فصل - لما عرفت مما اسلفنا ان النار الجوهرية الاحدية بالنسبة السارية في كل نيران الدنيا التي ليس الا هي حيث هي مقامها الدهر و جميع نيران الدنيا فعلياتها و كمالاتها و صفاتها فالشعلة التي هي النار الظاهرة الدنياوية هي احد فعليات النار الدهرية و هي مركبة من مس النار اي مثالها و من صورة مكتسبة من الدخان اي الزيت المكلس و الدخان هو المفعول به و المظهر يعني ان الدخان الدنياوي من حيث انه دخان هو المفعول به و المظهر و هو من حيث الاشتعال هو المفعول المطلق بعينه و هو فعل النار الدهرية بعينه و هو مثال النار بعينه و لما كان هذا المطلب غامضا جدا و يظهر من شرحه اسرار و حقايق احب ان اشير اليه هنا

اعلم ان النار الدهرية ليست في الدهر قبل ان تتكون نيران في الدنيا موجودة اذ وجودها اي تمثلها و شهودها هي نيران الدنيا باسرها و شهودها و تمثلها هو انيتها و هويتها التي لولاها لم‌تكن لها وجود في الملك امثل لك في ذلك مثالا و هو انه لولا العرش و الكرسي و الافلاك و العناصر لم‌يكن جسم مطلق دهري في الملك فاذا وجدت هذه الاجسام فالمعني المأخوذ لا بشرط من هذه الجملة هو الجسم المطلق فهو هي وجودا و عيانا و تحققا في الخارج و ليس هي هو جمعا و لا احاطة و لا كلا و انما ذلك ان العرش ليس هو بالجسم المطلق و لو كان كذا لكان الكرسي غير جسم فان الكرسي غير العرش و الكرسي ليس هو بالجسم المطلق فان الافلاك ايضا جسم و الكرسي غير الافلاك و هكذا و اما لو اخذت جميع الاجسام غير مقيدة بالقيود و الشروط و لاحظت ان جميع القيود هي مما [ص 26] به الجسم جسم فليس في العالم شئ غير الجسم لوجدت الجسم الدهري الذي لا خصوصية له بوقت دون وقت و لا بمكان دون مكان و لا بكيف دون كيف و لا بكم دون كم و لا بجهة دون جهة و لا برتبة دون رتبة و لا بوضع دون وضع و لا باجل دون اجل و لا بكتاب دون كتاب و لا باذن دون اذن و انما ذلك لاجل ان كل وقت و مكان و كيف و كم و جهة و رتبة و وضع و اجل و كتاب و اذن هو مما به الجسم جسم و ليس كل وقت و كل مكان و كل جهة و كل رتبة و كل كم و كل كيف و هكذا البواقي مما به العرش عرش و مما به الكرسي كرسي و مما به الافلاك افلاك و مما به العناصر عناصر بل كل واحد هو هو بحدود خاصة له فكل واحد غير الآخر و ليس شئ غير الجسم فاذا نظرت الي شئ من هذه الافراد من حيث انه غير فرد آخر و قسته بغيره رأيت فردا زمانيا محدودا بحدوده ممتازا عن غيره مؤجلا باجله مكتوبا في محله و اذا نظرت اليه مع قطع النظر عما سواه بالكلية حتي انك لم‌تجد غيره تقيسه به فلم‌تنظر اليه بانه علي‌م و فيم و مم و الي‌م و لم و غيرم و متصل بم و منفصل عم مضاد لم متحد مع‌م مخالف مع‌م خارج عم و داخل فيم و مرتبط بم و منسوب الي‌م و قبل‌م و بعدمَ و امام‌م و خلف‌م و يمين‌م و يسارم و هكذا و رأيت حقيقته مكشوفة السبحات مقطوعة الاشارات مهتوكة الاستار منقطعة الاغيار رأيت الجسم و كل جسم في هذا النظر جسم و لا تنافي بين الاشياء حينئذ فانها ليست بشئ غير ما به الجسم جسم فارتفع التعدد و جاء التوحد و هو الجسم الدهري المستوي علي عرش الزمان و ليس شئ اقرب اليه من شئ فهو ليس بشئ خارج عن هذه الاشياء كخروج شئ عن شئ و لا بشئ داخل في هذه الاشياء كدخول شئ في شئ و لايحده حدود هذه الاشياء و لايكنه امكنتها و لايوقته اوقاتها و لايكيفه كيوفها و لايعينه جهاتها و لايرتبه رتبها و الكل في بحره [ص 27] محلول مذاب متشاكل و هذا هو مقام آية الحق جل شأنه و ان اخذ ذلك الجسم من حيث انه مادة نوعية للاشياء و لوحظ صلوح ظهوره بساير الاشخاص فهو امكان الكل و مقام رجحانه و اطلاقه و الكل فيه بالقوة و منه بالفعل و الجسم جسم قبلها و معها و بعدها بلا تفاوت في حاله و قد اصاب الخطاء و اخطأ الصواب من زعم ان الجسم الكلي الذي هو قوة جميع الاجسام و امكانها و نفيها و اطلاقها هو آية الذات الازلية و ان الذات بالنسبة الي الخلق ايضا كذلك فان الجسم بهذا اللحاظ فيه النسبة و ذكر للغير و لو بالنفي و هو واحد و الله سبحانه احد حقيقي ليس فيه ذكر غيره و قوة ما سواه تعالي الله عما يقول الملحدون علوا كبيرا نعم اذا نظرت الي الجسم مع كشف سبحات القوي التي فيها و ابطلت مادته و صورته بالكلية و نظرت الي ما هما معاً نوره و ظهوره من دون شعور و التفات الي انهما نوره و له نور بل تلتفت اليه من حيث هو هو فانه حينئذ آية معرفته سبحانه في عالم الاجسام و وصفه الذي وصف نفسه به لتعريفه نفسه لعباده اي نفسه الظاهرة به و هو نفسه بعينه اذ ليس شئ اعرف للشئ من نفسه و ابين له منها و هو الوجود الحق الذي قدمناه سابقا في اول الرسالة و ليس لنا مشعر فوق ذلك اذ لايتجاوز شئ مبدأه و لايتعدي شئ حده و لايدرك شئ شيئا حيث لم‌يكن و نعرف مع ذلك انا و ما يرتبط بنا و يؤل الينا و لو بادق الاشارات عبيد مربوبون لانملك لانفسنا نفعا و لا ضرا و لا حيوة و لا نشورا فنحن لانعرفه و انما هو هو يعرف نفسه لا غير و نحن لانتجاوز مقام الآيات و المقامات و العلامات و الصفات الظاهرة لنا بنا رجع من الوصف الي الوصف انتهي المخلوق الي مثله كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم فمن عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة فالذي في ذات الله ممتنع كيف يعرف الله فلايعرفه [ص 28] سواه و لايصل اليه سواه و انما حظ ما سواه منه آياته هذا هو التوحيد الذي من تجاوزه غرق و من تخلف عنه زهق و من لزمه لحق شهد به الكتاب و السنة و الآفاق و الانفس و العقل و النقل و الاجماع من الشيعة و كل مطلب ليس عبارته