الفوائد السبع
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و الصلوة علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي من نصب لهم ابد الآبدين .
و بعد فيقول العبد الاثيم الجاني كريم بن ابرهيم الكرماني ان هذه فوائد لطيفة و عوائد شريفة لميكشف لثامها و لميفض ختامها لميذكر اغلبها في كتاب و لميجر ذكرها في خطاب كتبتها في امهات المسائل الالهية و اصول المطالب النبوية و حقايق المقاصد الولوية فيا ايها المطلع عليها اعرف قدرها و اغل مهرها فانها حسناء قد عقمت امها خلفها و درة قد جفت يمها بعدها فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ، ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد فانصف ربك و لاتخاطر بنفسك و اجمع قلبك فكم من خبايا اخفيها في زوايا و الله خليفتي عليك و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .
الفائدة الاولي - في معرفة البيان علي ما عرف الله نفسه به . قال الله تعالي اولميكف بربك انه علي كل شيء شهيد الا انهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شيء محيط و قال قل هو الله احد الله الصمد لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد ، و قال علي عليه السلام اما البيان فهو ان تعرف الله سبحانه ليس كمثله شيء فتعبده و لاتشرك به شيئا الخبر ، و قال علي بن الحسين عليه السلام يا جابر اثبات التوحيد و معرفة المعاني اما اثبات التوحيد فمعرفة الله القديم [ص 3] العامة الذي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و هو غيب كما وصف به نفسه الخبر ، فهذا مقام السر المقنع بالسر و حق الحق و سبحان الله عما يصفون و الغيب الممتنع الذي لايدرك و ما لايقع عليه اسم و لا رسم و الذات و مقام التوحيد و سر التفريد و نريد ان نشرح ذلك علي ما عرفنا الله سبحانه في مقاماته و علاماته و صفاته و آياته كما تأتي .
اعلم ان الله سبحانه احد فلايتناهي الي غيره من كون او امكان خلق او امر اذ لا غير معه فلو انتهي الي شيء لصار محدودا و كل محدود بحد له جزؤ قريب الي حده و جزؤ بعيد عن حده باي اعتبار كان و ما هو ذو اجزاء غير الاحد جل شأنه و ما سوي الاحد مثني و كل مثني متلاشي عند الاحد النافذ باحديته في حديهما و محدوديهما و كلهما و جزئهما و كليتهما و جزئيتهما و ذاتهما و وصفهما بلا كيف و لا مظروفية و حلول و لا كنفوذ شيء في شيء فالاحد هو ما ليس له جزؤ و جزؤ و لايتناهي الي غيره من ذات او صفة حد او محدود جوهر او عرض قد طوي بوحدته جميع ذلك فهو اذ ذاك في كل مكان و لايخلو منه مكان و لايحويه مكان اذ لايتمكن في مكان فلا خلقه خلو منه فيحد و لا هو خلو من خلقه فيتناهي فاذا هو حيث هو لا شيء سواه و لا موجود دونه كان كذلك قبل الخلق و مع الخلق و بعد الخلق بلا تغير و لا تبدل ، و هو سبحانه صمد فلايخرج منه شيء اذ لميكن فيه شيء و لايدخل فيه شيء اذ لا شيء سواه حيث هو و هو دائم لميزل و لايزال لانه قد طوي الاوقات بصمدانيته و سؤدده و نفذ في البقاء و الفناء باحديته و ملأ ما سواه بقدسه ، لميلد بان يخرج منه شيء كثيف او لطيف او يتشعب منه البداوات فلميخرج و لميظهر منه شيء و لميولد كما يخرج الاشياء الكثيفة من عناصرها او الاشياء اللطيفة من مراكزها و لميكن له كفوا احد اذ كل [ص 4] ما سواه خلقه و عبده و ضرب الله مثلا هل لكم مما ملكت ايمانكم من شركاء فيما رزقناكم فانتم فيه سواء ليس كمثله شيء اذ حيث هو لا شيء دونه و حيث خلقه فالكل عبده و مربوبه فاني يكون له كفو و مثل و شبيه فهو سبحانه ذات قديمة احدية المعني لاتثني و لاتجزي و لاتتناهي و لاتميز فلايعرفه سواه و لايعلمه غيره و لايصل اليه احد دونه كائنا من كان بالغا ما بلغ لا ملك مقرب و لا مؤمن ممتحن و لا نبي مرسل حتي محمد صلي الله عليه و آله و سلم باعلي مقاماته و ادق مداركه الا بما عرف نفسه لهم بهم فهم يعرفونه به فلايذهبن بك المذاهب الفاسدة و الآراء الكاسدة فان كل معروف بنفسه مصنوع و كل ممتاز بعينه موصوف و كل موصوف محدود و كل محدود مثني و كل مثني مجزي و كل مجزي خارج عن الاحدية و كل خارج عن الاحدية مطوي تحت الاحد فان قيل هناك لا عارف و لا معروف و لا معرفة فهو اذ ذاك هو لا شيء سواه و ان قيل بوجودها فحدد كل واحد بالآخر و جاء المحذور فسبحان من لايعرفه غيره و لايعلمه سواه و هذا تعبير عن الضمير و الا فالمعرفة وجدان بعد فقدان و هو لايفقد نفسه و المعلمة لنفي الخلاف و هناك لا شيء سواه و لاتزعمن من تردادي في اثباته و نفي ما سواه و نفوذه باحديته فيما دونه و طيه بصمديته ما سواه انه كل الاشياء تعالي الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا فاني اقدسه عن الانتهاء الي البعض و الكل اما البعض فان المنتهي اليه بعض قد احاط بهما كل و اما الكل فان له بعض و هو مجزي و الاحد لايماثل و لايجزي فهو سبحانه باحديته امتنع عن الجزئية و الكلية عينا و كونا و امكانا و صلوحا جايزيا و رجحانيا ذهنا و خارجا و نفذت احديته عن الكل و الكلية و طوت صمديته الجزء و الجزئية و هما من سنن خلقه [ص 5] و ما سواه و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه و لاتزعمن مما حققنا انه حال في خلقه باحد انواع الحلول اذ كل حال انتهي الي محله و كل متناه الي سواه محدود و كل محدود مصنوع فمرادي بنفوذه باحديته فيما دونه عدم تناهيه الي حد او محدود او حال او محل فان كل متناه الي