[ص 30] قاعدة - اعلم ان للنفس الانسانية كينونة دهرية مستعلية علي البدن و ذلك الاستعلاء هو التقدم باربعة آلاف سنة و التأخر باربعة آلاف سنة و هي في الجسد كالمعني في اللفظ و لا معني ما لميكن لفظ و لا لفظ ما لميكن معني ثم انزلت في الاسباب الي الطبائع و شاعت فيها ثم لما اخذت حصص منها و ربيت و لطفت و صفيت و رققت حتي شفت حكت ما وراءها من النفس فلا تناسخ اذ التناسخ ان تظهر في بدن اصلي غير بدنها لا في عرض غير عرضها الاتري ان اعراض بدنك دائمة التبدل و انت انت دائما و قد اشرنا ان زيدا باق بحقيقته و هي صورة عارية عن المواد عالية عن القوة و الاستعداد و ان هذه الاعراض لها كالمرآة لنور الشمس و تلك الصورة هي مثال فعل الفاعل قائمة به قيام صدور و مهما وجد مرآة مقابلة لها ظهرت فيها و كذلك يحيي الله الموتي و يحيي الانبياء باعجازهم من يحيونه و كذا لايلزم من تقدمها علي البدن قدمها لانها حادثة بالذات مؤلفة من مادة و صورة و عرصتها نزولا تسمي بعالم الذر و فيها نزلت و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي و ما هيهنا آية ما هنالك و ما هنالك آية ما هيهنا لايتخلف شيء منها عن شيء منه فكما ان هيهنا يخلق الناس بعضهم من بعض و يتولد بعضهم من بعض كالضوء من الضوء علي نحو التكميل كذلك قامت النفوس فوقهم هناك و قد اخرج بعضهم من ظهر بعض و نثروا في ذلك العالم كالذر يدبون و كما انهم هنا يخلقون اول مرة اناسي كونية ليسوا بسعداء و لا باشقياء و هم عاقلون مختارون كذلك قامت نفوسهم فوقهم هنالك فهو ما يقال ان الله خلق الذر و جعل فيهم ما اذا سألهم [ص 31] اجابوا و حين قامت الدعاة هنا و دعوا الخلق الي الاعتراف بربوبية الله و رسالة رسله قامت نفوسهم هناك بين ظهراني العباد و دعا الدعاة الي الله عز و جل بقولهم الست بربكم و لما كان بناء الاسلام علي الظاهر و دخلوا بالشهادتين في الاسلام و لميبحث عن بواطنهم عبر عن الظاهر بالكعبة التي تجمع اهل القبلة و هي قلب الارض فقيل انه اخذ الميثاق عنهم عند الكعبة التي اتفقوا بالتوجه اليها و كان عند الركن العراقي الذي فيه الحجر الارضي الجسماني و اودع المواثيق الجسمانية فثبت مواثيقهم في لوح الاجسام و القم الملك الموكل بها اياه فصار ابدانهم علي صورة الاسلام التي هي الصورة الانسانية فقالوا بلي بالسنتهم عند قوله الست بربكم فصوروا علي الاسلام و عند قوله محمد نبيكم لاغراض شتي و لمايدخل الايمان في قلوبهم و وقفوا في قلوبهم فوقف الله في تصوير قلوبهم ثم كشف لهم عن صور الطاعة و عليين بالهداية الي محاب الله و عن صور المعصية و سجين بالهداية الي مساخط الله و خيرهم بين التلبس بهما فلبس من شاء مما شاء هنا و هناك و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ثم اوقفهم الله في غدير خم هنا و هناك باختيار قلوبهم و هو باطن كعبة ظواهرهم فاخذ الميثاق بالولاية فقبل المؤمنون ظاهرا و باطنا و قال المنافقون بلي خوفا و استهزاء و كفروا في قلوبهم قل استهزؤا ان الله مخرج ما كنتم تحذرون و الله يستهزئ بهم و يمدهم في طغيانهم يعمهون بالجملة في جميع هذه الاحوال كانت النفوس مستعلية علي الاجساد و ما في الاجساد تنزل ما في النفوس و هي مقدمة رتبة باربعة آلاف عام قبل آدم و قبل الآن و قبل آخر الزمان و بعده و تلك العرصة ذر نزولا و قيٰمة صعودا كما بدأكم تعودون و سميت بالذر لاحتقارها في جنب عظمة الله ما انا [ص 32] و ما خطري انا مثل الذرة بل اقل او الذر بمعني الهباء و المراد به المادة الصالحة للصور الشخصية الشرعية الحاصلة من الامتثال و عدمه فكانوا قبل هذين اهبية اي مادة صالحة لصورة الطاعة و المعصية لا انهم ذر بمعني النمل او بصغر جثتها فافهم .
قاعدة - ان هذا الانسان المرئي المحسوس في الدنيا هو الانسان الجمادي المعدني قد تألف من فضول النبات و نماؤه بالمشايعة و حيوته بالاشراق و يشارك المعادن في هذا البدن و ان كان اعدل و الطف منها و في جوفه الانسان النباتي الذي اعلاه الدخان و اسفله الدم و يشارك سائر النباتات في هذا البدن و ان كان الطف و انضج و نماؤه ذاتي و حيوته بالاشراق و في جوفه الانسان الحيواني الفلكي و هو الحيوة الحساسة الدراكة المختارة باستعلائها علي الطبائع المختصة المخصصة المضطرة و هي حية حساسة بالحواس الظاهرة بالذات و حساسة بالحواس الباطنية بالاشراق و قد اشتعل بها البدن النباتي فحيي بالاشراق و هي غيره كما مر مفصلا و الانسان يشارك الحيوانات في هذه الحيوة الا انها الطف من حيوة الحيوانات و في جوفه انسان ظلي و هو الانسان البرزخي الساكن ارض الحيوة المستقر في دار العلم و هو احساسه للبرزخيات بالذات و للدهريات بالاشراق و يشارك الانسان الجن في هذا البدن و في جوفه الانسان الحقيقي الذي خلق من ظل النفس الكلية و هنالك ينفرد الانسان عن غيره و جميع ما سبق من الابدان عرضية بالنسبة الي الانسان و هو مخلوق من عشر قبضات تسعة من افلاك عالم الحقائق و واحدة من ارضها و جميعها متشاكلة يصدر من كل واحد ما يصدر من كل واحد مادته نور النفس الكلية صورته العلوم و الاعمال كما عرفت و نسبته الي ما دونه نسبة الجسم المطلق الي هذه البسايط و يجتمع فيه ما تفرق في البسايط فافهم .