هذه فهو ضلال بالجملة فانت اذا نظرت الي نور السراج اي نور الشعلة و نور نوره و نور نور نوره و هكذا الي ما لا نهاية له و قطعت النظر عن الخصوصيات المميزة تجد نورا مطلقا للنار قد انحل فيه جميع الانوار و هو النور الدهري الذي هو المؤثر في هذه الانوار و الظاهر بها و الكل من فعلياته و رأيت في ذلك النور و في ساير فعليات النار حقيقة النار صالحة لان تظهر بكل تلك الآثار و لو كشفت سبحة صلوحها لوجدتها آية الجبار التي بها تعرف للاغيار و احتجب عن الانظار تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها فالنار الدهرية هي هذا الدخان المشتعل من حيث هو اي نارية هذا الدخان اي ما به سميته نارا محرقة مضيئة و هي ما كان في قوة الدخان من الاحراق و الاضاءة بل من الحرارة و اليبوسة فخرجت الي الفعلية فهذه الحرارة و اليبوسة التي ظهرت علي الدخان بالفعل و خرجت من قوة الدخان و امكانه خرجت من امكان المادة من باب الدخان فهي فعلية من فعليات المادة و النار تحتها فالنار اي الحرارة و اليبوسة الخارجة من امكان الدخان عرضية ان لوحظت النسبة الزمانية و الحدود الشخصية و دهرية ان لوحظت من حيث هي هي كما بينا فهي ظاهرها صفة باطنها و فعلها و جلوتها فهي هي وجودا و ليست هي هي تجردا فالدخان المشتعل هو النار الدهرية ان اخذ بلا شرط و هو مس النار ان اخذ بشرط لا و هو ظهورها و اثرها ان اخذ بشرط شئ و ميز عن غيره من الشعلات و النيران فالنار هي آية الذات و لله المثل الاعلي في السماوات و الارضين و مس النار هو آية المشية و الزيت [ص 29] هو آية محل المشية و التكليس آية التمكين و الاشعال آية التكوين و الشعلة آية محمد صلي الله عليه و آله و العقل الكل اول ما خلق الله و اول تجليات النار ليس لها ظهور قبلها فالزيت هو المفعول به و شعلته هي المفعول المطلق و اشتعاله انفعاله و المفعول المطلق مركب من مادة و صورة مادته ظهور النار الجوهرية و اثرها و صورته ما اكسبه الدخان اي الزيت المكلس و الفعل هو ذلك الظهور اذا اخذ بشرط لا فانه مخلوق بنفسه و الحق فيه اي آية الذات اي النار الجوهرية هو ذلك الظهور اذا اخذ لا بشرط و ذلك الظهور هو فعلية من فعليات حصة الطبيعة المطلقة التي من فعلياتها الدخان و مرادي بالحصة هو مادة الدخان التي هي ظهور الطبيعة المطلقة اذ المطلق لايتحصص حقيقة فتزيل صورته و تلبس تلك الحصة من الطبيعة صورة الشعلة ثم تنزعها فتعود دخانا كما كانت و الصور المتواردة كلها من امكانات مادة واحدة في عرض واحد فصورة الشعلة و مادتها من فعليات الطبيعة المطلقة التي هي فوق النار و النار احدي صفاتها و جلواتها و هي اي الشعلة هي حافظة النار المطلقة و مسها و حقيقتها و هي وجود الثلثة و شهودها و عيانها و اثباتها فمن اثبتها اثبت الثلثة و من نفيها نفي الثلثة و ان لم‌تكن هي زمانية هي النار المطلقة قدسا و احدية و بينونة و لا مس النار جمعا و كلا و احاطة كما عرفت احفظ المقامات تفز بالنجاة .

فصل - يكفي في ظهور المطلق في عالم القيود مقيد واحد و لذا قلنا يكفي في الامتثال للاوامر المطلقة الاتيان بفرد واحد و به يحصل الطاعة فلو ظهر في عالم القيود مقيد واحد في وقت واحد و مكان واحد يكفي في اثبات المطلق في عالم الاطلاق و اما ان لم‌يكن مقيد مطلقا في وقت بوجه من الوجوه فلا مطلق في اطلاق و لا تقييد يعني لا مطلق ظهورا و لا وجودا فان الظهور هو انية [ص 30] الوجود و حيثه من نفسه و حيث انفعاله و قابليته فما لم‌يكن انفعال لايوجد فعل و انما ذلك فيما اذا كان الظهور هو من نفس الوجود كنفس النور من النور و اما ان كان من خارج فليس ذلك شرط وجود المطلق بل هو شرط ظهوره في عالم الاعراض اذ ظهور النور عليه عرضي و ذلك كالمرآة و نور السراج فالاجسام المشهودة شرط وجود الجسم المطلق و اما البدن العنصري مثلا فهو شرط ظهور الحيوة الفلكية فلو لم‌يكن في الملك ماء من اوله الي آخره لم‌يكن ماء مطلق لا في الدهر و لا في الزمان و ان وجد و لو لحظة واحدة في تمام الملك في حد واحد و لو قطرة واحدة لكفي في اثبات وجود ماء دهري يسع السماوات و الارض لانه يثبت في ذلك الموضع من الكتاب و لايزول و يثبت له الخزائن السرمدية و الدهرية فهو باق دهر الدهور و هو من حيث هو هو دهري و لا اختصاص له بحد فهو يسع جميع الحدود و ذلك انك اذا نسبت صفة الي صفة فتلك النسبة هي الزمان و اذا نسبت الصفة و نسبها الزمانية الي الذات و عرفت انها هي فعلياتها و مما به هي هي فتلك النسبة هي الدهر و اذا نظرت الي الذات المغيبة للصفات فلم‌تر الصفات علي معني النفي فهي السرمد او علي معني عدم الذكر المطلق لا نفيا و لا اثباتا فهي آية الازل جل شأنه و ذلك يحصل في مقيد واحد و لايتفاوت الدهر في السعة و الاحاطة و العظمة بواسطة قلة الظهور و كثرته و عظمه و صغره فلو لم‌يخلق الله سبحانه الا نملة واحدة لكانت كافية في اثبات الخزائن العالية و دهرها و سرمدها و تعريف ذاته كيف و قد تجلي بجميع انحاء الكمالات حتي انه لايخطر ببال احد شئ الا و قد تجلي به كما روي في العلل انه قيل للرضا عليه السلام لم خلق الله عز و جل الخلق علي انواع شتي و لم‌يخلقه نوعا واحدا قال لئلايقع في الاوهام انه عاجز و لايقع صورة في وهم [ص 31] ملحد الا و قد خلق الله عز و جل عليها خلقا لئلايقول قائل هل يقدر الله عز و جل علي ان يخلق صورة كذا و كذا لانه لايقول من ذلك شيئا الا و هو موجَد في خلقه تبارك و تعالي فيعلم بالنظر الي انواع خلقه انه علي كل شئ قدير انتهي ، و كيف و قد تجلي بتجليات غير متناهية و اوجد مخلوقات