شيء سواه موجود في حده معدوم فيما وراه و هو سبحانه لايخلو منه مكان فلايحويه مكان و لاتزعمن ايضا مما شرحنا انه سبحانه متحد مع خلقه باحد انواع الاتحاد فان خلقه محدود و كل متحد مع المحدود محدود مجزي مطوي تحت الاحد سبحانه و اشرت الي نفي جميع هذه الاحتمالات اجمالا حيث قلنا النافذ باحديته فان نفوذ كل نافذ ينافي الاحدية دون نفوذه سبحانه فان كل نافذ مقترن بما نفذ فيه او بما امتاز منه و به و الاقتران يستلزم التجزية المنافية للاحدية و نفوذه بطي ما سواه علي معني امتناع ذكر غيره حيث يذكر هو سبحانه الاتسمع الي قوله ما من نجوي ثلثة الا هو رابعهم و لا خمسة الا هو سادسهم و لا ادني من ذلك و لا اكثر الا و هو معهم و كيف تظن بهذه المعية اهي معية متناهية كمعية زيد مع عمرو فتشبهه بخلقه او معيّة غير متناهية فيكون قد طوي باحديته الذوات و العقول و الارواح و النفوس و الطبايع و المواد و الامثلة و الاجسام و الاجساد و الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و المحل و الوقت و الوضع و الاجل و الكتاب و الحيث و الاعتبار في جميع تلك الجواهر و تكون بذلك موحدا و لايسعك ان تقول ان كنت موحدا الا بمعية غير متناهية قال الله تعالي اولميكف بربك انه علي كل شيء شهيد قال الصادق عليه السلام يعني موجود في غيبتك و حضرتك الا انهم في مرية من لقاء ربهم الا انه بكل شيء محيط و انما احاطته احاطة صمدية لا كرية و احاطة [ص 6] غير متناهية من حيث الاسفل اذ لا اسفل و هي هي تلك المعية المذكورة و مع ذلك اقول ان الله خلو من ملكه فلا شيء من خلقه مذكور فيه لا بوجود و لا عدم و لا اثبات و لا نفي لا عينا و لا كونا و لا صلوحا اذ جميع خلقه بكل اعتبار ممتنع لا شيء الا انه لا شيء في الازل مع انه شيء حيث هو فيه شيء و ملكه خلو منه فلايحل في شيء من ملكه و لايتحد مع شيء من خلقه و لايقترن بشيء مما سواه هو في قدمه و قدمه عين ذاته و الخلق في رتبة الحدوث و حدوثهم عين حقائقهم فلاينزل هو عن قدمه فيشاهدوه و لايصعدون عن حدوثهم فيعرفوه و لاينتهي هو الي خلقه و لا خلقه ينتهي اليه و هو سبحانه وراء ما لايتناهي بما لايتناهي و مع ما لايتناهي بما لايتناهي قريب لا بمداناة بعيد لا بمناءاة داخل في الاشياء لا كدخول شيء في شيء و خارج عن الاشياء لا كخروج شيء عن شيء مع كل شيء لا باقتران و ناء عن كل شيء لا بافتراق شاهد علي كل شيء لا بمصاقعة و غائب عن كل شيء لا باحتجاب موجود لا بمماثلة مفقود لا بمزايلة سبحان من هو هكذا و لا هكذا غيره فهذا هو التوحيد الحق و التفريد المطلق علي ما وصف نفسه في كتابيه و وصف برهانه في سنتيه و دعا اليه من اتبعه علي بصيرة فخذ به و كن من الشاكرين و اياك و اتباع سبل الضلالة التي ماانزل الله بها من سلطان فتكون من الهالكين فسبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و تدبر في مطاوي هذه الفائدة بقلب مجتمع فتفوز مع الفائزين فان ما شرحت لك فوق توحيد الموحدين الا عباد الله المخلصين فاني اقتفيت اثرهم عن ايمان و يقين ،
فان كنت ذا فهم تشاهد ما قلنا و ان لميكن فهم فتأخذه عنا
فما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما كنا
فمنه الينا ما تلونا عليكم و منا اليكم ما تلوتم به عنا [ص 7]
الفائدة الثانية - في معرفة المعاني و هي من اعظم المسائل بعد معرفة البيان و اتبعناها بها لانه ليس بينهما افتراق كما قال الحجة عليه السلام في دعاء رجب و بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك ، و قد ذم الله سبحانه من فرق بين المقامين بقوله و يقطعون ما امر الله به ان يوصل ، قال علي بن الحسين عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده و قال علي عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و نحن جنبه و يده و لسانه و امره و حكمه و علمه و حقه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريده فنحن المثاني الذي اعطانا الله نبينا صلي الله عليه و آله و نحن وجه الله الذي يتقلب في الارضين بين اظهركم فمن عرفنا فامامه اليقين و من جهلنا فامامه سجين و ان شئنا خرقنا الارض و صعدنا السماء و ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم ، اعلم ان هذا المقام اول مراتب الحدوث فلا حادث قبله و ليس للخلق مقام اعلي منه و هو الذي منه بدئت الموجودات و اليه تعود و هو الدوات الاولي و ن و القلم و ما يسطرون و الماء الذي جعل منه كل شيء حي علي العموم و ام الكتاب التي عنده و مفاتح الغيب التي لايعلمها الا هو و يعلم ما في البر و البحر و ماتسقط من ورقة الا يعلمها و لا حبة في ظلمات الارض و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و مقام باطن الباطن و سر السر و سر علي سر و سمي هذا المقام بالمعاني لان المعني مأخوذ من عني الشيء و به [ص 8] اذا اظهره و ابداه و يقال عنت الارض بالنبات اذا ابدته و اظهرته من نفسها و النبات هو معني الارض اي ما اظهرته و معني الكلام ما يظهره المتكلم للسامع بكلامه فيقال عني زيد بكلامه كذا اي اظهره من نفسه بواسطة كلامه كذا فمعاني الله هي ظواهر الله و تجلياته كما قال علي بن الحسين عليهما السلام اما المعاني فنحن معانيه و ظاهره فيكم الحديث ، و اما قول الحجة عليه السلام في دعاء رجب اللهم اني اسئلك بمعاني جميع ما يدعوك به ولاة امرك ، فهي هذه المعاني ايضا الا انها اضيفت الي ما يدعي به لانها تظهر به فهي