة فهي بارزة يوم القيمة و تبلي السراير [ص 108] و ينكشف الكل للكل نعوذ بالله و هو يوم الخزي و الافتضاح الا من ستره الله بستره و يجتمع في المحشر جميع الخلايق من كل ذي روح نباتية عنصرية او حيوان فلكي طبيعي او ذي روح ظرفي كارواح الامكنة و الازمنة او عرضي كالمرض و اللون و الحركات و السكنات و المقادير و الهيئات و الاحوال و الاقوال و النبيون من ذوي الارواح الكروبية و الشهداء من ذوي الارواح النورانية و الصالحون من ذوي الارواح الجوهرية و قلنا روح عرضي لان الاعراض ايضا امم امثالكم فيها ذكر و انثي و سعيد و شقي و تناكح و توالد و هكذا بنسبة حالها حتي انه لو ظهر لك سرور زيد بصورته الاخروية لرأيته علي صورة زيد بحيث لايكاد يفرق بينه و بين زيد الا انه اذا تكلم زيد تكلم عن نفسه و اذا تكلم سروره روي عنه و سر ذلك ان الاثر يشابه صفة مؤثره و وجه الاثر ايضا علي صفة المؤثر بطريق اولي فلو اتت الاعراض الآخرة اتت بوجوهها التي في نفس ذيها فكانت علي صفتها و دركه عسير و قد اوضحت و شرحت لو فهمت فافهم و يحضر فيها الكتب و هي صفايح البسة الاناسي اي ماهياتهم او صفاتهم فلكل احد كتاب و له صفايح فصفحة مكتوب فيها اعماله العقلية و صفحة مكتوب فيها اعماله الروحية و صفحة مكتوب فيها اعماله النفسية و كذا صفحة لاعماله المثالية و صفحة لاعماله الجسمية و الاعمال نقوش و رسوم و صور متممة قد كتبت علي ماهيته التي هي لباس وجوده في كل رتبة و هو مصور بتلك الصور و تلك الصور علي حسب المادة الدهرية الاخروية في اللطافة و الصفاء و الاتحاد و تلك الكتب هي طائرهم الملزم اعناقهم و هي غير الالواح الزمانية و البرزخية و مكتوباتها غير مكتوبات الالواح الاخروية و ان كانت حقايقها و قد بلغك انه اذا مات الانسان و لحد في قبره و شرج عليه اللبن اتاه رومان فتان القبور و يأمره حتي يكتب [ص 109] اعماله باصبع قدرته و ريق مداده علي كفن ماهيته و يذكره بتوجيه خياله الي اعماله في اوقاتها و امكنتها و احضارها عند خياله لان خياله تخلص عن الاوقات الدنياوية و موادها و مددها فقدر علي استحضار ما مضي و التوجه اليها علي معني يأتي ثم يطوق ذلك الكتاب في عنقه كما قال تعالي و كل انسان الزمناه طائره في عنقه و نخرج له يوم القيمة كتابا يلقاه منشورا و يأتيه من امامه و يقع علي يمينه ان كان اعماله عليينية او من ورائه و يخرق ظهره و يخرج من صدره و يقع علي شماله ان كان اعماله سجينية ثم يقول كتاب الله الناطق كلمة واحدة من حيث صدورها منه فتقع في آذان الخلايق متكثرة علي تفصيل ما في كتبهم من الاعمال لان موادهم من نور النبي و صورهم من نور الولي من باطنه او ظاهره فاعمال الخلائق تفاصيل ولاية الولي ظاهرة او باطنة و هو قوله تعالي هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون اي كنا نستنسخ اعمالكم في كتبكم من الكتاب الذي عندنا نزولا او نستنسخ من كتبكم في كتابنا صعودا فافهم و هو تأويل قوله تعالي قل اعملوا فسيري الله عملكم و رسوله و المؤمنون و كذا تحضر الموازين المختلفة لكل شخص علي حسب جهات صفاته كما يأتي و كذا تحضر الصراط و الفصل بالحق بين الخلق فينطبق الحق المستقيم علي كل من المستقيمين و المعوجين علي حسبهم يهديهم ربهم بايمانهم و بكفرهم لعناهم .