ليس لها غاية لتدل علي كمالات له ليس لها نهاية و لتدل ان صانعها مباين منها لايجري عليه شئ من صفات المخلوقات كما نبه عليه وليه و لسانه و ظاهره و اخبر به عن نفسه قال بتشعيره المشاعر عرف الا مشعر له و بمضادته بين الامور عرف الا ضد له و بمقارنته بين الاشياء عرف ان لا قرين له الخطبة ، فبين باحداث اضداد لا نهاية لها احدية لنفسه لا نهاية لها فابي الناس الا ان يصفوه بصفة مخلوقاته فسبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين فحاصل الفصل انه اذا وجد شخص واحد في وقت ما من نوع يكفي في اثبات نوعه و جنسه في اللوح المحفوظ و الدهر و ان لم‌يوجد اصلا لم‌يكن نوع و لا جنس في الدهر و اذا اثبت بواسطة وجود الشخص فانما يثبت فوقه في الدهر لا قبله من الدهور و لا بعده مع ان الدهر مهيمن علي جميع الزمان و ذلك ايضا مسألة معضلة ينبغي الاشارة الي شرحها و هي انك قد عرفت ان الزمان هو نسبة صفة الي صفة مصاقعة و الدهر هو نسبة الصفة الي الذات و السرمد هو مقام الذات فاذا نظرت الي الزمانيات رأيت كل شئ في حده و وقته و علي الجميع دهر قائم يعني لكل جزء منها دهرية قائمة فوقها لايلحظ فيها حدود الزمانيات و نسبتها الي كل الزمانيات علي السواء و لا خصوصية لها بزمان دون زمان الا في الزمان فالدهري في الدهر بلا خصوصية في الدهر و انما خصوصيته بزمان دون زمان في الزمان و اذا تخصص الدهري بوقت فانما يتخصص بصفته و الزماني صفته فدهري زيد [ص 32] مخصوص بوقت زيد قائم فوق زيد بزيد و في زيد لا في نفسه فلاجل ذلك دهري كل جزء زماني قائم فوق ذلك الجزء لا فوق غيره فان لم‌يوجد زيد في الدنيا ليس له نفس في النفوس و لا روح في الارواح و لا عقل في العقول و لا فؤاد في الافئدة فاذا وجد زيد في الدنيا حصل له في الدهر نفس و روح و عقل و فؤاد فوقه في الدهر قبل جسده بمائة الف سنة و نسبة دهرياته الي جميع الازمنة علي السواء فاذا مات زيد و محي جسده من الدنيا ليس بعد نفسه و روحه و عقله و فؤاده فوق الازمنة الآتية بل قائمة فوق زمانه و حده ابدا اذ هي روح و الزماني جسد و الروح قاطن في جسده لا خارجه و نسبتها الي جميع الازمنة علي السواء مع انها مخصوصة بفوق وقت زيد و حده فان زماني زيد انيتها و هويتها الحافظة لها في مكان كتابها فافهم ذلك فانه دقيق دقيق و ان شئت المثل في ذلك فاعتبر من نفسك و جسدك فانك تجد جسدك مخصوصا بوقت كونه لاتجده قبل ان يتولد و لا بعد ان يتوفي بل محصور في اجله و حدوده و اما اذا التفت الي نفسك لاتجد فيها خصوصية بوقت دون وقت تتوجه بها الي ازمنة قبل كونك و بعد كونك فتلتفت الي عصر آدم و حواء و اعصار الجان و الملئكة قبل آدم و تلتفت الي زمان الرجعة و القيمة و الجنة و النار و ينطبع اشباحها في كتاب الرعاية و تنام و تري قبل كونك و بعد كونك جميعا فلا خصوصية لنفسك بوقت دون وقت و اما جسدك فلايري قبله و لا بعده و انما يري ما يساوقه في الوقت و مع ذلك نفسك في جسدك وجدت حين خرجت من بطن امك و ليس لها تعلق بالدنيا بعد ما توفيت و ليس لها تعلق بغير جسدك في الاجساد و لاتحس من غيره و لاتتحرك من سوي جسدك و انما هي موجودة في الدهر فوق جسدك ثابتة فيه من اول تولدك الي آخر وفاتك و ان في ذلك لعبرة لاولي الابصار فتدبر فان نفس كل احد [ص 33] هكذا بالنسبة الي جسده فعلي كل زماني دهر خاص فوقه و هو هو ان اخذ بشرط لا و هو مقدم علي الزماني لان الشئ من حيث هو هو مقدم علي حيث لحوق الاعراض به و تقدم هذا الحيث رتبي دهري فافهم و اغتنم .

فصل - فاذ قد فرغنا علي الاجمال من شرح احوال النار الجوهرية و مسها و تولد الشعلة فلنعطف التوجه الي شرح احوال الانوار و صدورها عن الشعلة و هي مسألة معضلة قد حار فيها الاحلام و ضل فيها الاعلام و اسأل الله العلام ان يوقعني علي صواب المرام و في الحقيقة يتوقف فهم ما سبق من المسائل علي فهم هذا المقام .

اعلم انه لا شك في مقدمتين و اصلين عليهما تبني هذه المسألة الاولي ان تعرف ان النار الجوهرية ليست بذات لون محسوس من احمر او اصفر او غيرهما و لا بذات شكل محسوس من مخروط او مربع او مثلث او غير ذلك فانها دهرية قد تعالت عن الالوان و الاشكال من حيث نفسها و الثانية ان الانوار علي هيئة الشعلة يعني هي مخروطية صفراء ضيئة مثلا و ليس فوق مقام الشعلة هذا اللون و هذا الشكل فمبدؤ هذه الانوار الشعلة لا النار منها بدأت و اليها عادت اليها ايابها و عليها حسابها ليست من النار و لا الي النار فان النار ليست بصفراء و لا مخروطية و الانوار ليست الا صفراء مخروطية فهي عائدة الي الشعلة كما هي بادئة منها فهي منسوبة اليها لا الي النار البريئة عن الالوان و ان نسبت الانوار يوما الي النار فانما يعني بها النار المنسوبة اليها و النار المنسوبة اليها اي التي تصح النسبة اليها هي الشعلة فهي اي الشعلة جهة كون النار منسوبة اليها و الشئ انما يضاف الي جهة كون الشئ مضافا اليه لا الي ذاته كما انه يخاطب من حيث جهة كونه مخاطبا لا من حيث نفسه التي لايلحظ معها غيرها فنحن اذا اضفنا الي ذات زيد شيئا انما نضيفه الي جهة كونها مضافا اليها و اذا [ص 34] خاطبناه نخاطب جهة مخاطبيته و لا شك ان هذه الجهة غير الذات الاتري ان الاشارة الحاضرة تقع علي حيث حضور زيد و الغائبة علي حيث غيابه و لو كانتا تقعان علي الذات لكانت تصح الحاضرة للغائبة و الغائبة للحاضرة فان الذات في كل حال هي هي و في هذا خلف ظاهر فالاضافات و الاشارات و الواقعات و المقارنات و اللاحقات بقول مطلق انما تقع علي جهة خاصة من الذات تناسبها و تلك