من قبيل اضافة العالي الي الداني كقولك يا الهي و ربي و تلك المعاني اي الظواهر هي علم الله الذي لايعزب عنه مثقال ذرة في السموات و الارض و رحمته التي وسعت كل شيء و قدسه الذي ملأ الدهر كله و نوره الذي اضاء له كل شيء و قوته التي قهر بها كل شيء و خضع لها كل شيء و ذل لها كل شيء و جبروته التي غلب بها كل شيء و عزته التي لايقوم لها شيء و عظمته التي ملأت كل شيء و سلطانه الذي علا كل شيء و وجهه الباقي بعد فناء كل شيء و اسماؤه التي غلبت اركان كل شيء و علمه الذي احاط بكل شيء و امره الذي يقوم به كل شيء و يده العالية علي كل شيء و عضده القوية لكل شيء و لسانه الناطق بقوله كن فيكون و عينه الناظرة و اذنه السميعة و جنبه الذي لايضام و نفسه القائمة لكل شيء بما كسب و بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن و حقه الواجب علي كل شيء و نوره الذي لا نور سواه و صوته الذي لا صوت غيره فهذه و امثالها من تجلياته العامة و ظهوراته الكلية معاني الله سبحانه و معرفتها من تمام معرفة الله سبحانه بل هي معرفة الله عز و جل و الجهل بها جهل بالله سبحانه لان الله سبحانه لايعرف بكنه ذاته و انما يعرف بآياته قال علي عليه السلام دليله [ص 9] آياته و وجوده اثباته و قال الصادق عليه السلام من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة ، و لما كان هذا المقام هو ظهور الله العام لكل شيء في كل شيء حتي لايجهله شيء و لايعرف الله سبحانه الا بما عرف نفسه به من ظهوره صارت معرفته معرفة الله عز و جل كما قال علي عليه السلام معرفتي بالنورانية معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي بالنورانية و هو الدين الخالص قال الله و ماامروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء و يقيموا الصلوة و يؤتوا الزكوة و ذلك دين القيمة ، و قال لايستكمل احد الايمان حتي يعرفني كنه معرفتي بالنورانية فاذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و صار عارفا مستبصرا و من قصر عن معرفة ذلك فهو شاك مرتاب الخبر ، و قد اشار الي هذا المقام حيث قال في خطبة رواها الصادق عليه السلام لمفضل قال في اثنائها الذي كنا بكينونته قبل الخلق و قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين منه بدئنا و اليه نعود لان الدهر فينا قسمت حدوده و لنا اخذت عهوده و الينا برزت شهوده الخبر ، و هذا المقام هو عند الله و من عند الله و ما عند الله كما اشار اليه الله سبحانه و له من في السموات و الارض و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون ، قال الصادق عليه السلام لمفضل ويحك يا مفضل الستم تعلمون ان من في السموات هم الملئكة و من في الارض هم الجن و البشر و كل ذي حركة فمن الذين عنده قال و من عنده قد خرجوا من جملة الملئكة و الجن و البشر و كل ذي حركة فنحن الذين كنا عنده و لا كون قبلنا و لا حدوث سماء و لا ارض و لا ملك و لا نبي و لا رسول الخبر ، و قد قال الله سبحانه و عنده ام الكتاب و عنده مفاتح الغيب و قال ما عندكم ينفد و ما عند الله باق و قال و ما عند الله خير و ابقي و قال كل من [ص 10] عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام ، و قد قال الباقر عليه السلام لجابر الجعفي ان الله خاطب انوارهم و قال احتجبت بكم عمن سواكم من خلقي و جعلتكم استقبل بكم و اسأل بكم فكل شيء هالك الا وجهي و انتم وجهي و لاتبيدون و لاتهلكون و لايبيد و لايهلك من تولاكم و من استقبلني بغيركم فقد ضل و هوي الخبر ، و هذا المقام تمام ظهور الله الذي لا نهاية له فلميظهر الا به في جميع الامكان و الاكوان و الاعيان و الجبروت و الملكوت و الملك و بتمامه ظهور الله فلايظهر غيره فبه ملأ الله السموات سموات العلل و المبادي و الارضين ارضين المعلولات و المنتهيات حتي ظهر ان لا اله الا الله قال الحسين عليه السلام في دعاء عرفة ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا الدعاء ، فهذا المقام هو الكلي الذي لايشذ عنه شاذ لانه الكتاب المبين الذي احصي كل شيء و لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصيها اذ لا شيء الا و هو من آثاره و اشعته و انواره و ظهوراته بل ليس شيء الا هو و لنعم ما قال الشاعر :
ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات
قال علي عليه السلام في خطبته الا و انا نحن النذر الاولي و نحن نذر الآخرة و الاولي و نذر كل زمان و اوان و قال انا الذات انا الذات في الذوات انا الذات في الذوات للذات و قال انا الآمل و المأمول .
و شرح هذا المقام علي نحو الاشارة و الابهام علي ما عرفنا الله سبحانه في اوليائه الكرام و اوصافه العظام ان الله سبحانه كان ذاتا بحتا لا حد له و لا وصف و لا غاية له و لا نهاية يمتنع عليه التغيير عما هو عليه فانه احدي [ص 11] الكنه قائم بنفسه و هو نفسه و نفسه هو لايزول و لايحول غير متناه الي شيء اذ لا شيء حيث هو لانه احد صمد فلميلد بان يخرج منه شيء كثيف او لطيف و لميولد من كثيف او لطيف فتجلي لا بحركة بعد سكون و لا بنطق بعد سكوت و لا بانزعاج بعد قرار و لا بتوجه بعد ادبار و لا بخلجان ضمير بعد غفلة و لا باقدام بعد مهلة لا لعلة موجبة و لا لغاية مهيجة و لا من مادة قديمة و لا من صورة ازلية و لميكن ذلك منه بعد زمان ممتد و لا في مكان ممهد لانه لميكن غيرهما بين فيتخلل هناك وقت و لا فراغ فيكون هناك مكان بل هو كيان