[ص 33] قاعدة - ان ما سوي البسايط من هذه المخلوقات و ان اتحدت نوعا في الكون الدنياوي العنصري فانها جميعها عناصر تألفت علي تفاوت في الكم و الكيف الا انها ليست مشتركة في الصفايا النباتية الطبيعية فان الجماد مؤلف من ظواهر العناصر تألف تجاور او تفاعل ما و لميحصل لها اتحاد فيه و رقة و لميتألف فيه طبايع العناصر و لميتصف عن الارمدة و الاعراض بخلاف النبات فانه مؤلف من صوافي الاغذية و قد صفيت عن الارمدة الهبائية و الطبيعية و لطفت طبائعه و رققت و ليست مشتركة في الحيوانية الفلكية لان النبات مؤلف من صوافي الاغذية الطبيعية و الحيوانية مؤلفة من عناصر جوهرية كانت في كمون هذه الطبايع و منها تألفت غيوب الافلاك اي الحيوة و العلوم و ليست مشتركة في الاظلة لان الحيوانية ليست مركبة من البسايط العلمية و الاظلة مركبة من البسايط العلمية و ليست مشتركة في النفوس القدسية فان الظلية مركبة من البسايط العلمية البرزخية و القدسية مؤلفة من البسايط الركنية الدهرية و ليست مشتركة في الروح من امر الله فان الانسان خلق من تراب ارض العلوم و هو مخلوق من ارض الزعفران و ليست مشتركة في روح القدس فان الروح من امر الله من ارض الزعفران و روح القدس من جنان الصاقورة و الكروبيون خلقوا من الروح من امر الله لا من روح القدس الذي كان كامنا في غيبه فلكل مخلوق من هذه المراتب حقيقة لايشاركه فيها غيره ممن دونه نعم كل واحد شارك ما دونه في حقيقته عند نزوله اليها حتي اجتمعوا في هذا العالم و لكل واحد بدن جمادي و كذلك المؤمن و الكافر في كل رتبة لايشتركان في المادة و لا في الصورة فان المؤمن خلق [ص 34] من نور الله و صبغ في رحمة الله كما روي عن الصادق عليه السلام و الكافر خلق من الظلمة و صبغ في النقمة و شرح ذلك ان الله خلق الاناسي مثلا من مادة كونية معراة عن السعادة و الشقاوة و جعل تلك المادة امكانا لهما صالحا لان يخرج عنها صورة السعادة اي امتثال الشرع بمكمل خارجي سعيد و ان يخرج عنها صورة الشقاوة اي مخالفة الشرع بمكمل خارجي شقي و خلق المكملين و هيأ اسبابها و هذه الصورة هي الطينة المذكورة في الاخبار مركبة من ماء هو ظل الداعي الكامل المكمل و صورة هي اجابة ذلك الامكان فالمؤمن هو المتوجه الي الداعي الحق و يخلق له طينة من مادة النور و صورة الرحمة و الكافر هو المتوجه الي الداعي الباطل و يخلق له طينة من مادة الظلمة و صورة النقمة فلايشتركان في المادة و لا الصورة و لايردان الي الامكان ابدا فيشتركا و لو انقلب المؤمن و توجه الي الداعي الباطل خلع عنه قميص الايمان و تلبس بسربال الكفر و كذلك العكس و هما روح الايمان و روح الكفر و ذلك ما روي لايزني الزاني و هو مؤمن فيفارقه روح الايمان و اذا قام رجع اليه و المعاد الانسان الكوني الذي مادته من غيب غيب الكرسي و صورته ما به امتيازه عما سواه المصور بصورة الايمان و الكفر كما كان في عالم الذر ذرا صالحا اولا ثم آمن او كفر .
قاعدة - اعلم ان النفس هي الحقيقة و جاء زيد نفسه يعني هو لا غيره فما الشيء به هو هو هو نفسه و كل ما هو غير نفسه فانما هو غيره خارج عن وجوده و عرض بالنسبة اليه فلو اضيف النفس الي ذلك العرض فانما هو علي نحو الملك كرب الدار و ربّاني السفينة و الا فنفس كل شيء ما هو به هو فالجماد هو نفسه و هو العناصر المعروفة المؤلفة لا غير و اما النبات فهو لطائف [ص 35] الاغذية و الامداد العنصرية و تلك اللطائف هي كل النبات و نفسه و الاثفال ليست بجسده فان جسده مما هو به هو و انما هي اعراض مشايعة و اما الحيوان فهو قوة فلكية و هي نفسه و هي كله و ليس النبات و الجماد جسده و انما هما اعراض مشايعة و هذه الثلثة تحصل من الاجسام الدنياوية و هي عند النفس الناطقة الكونية بمنزلة الجدار عند اشراق الشمس و كما انه ليس النور من الجدار و الي الجدار و انما هو من الشمس كذلك ليست النفس الناطقة من هذه الثلثة و ليس لها انبعاث من مراكزها و انما هي نور النفس الكلية صادرة منها فحينئذ اما تتوجه هذه الناطقة الي عليين فيشرق عليها النفس الكلية الالهية التي هي اللوح المحفوظ التي هي بنت العقل و من طينته و خليفته و وصيه و اما تتوجه الي سجين فيشرق عليها النفس الامارة الكلية التي هي كتاب الفجار لفي سجين و هي بنت الجهل و من طينته و خليفته و وصيه و النوران معا نفسان ناطقتان علي حذو قوله تعالي و مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة و لا محيص للنفوس القابلة عن التوجه الي احدي هاتين النفسين اللهم الا ان لايتصفين و لميبلغن حد التوجه و الحكاية فظهورهما فيهن بالقوة فهن كما في المستضعفين فاما نور الكلية الالهية فهو الناطقة القدسية و النفس الانسانية و روح الايمان و اما ظل الامارة الكلية فهو الناطقة السجينية و النفس الشيطانية و روح الكفر و لما كانت الثلثة مركبا للناطقة الكونية و هي مركبة من وجود و ماهية كانت من حيث الوجود متوجهة الي الكلية الالهية و من حيث الماهية متوجهة الي الامارة لا محالة فدائما احديهما فيها خفية و احديهما ظاهرة فلاتطيع الله الا عند ظهور الكلية الالهية عليها و لاتعصي الا عند ظهور الامارة عليها فاذا دامت الامارة خنست الكلية الالهية عنها و ظل الامارة ليست مصورة علي صورة الانسان التي هي تقويم العقل [ص 36] و هي منكوسة مستمدة من الجهل الواقع في منتهي الماهية اي الجماد فان وصلها المدد مع غلبة الجماد صارت مصداق ثم قست قلوبهم من بعد ذلك فهي كالحجارة او اشد قسوة او مع غلبة النبات صارت مصداق كانهم خشب مسندة او مع غلبة الحيوان صارت مصداق ان هم الا كالانعام بل هم اضل او مع غلبة شياطين الجن صارت مصداق شياطين الانس و الجن يوحي بعضهم الي بعض زخرف القول غرورا فهي ابدا متقلبة في هذه الصور علي ما عرفت و اما نور الكلية الالهية فهو علي صفة الكلية و هي علي صفة العقل و هو علي صفة المشية و هي علي صفة الله فان وصله المدد مع غلبة النفس تصور علي صورة النجباء او مع غلبة العقل فعلي صورة النقباء او مع غلبة المشية فعلي صفة لايحسن الافصاح بها او مع غلبة صفات الله فكذلك بالجملة ليس للكافر و المؤمن نفس واحدة فيكون اختلافهما بحسب الصورة نعم يشتركان في الجمادية و النباتية و الحيوانية و ان استقصيت ففي المثالية و الهبائية و الطبيعية و الانسانية الكونية اي النفس الدهرية فانها للمؤمن و الكافر بمنزلة المادة النوعية و هي المشار اليها بقوله كان الناس امة واحدة ايضا و اما في الناطقة القدسية فلا نعم هذه الامارة قد تمد بامداد الكلية قهرا فينكسر سورتها الي ان تصير متطبعة بطباع النور شيئا بعد شيء فتصير ملهمة او لوامة ثم لوامة او ملهمة فحينئذ تكون ككلب تعلم قليلا فتصيد مرة جيف الارض و مرة صيد السماء و لكن بهواها ثم تطمئن و تتعلم فلاتصيد الا من السماء و يكون صيدها حلالا ثم ترضي و تسر بصيدها و بمرسلها ثم يرضاها العقل فتدخل في العباد و تأمن شر الشيطان لانه لميبق فيها داع يسكنه الشيطان و يزينه و ينميه و يقويه فاذا صارت كذلك دخلت الجنة الطيبة الطاهرة اذ طابت و طهرت و هي حينئذ اخت العقل في الدين و مولاته او اخت بنته من الرضاعة بالجملة بذلك يختلف [ص 37] الناس يوم القيمة في صورهم و درجاتهم و مقاماتهم سيجزيهم وصفهم انه حكيم عليم و روي عنه صلي الله عليه و آله يحشر الناس علي صور اعمالهم و روي نياتهم .
قاعدة - اعلم ان هذه العناصر الجسمانية مقام قوة و امكان لظهور النفس صعودا و كانت مقام المشية و الذكر الاول بالنسبة الي ظهورها كما ان لوجودها نزولا مقام امكان و مشية سابقة عليها و ذلك الامكان بازاء هذا الامكان و تلك المشية بازاء هذه المشية من جهة المبدأ فاذا صفيت العناصر و لطفت و ظهر عليها آثار آثار النفس كان مقام الارادة بالنسبة الي ظهورها كما ان لوجودها مقام ارادة في عالم المعاني الذي فيه مبادي مبادي الصور النفسية و اذا انشئ خلقا آخر و ظهرت القوة الفلكية و ظهر آثار النفس كان مقام القدر لظهورها كما ان لوجودها مقام قدر في مقام الرقائق و اذا تولد فيه الناطقة و ظهر دخل في باب القضاء كما ان لوجودها مقام قضاء في مبدأ وجودها فاذا توجهت الي عليين و صورت بصورها او الي سجين و صورت بصورها فقد امضيت و ختم عليها و بنظر آخر هي في البسائط تحت المشية و في البدن الدنياوي تحت الارادة و في البرزخ تحت القدر و في نفخ الصور الثاني تحت القضاء و في الحشر تحت الامضاء و جميع المراتب الصعودية بازاء المراتب النزولية و مراتب النزول مقدمة رتبة و مؤخرة كما اشرنا اليه و كما ان المواد في النزول كلما تنزلت غلظت فكثفت صورها الي ان صارتا نفسا كذلك المواد صعودا كلما صعدت لطفت فلطفت صورها علي حسب المواد فليست صور اعمال الابدان تلحق النفس بكثافتها و انما تلطف و تجرد الي ان تناسب مادة النفس فتتلبس بها و ذلك معني يحشر الناس علي صور [ص 38] اعمالهم و حشرهم علي صور الحيوانات و كذلك صور الجنة و ما فيها و النار و ما فيها بل و هكذا تلطف المواد و الصور الي ان تصلا مقام الرقائق ثم مقام العقول فتكونان معنويتين ثم مقام الفؤاد فتكونان متحدتين حقيقيتين و يتخلف في كل درجة تلطيف ما يخص تلك الرتبة اذ لايعقل صعود خواص الرتب فلايصير الجسم مثالا و لا المثال مادة و لا المادة طبعا و هكذا ابدا كما لميصر الفؤاد عقلا و لا العقل روحا و لا الروح نفسا نزولا ابدا و الحركة الجوهرية باطلة و انما الحركة في خلع عرض بعد عرض لا صيرورة ذات ذاتا اخري بالجملة تشخص النفس من الصور الصاعدة من الدنيا التي هي مزرعة الآخرة و هي اما من عليين فتكون مراتبها ابواب النعيم و اما من سجين فتكون مراتبها ابواب الجحيم و ذلك انها في عالمها لها افلاك و عناصر فان كانت النفس نور الكلية الالهية كان كل فلك من افلاكها باب جنة قد فتح الي ظهور من ظهورات النفس الكلية ينصبغ فيه فيسمي باسم فعرشها باب جنة عدن و كرسيها باب جنة الفردوس و عاقلتها باب جنة العالية و عالمتها باب جنة النعيم و واهمتها باب جنة دار المقامة و خيالها باب جنة الخلد و فكرها باب جنة المأوي و حيوتها باب جنة دار السلام و ان كانت النفس ظل الجهل و الامارة الكلية كان كرسيها باب جهنم و فيها ثلث طبقات الفلق و هو جب و هي اشد النار عذابا و صعود و هو جبل من صفر من نار وسط جهنم و اثام واد من صفر مذاب يجري حول الجبل و ليس لها عاقلة لانها تكتسب بها الجنان و عالمتها باب السعير و واهمتها باب الهاوية و خيالها باب الحطمة و فكرها باب سقر و حيوتها باب لظي و ارضها باب الجحيم و لكل من هذه الابواب حظيرة تسمي باسم اصلها و هي ظلها و نورها و هي واقعة في عالم المثال فاما حظائر الجنان فيسكنها مؤمنوا الجن و مؤمنوا اولاد الزنا [ص 39] الي سبعة ابطن و المجنون الذي لميقع عليه تكليف و الجنة الثامنة لا حظيرة لها لشدة لطافتها و خفاء صورتها و اما حظائر النيران فهي للجن و عصاة المؤمنين الي ان يطهروا و اعلم ان متعلقات هذه المشاعر وجودات خارجية لها مواد و صور فاذا توجه اليها المشعر لشرائها و اكتسابها و تخصيصها بنفسه ادي الثمن من توجهه و سأل الله بلسانه ذلك فوقع شبحها في المشعر فكان مادة شخصية صورتها من صفة المشعر و بها تخصصت به فمن ذلك يحصل نعيم الجنان بانواعه و صنوف العذاب باقسامها نعوذ بالله و اعلم ان الجنان و حظايرها و النيران و حظايرها كلها من الامور المحسوسة و كلها من الزمان و كلها جسمانية و كلها حيوة و كلها مثالية و نفسانية و كلها عقلانية ففي جميعها صفات الاجسام الزمانية و البرزخية و النفوس و العقول و تدرك الاجسام في الجنة ما تدرك العقول و بالعكس و ذلك لشدة الاتحاد و التشاكل الحاصل بين اجزائها كما يأتي هذا مجمل القول و يأتي تفصيله ان شاء الله .
قاعدة - اعلم ان النفوس لما نزلت الي عالم الطبايع ثم دعيت الي الاقبال الي الله المتعال فمنهم من لميتخلص عن الاعراض الخارجية و الداخلية و لمتصف مشاعره عن الاكدار الحاجبة فلمتعرف عليين ليتوجه اليه و لا سجين ليعرض عنه ففيه روح الحيوة و روح الشهوة و روح القوة بالفعل و لكن روح الايمان و روح الكفر بالقوة و منهم من صفت مشاعره و عرف الخير و اهله و صار فيه روح الايمان بالفعل اي ظهر عنه آثار روح الايمان الكاشفة عن وجودها فوق حيوانيته و منهم من صار فيه روح الكفر بالفعل و ظهر عنه آثار روح الكفر [ص 40] فالصنف الاول اذا تخلل ابدانهم النباتية و تفرق نفوسهم الحيوانية الفلكية بقيت فلكية مثلهم في ارضية مثلهم منجمدة مرتوقة و المراد بارضية المثل ما في غيب النباتية بالقوة من الافعال النفسية كما ان فلكية المثل ما في الافلاك بالفعل من القوي النفسية و ارضية مثلهم في الاعراض الدنيا منهمكة فاذا تفرقت الاعراض تفرق ارضية المثال و تفرق فلكيته معها كما يتقطع روح الحية بتقطيع بدنها فهؤلاء يبقي ارواحهم مع اجسادهم في قبورهم الي ان يتخلصوا و يصفو مشاعرهم فيتفهموا الخير و الشر فاما الي الجنة و اما الي النار و ذلك ان الاعراض الطبيعية اذا كانت بحيث يعجز عن تخليصها الارادات اللطيفة الانسانية لا تدبير لها الا ان تلطف بالتدابير الطبيعية الجبلية فاذا رق الاعراض بحيث تنفعل عن تحريكات النفس قام و دبره النفس بالجملة و متي ما تنبهوا قاموا من مراقدهم و ان كان لهم بعض اعمال صالحة يخد لهم خد الي الجنة او اعمال طالحة فيخد لهم خد الي النار و انتفاعهم بذلك الخد كانتفاع الاراضي الطيبة في الدنيا برحمة الله و كذا تأذيهم كتأذي الاراضي السبخة بغضب الله او اقوي فان الشعور مترام من لدن العقل الي التراب علي اختلاف الدرجات و اما الصنف الثاني فاذا تخلل ابدانهم النباتية و تفرق الحيوانية الفلكية فارق مثلهم الفلكية جسدهم الاصلية اي ارضية مثلهم اي ما في نباتيتهم من مثل النفس و ذلك ان النفس النباتية مظهر و ارض للمثل فهي بالنسبة الي الافلاك المثالية ارض و ان الدار الآخرة لهي الحيوان و هي غيب النباتية و هي ارض هورقليا التي فيها الجنتان المدهامتان و الحيوانات تشارك الانسان في الحيوانية دون المثالية و هي في اسفل مراتبها تغلظ حتي تكاد ان تكون كالعنصريات و في اعلي مراتبها تلطف حتي تكون كالمثاليات و هي الحس المشترك [ص 41] تأخذ من الماديات بواسطة الحواس و تؤدي الي الخيال من حيث اعلاه فارض هورقليا هي اسفل الحس المشترك و هي غيب النباتية بالجملة يبقي جسدهم الهورقلياوي في قبر طبائعهم و يخد له خد الي الجنة بقدر شعوره و يذهب روحهم المثالي الي الجنة التي في مغرب شمس الطبيعة التي حرها من نار جهنم فيتنعمون بها علي تفصيل وردت في الاخبار و قد يأتون وادي السلام و اهاليهم و حفرهم و صفة ادراكهم انه ينطبع في مشاعرهم المثالية مثل الماديات المنفصلة كما تدرك انت بعينك تلك المثل الا انك لغلظة عينك تحتاج الي ان تراها علي كثيف غليظ حتي تكتثف و تناسب عينك و هم لايحتاجون الي المادة الكثيفة في رؤيتها فيرون ما في المرآة بلا مرآة لانه ينطبع في اعينهم و عدم دركك لها الآن بلا عين لعدم تخلص مثالك و اما الصنف الثالث فموتهم كالصنف الثاني الا ان ارواحهم لاترفع الي السماء و جنة المغرب لاخلادها في الارض فهم يذهبون الي نار عند مطلع شمس الطبيعة و يغلظ ارواحهم و يقطعها الدواعي الجاذبة من الاطراف و يعضها الكلاب و يلدغها الحيات و يلسعها العقارب كما هو في الاخبار و يخد لجسدهم خد الي النار بقدر شعوره و قد تجري ارواحهم في مثال وادي برهوت في بئر الكبريت و في مثل المركبات الخبيثات الملعونات تؤدي ذلك الفزع و الاهوال الي الابدان الملعونة الخبيثة تحت الثري في بقاع النار فهي بمنزلة النائم اذا رأي الاهوال فلاتزال تلك الابدان فزعة ذعرة و تلك الارواح معذبة بانواع العذاب في مثل المركبات المسخوطات لاتري روحا و لا راحة بالجملة النفوس بعد الموت علي هذه الصفة الي ان ينفخ في الصور و لا فرق عندنا بين النفوس الكاملة و الناقصة و لكل درجات مما عملوا و كل [ص 42] مؤمن يصعد الي المكان الذي ذكر ربه فيه بطاعته و ذكره ربه فيه برحمته و كل كافر يهبط الي المكان الذي عصي الله فيه و غضبه الله فيه و اما المستضعف فينتظر به البلوغ و ليس بتعطيل كما ينتظر بالنطفة الي ان تبلغ .
في حقيقة المعاد و كيفية حشر الاجساد و فيه قواعد :
قاعدة - اعلم ان الله سبحانه حي لا موت فيه و عالم لا جهل يعتريه و قادر لا عجز يعتليه و مشيته اول ما خلقه و وصف نفسه به فهي مبدأ الحيوة و العلم و القدرة و خلق جميع ما سواها من نورها و اثرها و الاثر يشابه صفة مؤثره فلجميع آثارها حيوة و علم و قدرة الا انها تقوي في الآثار اذا قربت و تضعف اذا بعدت و لاجل ذلك وصف الله الارض بالعقل فقال اتينا طائعين و وصف الله كل شيء باداء التكليف و العلم و العقل فقال كل قد علم صلوته و تسبيحه و يسبح لله ما في السموات و ما في الارض و ان من شيء الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و قد خلق الله الخلق للبقاء في دار القرب و لايحصل ذلك لهم الا بالصعود و لا صعود الا بالدلالة و اللطف و هي التكليف و لهم اجور بحسب عملهم بالتكليف و حكم ثانوي بحسب مخالفتهم و الكل مشتركون في هذا السر فكما انه يجب حشر الارواح للمجازاة وجب حشر الاجساد ايضا و لا بد من ان نذكر لتحقيق هذا المطلب اصولا يتفرع عليها فروع .
الاصل الاول كل شخص يقوم بمادته و صورته الذاتيتين و ان كان تمايزه عن غيره بصورته الا انها نهايات مادته و مقتضيات جهات ماهيته و صورة عمله و هيئة قبول المادة تكميل المكمل فهي معلولة لحال المادة [ص 43] في صلوحها لصفة ما من فعل ربها و به تكون طيبة و لصفة ما منها اي من نفسها من حيث هي و به تكون خبيثة فالمثاب او المعاقب هما المادة في الصورة و المراد بالمادة هي المادة الذاتية لا العرضية و الفرق بينهما ان المادة العرضية كانت قبل الصورة في الخارج و تخلع الصورة و تلبس اخري و المادة الذاتية ليست كذلك و لي هيهنا كلام و هو انه قد شاع و ذاع ان المادة هي ما به اشتراك الافراد و الصورة هي ما به الامتياز و المادة صالحة لكل فرد و الذي اري عيانا خلاف ذلك و هو ان المادة في الجنس الخاص مخصوصة بذلك الجنس لاتصلح لغيره و في النوع الخاص مخصوصة بذلك النوع فلاتصلح لغيره و في الشخص مخصوصة بذلك الشخص فلاتصلح لغيره و لما تحقق في الفلسفة ان المواد الجسدانية لاتلبس الصور الروحانية و لا العكس و المواد اللطيفة لاتلبس الصور الكثيفة الاتري ان الهواء لاينصبغ و الماء لاينكسر و التراب لايشف عما وراءه هذا و انت تري انك لو اعطيت الصيقل حديدا ذكرا صلبا هنديا صنعه سيفا حسنا حادا صقيلا و لو اعطيته حديدا انثي متقشرا صنعه سيفا سيئا كالّاً و الصيقل واحد و علمه و صنعه و قدرته واحدة و انت تعلم ان تكميل المكمل لا تخصص له باحد دون احد و لو كانت المواد ايضا لا خصوصية فيها لكان تصويرها ترجيحا بلا مرجح فمادة زيد لاتصلح ابدا لعمرو و لا مادة عمرو لبكر الاتري ان الشمس تشرق علي حد سواء و ينبت من ارض القتاد و من ارض الازهار فمن عرف سر الفلسفة عرف ان الصور ليست الا هيئات قبول المواد و ما لمتختلف المواد لمتختلف الصور فالشيء هو المادة و الصورة معا لا الصورة وحدها و لا المادة وحدها و ان كانت الصور في المواد بالقوة و في مقامها بالفعل كانسان له قوة التكلم فاذا تكلم صار كلامه بالفعل و المجزي هو المتكلم بكلامه [ص 44] فالاحكام المعلقة علي الصور منوطة بالمواد اولا و بالذات و بالصور ثانيا و بالعرض و التبع بقي شيء و هو انا قلنا ان المراد بالمواد المجزية الذاتية لا العرضية التي تتقلب في الف صورة فالمادة العرضية حقيقة مرآة قد واجهت مبادي العلل فسطع منها انوار او اظلة و لتلك الانوار و الاظلة مواد صادرة من المبادي و صور خلقت من نفس تلك المواد و انما احتاجت الي المرايا عند الظهور في عالم الاعراض و ليست شرط وجودها و لا منها و لا اليها و لربما تنصبغ فيها صبغا عرضيا و ذلك كعكسك في المرآة فانه مثال وجهك له مادة صادرة من ضوء وجهك و صورته و صورة من نفس المادة و هو صادر من صورة وجهك سواء كان مرآة ام لمتكن و هو في عرصة الاقليم الثامن لايري بالبصر الدنياوي و هو معك اينما كنت و ان شئت رؤيته كثفته بمرآة كثيف و صبغته بكثافتها فرأي بالعين الجسمانية فليس مرادنا بالمادة المرآة الصالحة للتصور بكل صورة سعيدة او شقية و انما المادة هي مادة ذلك المثال فمادة مثال صورة زيد غير مادة مثال صورة عمرو و كذلك الشقي و السعيد فلكل واحد مادة جوهرية تخصه و صورة و هما المعتمدتان لا المرآة الجمادية و النباتية و الحيوانية و المثالية و الهبائية و الطبعانية فانها عرضيات و قد نبهنا عليه في الباب الاول فعلي ما ذكرنا لكل شيء في مقامه مادة جوهرية هي اول صادر من فعل علته و صورة من نفس تلك المادة و ما يتقلب في كل شخص لا تخصص له بشخص حتي يحشر معه .
الاصل الثاني اعلم ان المميزات الشخصية امور موجودة في الخارج علي موادها و هي ذاتية لها اذ هي هيئاتها و حدود صورتها و اركانها و هي كمها و كيفها و وقتها و مكانها و رتبتها و جهتها و هي الايام الستة التي يخلق الشيء فيها و لهذه الستة متممات و هي الوضع و النسبة و الاضافة و الاذن [ص 45] و الاجل و الكتاب فالصورة تتألف من هذه الاثنيعشر و هي هيآت قبول المادة تصوير المصور قال تعالي خلقك فسويك فعدلك في اي صورة ما شاء ركبك فالصورة حقيقة هي المهية القابلة و تلك الاثناعشر مقومات المهية و حدودها فليس تشخص الشيء من نحو وجوده و انما هو من نحو ماهيته اي الوجود من حيث هو هو و ما يري من تبدل صورة زيد من اول عمره الي آخره في كل آن فانما يتغير و يتبدل ما ليس منه من اعراضه لا ما هو من ذاته و اما ما يذهب من ذاته و يمد بآخر فانما هو باخذ ما له منه و تلطيفه و رده اليه و بعبارة اخري ان ما اعطي يحل في حرارة التكليف و رطوبة الامتثال فيؤخذ منه الرواسب و الارمدة غير القابلة للانحلال فيصفو و يزداد روحانية فيصعد درجة و يرد عليه تكليف آخر فيحل و يصفي فيصعد و بذلك يتضاعف علوه الي ما لا نهاية له و بعكس ذلك اذا هبط فهو في كل حال هو و هو غيره كما مثل الصادق عليه السلام باللبنة لقوله تعالي كلما نضجت جلودهم الآية ، بالجملة الشيء شيء بمادته الجوهرية و صورته الذاتية فان ذهبت المادة في الفرض القولي ذهبت الصورة لانها ظلها و ان ذهبت الصورة ذهب اختصاص المادة فاذا اطلقت عن قيد الصورة ظهر الصلوح الهيولاني الامكاني و ذلك عند ملاحظة المادة من حيث صدورها من الفعل المطلق و اما من حيث نفس المادة فهي مخصصة بماهيتها التي هي مبدأ جزئيات صورتها و لايكاد ينفك احديهما عن الاخري في الخارج لان الله تعالي لميخلق شيئا فردا قائما بذاته .
الاصل الثالث الوجود الشخصي يجوز ان يشتد و يضعف لانه ان صفت قابليته بالاخلاص في الاعمال و الاستقامة علي بساط الانس و صحة الاعتقاد اشتد و قوي و ان كدرت بالشوب و الاعوجاج في المسلك و الاعتقاد [ص 46] ضعف بل ربما مات كما قال الله تعالي اموات غير احياء و ما انت بمسمع من في القبور و ليس اشتداد الشيء و ضعفه بجوهريته لان المقتضي للاشتداد ان كان ذاتيا للشيء فهو حاصل له بالفعل فجميع ما يقتضيه حاصل له في الحال الاول فلا تدرج في اشتداده و ضعفه فان اشتد علم انه لمقتض خارجي فلا معني للحركة الجوهرية كما زعمه قوم نعم يصعد الشيء باقدام اعماله الي درجات قرب مبدأه او يهبط الي دركات البعد و ذلك ان الحادث قد اخترعه صانعه لا من شيء و يتوقف ظهوره علي قابليته فيكون في قوته و ضعفه علي حسب قابليته و ذلك كنور الشمس علي الجدار و المرايا المختلفة مع ان ما من الشمس علي صفة واحدة و كاناء كسرته فانكسر و انما يظهر كسرك علي الاناء علي حسب قابليته في الرخاوة و الشدة و اختلاف اجزائه و القابلية هي مبدأ الانفعال لفعل الفاعل فالحركة انفعالية لا فعلية و ان قلت فما بال الافلاك لاتترقي بحركاتها الدائمة و الملئكة لايترقون بتسبيحهم الدائم قلت ان الذي لايترقي هو الفعلية البسيطة الذاتية و هو الله الاحد جل جلاله و كل ما سواه فانما هو مركب سواء كان ذاتا او صفة ذاتيا او عرضيا امكانا او كونا او عينا وجودا او ماهية لان جميع ما سوي الله جل و عز مخلوق بفعله سبحانه و له جهة من ربه و جهة من نفسه و يحتاج الي مدده سبحانه في كل حال و لا بد و ان يصعد الي ربه بلا نهاية باقدام استمداده في درجات الامداد و ذلك حتم لا براح عنه سواء كان الشيء مجردا ام ماديا و لو لميترق الافلاك لماوصلت الي البرزخ و لا الي الآخرة و لو لميترق الملئكة لكان سؤالهم بلا جواب و لا بخل في المبدأ نعم كل فعلية بالنسبة الي قوته لايظهر فيه ترق و تنزل كما يظهران من القوة و لما كانت الافلاك بالنسبة الي العناصر فعلية لميظهر الترقي فيها علي نحو ترقيات العناصر و لما كانت الملئكة الذين [ص 47] هم اطراف الوجود فعليات لميظهر فيها الترقي كالمركبات بالجملة كلما اشتد وجود الشيء ازداد وحدة و كلما ازداد وحدة ازداد انبساطا و كلما ازداد انبساطا ازداد جامعية و كلما ازداد جامعية ازداد قدرة علي اظهار كمالاته و كلما ازداد قدرة ازداد آثاره و تجلياته و ظهوراته و وجوداته فانتشر نوره و انبسط ظهوره علي حسب اشتداده و ذلك سر مبهم فافهم .
الاصل الرابع اعلم ان الله جل و عز احد و مشيته صفة احديته و لميجعل في حكمته ان يصدر منها الكثرات و لميجعلها اولي بشيء من شيء فمبدؤ الكثرات هي القابليات الامكانية التي علمها الله سبحانه علي ما هي عليه قبل تكوينها و علمه تعالي اولي بحقيقة التصديق و كما ان علمه كماله تلك المعلومات التي هي من جهته علمه كمالاته فهي علي ما هي عليه كمالاته و مقتضي احديته التي وصف بها نفسه عدم تناهي كمالاته و مقتضي عدم تناهيها تجليه بكلها و علمها علي ما هي عليه فشاء كما علم و خلق كما شاء فجميع ما برز في الاكوان وجودات ما كمن في الامكان و جميع ما في الاكوان من الفعليات و ما في الامكان من القوي في علمه سبحانه بالفعل علي نحو الاحدية الطاوية و جميع ما في العلم صفته التي وصف بها نفسه ثم كل علة يجري هذا المجري علي حسب حكايته الاحدية فجميع معلولاته حدا و محدودا تابعة لفعله و فعله تابع للصور العلمية التي في نفسه و هي ظهورات المعاني الكلية التي في عقله و هي ظهور كمال حقيقته و جامعيته المستغنية بها عن غيره و الغني الحق هو الله الطاوي باحديته الوصفية ما سواه الممتنع مع ذاته غيره و اما ما سوي العلة و هو ما في عرض صاحبه فعلمه به علي نحو الانطباع كائنا ما كان فجميع ما في الخيال من صور غير المعلولات له صور قائمة بالمتخيل بالفتح قد انتزعها الخيال و المنتزعة بمنزلة النوع [ص 48] فوقعت في الخيال و تشخصت علي حسب صبغه و صفائه و اعوجاجه و استقامته كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم و ليست النفس خالقة لما في الخيال و ليس قيامها بالخيال قيام صدور بل ظهور و صفة نزع الخيال الصور علي انواع فان نزع من المواد فانما ينزع بواسطة الحس المشترك و الحواس الظاهرة المقارنة للصور و ان نزع صور ما مضي فانما هو بالتفات النفس بمثال الخيال الملقي الي مثال الحس المشترك الملقي و مثل الحواس الظاهرة الملقاة المقابلة لمثال الشيء الملقي فزيد في حال يلقي مثالا و عينك الناظرة اليه و حسك المشترك المنطبعة فيه الصورة يلقيان مثالا و خيالك يلقي مثالا و نفسك بعد حين اذا شاءت تذكر ذلك التفتت الي مثال الخيال الملقي الي الحس الملقي و العين الملقي و زيد الملقي فرأته علي ترتيب رأته اول مرة و لو لمتره لمتقدر علي ذلك لانه لا سبيل اليه نعم ربما يتصور الانسان ما مضي مما لميره او ما سيأتي فينزع خياله صورة من مصداق لفظ سمعه او دلالة قرينة دالة ادركها او لازم او ملزوم او متضائف او منسوب او شيء مما يحمل شبح شيء و قد ادركه قبل و الا فلا و لذلك ليس للاعمي بالولادة مدركات خيالية لونية و شكلية انتزاعية عن المواد و للاصم بالولادة مدركات خيالية صوتية كذلك و اما ما قد يراه النائم في منامه مما لميدركه بحواسه الظاهرة ابدا فهو مما ينطبع في خياله من لوح القدر مما اطلع عليه او من لوح الامضاء من حملة اشباح ما مضي او انتزاعه من الامكان بعد تصوره بصورة نزعها من مكان آخر امّا مثال الاول فانك اذا رأيت جلاوزة السلطان قد بدوا بالتحذير فانه ينطبع في خيالك مجيئ السلطان قبل ان يجيء و مثال الثاني انك اذا رأيت حمي زيد ينطبع في خيالك عدم توقيه البرد امس اليوم و اما المثال الثالث كأن تنزع صورة [ص 49] رؤس و تصور خيالك بصورة الف رأس ثم تقابل به امكان الرجل فتتصور انسانا له الف رأس مثلا و علي هذه فقس ما سواها فليس في الخيال شيء لمينتزع من المواد بواسطة او غير واسطة في الحال او في السابق و لذلك لاتكاد تجد فيه ما لمتدركه بشخصه او نوعه في العالم الجسماني الزماني و لذلك نقول ان عرصة البرزخ لها بكرة و عشي و ايام و شهور و سنون مثل هذه الدنيا مع ان شمسنا هذه تطلع من دونهم و تغرب من دونهم .
و اما صفة درك الارواح ما في هذه الدنيا بعد تجردها عن المواد و موت الابدان فاعلم ان الروح و ان تجرد بالموت عن التعلق بالاجسام العرضية لمتتجرد عن المثل و الاجسام البرزخية التي هي برزخيات هذه الاجسام و كما ان الجسم يقترن بجسم المثال ايضا يقترن بمثال فيقترن الروح المثالي بمثل هذه الدنيا و اذا خلع الاجسام مثلها خلع الروح ايضا مثاله فان الروح البرزخي يمر عليه الآنات و في عالم البرزخ بكرة و عشي و ايام و ليال و اسابيع و شهور و سنين مثل هذه الدنيا فالروح يقارن مثل الزمانيات الموجودة و يخلع معها المثال مقارنا بها و كما ان نفسك يدرك بخيالك المقارن بمثال ملقي في لوح العلم ذلك المثال كذلك تدرك بالمثال الموجود للروح ما يقارنه من مثل الزمانيات و لكن لا من حيث اقترانها بالمادة الزمانية فانه شأن الادراك بالعين انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها بل من حيث نفس المثال علي ما يلقي في لوح العلم و سر عدم ادراكك الآن بخيالك لو سددت حواسك الظاهرة المثل المقارنة عدم تجرد خيالك كونا فاذا تجرد شاهد و بذلك يأتي الارواح وادي السلام و يزورون قبورهم و يرون من يزورهم و يحضرون غسل اجسادهم و حملها و دفنها و يزورون اهاليهم و يرون اعمالهم و يري الجن الناس و يقارنونهم و يتصرفون فيهم فان المثال الواقع علي المواد من جنسهم [ص 50] بالجملة ليس للخيال درك شيء لميدركه بحواسه الظاهرة ما دام متعلقا بالاجسام و ما لميقارنه بعد تجرده و ليس له شيء الا ما حصله بالانتزاعات اللاحقة و السابقة و لذلك تراه لايقدر علي تصور ما لمير نوعه في الدنيا .
الاصل الخامس اعلم ان زيدا له حقيقة هو بها زيد لاتتوقف في كونها هي هي الي ضم ضميمة و هي التي خلقه الله عليها في عالم الذر فكلفه بما كلفه ثم صوره علي ما صوره من صورة ايمان او كفر و هي بدؤه و كما بدأكم تعودون و لقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة فيكون عوده علي بدئه ثم انزله الله الي عالم الطبايع لان جميع مراتب القوابل مستنير علي حسبه بنور مشية الله جل جلاله فانحل فيها مع غيره لانه امكان عالم الشهادة فامتزج معه و حصل له خلط و لطخ طبيعي فاذا اخذ منها حصة و لبست صورة تصورت علي مقتضي ذلك اللطخ و الخلط و تغير صورته عن صورته الاولية علي ما تري و لما كان لزيد في ذاتيته جميع المراتب التي يفتقر الاثر في كونه اثرا تاما اليها و كان شهادته علي حذو غيبه حصل له جسمان و جسدان و ذلك ان له في ذاتيته مقام فلكي يحكي جهات الفعل و مقام عنصري هو مقام مفعوليته فبذلك كان له جسم فلكي و جسد عنصري و هما ذاتيان له و لما نزل الي عالم الشهادة خلطه اعراض جسدية و حصل له منها جسد مشوب و بين عالم الغيب و الشهادة روابط برزخية بها يتعلق الغيب بالشهادة و بها يمكن الشهادة لحكاية الغيب و لولاها لميرتبطا و منزلتها منزلة الافلاك السبعة بين الكرسي و العناصر و ذلك ان الكرسي باب من ابواب الغيب كما ان العرش منها الا ان العرش اغيب من الكرسي و العناصر مقام عالم الشهادة و الافلاك هي الروابط بينهما و الممكنة للعناصر لحكاية الكرسي و تلك الروابط ايضا خارجة عن ذات الحقيقة و حصل لها في ظهورها [ص 51] بتلك الروابط ايضا اعراض رابطية برزخية الا انها عرضت جسمه و حصل لها في تلك الرتبة جسم مشوب فبذلك حصل له جسمان و جسدان فالجسد الاول هو ما في الدنيا من العناصر السفلية الدائر دوراته المكملة للقابلية و هي الجمادية و المعدنية و النباتية ذائبة و جامدة لطيفة و كثيفة المشارك معه فيه سائر النباتات غاية الامر انه اكملها فهذا الجسد يتلاشي في قبره شيئا فشيئا و كلما تحلل منه شيء لحق باصله من العناصر و طبايع عالم الشهادة سواء في ذلك غلائظه و رقائقه البخارية و الدخانية فاذا تحلل البدن بقيت الاشعة الرابطية التي كانت صادرة من الحقيقة ظاهرة متعلقة بالجسد في الساهرة كما انك اذا كسرت المرآة بقي شبح وجهك صادرا عن وجهك و لكن غير ظاهر ضرورة ان المرآة مظهرتها لا موجدتها فتلك الاشعة الرابطية البرزخية هي المثال مثال الحقيقة الملقي في مرآة الجسد و له مادة برزخية و طبع برزخي و هو الادراك المبهم و حصة من ذلك الادراك المبهم حين تعينت بتعقل او علم او وهم فهي المادة البرزخية و ذلك المثال و ان كان قائما بالحقيقة الا انه غير مستغن عن الجسد لانه وجود رابطي و لذلك ليس له دائما الا ما استفاده من المواد و لو بعد الموت و لذلك لعرصته بكرة و عشي و عرصته شبيهة بهذه الدنيا من حيث الاسفل بالجملة ينسل ذلك المثال من الجسد عند الموت و فيه جميع المراتب العالية و يبقي في طول البرزخ حيا ساهرا اما في النعيم و اما في الجحيم و اما الجسد الثاني فهو الجسد الاصلي الحقيقي و هو يبقي في قبر الطبايع الجوهرية ما دامت باقية كما لبث فيها مدة حال نزوله الي ان خرج في هذه الدنيا و لايمازج العناصر لانه ليس في عرصتها بل تلك الاجزاء في اللطافة كالجسم المطلق و هو الطف من محدب العرش بسبعين مرة و كذلك يكون طول عالم البرزخ الي ان يخلص من [ص 52] الاعراض الطبيعية المميتة له المبطلة لحسه و انما يطول علي الجسد زمان التخليص لجموده و يبسه و شدة تعلقه بالاعراض و ربطه بالطبايع العرضية و انهماكه فيها و اخلاده و لعل الناس يختلفون في سرعة التخلص و بطئه الا ان التخلص النوعي في المحشر الكلي بالجملة كذلك يكون الامثلة و الاجساد الثانية الي ان ينفخ في الصور نفخة الفزع فينسل المواد من الامثلة فيتحلل الامثلة في الطبايع الجوهرية و يبقي في بيتها من الصور و ينسل منها الطبايع فتتحلل في بيتها و ينسل منها النفوس فتتحلل في بيتها و ينسل منها الارواح فتتحل ( فتتحلل ظ ) في بيتها و ينسل منها العقول فتتحل ( فتتحلل ظ ) في بيتها و يصرف الله وجهه عنها فتتحلل في بيتها و ذلك ان العالي اذا نزل الي الداني صار فيه بالقوة اولا ثم يتعين بالفعل ثانيا كحبة تتفسخ في التراب اولا ثم تنبت و تنعقد حبا ثانيا فاذا عاد علي بدئه يعود الحب الي التراب و يتفسخ ثم ينسل من التراب كما كان اولا و المثال تقريبي فما دام المثال منعقدا موجودا كانت الاعالي فيه ظاهرة فاذا انكسر و عاد الي الطبايع رجع المادة الي طبايعها و الطبع الخاص الي طبايعها و النفس الي طبايعها و الروح الي طبايعها و العقل الي طبايعه و المراد بهذه المراتب المراتب الظلية الحاملة للمراتب الحقيقية فان الحقيقة فوق الصور و مقام الصور مقام العرش من حيث الظاهر الذي هو آية الرقيقة البرزخية الكلية التي جميع الارواح من نوره و ملك الروح هو اسرافيل و صور عرش عالم الاظلة علي فمه فالمراتب هي المراتب الظلية و البيوت هي الكرسي و الافلاك فتفهم و الله اعلم بطول مدة النفخ و الذي روي لايحصي كثرة و هو مذكور في البحار تركناه خوف الطول فاذا تم النفخ بقي كل مرتبة في بيته من الصور و اعراضه تمازج الاصول و ذاتياته تجاور و سبب تفتت كل مرتبة ذاتية بالنفخ تعلقه بما دونه [ص 53] و لولا التعلق لماتفتت و نفخ في الصور فصعق من في السماوات و الارض الا من شاء الله و هم الذين يملكون الصور و النفخ بامرهم و اعراض قلبهم عما دونهم بالجملة كذلك يتفتت المراتب و يبقون اربعمائة سنة و كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و يأتي تفصيل المقام و الغرض في هذا الاصل ان القالب المثالي الرابطي يبقي بعد تلاشي البدن و ليس يتلاشي بموت البدن بل يقوي في وجوده و يشتد قوة مداركه و تلذذه اكثر بسبعين مرة و تعذبه اكثر بسبعين مرة و يصل اليه سكرات الموت بشدة تعلقه بهذا البدن و انتزاعه بقوة ملك الموت و تختلف في اقسام الخلق و لو مات الانسان موتا طبيعيا ينسل شيئا فشيئا و لايحس و ان مات فجاءة يكون تعذبه اكثر و ان قتل فهو اسهل من الفجاءة للمباغتة و غفلة الطبع و المقتول صبرا اصعب عليه من المقتول بغتة و في النوم اسهل من اليقظة و في الامراض الدماغية اسهل من الامراض البدنية و مع طول المرض اسهل من قصره و لكثير الذكر للموت المستأنس به اسهل من الغافل عنه و لاهل البلاء اسهل من اهل السلامة و للزهاد اسهل من الراغبين اعاننا الله علي الموت بفضله و علي ما بعد الموت انه بعباده رحيم كريم .
الاصل السادس و هو من تمام الاصل السابق و هو ان الله سبحانه اذا اراد خلق زيد مثلا في هذه الدنيا المحسوسة اخذ حصصا من الماء و التراب و قد استجن فيهما النار و الهواء و مزج بعضها ببعض بقوة اشعة الكواكب المطروحة علي الارض المثيرة بقوة حرارتها العناصر ففي الدور الاول حصل الجماد ثم دارت عليها و صعدتها و نزلتها حتي اركدت نارها و جعلتها كالهواء و جمدتهما فجعلتهما كالماء ثم اسالت ترابها فجعلته كالماء و طبختها و نضجتها و اخذت بطول التصعيدات ارمدتها حتي احدثت لها وحدة ما [ص 54] مشاكلة الاجزاء في الجملة معتدلة ما فظهر عليها سر الرحمانية الجامعة لها فاستوي علي عرشها فذلك السر هو جسم طبيعي نوعي سار في جميع العناصر الا انه ليس علي كمال التجرد عن طبايع العناصر لعدم حصول الاعتدال و الصفاء الحقيقي بالجملة ذلك السر فيه وحدة ما و مشاكلة ما مع الحيوة الحيوانية فظهر عليه آثار الحيوة و مثالها الذي هو النفس النباتية و انصبغ ذلك المثال فيه فظهر منه بعض الحركات و القوي بواسطة اركان عرشه و تلك القوي كانت فيه مجملة فتفصلت في الاركان و ذلك الجسم الطبيعي مركب من الطبايع الركنية لا العنصرية اي الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة ثم صفت ايدي التقدير بحسن التقدير النفس النباتية و عدلتها اكثر و نضجتها و رققتها و لطفتها حتي جعلتها دخانا رقيقا لطيفا طبيعيا مركبا من خمسة اجزاء طبيعية جوهرية من كل طبع جزء و من البرودة جزءان فساوي فلك القمر و هو مع النفس النباتية من جنس واحد الا انه الطف منها و ارق و قد شاكل باعتداله و رقته و توحده الحاصل له النفس الحيوانية التي هي سر الرحمانية بين الطبايع الجوهرية و الحد المشترك النوعي بينها يعني كل طبع منها حي فانه من ظهور النفس في جهته كما ان النار مثلا جسم طبيعي خاص بجهتها فاذا اجتمعت الطبايع معتدلة صافية و توحدت توحدا ظهر عليها سر رحمانية الحيوة فصارت حية حاكية لاطراف الحيوة و هي مركبة من طبايع جوهرية ملكوتية يحفظها اركان الطبايع العنصرية فاظهرت قويها من اركان تلك الطبايع و تلك الرحمانية هي الحس المشترك البرزخ بين الاجسام الملكية و الملكوت اسفلها مرتبط بالطبايع المرتبطة بالعناصر الزمانية و اعلاها مرتبط بالنفوس الملكوتية الدهرية ثم عملت ايدي التقدير في تلك الحيوانية حتي عدلتها و رققتها حتي شابهت النفس الملكوتية [ص 55] في الوحدة و الرقة و الصفاء فظهر عليها سر الرحمانية السارية في اقطار جهاتها و طبايعها الجوهرية و هذه الطبايع هي طبايع يعود اليها المثل عند نفخ الصور و هي ارض عالم المحشر و تلك الرحمانية هي النفس الملكوتية و يحكي كل طبع جهة من جهاتها كما مر فاذا ائتلفت في المكون و حصل لها صورة واحدية حكي جميع جهات النفس الملكوتية الكلية الالهية و اشتعل ذلك المكون بنور النفس و تلك الشعلة هي النفس الناطقة الخاصة بذلك المكون دون غيره فهي شعاع النفس الكلية و آيتها في كل مكون و هي دهرية صادرة من النفس الكلية ظاهرة من الطبايع و عليها و الله انبتكم من الارض اي ارض الطبايع نباتا منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة اخري فاذا اختل العناصر الحافظة للنفس النباتية تفرقت فتفرق الصوافي ايضا و تبدد الجسم الطبيعي المهيمن عليها فعادت النباتية الي اصلها عود ممازجة اي انقطع اجلها في الزمان و بتبدد النفس النباتية الطبيعية تبدد الروح الحيوانية الحسية لانه اذا تبدد الدخان تبدد الاشتعال و عادت الي الافلاك عود ممازجة و انقطع اجله في البرزخ لانه برزخي فاذا تفرق عاد الي الطبايع الجوهرية و يبقي مثال النفس الكلية في الساهرة لاينام و هو دائم في النعيم او العذاب الاليم لان تشخصه بالعلوم و منبته ارض العلوم و ان كانت مرتبطة بالاجسام الزمانية الي ان ينقطع اجله و ينقضي مدته بنفخ الصور فيعود عود ممازجة الي اصولها الجوهرية و يبقي النفس الناطقة الدهرية و هي لاينقطع اجلها لانها دهرية ثابتة منه بدئت و اليه عادت و في حيزه استقرت و ليس مرادي ببقاء النفس بعد البدن البعد الزماني بل البعد الدهري فهي مذكورة ابدا حيث ذكرها الله و ذكرت الله فيه و قد انقطع الظلية في مددها و الحيوانية في مددها و النباتية في مددها و لو نظرت الي الحيوانية [ص 56] و النباتية بنظر دهري لرأيت انهما ايضا لمتنقطعا و لمتمازجا غيرهما و انما الممازجة كانت في السير الزماني و البرزخي و تعودان يوم القيمة علي ما هما عليه و ليس المراد ببقاء نفس زيد بعد موته انه يمر عليها السنون فزيد الذي قد مات خمسون سنة قبل هذا لميمر علي نفسه خمسون سنة بل هي الآن حيث هي من وقتها يوم اول و لميمر عليها شيء و هي واقفة فوق اظلتها و حيوانيتها البرزخية و نباتيتها الدنياوية بالجملة نفسه الدهرية عالم بكله عرش و بكله كرسي و بكله افلاك و بكله عناصر و بكله جماد و نبات و حيوان و انسان و بكله زمان و بكله برزخي و بكله دهري ،