الجهة غير الذات و غير الذات خارج عن الذات و الخارج عن الذات ان كان تابعا كان فعل الذات حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فجهات اضافات الذات ابدا صفات خارجة حادثة بها فالشعلة التي هي اول افعال النار و صفاتها هي جهة اضافة الانوار اليها و المضاف يبدو من المضاف اليه و يعود اليه و لايتجاوزه فهي بادئة من الشعلة عائدة اليها و بدؤها منها بدؤها من النار اي من جهة مبدئية النار و عودها اليها عودها الي النار اي جهة مرجعية النار فالانوار علي الحقيقة المستعملة الشايعة بدؤها من النار و عودها اليها و هكذا يكون الشئ مبدءاً و معاداً و انما ذلك كله لسر ان الشعلة ليست لغير النار و انما هي و شؤنها و صفاتها و ما منها و اليها و بها و لها و فيها كلها للنار فافهم و تدبر فما يؤل اليها يؤل الي النار بل حق معرفة الشعلة لكونها بكلها للنار ان تعرف بان مرأيها مرأي النار و مسمعها مسمع النار و مسمائيتها مسمائية النار و مراديتها مرادية النار و لاتري الشعلة شعلة فانها ان رأيت شعلة علي معني غير النار فقد ابدت نفسها و ان ابدت نفسها فقد اخفت غيرها فاذا كانت لها لا لغيرها و الشعلة ليست لنفسها فالاضافة الحق ان تضيف كلما تضيف الي النار لا اليها فعندها ترضي الشعلة عنك اذ رأتك عرفتها لغيرها و لم‌تدع عليها انها لنفسها و لم‌تفتر عليها و لم‌ترو عليها ما لم‌تقله فافهم فالانوار انوار النار و لكن في مقام العلم لا بد من بيان مصدر كل شئ و مبدأه و مصدر الانوار الشعلة [ص 35] منها بدأت و اليها تعود فالمنير اسم للشعلة و هي المنيرة لا غير و الانارة فعلها لا غير فلا انارة للنار غير هذه الانارة و لا منيرية لها غير هذه المنيرية فالمنير للانوار هو صاحب الانارة و الانارة فعل من النور اثره و صفته منه بدأ و اليه يعود و هو كما عرفت هو الشعلة فهي المنيرة و النور نورها و النار منزهة عن الاسم و الرسم و التعبير افهم ما اقوله و ضم جميع كلماتي بعضها ببعض فان بعضها يفسر بعضا لايجوز الاخذ ببعض دون بعض فالمنير هو الشعلة و لمنيريتها و انارتها مقامان و ذلك انه لا شك ان الشعلة بنفسها صفراء مخروطية و هي حادثة و النار ليست كذلك فليست النار موجدة الشعلة منيرتها بذاتها و انما اوجدتها بنفسها و انارتها بنفسها يعني هي انارة النار لنفسها يعني انارة نفسها لنفسها و نفسها ليست لها بل للنار فهي انارة النار لها بها و هي منيرية النار لها بها فالنار المنيرة بها انارتها بها و انار فعل المنير لا غير فهي في نفسها هي المنيرة و هي الانارة و هي المنار لان النار لا صفرة لها و ليست بمخروطية و انما هي هي البدؤ في ذلك فهي بنفسها لا بغيرها و لما كانت كلمتي ان الشعلة بكلها للنار كلمة مشكلة علي الاحلام عالية عن الافهام احب شرحها للاعلام .

اعلم ان النار الجوهرية الدهرية كما عرفت احدية بالنسبة يعني لايجري عليها شئ من الكثرات الزمانية و تعدداتها و هي غاية البغية فيها و اول ظاهر عنها اي اول فعل من افعالها و اول صفة من صفاتها الشعلة و هي اي النار ليس لها من حيث نفسها ظاهر فانها ليست بباطنة و ليس لها فعل من حيث نفسها فانها ليست بقوة و ليس لها صفة فانها من حيث نفسها ليست بموصوفة و لايضاف اليها شئ فانها من حيث نفسها ليست بمضاف اليها و انما هي باطنة في الشعلة من حيث اعلاها و قوة فيها و موصوفة فيها و يضاف اليها فيها و يشار اليها فيها اذ هي جهتها لجميع ذلك من حيث باطنها فكانت الشعلة [ص 36] ظاهرها و مضاف اليها الظاهر الذي هو ها في الشعلة لانها اي الشعلة مرجعية النار للضمير فهي ظاهرها من حيث الظاهر و هي فعلها و صفتها و ليس لها قبل الشعلة ظاهر و لا فعل و لا صفة و لا ما يعبر به عنها و الشعلة جهة تعبير النار بما يعبر به عنها فلاجل ذلك كانت لها بكلها كيف لا و هي وجودها و عيانها و شهودها و مرجعيتها للضمير و مشار اليهيتها للاشارة ماادري ما اقول و ماذا تسمع و حري بك ان تقول :

قد يطرب القمري اسماعنا و نحن لانعرف الحانه

فالشعلة منيرية النار لها و انارتها لها و المنار بانارتها بها فالانارة لها و النار لايضاف اليها انارة لانها ليست بصفراء و لا مخروطية و كذلك الانوار ليست تعود الي النار كما عرفت و انما تعود الي الشعلة بما عرفت فالشعلة منيرة لها ثانيا و انارتها بها ثانيا بعد ان وجدت بنفسها و صفة انارة الشعلة لها اي للانوار و احداثها اياها انك قد عرفت ان الشعلة هي فعلية من فعليات الطبيعة الظاهرة قبل بصورة الزيتية ثم الدخانية فجاءت النار العنصرية القوية الكاملة فاخفت الصورة الدخانية في مخبئ الطبيعة و اخرجت عن قوتها الصورة الشعلية فالشعلية صورة من الصور التي كانت كامنة في امكان طبيعة الدخان و تلك الصورة مثال للطبيعة قد لبسته و ظهرت به فصارت حصة الطبيعة اي ظهورها مادة لها و صورة الشعلية صورة لها اي لتلك المادة فسميت تلك الحصة باسم صورتها فان الطبيعة تكون نارا اذا لبست صورة النارية و هواء اذا لبست صورة الهوائية و ماء اذا لبست صورة المائية و ترابا اذا لبست صورة الترابية ففي الشعلة كانت نارا غليظة مرئية اذ لبست صورة نار حائلة غليظة فالنار فعلية من فعليات الطبيعة فهي عرض بالنسبة اليها زمانية و ان كانت بالنسبة الي ما دونها جوهرية دهرية فان الزمان و الدهر امران نسبيان [ص 37] فرب شئ بالنسبة الي اعلي منه زماني و بالنسبة الي ادني منه دهري و لذا تكون الدهور و الازمان مختلفة فالسكين المعين مثلا فعلية و فرد بالنسبة الي السكين المطلق و السكين المطلق دهري اذ لا خصوصية له بفرد دون فرد و بحد دون