كينونة قديمة و كمال ذات ازلية لان الظهور تمام البطون و الفعل تمام القوة فما لميكن الشيء تاما في ظهوره و بطونه كاملا في معناه كان محدودا متناهيا مخالفا لمعني الاحد داخلا في حيز الواحد خارجا عن معني القدم ملتزما بالحدوث و الاقتران و التركيب قال الصادق عليه السلام كان قبل القبل و قبل ان يحيث الحيث بحيث لا حيث غيره و قبل المكان اذ لا مكان الا ما كونه و هو الي ما لا نهاية له لايحول عن حال و لا عما كان عليه من كيانه و لايفتقر الي شيء فيستعين به و لاانتسب الي غيره فيعرف به بل هو حيث هو و حيث كان فلميكن الا هو يا مفضل ان الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور و القدرة و القوة تمام الفعل و متي لمتكن كليات الحكمة تامة في بطونها تامة في ظهورها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و ان كان قادرا الخبر ، المتسمع قوله كنا بكينونته قبل الخلق و قبل مواقع صفات تمكين التكوين كائنين غير مكونين موجودين ازليين منه بدئنا و اليه نعود الخبر ، و قال الباقر عليه السلام في خطبة وصف ربه و لا كان خلوا من الملك قبل انشائه و لايكون منه خلوا بعد ذهابه الخطبة ، و تعبيري بالفعل حيث لا حركة و لا نطق من حيث آثار الواحد و انوار الابواب و الا فهناك لا فعل و لا قوة و انما هو نفسه و نفسه هو [ص 12] و التجلي تجل بما هو تجل في رتبة التجلي و ليس شيء غير القديم جل شأنه بما هو قديم في رتبة القدم فهو هو قديم بما هو قديم ممتنع عن الحدث و التجلي حادث بما هو حادث ممتنع عن القدم فالله قديم ابدا و ازلا خلوا من ملكه و تجليه حادث ابدا سرمديا خلوا من خالقه و ليس للتجلي حيث قدم به يكون قديما و لا لله سبحانه حيث تجل به يكون تجليا و ليس الله بكل و التجلي بعضه اذ الكل و البعض معا من صفات خلقه و ليس بذائب يكون التجلي جموده اذ الذوب و الجمود من آثار مشيته و ليس بلطيف يكون التجلي كثيفه لان اللطافة و الكثافة من ابدائه و ليس باجمال يكون التجلي تفصيله لان الاجمال و التفصيل في آثار صنعه و ليس بغيب فيكون التجلي شهوده و لا بمبدء فيكون التجلي تنزله لان جميع ذلك من انشائه و لايجري عليه ما هو اجراه و لايعود فيه ما هو ابداه بل تجلي لا لذاته و لا بذاته و لا من ذاته و لا في ذاته و لا لغيرها و لا بغيرها و لا من غيرها و لا في غيرها و ليس هو عين خلقه و لا خلقه عينه هو هو و خلقه خلقه بلا ارتباط و لا نسبة و لا اضافة الا من حيث الارتباط و النسبة و الاضافة الي ما الارتباط و النسبة و الاضافة اليه اليه كما يأتي في فائدة مخصوصة به و ليس هذا التجلي بكلية الباري و لا الباري سواه مع انه غير الباري لان غيوره تحديد لما سواه و النفي شيء و قولي ليس الباري سواه لاجل انه لا حد له و لا نهاية فلا هو هو و لا هو غيره فليس شيء الا هو من الازل الي الحدث الي الابد الذي هو ذلك الازل الممتنع عن الحدث لامتناعه عن الازل فذلك التجلي بكل اعتبار من عينه و كونه و امكانه و ذكره بالنفي و نفي صلوحه لاشيء محض و ممتنع صرف الا انه لا شيء في الازل بمعني الامتناع اذ لا شيء الا الازل الا بما هو شيء في الحدوث بمعني الامكان في الامكان و اما في الامكان فهو شيء كما تجلي الله سبحانه [ص 13] به له و لغيره و هذا رمز مبهم و سر منمنم لايعقله الا الموحدون فهذا التجلي حادث لكونه كل الظهورات الحادثة و له ابعاض و ان كانت معنوية و لكونه غير الله سبحانه جمعا و احاطة و ان كان هو هو عيانا و اثباتا و لافتقار بعضه الي بعض و القديم لايكون الا احدي المعني غير منتهي الي سواه غني عما سواه فالله سبحانه باحديته قديم و التجلي بكليته حادث فمعني قول علي عليه السلام كائنين غير مكونين موجودين ازليين ، انهم كانوا عليهم السلام كائنين من غير تكوين سابق عليهم موجودين ازليين بالازلية الاولي الاضافية لا الذاتية و هو مثل ما قال انا صاحب الازلية الاولي ، فلما كانوا كائنين غير مكونين كانوا ازليين و اما المكون فلايكون الا حادثا وقتيا و معني قولنا انه حادث ليس انه حادث وقتي فانه كان قبل الخلق و قبل مواقع صفات تمكين التكوين و انما المراد به افتقار بعضه الي بعض و كونه كليا معنويا و لميحن وقت ازيد من ذلك البيان فان للحيطان آذان ،
فرب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا
و لاستحل رجال مسلمون دمي يرون اقبح ما يأتونه حسنا
و قد تقدم في هذا ابوحسن الي الحسين و وصي قبله الحسنا
و سيأتي في خلال الفوائد الآتية مزيد بيان علي نحو الايماء و الاشارة كما قال سبحانه ان الساعة آتية اكاد اخفيها من نفسي لتجزي كل نفس بما تسعي فافهم و ترقب .
الفائدة الثالثة - في معرفة الابواب . قال علي بن الحسين عليهما السلام في حديث جابر المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة [ص 14] الابواب ثالثا و قال ابوجعفر عليه السلام من اتي آلمحمد عليهم السلام اتي عينا صافية تجري بعلم الله ليس لها نفاد و لا انقطاع ذلك بان الله لو شاء لاريهم شخصه حتي يأتوه من بابه و لكن جعل آلمحمد عليهم السلام ابوابه التي يؤتي منها و ذلك قوله عز و جل ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و اتوا البيوت من ابوابها ، و قال ابوعبدالله عليه السلام الاوصياء هم ابواب الله التي يؤتي منها و لولاهم ماعرف الله عز و جل و بهم احتج الله تبارك و تعالي علي خلقه ه ، و هذا المقام مقام باطن الظاهر و سر لايفيده الا سر و ترجمة وحي الله