حد و اما السكين اذا قيس مع السيف و العلاة و المطرقة المطلقة و امثالها يكون من باب نسبة صفة الي صفة و نسبة فصل الي فصل فهو حينئذ زماني بالنسبة الي الحديد مثلا و الحديد دهري اذ لا خصوصية له بفرد دون فرد و حد دون حد و اذا قيس الحديد الي الذهب و الفضة و اخوتهما صار من باب نسبة صفة بصفة و فصل بفصل اذ امتيازها بصورها الفصلية او النوعية فصار زمانيا بالنسبة الي المعدني المنطرق و المعدني المنطرق دهري بالنسبة اليه لانه لايخص بفرد دون فرد و حد دون حد و اذا قيس المعدني المنطرق بغير المنطرق صار زمانيا و المعدن المطلق بالنسبة اليهما دهري و هكذا فالازمان و الدهور متعددة و كل شئ له فعليات فيما دونه هي ازمانه و قوة بالنسبة الي ما دونه و هو دهري فتفطن ذلك فانه اصل فالصورة الشعلية اي النارية الغليظة فعلية من فعليات الطبيعة فزمانية بالنسبة اليها و ان كانت بالنسبة الي آثارها جوهرية دهرية فالصورة الشعلية اي النارية الغليظة لما صارت متوحدة لطيفة براقة شفافة احدية بالنسبة لكمالها تعالت عن خصوصيات انوارها و امثلتها و صارت ذات فعليات تلبسها خلع اسمها و حدها و لاتري الا بها و لها و لاتفهم معني كلامي الا بعد ان تقطع النظر عن امكنة الانوار فانها امور خارجة عن النور الصادر عن الشعلة و انما هي مظاهر مفعول بها و مرادي من النور المفعول المطلق فاذا قطعت النظر عن الامكنة و قربها و بعدها و لطافتها و كثافتها و صقالتها و كدورتها و نظرت الي محض النور الصادر عن الشعلة تفهم كلامي فذلك النور مثال للشعلة القته في مرايا الامكنة الغريبة الخارجة [ص 38] و كذلك الشعلة كما عرفت صرف ذلك المثال الخارج من قوة الطبيعة و هي اي الشعلة مثالية اظهرها كثافة مادة الدخان الباقية الزمانية و ذلك ان طبيعة الدخان التي قلنا انها امكان الشعلة هي دهرية لاتري بالعين و الذي يري هو الدهن و الدخان فالدهن له مادة زمانية كثيفة و صورة زمانية هما من فعليات الطبيعة كما ان للعرش مادة زمانية و صورة زمانية هما من فعليات الجسم و لم‌تلبس الصورة العرشية علي قطعة من الجسم المطلق و لايتقطع فالصورة الدخانية لم‌تلبس علي قطعة الطبيعة بل هي بمادتها و صورتها فعلية من فعليات الطبيعة فاذا جاءت الشعلية و هي فعلية اخري للطبيعة كالدخانية ادخلت الدخانية في قوة الطبيعة و ظهرت هي علي تلك المادة الزمانية الكثيفة التي هي ظهور الطبيعة المبهمة المطلقة فتبينت ظاهرة للعين فذلك المثال الشعلي لما كان كاملا لطيفته غالبة علي هويته و هويته رقيقة شافة و حكت احدية الطبيعة المطلقة كان له احدية ما و نفوذ و انبساط و عدم تقيد بالقيود النورية و لتجرده عن القيود كان صالحا للظهور بقيود اذ كل مجرد له قوة الظهور بالمقيدات دونه كما قدمنا و له فعليات بقدر تجرده و احديته فكان للشعلة ظهور و نور علي حسب قوته و احديته و كماله و ذلك المثال و النور كما بينا ليس له تخصص بمكان دون مكان صدورا و انما هو من عالم المثال و ان كان من اسفله و لايري الا اذا انطبع في كثيف فذلك النور اي فعلية الشعلة و كماله صادر عن الشعلة تابع لوجودها اثر لها كما يكون قيامك و قعودك تابعا لك اثرا لفعلك حرفا بحرف فانها اي الشعلة احدثته بفعلها الذي هو هو لانه اول صادر عنها مخلوق بنفسه عندها و ان كان عند النار مخلوقا بالشعلة فالشعلة تجلت له به و احدثته به و هو ظهورها الاعظم و تجليها الاكرم و لكن لما كان ادراك نسبة الفعل الي القوة و خروجه عنها و نسبة الاثر الي [ص 39] المؤثر و الصفة الي الموصوف مما لم‌ينحل سابقا في علم عالم من غير علماء آل‌محمد عليهم السلام فلا بد من شرحه في هذا المقام و رسم فصل خاص في المرام .

فصل - اعلم ان الاحد الحقيقي لا كلام عنه و لا تعبير و لايدخل في البيان فالاحد الذي يدرك و يفهم و يتكلم فيه و يعبر عنه هو الاحد الاضافي او الذي لا كلام عنه ليس بمسمي اسم اذ كل ما عبرته الالسن او عملته الايدي فهو مخلوق و من ذلك الاحد فالاحد الحقيقي صفته و آيته بها عرف نفسه و صدق في تعريفه فهو الذي تعالي عن الحدود و النهايات فلم‌يكن معه شئ يمتاز عنه بنهاية و حد فكل ما هو سواه دونه فانه الكائن الاول و الموجود بالذات الذي ليس فوقه ما يعبر عنه بلسان او يشار اليه بمشعر و آلة او يدرك بادات و هو المقصود و المرام و ما يعبر عنه بكلام و هذا الكائن الاول لعدم تناهيه لم‌يتناه الي ذات و لا الي صفة و لا الي فعل و لا الي اثر و لا اثر اثر و لا الي نسبة و لا شئ من الاشياء فان التناهي الي شئ من ذلك هو صفة هذه المذكورات و امثالها كما شرحناه في محله و المتعالي عن الحدود لايجري عليه الحدود و الحدود هي عرصة الاعداد و الاحد فوق الاعداد فجميع ما يجوز في الاعداد ممنوع في الاحد من حيث انه احد بل ممتنع بالبداهة فجميع ما في عرصة الكائنات المتعددة ممتنع في عرصة الكائن الاول الاحدي الذي اعطي كل كائن اسمه و حده الذي لولاه لم‌يكن كائن بكائن كما انه لولا مصداق الجسم بقول مطلق في الملك لم‌يكن جسم في الدنيا و كل جسم جسم بوجوده و كذلك الكائن بقول مطلق فانه لو لم‌يكن لم‌يكن كائن في الخارج اذ كل كائن به كائن و ذلك مشروح في محله من كتبنا فالكائن المطلق احدي بالنسبة الي الكائنات المتكثرة المتعددة و هو غير محدود بحدود الكائنات غير موصوف باوصافها غير متناه بنهاياتها [ص 40] فلاينتهي الي ذواتها و لا صفاتها و لا افعالها و لا آثارها و لا آثار آثارها و لا شئ من ما يتعلق بها و ينتسب اليها بوجه من الوجوه فلما كان ذلك الكائن كذلك لم‌يوجد حيث هو موجود آخر و لو فرض لكانا اثنين و من الاعداد و عليهما احد آخر لامحة به سميا بما سميا و هو الذي نريده و غفلت عنه و هكذا كلما صعدت صعدنا و ان وقفت وقفنا فالاحد الاول اي الكائن الاول اي الذي ينتهي اليه كل كائن و يسمي باسمه كل موجود هو الذي لا مبدء فوقه و لا غاية وراءه كما لم‌يكن وراء الشعلة مبدؤ و لا غاية فهو ليس معه سواه يعني متفرد بنفسه حيث هو بكل اعتبار فهو هو ليس غيره ديار فلما كان كذلك كان صالحا للتجلي بكل كثرة و عدد و صفة و حد لانها منطوية تحت احديته و كيف لاتكون منطوية تحت احديته و هي لاتكون بشئ الا اذا لوحظ هو فان لم‌يلحظ هو لم‌تكن بشئ و هي كالخط في المنظرة فانما هو هو اذا لوحظ الخط الخارجي علي القرطاس و رأي و ان لم‌تنظر اليه و لم‌تره لم‌يكن الخط في المنظرة بشئ و كذلك منظرة كل هوية من الاعداد بينك و بين الكائن الاول فان رأيته ثبت هوية و منظرة و كائن عددي و الا فلا شئ ابدا ابدا فاذ لم‌يكن وجود للكائنات الا عند رؤية الكائن الاول و الكائنات لايحصي كثرتها و تضادها و تخالفها و الكل في عين تخالفها و تضادها و تكثرها و جميع ما فيها و لها و منها و بها و اليها موجود ان رأي الكائن الاول فالكائن صالح للتجلي بجميع تلك الكثرات و لاينافي شيئا منها و كينونة كلها كينونته او كينونته كينونة كلها فكينونته من حيث الاحدية الاضافية او الواحدية الخارجة و هي الاطلاق صلوح للظهور بالكل و التجلي به و كل هذه الكائنات ظهوره و صفاته و شؤنه و فعلياته و وجوداته و شهوداته و كينوناته و انواره و الطافه و تأييداته و رحمته و عنايته و امثال ذلك [ص 41] مما يؤدي هذا المعني و ليس الكل الاول بمنزلة البحر و هذه الكاينات بمنزلة الامواج نعوذ بالله فان البحر اي مجمع الماء يتحصص بحصص الامواج و كل موج بعض البحر و البحر لايعطي كل موج اسمه و حده و الامواج و البحر في صقع واحد فان البحر صورة اتصال و الامواج صور انفصال و المادة فيهما واحدة و تعالي الكائن الاول ان يكون كذلك بل مادة الكاين و الكائنات مباينتان غير متصاقعتين و لا متحدتين و كذلك صورتهما و ليست الكائنات من صافي مادة الكائن و لا من كدرها و فاضلها و لو كان كذلك لماكساها حلة اسمه و حده بل لها مادة مباينة ثانية تحتها مخترعة و ليس الكائن بمادة الكاينات فتكون قد تحصصت و استحالت في الصور و اختلفت فيكون ما لهذا غير ما لذاك الاتري ان مادة الياقوت غير مادة الحجر الغاسق فان مادة الياقوت لطيفة و لذا قبلت الصورة اللطيفة و مادة الحجر كثيفة و لذا قبلت الصورة الكثيفة مع ان الياقوت جسم و الحجر جسم و مادة الجماد جمادية غير معتدلة و مادة النبات نباتية لطيفة معتدلة و يسمي كل واحد باسمه و مع ذلك كلها جسم فالكائن لايتحصص و لايتغير و لايستحيل و لذا يعطي الكل اسمه و حده و انما الكائن وجود مباين مستعل علي الكاينات بريء عن الحدود و الصفات و اما الصفات فكما مر ليست بشئ الا اذا لوحظ هو فهي لحاظه و ليست بشئ الا ان يعاين هو فهي عيانه فليست الا له و به و منه و اليه و ليس لها وجود مستقل آخر دونه تقوم به بل هي عرض قائم به و حقيقة معرفتها انها ليست بشئ غير الكائن مباين معه او مشاكل ثان يقوم معه و الموجود الكائن هو الكائن الاول و هي وجود الكائن الاول و ليس الكائن الا فوقها محدودا بها عندها اذا تجاوزتها وصلت اليه بل هو هي و هي هو و لكن علي تفصيل اذكره لك و هو ان اكثر ما تسمع من التعبير عن عالم [ص 42] الغيب بالفاظ الشهادة لايجوز حملها علي مشاكل المعاني الشهادية و جل خطاء الخاطئين من ذلك و زعموا بذلك الرب كالعبد و الامر كالخلق و الغيب كالشهادة فخبطوا في المسائل خبط عشواء فلنفسر لك اول بعض الالفاظ التي نستعملها هنا علي الاجمال .

فاعلم انا اذا قلنا ان الكائن الاول احد لانريد انه كاحد من الناس واحد شخصي و اذا قلنا انه لايتجزي لانريد انه جزء صغير لايقبل التجزية لغاية صغره و ان قلنا انه لايثني فلانريد منه انه شطر المثني و بعضه و لا مثل له معه و ان قلنا انه فوق الآثار فلانريد منه ان مقعره علي محدب الآثار و اذا قلنا انه نافذ فيما دونه فلانريد انه كالهواء النافذ في كل ثقبة او كالماء النافذ في التراب او النبات او كالروح النافذ في البدن او كالفهم النافذ في المفهوم و امثال ذلك بل المراد باحدية الكاين العالي انه لا صورة له تحدده و تقسمه و تجزيه و تثنيه لا بمعني انه مادة بلا صورة فان ما ليس له صورة ليست بمادة بل بمعني ان كل شئ يمتاز عن غيره و يمتاز بعضه عن بعض بصورة و الذي يعم المادة و الصورة اي يطويهما لايماثل و لايجزي و لايثني فهكذا هو احد لا انه جزء صغير و لااعني بعمومه المادة و الصورة انه هما معا فيكون المادة شطره و الصورة شطره الآخر بل بمعني انه ما يعطي اسمه الصورة كما يعطي اسمه المادة بلا تفاوت و هو في صدقه عليهما معاً سواء لا بمعني انه ما به اشتراكهما فيكون لهما شئ غيره به التمايز بل هو صادق علي كل المادة و كل الصورة فلا شئ سواه و قولنا انه فوق الآثار ليس معناه انه علي سطحها الاعلي بل بمعني ان ثبوته من حيث نفسه مقدم علي ثبوته من حيث النسب الظهورية الزمانية فهو قبلها و فوقها و مقدم عليها و معني نفوذه عدم شئ سواه في مكان وجودي فاذا عرفت ذلك اقول ان الكائن الاحد لايخلو منه مكان وجودي لعدم التناهي و لا شئ سواه بوجه و هو [ص 43] اذا كان هكذا يكون و الا فلا فجميع ما في عرصة الكون هو مما به الكائن كائن بحيث لولا ذرة منها لم‌يكن الكائن بكائن و ليس معني قولي ان جميع الصفات هو الكائن فيكون جملة كثرات و له ابعاض فان هذا حال البحر و الامواج