و السفارة الي الله و مصعد الكلم الطيب و الدرجات الرفيعة لذي العرش و الضياء المستطير و السراج المنير و وجه الله الذي يتوجه اليه الاولياء و اسم الله المبارك ذي الجلال و الاكرام و شجرة الطور و فوارة النور و مقصد كل متوجه من مطيع حيث يحب الله و من عاص حيث يكرهه الله و مبدؤ الخلق و منتهاه و لسان الله الناطق و وجهه الظاهر و عينه الناظرة و اذنه الواعية و بابه و سببه و نوره و حبيبه و ترجمان مقام المعاني و هو مقام القلم الذي كتب الله به جميع ما كان و ما يكون علي اللوح من مداد النون و كيفية فتح هذا الباب علي نحو الايجاز لا الاطناب علي ما عرفنا الله العزيز الوهاب في اوليائه الاطياب صلواته عليهم ان الله سبحانه اشرق بنار شمس اسمه القابض الطالعة من سماء المعاني علي زيت رحمتها و سلطها عليه حتي كلسته بعد تجفيف رطوباته و نفي بروداته و قوت و اكملت ما فيه من نيران اسم القابض المتنزلة المستجنة فيها المخبوءة تحت استارها حتي هتكت الاستار و ابدت الاسرار و فككت اجزاءها و فرقت اتصالاتها فصارت دخانا يصعد علي هيئة المخروط لسرعة اجابة السابقين و قلتهم و تأخر اللاحقين و كثرتهم فاقبل [ص 15] كل جزء يلبي دعوة الداعي بحسب درجته و مقامه بما فيه من الاجزاء النارية الصاعدة بطبعها الي حيزها التي كانت مخلدة في ذلك الزيت لما نشطت من عقال اثقال رطوباته و بروداته فتذكرت مركزها و مالت الي حيزها و شيعتها لطائف ارضيات الزيت الضعفاء و مائياته باختلاف اجزائها فاغلب الله تلك النار علي تلك الاجزاء الضعفاء علي معني الذات غيبت الصفات حتي اشتعلت فيها فاستضاء ذلك الدخان بذلك الاشتعال بان انحلت الارض في النار بما فيها من الرطوبة و تلطفت و انعقدت النار في التراب و تكثفت حتي صارت المجموع شيئا واحدا و نارا كثيفة سفلية او ارضا لطيفة علوية ففاض منه الانوار الي فضاء الدار و ظهر الاسرار من ذلك اللسان المترجم عن رطانة النار ان لا اله الا الله الملك القهار و هذا معني قول علي عليه السلام تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكيها بالعلم و العمل فقد شابهت جواهر اوائل عللها و ان اعتدل مزاجها و صح منهاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد ، فانصبغت تلك النار بتقوية ذلك الدخان و تكميله ما فيها من امكان ذلك الصبغ و الكثافة كما استضاء الدخان بتقوية تلك النار و تكميلها ما فيه من امكان تلك النار و جعلت تفور من تلك الفوارة لغلبتها و اقتضائها الانتشار بطبعها للطافتها منصبغة بتكملها بمجاورة صبغ الدخان الي فضاء الامكان علي نحو تكميل اجزاء ذلك الفضاء علي نحو التدرج و عليها ذلك الصبغ لانه كلما جرت من باطنه الي ظاهره من تلك النار انصبغت و تكثفت فانتشرت مصبوغة و ضعفت كلما بعدت عن مبدئها الذي هو تلك الفوارة بامتزاجها مع برودات فضاء الامكان و عدم استعداد ساير اجزائه كاستعداد اجزاء ذلك الدخان و كان ذلك الفيض و الفوران دائما لا نفاد له الا ان يشاء الله لعدم نفاد زيت الرحمة [ص 16] الكائنة الغير المكونة الموجودة الازلية و عدم انقطاع الاشراق فليس في فضاء الامكان نور الا نوره و لا صوت الا صوته الا ان مقامات الامكان اختلفت بحسب قربها و بعدها و سرعة اجابتها و بطؤها و كمها و كيفها و جهتها و رتبتها و مكانها و زمانها فانصبغت ثانيا تلك النار المنتشرة في مرايا تلك القوابل و نفذت منها منصبغة بصبغها الثاني علي صبغه الاول و صارت تلك المرايا فوارات ثانية لتلك الاضواء المنتشرة و ينابيع اخري لتلك الانوار المفاضة و هكذا ثالثا و رابعا الي ما لا نهاية له و كل نور منصبغ بصبغ خاص يرجع الي فوارته و مبدء صبغه فالفوارة الاولي و تلك الشعلة الكبري باب الابواب و مبدؤ الخطاب منه البدؤ و اليه الاياب و هو لسان الله المعبر عما في قلب الله عز و جل سر التكوين و لطف التمكين خلق بنفسه فخلقت ساير الاشياء به و هو امره سبحانه و قوله كن في خلق ما اراد و باب المعاني و ذلك لان المعاني بيت منجد بعلم الله سبحانه و هو مدينة العلم و هذا المقام بابه و المترجم عنه لكل قوم بلسانهم و المعبر عما فيه و مظهر خافيه كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله انا مدينة العلم و علي بابها فمن اراد المدينة فليأتها من بابها ، و انت اذا عرفت ان مبدء كل شيء هذا الباب لعلك تعرف انه لاينبغي الاياب الا اليها قال علي عليه السلام و ان الينا اياب هذا الخلق ثم ان علينا حسابهم ، لان رجوع الانوار ليس الا الي شمسها كما ان صدورها ليس الا منها قال الله سبحانه كما بدأكم تعودون و من هنا تعرف معني قوله شيعتنا منا كشعاع الشمس من الشمس ، بل و من هنا تعرف معني قوله عليه السلام بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت ، بل معني قوله انا الآمل و المأمول ، و اعلم ان العمل هو العلم الظاهر كما ان العلم هو العمل الباطن و العلم روح العمل و هما اذا اجتمعا نشأت منهما الآثار و تفور الانوار و العلم [ص 17] بلا عمل ناقص و العمل بلا علم ميت و العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل فان عرفت شيئا من هذه المقامات فعليك بالانقطاع الي الله سبحانه و التوجه اليه ابدا حتي تنتفع بعلمك و لايحسن في هذه المقامات الافصاح بالبيان و قد لاح الصباح لمن له عينان ،
اخاف عليك من غيري و مني و منك و من مكانك و الزمان
و لو اني جعلتك في عيوني الي يوم القيمة ماكفاني
فافهم و تدبر و انصف فتبصر .
الفائدة الرابعة - في معرفة الامام . قال علي بن الحسين عليه السلام المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا الخبر ، و قال علي عليه السلام في صفة الامام الامام كلمة الله و حجة الله و وجه الله و نور الله و حجاب الله و آية الله يختاره الله و يجعل فيه ما يشاء ، الي ان قال : و يعلم الضمير و يطلع علي الغيب و يري ما بين المغرب و المشرق فلايخفي عليه شيء من عالم الملك و الملكوت و يعطي منطق الطير عند ولايته فهو الذي يختاره الله لوحيه و يرتضيه لغيبه و يؤيده بكلمته و يلقنه حكمته و يجعل قلبه مكان مشيته ، الي ان قال : فهم رأس دائرة الايمان و قطب الوجود و سماء الجود و شرف الموجود ، الي ان قال : مهيمن الله علي الخلائق و امينه علي الحقائق حجة الله علي عباده و محجته في ارضه و بلاده مطهر من الذنوب مبرؤ من العيوب مطلع علي الغيوب ظاهره امر لايملك و باطنه غيب لايدرك واحد دهره و خليفة الله في نهيه و امره ، الي ان قال : هل يعرف او يوصف او يعلم او يفهم او يدرك او يملك من هو شعاع جلال الكبرياء و شرف الارض [ص 18] و السماء جل مقام آلمحمد عن وصف الواصفين و نعت الناعتين و ان يقاس بهم احد من العالمين كيف و هم الكلمة العلياء و التزكية البيضاء و الوحدانية الكبري التي اعرض عنها من ادبر و تولي و حجاب الله الاعظم الاعلي فاين الاختيار من هذا ، الي ان قال : الامام يا طارق بشر ملكي و جسد سماوي و امر الهي و روح قدسي و مقام علي و نور جلي و سر خفي فهو ملكي الذات الهي الصفات زائد الحسنات عالم بالمغيّبات خصاً من رب العالمين و نصاً من الصادقين ، الي ان قال : و كيف يفرض الله طاعة من يحجب عنه ملكوت السموات و الارض و ان الكلمة من آلمحمد تنصرف الي سبعين وجها و كل ما في الذكر الحكيم و الكتاب الكريم و الكلام القديم من آية تذكر فيها العين و الوجه و اليد و الجنب فالمراد منها الولي لانه جنب الله و وجه الله يعني حق الله و علم الله و عين الله و يد الله ، الي ان قال : فهم خاصة الله و خالصته و سر الديان و كلمته و باب الايمان و كعبته و حجة الله و محجته و اعلام الهدي و رايته و فضل الله و رحمته و عين اليقين و حقيقته و صراط الحق و عصمته و مبدأ الوجود و غايته و قدرة الرب و مشيته و ام الكتاب و خاتمته و فصل الخطاب و دلالته و خزنة الوحي و حفظته و آية الذكر و تراجمته و معدن التنزيل و نهايته فهم الكواكب العلوية و الانوار العلوية المشرقة من شمس العصمة الفاطمية في سماء العظمة المحمدية و الاغصان النبوية النابتة في الدوحة الاحمدية و الاسرار الالهية المودعة في الهياكل البشرية الخبر ، ثم لايخفي ان امر الامام من امهات المسائل بل و اعظم المشاكل و ليس علي ما استهونه اشباه الناس القاطنين في عرصة الالتباس الذين يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون بل هو اجل و اعظم و اعز و افخم من ان يصف الواصفون كنه جلاله او تهتدي القلوب الي كنه عظمته اللهم الا ان يعرفه احد من حيث [ص 19] عرفوا انفسهم لرعيتهم بهم من مظاهر تجلياتهم و مرايا انوارهم و ليس مشرعة لكل خائض و منالا لكل ناهض و اين الثريا من يد المتناول فقد قال الرضا عليه السلام ان الامامة اجل قدرا و اعظم شأنا و اعلي مكانا و امنع جانبا و ابعد غورا من ان يبلغها الناس بعقولهم او ينالوها بآرائهم او يقيموا اماما باختيارهم ، الي ان قال ، فمنذا يبلغ معرفة الامام و يمكنه اختياره هيهات هيهات ضلت العقول و تاهت الحلوم و حارت الالباب و حسرت العيون و تصاغرت العظماء و تحيرت الحكماء و تقاصرت الحلماء و حصرت الخطباء و جهلت الالباء و كلت الشعراء و عجزت الادباء و عييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه او فضيلة من فضائله فاقرت بالعجز و التقصير و كيف يوصف او ينعت بكنهه او يفهم شيء من امره او يوجد من يقوم مقامه و يغني غناه لما كيف و اني و هو بحيث النجم من ايدي المتناولين و وصف الواصفين فاين الاختيار من هذا و اين العقول من هذا و اين يوجد مثل هذا الخبر ، فاقول كما قال الاول :
خليلي قطاع الفيافي كثيرة و لكن ارباب الوصول قليل
فدعاة هذا المقام كثيرة و رعاته قليلة كيف و الامام هو القرية المباركة التي لايمكن الوصول اليها الا بعد السير في القري الظاهرة فهو المحتجب و هم حجبه و هو الغيب و هم ظواهره استتر من عظم نوره و احتجب لشدة ظهوره و انما معرفته حظ الاركان العظام ثم منهم و بهم حظ النقباء الفخام ثم منهم و بهم حظ النجباء الكرام و ليس اليه سبيل من غيرهم للعباد و اني و متي و دون ذلك خرط القتاد و انما افتتنوا الناس بالاعراض لما في قلوبهم من الامراض فاقعدهم انهماكهم فيها عن درك المعرفة النورانية و ذلك لما فيهم من غلبة الظلمانية فاستبدلوا السراب بالماء المعين و اكتفوا بالغث عن السمين و زعموا انه ليس ورائها مقام و لا في غيرها كلام الميروا انه [ص 20] يتقلب فيها كيف شاء و يلقي ما شاء الي ما شاء و هو في كل تلك الحالات هو الميسمعوا قول علي عليه السلام لايستكمل احد الايمان حتي يعرفني كنه معرفتي بالنورانية فاذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و صار عارفا مستبصرا و من قصر عن معرفة ذلك فهو شاك مرتاب ، و لما كان الامر كذلك يجب بيان معرفتهم بالنورانية فان الافهام ترقت و الاحلام تزايدت فسنفصلها لقوم يعلمون و من الله الهداية و التوفيق .
اعلم ان الله سبحانه كما تقدم غيب لايدركه الخلائق و عال لاتصل اليه الحقائق ليس ينزل من القدم الي الحدث ليشاهدوه و لاينقلب الحدث الي القدم فيعرفوه و انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و كذلك الامر في كل عال و دان في جميع الحقائق و الاعيان فانسد باب معرفة كنه الذات و الازلي البحت البات لفقدان المناسبة و عدم المشاكلة و لامتناع ما سواه حيث هو هو فلايتعقل هناك عارف و لا معروف و لا معرفة لامتناع ادراك التعدد في الاحدية التامة و الذات الكاملة فلا معرفة الا في مقام التعريف و لا وصول الا الي حد التوصيف و لا تعريف بما لاتصل اليه المدارك و الاوهام و لا توصيف بما لاتناله المشاعر و الاحلام فانحصر المعرفة بمقام التعريف و الوصول بمقام التوصيف و هو سبحانه من كماله المطلق و غلبة جماله الحق لميخل مرتبة عن تجلياته و لميعطل مقاما عن مقاماته و هو قول الحجة عليه السلام و بآياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك ، و لتلك المقامات درجات في الحقية و المطلقية الكلية و الجزئية الي ان
و في كل شيء له آية تدل علي انه واحد
فانه وصف نفسه لكل شيء علي حسب ادراكه في حده و مقامه و عرف نفسه له علي مقدار سعته و تحمله فانزل من السماء ماء التعريف فسالت اودية [ص 21] بقدرها و لكن آية تعريفه في كل مقام في اعلي مرتبة من مراتبه و اعلي درجة من درجات وجوده لانها حق ذلك المقام و غاية المرام و وصف الملك العلام و هو جميع ما من الله عند ذلك الشيء فلايتجاوزه ابدا و لايدرك ما وراءه سرمدا بوجه من الوجوه و حيث من الحيوث بل لايشعر له وراء و لا يفرض اعلي منه فهو له غاية الغايات و منتهي الطلبات و غاية السؤلات و المراد من العبارات و المقصود من الاشارات و صاحب التجليات و الذات البحت البات المتعالية عن الصفات الي غير ذلك من الاسماء و العبارات و لما كان ما سوي الله سبحانه ايضا خلقا واحدا و انسانا واحدا كما قال سبحانه ما خلقكم و لا بعثكم الا كنفس واحدة و قال ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و هو الانسان الكبير كما ان الانسان هو العالم الصغير و هو العبد الاعظم و الخلق الاجل الاكرم و له ايضا مراتب و مقامات كالانسان في جميع الصفات حرفا بحرف وجب ان يعرفه الله نفسه علي حسب سعته و مقدرته و معلوم ان سعته اعظم السعات و مقدرته اكثر المقدرات فوجب ان تكون ما تعرف له به هو التعريف الاعظم و التوصيف الاكرم و التجلي الازهر و النور الانور و يكون ذاك صاحب جميع شؤن الربوبية و الكمالات الازلية و الصفات الكمالية و الاوصاف الغير المتناهية بحيث لايشذ عنه شاذ و لايندر عنه نادر اذ ليس وراء عبادان قرية و يكون ذلك التعريف اول التجليات و اعظم الظهورات بحيث لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع قد طأطأ كل شريف لشرفه و بخع كل موجود عند سطوع انوار عظمته و ذل كل شيء لقدرته و انقاد كل شيء لامره و حكمه و يكون ذلك التعريف مبدء التجليات و منتهي الظهورات به فتح الله الوجود و به ختم كل موجود و لما عرف ببداهة الاسلام انه لا موجود اشرف من محمد و اهل بيته [ص 22] الاطهار عليهم صلوات الله الملك الجبار فوجب ان يكون ذلك التعريف هو هم في مقام الامامة و الرسالة و الابلاغ و السفارة فان مقامهم الاعلي اجل و اسني من ان يصل اليه المدارك و الاوهام و المشاعر و الافهام و قد ذكرنا ان التعريف للادني لايمكن بالاعلي لفقدان الادراك و عدم المناسبة و الارتباط فوجب بحكم هذه المقدمات السديدات و البراهين الباهرات الالهيات ان يكون مقام امامتهم و رسالتهم في مقام حق الموجودات و اعلي من حقائق البريات و لما كان لما سوي الله درجات في مقاماته من نهاية القرب الي اقصي الغايات فله فؤاد و عقل و روح و نفس و طبع و مادة و مثال و جسم و كل واحد كلي بالنسبة الي سائر الجزئيات و هم المقامات التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفه بها من عرفه و في كل مقام لا فرق بينه و بينها الا انهم عباده و خلقه فتقها و رتقها بيده بدؤها منه و عودها اليه كانوا سلام الله عليهم في كل مقام حق ذلك المقام الذي به يعرف الله الملك العلام فهم حق فؤاد الملك و حق عقله و حق روحه و حق نفسه و حق طبعه و حق مادته و حق مثاله و حق جسمه بهم يعرف كل مقام ربه و يعرف الله بالله علي حسب ما تجلي الله له بهم صلوات الله عليهم علي ما ذكرنا و شرحنا و اوضحنا و كذلك لهم تجليات حقية في عرض كل مرتبة و لكل مرتبة ايضا فؤاد و عقل و روح و نفس و طبع و مادة و مثال و جسم فظهروا في كل مقام بحق ذلك المقام و اعطوه اسمهم و رسمهم فلايسمي الا باسمهم و لايعرف الا بمعرفتهم لئلايبقي لذي حجة حجة و لئلايقولوا انا كنا عن هذا غافلين او يقولوا انما اشرك آباؤنا من قبل و كنا ذرية من بعدهم ضعفاء افتهلكنا بما فعل المبطلون فلذلك يعرف الله سبحانه كل شيء علي ما عرف نفسه له بهم فهم في كل مقام اركان التوحيد و شروط التفريد لانفرق بينه و بينهم صلوات الله عليهم [ص 23] قد جاءت رسل ربنا بالحق كما بينا و شرحنا فانهم حق كل مقام فكل احد يعرف ربه به و يدعو حقه به فسبحانه من خفي ما اظهره و جل من ظاهر ما استره فالامام هو حق كل مقام فمعرفته بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل هي معرفته و سئل الحسين عليه السلام عن معرفة الله فقال معرفة اهل كل زمان امامهم ، فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك ان ادني مرتبة الامام الذاتية هو مقام الحق في كل مقام يعني ان حق الافئدة فؤاده و حق العقول عقله و حق الارواح روحه و حق الطبائع طبعه و حق المواد مادته الثانية و حق الامثلة مثاله و حق الاجسام جسمه في كل مرتبة من الطول و العرض بحسبه كما قال الصادق عليه السلام ان امرنا هو الحق و حق الحق الخبر ، و بذلك الاشارة في دعاء رجب و بآياتك و مقاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك و فيه بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت و في الدعاء ● يا من ملأ الدهر قدسه ، و هذا هو حق مقام قطبيتهم فان حق قطب كل رتبة اشرف ما فيها و اعدل ظاهرها و خافيها و انسب ما فيها بالنسبة الي المبدء و احكاها له لتكون هو متلقيا من المبدء ملقيا الي سائر ما فيها و ذلك لايكون الا حق كل مقام و هو مثال المبدء و علي هيئة صفته و انسب الاشياء به فهو حق القطب و هو منتهي مقام الامام في مقام حق القطبية و آية تعريفه و لكن ظهور قطبيته في مقام العقل فانه وسط الكل و هو بنفسه اجل و اعظم من ان يسمي بالقطب فالقطبية مقام النقباء لا غير و هم اسم الامام و صفته ، و ليعلم انه اذا صار حق كل رتبة ما لهم من تلك الرتبة فهو ذاتيتهم التي هم عليها في تلك الرتبة ثم كل ما يلحقهم في رتبة من سائر ما فيها اعراض لا عبرة بها عند العارفين فانهم يخلعونها متي شاؤا و يلبسونها متي شاؤا و يوحدونها متي شاؤا و يكررونها متي شاؤا و يغيرونها كيف شاؤا [ص 24] فلايمتنع عليهم ما شاؤا متي شاؤا مثل ما يعتري جسم احدكم من التغيرات فيصغر و يكبر و يصح و يمرض و هكذا و كلها اعراض تخلعها و تلبسها و انت انت غير هذه الاعراض قال علي عليه السلام انا الذي اتقلب في الصور كيف اشاء ، و في الكتاب و تقلبك في الساجدين اي الصور الخاضعة المنقادة لك فليس معرفتها بمعرفة و لا اتصالها باتصال و لا انفصالها بانفصال و لا قربها بقرب و لا بعدها ببعد فانها اعراض زائلة و طواري مجتثة نعم لها شرافة الاقتران لثباتها علي الامتحان كحرمة المراقد المطهرة و المشاهد المشرفة عند البيان فافهم ما ذكرت لك فانه بالكتمان عن غير اهله حقيق فانه حق التحقيق و لنقبض العنان فان للحيطان آذان .
الفائدة الخامسة - في معرفة الاركان . قال علي بن الحسين عليه السلام في حديث الخيط المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا ثم معرفة الاركان خامسا الخبر ، و روي في الخصال بسنده عن خالد بن نجيح عن احدهما عليهما السلام قال ليس تخلو الارض من اربعة من المؤمنين و قد يكونون اكثر و لايكونون اقل من اربعة و ذلك ان الفسطاط لايقوم الا باربعة اطناب و العمود في وسطه ، و هؤلاء هم اركان عرش الوجود و مظاهر شؤن الحق المعبود و عليها يتكي العمود لانهم اطناب الخيمة في الشهود و هم معاني الحق و ظواهره في جميع الاكوان و صفات تعريف البيان و للذات الخفية دليل و برهان فهم آياته و علاماته و شؤنه و تجلياته و هم الذين من اراد الحق بدأ بهم و من وحده قبل عنهم و من قصده توجه بهم و هم الاعراف و جمل الاوصاف الذين لايعرف الله الا بسبيل [ص 25] معرفتهم و هم المظاهر الكلية و التجليات الالهية و الظهورات الربانية علي ما بينا و شرحنا في مقام المعاني آنفا حرفا بحرف الا ان تلك المعاني من المعاني العليا و هؤلاء من المعاني السفلي و لما كانت المعاني الكلية بجميع ما فيها تدور علي اربعة اقطاب انحصر عدد هؤلاء صلوات الله عليهم في اربعة : الاول مقام الباطن اي باطن الباطن و الغائب اي الغائب عن الغائب و سر السر و السر المقنع بالسر الثاني مقام البطون اي بطون البطون و الغيب اي غيب الغيب و هكذا و الثالث مقام الظاهر اي الباطن و الشاهد اي الغائب و السر المستسر و سر لايفيده الا سر و تفصيل الاجمال و جلال الجمال و مقام الانوار و الحجب و الاستار الرابع مقام الظهور اي البطون و الشهود اي الغيوب و مقام السر و آية الحق و سبحة الجلال و مقام ظهور الكمال و شهود الجمال و الغيب الذي به يؤمن المؤمنون و يشهد به السابقون ، و هذه المقامات هي دور القرية الخامسة و مضافات المرحلة الآخرة و اوصاف الغوث الاعظم و مظاهر الحق الاكرم قد تجلي لهم بهم و بهم لمن دونهم من النقباء و النجباء فهم درجات النقباء و منازل الرقباء في معارفهم يرتقون و في اوصافهم يتفاضلون و الي حقائقهم لايصلون فان كل شيء لايتجاوز ما وراء مبدئه و لايدرك ما وراء حده و انما هم يدركون منهم ما تجلوا لهم بهم في حقائقهم ثم اذا تجاوزوا تلك التجليات و فقدوا تلك الظهور يصلون الي ظهور الغوث الاعظم بهؤلاء لهم بهم و يعرفون العماد الافخم علي حسب تعريفه نفسه بهم لهم بهم اي بهؤلاء الاركان و هم منتهي القري الظاهرة و اقرب الانوار الباهرة و هؤلاء و ان كانوا اربعة بحسب الحدود التي بينا الا انهم من نور واحد و طينة واحدة [ص 26] و هو ظهور الحق لهم و تغلب عليهم جهة الوحدة و جهة الرب جل شأنه فهم في حال الاختلاف مؤتلفون و في حال التكثر متحدون و مع وجود التناكر متعارفون لايوجد بينهم تضاد و لايقع بينهم تباغ و تعاد فهم عند سطوع انوار الوحدة متلاشون و تحت حجب الاحدية مضمحلون لايريدون غير ربهم الحق و لايطلبون سواه و لايجدون عداه فلايرون في تمام الملك الا نوره و لايسمعون الا صوته و لايقصدون الا اياه و لايتوجهون الا اليه و لايسألون عداه و هم الاربعة السفر السائرون تحت ظل حماية شيخهم و سنادهم و عمادهم الي حيث هم صائرون و لا نهاية لسيرهم و لا غاية و في القدسي كلما وضعت لهم علما رفعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية ، و شيخهم يدلج بين يديهم فبهديٰه يقتدون و اثره يقتفون و كلهم ناظرون اليه ناسون لانفسهم و لايلتفت منهم احد و يمضون حيث يؤمرون فاني يوجد فيهم التنافر و كيف يحصل لهم التناكر مع تلاشيهم تحت استار الاحدية و اضمحلالهم عند سطوع انوار الواحدية فاذا يفعل كل واحد منهم ما يفعله الآخر لان كل واحد كالكبريت الاحمر و يتضاعفون بتكسير وجودهم تحت صلاية الطاعات فيكثر فيهم الاتحاد بالخطوات لانهم في كل خطوة يلقون ما عليهم من الصفات و يتقربون به الي الذات فطاعتهم ابدا في المواساة و اداء حقوق الاخوان الواجبات و ساعون في المصافاة و دائبون علي المواخاة و يتقربون بمصافاتهم الي الواحد بالذات اي خالق البريات فاولئك الذين هديهم الله فبهديهم اقتده و بايهم اقتديت اهتديت لان من عند كل واحد ما عند الآخر وعيت فهم في الصور متعددون و في النظر متحدون لجذب الاحدية ما فيهم من شؤن صفات التوحيد و هتك السر استارهم بالهتك الشديد فكان كل واحد منهم كما قال صاحب الشذور :