و حال العشرة و الابعاض و مثل هذا واحد له صورة غير مادته بعضت اجزاءه و ذلك خطاء من القول و لا انه وجودها قد شيب بالاعدام و النقايص و لا انه حقيقتها قد لحقها لوازم الرتب بل علي ما قلت انه لا محدود و لا حد سواه و لا مقدور و لا قدر دونه فان قدرت ان تنظر الي المحدود و الحد بنظر تراهما متحدا تقدر علي فهم ما اقول و سامثل لك في ذلك في عالم الشهادة مثلا و هو ان الجسم معناه المادة التي لها طول و عرض و عمق اطلاقي و هذان معا معني الجسم المفرد الاحد بالاضافة و اذا نظرت الي العرش رأيته مادة لها ابعاد و الكرسي مادة لها ابعاد و كذا الافلاك و العناصر فهل العرش مركب من جسم و شئ آخر او لا شئ الا الجسم و كذا الكرسي و غيره فكل ما نظرت اليه جسم و لاتري من محدب العرش الي تخوم الارض شيئا غير الجسم و لاتجد مركبا من الجسم و غيره و لم‌يلحق الجسم لوازم رتب و لا نقائص و اعدام و ليس الجسم بمجموع الثلث‌عشرة كرة فيكون كل واحدة جزؤه بل كلها جسم و بعضها جسم فان الكل مادة لها صورة و البعض مادة لها صورة فلا شئ سوي الجسم و ليس شئ في العالم ينافيه او يخالفه او يضاده و هذا هو الاحد الاضافي في هذه الكثرات لايجزي بتجزيتها و لايثني بتثنيتها و لايتكثر بتكثرها و لايتبعض بتبعضها و هو فوقها لان العقل يشهد ان هذه الكثرات تحته اي من فروعه و اتباعه و تفاصيله فهي تحته و هو فوقها فهذه الكثرات كما قلت معني عدم تناهيه و وجود عدم تناهيه و نفس عدم تناهيه فلو لم‌يكن واحدة منها بالقوة او بالفعل لكان متناهيا ، افرض العشرة [ص 44] الغير المتناهية فلو لم‌يكن واحد من اجزائها لكانت تسعة ناقصة عن كمال العشرة البتة الاتري ان المداد ما يكتب به هذه الحروف و يصلح لها فلو فرض انه لايصلح لحرف و لايمكن كتبه به لكان غير مداد و لم‌يكن له ذلك الميعان و السيلان و المد فهو مداد اذا امكن كتب كل حرف به فالكائن المطلق كائن مطلق احدي اذا كان صفاته غير متناهية و يكون ما يقتضيه الحكمة ان يكون بالفعل بالفعل و ما يقتضيه الحكمة ان يكون بالقوة بالقوة فاذا كان كذلك فهو احد قائم بنفسه غير مفتقر الي غيره و ان لم‌يكن كذلك فهو واحد قائم في غيره و كل قائم في سواه معلول مجزي مثني مركب حادث ، انظر الي برمة اعشار فانها برمة واحدة اذا كانت اجزاؤها العشرة ثابتة موجودة موضوعة في محالها فان كانت ازيد من عشرة بواحد فواحد منها بعض برمة اخري و ان كان انقص بواحد لكانت البرمة ناقصة غير برمة واحدة تامة و علي اي حال تخرج عن الوحدة التامة الكاملة فارتباط اجزاء هذا العالم و قوام بعضه ببعض و استمساك بعضه ببعض و عدم حاجة الجملة الي شئ خارج عنه و وجود جميع ما ينبغي له فيه دليل علي الكائن الواحد القائم بنفسه الغني عما سواه بالبداهة فانها هي هو وجودا و عيانا و ظهورا و شهودا و ثبوتا و اذا كان هكذا يكون الكائن كائنا واحدا تاما و ان شئت ان اريك الوحدة مع هذه الكثرة بمعني ان الكائن لايتقسم كما ان البحر يتقسم و كل الامواج مندرجة فيه فاصغ لما اقول فاقول ان الشئ انما يقسم اذا كان له مادة غير صورته و صورة غير مادته و تكون الصورة في قوتها فتخرج الي الفعلية فتحدد المادة فتقسمها و اما ما لا صورة له لايتقسم و ما لايتقسم هو احد لايقبل التجزية و التثنية فالجسم المطلق الذي هو ذات هذه المادة الذات ابعاد هل يلحقه صورة اخري مستخرجة من قوته فيصير الجسم علي ما فسرنا [ص 45] بالنسبة اليها مادة و تتقسم بتلك الصورة ام لا بل لا ليس يلحقها صورة اخري تقسمها و قولي ذات ابعاد هو ذاتي الجسم الذي تريد ان تقسمه و يحتاج بعد تحققه الي صورة اخري علي مثل ثبت العرش ثم انقش ، بخلاف الارض مثلا فانك تثبت الارض ثم تأتي بصورة اخري تخرجها من قابلية الارض الثابتة فتقسمها و كل قسمة منها ارض و ليس لك في ذات الجسم المطلق صورة تأتي بها فتقسم الجسم المطلق فتكون كل قسمة جسما و صورة و اما عند صفاته فنعم تأتي بصورة فتقسم كل جسم افهم ما اقول فان مقام الاطلاق مقام ملاحظة ذات الشئ من حيث هي هي لا سواها فهنالك لايلحق الشئ صورة فان ذات كل شئ فعلية محضة بالنسبة اليه لا قوة فيها بوجه و بها تحققه لا بما قبلها فصورة الجسم الذاتية لاتقسم الجسم و هي مقومته و المقسمة هي المتممة و هي دونه بعد ثبوته و تفصيل المقومة و ظهورها لا غيره و هذا اي مقام الذات هو عالم السرمد و اما الدهر فهو كما ذكرنا ملاحظة الصفة للذات او ملاحظة الذات في الصفات فتكون ثابتة مستقرة باستقرار الذات و ثبوتها ففي الدهر ثبوت التقسيم و استقراره لا حدوثه و اما الزمان فهو عرصة الصفات من حيث هي فهنا يحدث التقاسيم و لا حرج مثلا اذا اخذت القرطاس فرأيت منه انه غير هواء الاطراف و غير الفراش و له مادة من القطن و صورة نعامة و بياض و غير ذلك فان هذا القرطاس فيه امكان التقسم و قوته و يمكن ان تخرج من قوته صورة التجزي و التقسم فتقسمه به و لا نكير عليه و اذا نظرت الي القرطاس و رأيت هذه الصورة الموجودة ثابتة في مكانها و وقتها و رأيت جميع صور القرطاس و الصور المقسمة التي هي المتممة قبل القسمة في مكانها و حال القسمة في مكانها و بعد القسمة في مكانها و رأيت جميع صوره من اول كونه الي آخر فساده ثابتة في اوقاتها و امكنتها قائمة بذات القرطاس قد كساها [ص 46] حلة اسمه و رسمه و عمر بنوره قوابل تلك الحدود و الامكنة فذلك هو الدهر اي ثبوت تلك الصور و دوامها و عدم محوها عن محلها و قيامها بمبدئها هو الدهر و الكتاب الدهري و اللوح المحفوظ ففي الدهر ايضا تقسيم و صور الا انها غير محدثة بحدوث زماني بل بحدوث ذاتي دهري فالذات الظاهرة بمجموع تلك الصفات الثابتة بالفعل بلا ترقب التي لاتتغير و لاتتحول و لاتزول او تلك الصفات القائمة بالذات هي الدهر فدهرية كل شئ هكذا و انت تقدر ان تنظر الي كل صورة زمانية هكذا و تراها ثابتة في وقتها و محلها و لم‌تلاحظ النسبة بينها و بين غيرها من الصفات فان رأيتها كذا فقد رأيت الدهر و ذات هذه الصفات موصوفة بكل صفة في محلها لا في غير محلها فاذا نظرت الي اي محل تري الذات الموصوفة بها فيها حاضرة كالشمس في المرايا العديدة هي حاضرة في كل مرآة فتوصيفها بصفة في آن دهري لايمنع من توصيفها بصفة اخري في ذلك الآن بعينه بخلاف توصيف الذات في زمان فانه يمنع من توصيفها باخري في ذلك الزمان بعينه فالدهر يجمع التوصيفات الزمانية في لمحة و اما الذات فاذا لاحظتها من حيث هي فعلية طوت الفعليات مع قطع النظر عن خصوصياتها حيث غيبت الصفات و حيث انه لا شئ الا هي كما انه لا شئ في عرصة الاعداد الا الاحد فلم‌تر شيئا من الصفات و تري من كلها الذات الاحدية التي لا شئ سواها كما يري خط واحد من مناظر عديدة فهي في السرمد و تلك الملاحظة هي في السرمد و ذلك الثبات هو السرمد فالذات بهذا اللحاظ ليس يلحقها صورة اخري تقسمها اذا الذات فعلية محضة ليس لها قوة و لايخرج منها خارج و لايدخل فيها داخل لان الله خلقها هي هي فلاتترقب ان تكون هي هي و لاتخرج عن ان تكون هي هي فيكون الشئ غيره ففرض تغير الذات فرض عدمها و فنائها و محوها عن [ص 47] عرصة الوجود لا غير فان كانت الذات لا ترقب فيها لا قوة فيها فاذ لا قوة ليس فيها قوة خروج صورة تقسمها نعم في الذات قوي في الزمان قد خرجت الي الفعلية و ثبتت في لوح الدهر و اتحدت في الذات فلا زيادة فيها و لا نقيصة عنها فالزمان دار القوة و الدهر دار الفعلية و السرمد دار الحقيقة و الهوية و يعبر عنها بانها بالفعل فالتعبير في الدهر و حدوثه في الزمان فتبين مما ذكرنا ان الذات هي حقيقة الصفات فمن نظر الي الصفات من غير نسبة بعضها الي بعض و من غير نسبتها الي اعلي منها بل نظر اليها من حيث اتحادها في معني جامع بينها و بين كلها و بعضها و موادها و صورها و نسبها و قراناتها و جميع ما لها و بها و منها و فيها و اليها عرف الذات بالفعلية الكاملة العظمي فيري حينئذ انه لا شئ غيرها و هي هي احدية المعني لاتجزي و لاتثني و لاتحول و لاتزول فليست هي بعينها و ليست بغيرها و ليست داخلة فيها و لا خارجة عنها لايجري عليها شئ من احوالها فصفاتها كمالاتها و فعلياتها و وجوداتها و شهوداتها و ليست بابعاضها و لا اجزائها و ليست فيها و لم‌تخرج منها بل هي هي فان نظرت اليها بنظر الوحدة ليست الا الذات الممتنعة عن الصفات و ان نظرت اليها من حيث كثرتها ليست الا الصفات فليست الذات بلطايف الصفات و لا حقايقها و لا صفوها و لا اعلي مقاماتها و لا اول اذكارها و لا مبدئها فان الصفات في الذات ممتنعة لا ذكر لها فيها بنفي و لا اثبات فافهم ان كنت تفهم فانه دقيق دقيق فنسمي مثل هذه الكثرات عند تلك الوحدة بالمثال و النور و الآية و الصفة و الكمال و الفعل و الاشراق و امثال ذلك و هي امر ثابت في محله من حيث الوحدة الاحدية ازلية حقية و من حيث الوحدة الواحدية ازلية اولية اضافية و سرمدية و من حيث ثباتها في محالها دهرية و من حيث ترتبها و نسبها زمانية فان قلت فعلي ذلك الذات حيث من حيوث الصفات و الصفات حيث من [ص 48] حيوث الذات قلت ليس كذلك و لم‌تفهم ما قلت فان حيث الشئ صفة له و جهة من جهاته و ليست الذات صفة لشئ دونها و لا جهة من جهاته و ما قلت من قولي من حيث الوحدة الاحدية لم‌ارد به ان الذات حيث من فعلها نعوذ بالله بل اردت التعبير عن انك اذا نظرت الي الصفات و قطعت الاشارات و رأيت شيئا يطويها و يطوي حيوثها و جهاتها و موادها و صورها و نسبها و جميع ما يعبر عنه او يشار اليه او يدرك منها فذلك هو الذات الاحدية التي اعطتها اسمها و حدها فان قلت فعلي هذا الذات مجموع الصفات قلت حاشا مجموع الصفات كثرة بعض الصفات بعضها و لو كانت الذات مجموعها لكان بعضها بعضها و لم‌تكسها حلة كل اسمها فان قلت فعلي هذا غيرها قلت حاشا لو كانت غيرها لكانت محدودة مثلها و كانت مركبة من مادة مشتركة بينها و بين الصفات و من صورة مميزة و ان قلت ليس بين النفي و الاثبات منزلة و الشئ ان لم‌يكن عين شئ كان غيره قلت ان الذات فاقت النفي و الاثبات و القضية جارية في الخلق الم‌تسمع من الاخبار انه ليس بقريب و لا بعيد و في الخلق ان لم‌يكن الشئ قريبا كان بعيدا و بالعكس و ليس بداخل و لا خارج و لا دان و لا عال و عال و دان و داخل و خارج و قريب و بعيد و امثال ذلك و انما ذلك ان النفي و الاثبات معنيان و المنفي و المثبت صفتان و الذات علت علي الصفات فتجمع النقيضين و لا مانع و القول الحق ما قاله الصادق عليه السلام هي هو وجودا و عيانا و اثباتا و ليس هو هي جمعا و لا كلا و لا احاطة ، نقلته بالمعني و لم‌يحضرني الكتاب لانقله بلفظه و الفقرة في حديث مفضل و هذه القضايا التي ذكرناها في هذا الفصل لاتجري في ذات الحق جل و علا اذ لا عبارة عنه و لا اشارة اليه كما بيناه في اول الكتاب و اول الفصل و انما ذلك يجري في الآحاد الاضافية و المطلقات [ص 49] الخلقية فسبحانه من غيب لايعلمه الا هو و ليس كمثله شئ فسبحان ربك رب العزة عما يصفون فاذا كان هذه التقديسات لخلقه كما شرحنا مما عايننا فما ظنك به و هو تعالي و تقدس و تنزه عن صفات خلقه و عن مشاعرهم و ما يجوز في خلقه يمتنع فيه تعالي الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا .