رسالة الشمس المنيرة
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي النبي الامين محمد و آله الطيبين الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم ان الذي يعبر عنه عند الحكماء بالوجود ثلثة :
احدها الوجود الحق و يعبر بهذا اللفظ عن ما عرف الله جل قدسه به نفسه لعباده اذ ليس للخلق ذكر فوق مبدئهم و ليس لهم مدرك فوق مراتب وجوداتهم و انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و لا تعبير لهم عما لايدركون فمن عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة و تلك هي النفس التي من عرفها فقد عرف ربه كما روي من عرف نفسه فقد عرف ربه و قد روي كل ما عبرته الالسن او عملته الايدي فهو مخلوق ماخلا الله ، فالوجود الحق هو تلك النفس لا من حيث انها نفس الانسان بل من حيث انها آية الله سبحانه لا من حيث انها آية مضافة معروفة بالآئية بل حين كشفت السبحات و قطعت الاشارات و محوت الموهومات و هتكت الاستار و ازلت الاغيار و لمتر الا الجبار .
ثم الوجود المطلق و مرادي بهذا المطلق المطلق عن القيود الاثباتية اعني به انه ليس بشئ و لا لشئ و لا من شئ و لا علي شئ دونه و هو مأخوذ فيه نفي ما سواه فيه بالفعل ، و اما المطلق [ص 3] عن القيود بمعني صرف الوجود بقول مطلق فهو الوجود الاول و هو الوجود العام الشامل الساري النافذ في جميع ما دخل عرصة الوجود من ذات او صفة او نسبة او حيث او اعتبار او فرض او اثبات او نفي او مدرك بالذات او بالاضافة او غير مدرك و اما المطلق بمعني غير المقيد بما سواه فهو الوجود بشرط لا كما ان الوجود الاول لا بشرط و هذا الوجود ليس بقائم بنفسه لنفسه بل قائم بنفسه لغيره الظاهر له به بالمالكية و جميع ما سواه فيه مذكور بالنفي بخلاف الوجود الاولي فانه كان ذكر الغير فيه ممتنعا فهو مطلق عن جميع القيود غير نفسه و يعبر به عن المشية و له وقت يعبر عنه بالسرمد و مكان يعبر عنه بالامكان الراجح و الثلثة في الوجود الخارجي متحدة لا تمايز بينها الا من حيث ما يري في آثارها و هو التجلي الاول للوجود الحق و تعريف له بالواحدية و الوصف من حيث انه وصف .
ثم الوجود المقيد و هو الذي قائم بغيره لغيره و يشترط في تحققه اشياء اقلها سبعة : الغاية و الفاعل و الفعل و تعلقه و المادة و الصورة و تلازمهما ، و حدود صورتها ستة : الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوقت و المكان ، و ان كانت تختلف مراتبها في اللطافة و الكثافة بحسب رقة المادة و غلظتها كما هو محقق في محله فهذا الوجود مقيد بهذه الامور و كل امر منها غير الآخر نوعا و ان لميكن غيره من حيث الوجود المطلق فجميعها ينحل في بحر الوجود المطلق و لايبقي فصل و لا مفصول و انما هي متمايزة بفصولها في محالها و هذا الوجود اعلي مراتبه العقل الذي هو اول ما خلق الله كما روي في احاديث مستفيضة و لا نهاية لآخره اذ هو كمال الكامل و لا غاية لكماله و لا نهاية و ليس جميع مراتبه من نوع واحد تختلف بالصور الشخصية كما هو الحق الظاهر من دقايق الاخبار و لمح الآثار و ان كان ظواهرها تؤذن بكونها من نوع واحد الا انه بعد تعميق النظر [ص 4] فيها يعرف الحكيم ان ظواهرها جارية في مقامات القطبية و ظواهر الاعالي في الاداني و بواطنها تجري في حقايق المراتب كما حقق في محله و لما كانت الاداني ظهورات الاعالي و صفات تعريفها و تعرفها و آيات توصيفها صارت معرفتها صفة استدلال علي الاعالي و من احاط بها خبرا عرف العالي من حيث التعريف و لذا قال الله سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق ، و قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية و قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا .
و من اوضح تلك الآيات الدالة علي اختلاف مراتب انواع الوجود و نسبة بعضها الي بعض و كيفية ترتبها السراج الذي يتكون من الدهن بمس النار و يري بدؤه و ختمه و له اشعة و انوار و لقد مثل الله سبحانه به لنوره الاول حيث قال مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار و قال يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا فرأيت ان اضع و لا قوة الا بالله رسالة منفردة في علم تكون الشعلة و صدور الاشعة عنها و كيفية ترتبها و نسبها و منها يعرف حقيقة مراتب الوجود الثلث و نسبها و كيفية حدوث بعضها من بعض بل منها يعرف اكثر مسائل الحكمة بل من عرفها عرف اسرار الوجود بحذافيرها و هي رسالة جليلة لايعرف قدرها الا الحكيم الرباني و العارف الصمداني و ذلك من فضل الله علينا و علي الناس و لكن اكثر الناس لايشكرون فاعرف قدرها و اغل مهرها فانها حسناء لميكشف الي الآن لثامها و محجوبة لميفض ختامها و سميتها بالسراج المنير و ان شئت سمها بالشمس [ص 5] المنيرة اذ مآلهما واحد و فيها مقدمة و فصول :
المقدمة - في ذكر بعض آيات الكتاب و بعض الاخبار المتعلقة بالباب التي منها البدء و اليها الاياب ، فمن ذلك قوله تعالي يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيئ و لو لمتمسسه نار و وصف السراج بالمنير كما قال في وصف النبي و سراجا منيرا و قال و الشمس و ضحيها و قال جعل الشمس ضياء و القمر نورا و قال جعل القمر فيهن نورا و جعل الشمس سراجا ، و في حديث عمران قال عليه السلام لايقال للسراج هو ساكت لاينطق و لايقال للسراج ليضيئ فيما يريد ان يفعل بنا لان الضوء من السراج ليس بفعل منه و لا كون و انما هو ليس شئ غيره فلما استضاء لنا قلنا قد اضاء لنا حتي استضأنا به فبهذا تستبصر امرك و عن تفسير الامام يا عباد الله ان آدم لما رأي النور ساطعا من صلبه اذ كان تعالي قد نقل اشباحنا من ذروة العرش الي ظهره رأي النور و لميتبين الاشباح قال يا رب ما هذه الانوار قال الله عز و جل انوار اشباح نقلتهم من اشرف بقاع عرشي الي ظهرك و لذلك امرت الملئكة بالسجود لك اذ كنت وعاء لتلك الاشباح فقال آدم يا رب لو بينتها لي فقال الله تعالي عز و جل انظر يا آدم الي ذروة العرش فنظر آدم عليه السلام و وقع انوار اشباحنا من ظهر آدم علي ذروة العرش فانطبع فيه صور انوار اشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الانسان في المرآة الصافية فرأي اشباحنا فقال ما هذه الاشباح يا رب قال الله تعالي يا آدم هذه اشباح افضل خلايقي و برياتي الحديث ، و منها ما رواه في المشارق عن ابيحمزة الثمالي عن ابيجعفر عليه السلام في حديث ذكر بدء خلقهم الي ان قال ثم خلق شيعتنا و انما سموا شيعة لانهم خلقوا [ص 6] من شعاع نورنا و في رواية يفصل نورنا من نور ربنا كما يفصل نور الشمس من الشمس ، و روي في امر الخنثي انه تقابل عورته بمرآة و ينظر العدول فيها فيرون الشبح و لميحضرني اصل الخبر لانقله بلفظه و في ما ذكرنا كفاية و بلاغ .
فصل - في بعض المجملات البديهية يجب التنبيه عليها لان تلتفت اليها فمنها ان الشعاع و النور علي الجدار شئ يوجد عليه بواسطة السراج و يعدم بعدمه بلا مهلة و ان حال شئ بينهما عدم النور و اظلم الجدار و ان رفع الحائل عاد النور و ان تحرك السراج تحرك النور و ان سكن سكن النور و ذلك بديهي و يظهر من ذلك ان بينهما ارتباطا و نسبة لامحة و منكر ذلك مكابر للعقل المكتسب من البديهيات و انكاره سفسطة ان انكر و منها ان النور علي هيئة السراج و لونه و طبعه فانا نري في المرآة التي لا لون لها و لا شكل ان نور السراج علي هيئته و شكله و هو حار و نور الشمس فيها علي هيئتها و لونها و طبعها و نور القمر علي هيئته و شكله و طبعه و هكذا نور كل نير و ذلك ايضا بديهي لايمكن انكاره مع ارادة تفهم الحق و منها ان النور يتغير علي حسب المرآة لونا و شكلا و طبعا كما تري من ان المرآة اذا كانت ذات تقعر طولا و اخذ طولها علي طول السراج يطول الشبح فيها كثيرا و اذا اخذت علي العرض يعرض الشبح كثيرا و كذا يتغير لون الشبح بحسب لونها بالبداهة و يتغير طبعها ايضا فان القمر كالمرآة عند الشمس و يشهد بذلك اختلاف حالات القمر في طول الشهر و نوره من نور الشمس كما اخبر الله تعالي عنه و قال جعل الشمس ضياء و القمر نورا و جعل القمر فيهن نورا و جعل الشمس سراجا و قال قدره منازل اي لنور الشمس يستنير كل يوم جهة منه من الشمس و مع ذلك نور القمر بارد ابيض و نور الشمس حار اصفر و منها ان الكثيف سبب ظهور النور لا صدوره فان النور تابع [ص 7] للمنير و مرتبط به علانية و ليس وجوده صادرا من الكثيف بالبداهة فانك اذا اذهبت السراج و الجدار قائم ذهب النور معه ثم لا نور فيحكم العقل ان النور من السراج لا من الجدار و ظهر علي الجدار و به لا بالسراج فانك اذا ذهبت بالكثيف لمتر نورا و ان كان عجالة وجه كون النور موجودا من السراج و ظاهرا بالجدار خفيا فانا نعلم ان المنير اولي بالنور من الجدار و ان الجدار اولي بالظل من المنير و هذا ايضا مما يحكم به العقل مجملا بالبداهة و منها ان النور كلما قرب من المنير كان انور و اقوي و كلما بعد عنه كان اظلم و اضعف و ان صار اقرب الي الجدار فهو من متعلقات المنير و مضافاته لا مضافات الجدار و منها ان ما في المرايا العديدة من سراج واحد مركب من ما به الاشتراك و هو النور الوحداني الذي هو علي حسب السراج الواحد و مما به الامتياز الحاصل من المرايا علي حسب اختلاف لونها و شكلها فليكن ما به الاشتراك هو مادتها كالخشب الوحداني الذي اتخذ منه آلات عديدة علي صور عديدة و ما به الامتياز هو صورتها كصور تلك الآلات فما يري في المرآة موجود له مادة و هي من الشاخص و تابعة له و صورة و هي ما من المرآة فيه و ذلك ايضا بديهي فمادة ذلك الموجود مرتبطة بالسراج موجودة بوجوده معدومة بعدمه بادئة منه عائدة اليه و صورة ذلك الموجود مرتبطة بالمرآة موجودة بوجودها معدومة بعدمها بادئة منها عائدة اليها و منها ان النور من المنير وجودا و بالجدار ظهورا و الظل من الجدار وجودا و بالمنير ظهورا فانا علمنا ان المنير هو اولي بالنور اذ النور يوجد بوجوده و يعدم بعدمه و الجدار اولي بالظل و يوجد الظل بوجوده و يعدم بعدمه و منها ان ما في المرآة غير السراج الخارجي يعني ان ما في المرآة ليس من زيت مكلس مدخن مشتعل و ان كان منه و اليه لكنه موجود [ص 8] غير ذلك الوجود و السراج محدود موجود بوجود خاص خارجا و الذي في المرآة او علي الجدار موجود بوجود خاص خارجا فليس مادة النور من مادة السراج و لا صورته من صورته و يأتي ان شاء الله في الفصل الآتي ما يعرفك مادة السراج و صورته و لكن ذلك معلوم بالجملة بداهة لان السراج بنفسه محدود واقع في جهة و مكان خاص به و النور محدود واقع في جهة اخري و مكان خاص به و منها ان السراج مستضيئ بغلبة النار عليه و احمائها الدخان و اما الجدران فهي مستضيئة لا بغلبة النار و الاحماء و ذلك ايضا بديهي فنوع استضائتهما اثنان ليستا من باب واحد و منها ان النور ليس بمتصل بالسراج بحيث يكون اعلاه مستضيئا بالاحماء و ادناه مستضيئا بالتبع بل عرصة السراج تنقطع بانقطاع الدخان ثم ما وراءه و هو عرصة الهواء عرصة النور و ان كان كل ما يقرب من الشعلة يكون احر لانا نري انه كلما يبعد يصير اقل حرا و النور باق علي حاله بل اذا ادنيت غير صقيل من السراج و ابعدت عنه صقيلا يكون الصقيل اضوء فليس ضوء عرصة الانوار من الاحماء و منها انه ليس يمكن ان يكون النور بطفرة من السراج بان لايكون نور في القرب موجودا و يكون موجودا في البعد فان النور شئ يأتي من عند السراج و ان كنا نري الهواء اقل ضوءاً من الجدار البعيد فانما ذلك للطافة الهواء فلايتبين فيه النور الاتري انك اذا ادنيت الكثيف الي السراج و باعدته شيئا بعد شئ تجد عليه النور في كل درجة و اذا كان طباع المنير الانارة و محال الانوار انما هي لمحض الاظهار فلا معني لعدم وجود النور في القرب و وجوده في البعد و القرب و البعد معنيان في امكنة الانوار المظهرة لها و ليس في معني النور من حيث هو هو قرب و لا بعد فهو موجود بصدوره عن السراج و وجوده به في كل الامكنة و الامكنة محال الظهور لا بواعث [ص 9] الوجود فافهم منها انا نجد ان قوة ظهور النور و ضعفه يتفاوت كثيرا بواسطة القابل يعني كلما كان القابل اشد صقالة يكون انور و ان كان ابعد مكانا و كلما كان اقل صقالة يكون اقل نورا و ان كان اقرب فالقريب من السراج الذي يكون انور هو القابل الاصفي الاشد استعدادا و البعيد الذي يكون اظلم هو القابل الاكثف الاضعف استعدادا فلاتغفل و الذي يري من ضعف النور بسبب البعد المكاني فانما هو لتراكم الاهبية التي في الهواء المظلمة لما وراءها فيمازج تلك الظلمة الانوار فتضعف و الا فالشبح من حيث نفسه لا قرب له و لا بعد و لا ضعف و لا شدة منها ان الشبح و النور امر مثالي يعني يكون من عالم المثال و لايري بالعين الجسماني لولا المحل الجسماني المكثف له و لذلك ان كان المحل لطيفا لايري بالعين لايري عليه نور و لذلك لايري نور بين في الهواء و يري علي الجدار و ما يري من النور الضعيف في الهواء فانما هو لوجود الاهبية فلاتزعم ان النور الصادر من السراج يكون بضعفه بل النور الصادر قوي في غاية القوة حتي انه كالسراج منظرا و انما يكدره المحال التي يقع عليها و لو كان المحل في غاية الصقالة لكان النور في غاية القوة و ان شئت الاعتبار فادن مرآة من السراج و انظر الشبح فيها و ما تري من انك اذا ابعدت المرآة ضعف ما فيها فانما هو لحيلولة الاهبية و تراكمها و اظلالها فالنور من حيث نفسه لايري بالعين بل و كذلك النور الذي علي نفس السراج هو من عالم المثال و لايري و انما يري و يحجب ما وراءه لكثافة الدخان و لذلك اذا كان المحمي الطف كان ضوؤه اخفي حتي انه لو احمي الهواء لمير عليه ضوء و من هذا الباب تكون الاشباح خفية في الهواء و ان كانت موجودة الا اذا وقع واحد منها علي كثيف موافق معه في الصفة و لو كان مخالفا لاري الشبح الموافق له الذي في الهواء و الشبح [ص 10] الموافق ابدا شبح الشئ نفسه منها ان النور و السراج يريان بعين واحدة يعني هذه العين الجسمانية تري السراج بانطباعه فيها و تري النور ايضا بانطباعه فيها منها ان المحل الذي عليه شبح النار اي ضوء السراج مجانس للمحل الذي فيه النور اي كلاهما من المركبات العنصرية الجسمانية بلا شك منها ان جميع مراتب الانوار اي شبح السراج و شبح شبحه و شبح شبح شبحه و هكذا الي ما لا نهاية له كلها محالها متجانسة بل ربما تكون متحدة فانك اذا وضعت سراجا بين مرآتين تري في كل مرآة من الاشباح المترتبة الي ما لا نهاية له مع ان المرآة واحدة و كل ذلك ايضا بديهي منها ان محل النور لو كان دخانا صالحا و اديم السراج فيه حتي احماه لاشتعل كالسراج بعينه حتي لو كان مكان الهواء كله دخانا لاشتعل كله شعلة واحدة و انما ذلك بمس النار التي في السراج لا بمس نوره فان النور ليس بمحم لغيره و ان هو صبغ براق و المحمي هو الحرارة المحمية التي فيه فيكمله بحرارته و كذا الهواء المقارب للشعلة ربما يحتمي و لكن لايشتعل كالدخان للطافته و حرارة الهواء تضعف كلما يبعد لممازجة البرودة التي في ساير الهواء و مسها له منها ان الاشياء التي تدرك بمشعر واحد متصاقعة بحكم انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها منها ان القوي المجانس اذا لاقي ضعيفا مجانسا كمله بفضل قوته و جعله مماثلا لنفسه و بلغه رتبته في القوة ، كل ذلك امور بديهية تعرف بلا تأمل او مع تأمل قليل فخذها كالاصول الموضوعة لما سيأتيك او كالمصادرات حتي يأتيك البيان و تعرف حقيقة الحال بعون الله المتعال .
فصل - اعلم ان الله سبحانه خلق كل شئ هو هو في حقيقته فلايكون هو غير هو فالحرارة مثلا حرارة ليست ببرودة و لو كانت برودة لكانت برودة لا حرارة [ص 11] فالحرارة حرارة بجعل الله اياها حرارة فانه لو لميجعلها الله لمتكن اصلا و كانت معدومة منحلة في بحر الامكان بل لو لميخلق الله امكانها في الامكان لكانت ممتنعة فالحرارة حرارة بعد ان جعلها اياها و تعلق بها المشية فان قلت ان الحرارة حرارة بالضرورة و ليست بمحتاجة الي الجعل لانها ضرورية قلت انك تنطق بما لاتعقل او بما تعقل فان كنت تنطق بما تعقل فهل معقولك هو الذات الاحدية او غيرها و لا ثالث فان كان غيرها فهل هو قديم و تعدد القدماء او حادث فهو حادث بجعل الله او بغير جعل الله فاختر لنفسك ما يحلو بالجملة الحرارة حرارة الآن و هي بجعل الله قال الله سبحانه جعل الظلمات و النور و كذا البرودة برودة و كل شئ هو هو فهذا المقام مقام ذاتية الشئ و دهريته بل سرمديته النسبية و وجوده الاخروي عليه يحشر و يثاب و يعاقب و كل شئ غير ما هو به هو و غير مشروط في كونه هو هو مما يضاف اليه عرض و هو غير ذاته و لايصاقعه في ذاته بل هو دونه و هو مما يجب كشفه و هتكه عند ارادة الحقيقة و نسمي الشئ من حيث هو هو بالجوهر فالنار الجوهرية التي لاتكون الا نارا و هي الحرارة و اليبوسة الجوهريتان هي حقيقة دهرية ثابتة بعد ما خلقها الله في الدهر و هي غير مدركة بالحواس الدنياوية مكتوبة في الورقة الوسطي من اللوح المحفوظ و كذلك جوهرية كل شئ و لايقدر علي احالتها عن جوهريتها الي الجوهر الآخر الا الله سبحانه فيكسرها و يعيدها الي الامكان العام ثم يصوغ من الامكان شيئا آخر فيكون شيئا ابتدائيا فانه كساير الاشياء الابتدائية من الامكان فافهم و تلك الحرارة و اليبوسة اي النار الجوهرية ليست محدودة بحدود عالم الزمان بل هي مستوية علي عرشه و كذلك كل امر دهري حقيقي جوهري نسبته الي جميع اجزاء عالم الزمان علي السواء لان هذه الحدود العرضية ليست مأخوذة [ص 12] في كون شئ هو هو و انما هي امور خارجة عن الحقيقة الاتري انه ليس مأخوذا في نارية النار ان تكون في المشرق او في المغرب او في الشمال او في الجنوب او عالية او دانية او مع شئ او علي شئ او في شئ او كذا او كذا فكلها غير ما به النار نار و هكذا كل شئ في جوهريته فجوهر كل شئ مبعد عنه الاقطار مبرؤ عن الحدود كما علمت فاذا كان نسبتها الي جميع اجزاء العالم العرضي علي السواء بقرب واحد و بعد واحد تظهر اين ما وجد قابل مواجه علي ما يأتي في السماء و الارض من دون تفاوت فلو صار جميع الاجسام مثلا قابلا للنار لصار كلها كرة واحدة نارا و كذا لو صار كلها قابلة للماء تجلي في جميعها الماء و صارت كرة واحدة ماء و هكذا لو لميكن قابل للنار الا مقدار ذرة تجلت فيها حسب فليس كبر القابل و صغره مناط كبر الحقيقة و صغرها بل ليس للحقيقة كبر و لا صغر الا في القابل فلو كان جميع الدنيا قابلا لروح زيد و علي طبعه و هيئته لصار جسد زيد بقدر هذه الدنيا و هو زيد هذا و كذا لو صغر جسده بقدر نملة لتجلي فيه روحه و هو هو كما تجلي جبرئيل الدهري الذي يعبر عنه بانه يملأ السماوات و الارض في صورة دحية او اعرابي و كذلك تقرؤ في الدعاء في وصف آلمحمد عليهم السلام بهم ملأت سمائك و ارضك ، و هم يظهرون في هذا الجسد الصغير و لو شئت ان تري آيته في هذه الدنيا امكنك فانك اذا صنعت مرآة تتوجه بكلها الي نقطة واحدة و هي لاتكون الا اذا كانت كرية و تكون بكبر الدنيا و وضعت في مركزها سراجا لاستضاء كلها و رأي فيها سراج كبير بكبر الدنيا و ان كانت اصغر فاصغر و ان كانت متوجهة اليه ببعضها كالمسطحة لظهر فيها سراج بقدره و ان كانت كرية حدبها الي السراج يصغر شبح فيها بقدر ما يواجه اليه منها و كلما كانت كرتها اصغر كان الشبح فيها اصغر و الشعلة [ص 13] في نفسها محدودة بحد معين فكذلك الجواهر الدهرية ليس فيها من حيث نفسها كبر و صغر كالاجسام الدنياوية و انما توصف بهما علي حسب قابلية القابل في كبره و صغره فليست الجواهر الدهرية في دهرها محدودة مقدرة باقدار الزمانيات بوجه من الوجوه لا من حيث الذات و لا من حيث الصفات و كلاهما فوق محدد الجهات و الزمانيات .
فصل - اعلم ان كل موجود من الموجودات الزمانية او غيرها مركب من خلقين خلق نوعي و خلق شخصي و كل واحد منهما مركب من مادة و صورة فالمادة فيهما مقام الانحلال و الصورة منهما مقام الانعقاد و من ذلك كان يقال ان كل موجود يوجد في حلين و عقدين فالمحلول مطلقا مقام القوة و الصلوح و الامكان و تشاكل الاجزاء و الوحدة و الابهام و لاجل ذلك يعبر عنه بالبحر لانه مثله في الصفة و المعقود مطلقا مقام الفعلية و الكون و التعين فالصورة الشخصية مقام الوجود المقيد و الكون المعين المحدود الجايز الوجود و اما المادة الشخصية فهي مقام الامكان الجايز و صلوح الصور الشخصية و اما الصورة النوعية فهي مقام الوجود الراجح و التعين الاول و الوجود المطلق عن القيود الشخصية و اما المادة النوعية فهي مقام الامكان الراجح و صلوح الوجود المطلق فالشئ خلقه النوعي مقام الرجحان و الفعلية و الامرية لله سبحانه في خلقه و خلقه الشخصي مقام الجواز و المفعولية و المأمورية له سبحانه فخلقه الاول مخلوق بنفسه و خلقه الثاني مخلوق بالخلق الاول فالخلق الاول له حيثان حيث فعلية لله سبحانه و حيث مفعولية فهو من حيث الفعلية يسمي بالمشية الامكانية لان الخلق الاول امكان نوعي للخلق الثاني و فيه صلوح ظهوره عنه و من حيث المفعول يسمي بالوجود الراجح المخلوق بنفسه و للخلق الثاني ايضا [ص 14] حيثان حيث فعلية لله سبحانه و يسمي بالمشية الكونية و حيث مفعولية و يسمي بالوجود الجايز و المشية الكونية هي رأس من رؤس المشية الامكانية و ظهور لها و نسبته اليها كالمصدر بالنسبة الي الفعل يقع تأكيده و يعمل عمله و هو آيته و ظهوره فالمصدر في الحقيقة امر مفعولي اشير اليه بقوله سبحانه و كان امر الله مفعولا و المشية الامكانية هي الامر الفعلي المشار اليه بقوله له الخلق و الامر و العمل حقيقة للفعل و هو حيوة المصدر و لا عمل له الا اذا رأي الفعل فيه و القي مثاله في هويته حتي يظهر منه آثاره فامره سبحانه واحدة و هو المشية يسمي بالامكاني اذا تعلق بالامكان بنفسه و بالكوني اذا تعلق بالكون بظله .
فصل - اذا عرفت ما قدمناه فاعلم ان النار تتعالي عن جميع صفاتها و ظهوراتها و فعلياتها التي هي الانارة و الاحراق و التفريق و التكليس و التلطيف و التصعيد و الترويق و التحليل و التذويب و امثال ذلك و كل ذلك فعلياتها و ظهوراتها التي قد طوتها النار باحديتها النسبية تعطيها اين ما بلغت اسمها و حدها مطلقة عن قيودها متساوية النسبة معها و من تلك الفعليات الانارة التي هي محل الكلام في هذه الرسالة و هي اي النار من حيث النور تعطي جميع الانوار التي تحتها اسمها و حدها الاتري ان الشعلة نور لانه الظاهر بنفسه في التعريف الظاهر و نورها اي نور الشعلة نور و نور نورها نور و هكذا الي ما لا نهاية له يصدق علي جميعها انها نور و انما ذلك لانها انطوت تحت نورية النار و كذلك حرارة الشعلة و يبوستها و حرارة النور و يبوسته و هكذا حرارة نور النور و يبوسته الي ما لا نهاية له تجتمع كلها تحت اطلاق الحرارة و اليبوسة فلذلك نقول ان النار الجوهرية التي هي الحرارة و اليبوسة الدهرية لها فعل و هي الحرارة و اليبوسة العرضية و تلك هي المثال الذي وقع منها في جسم النار العنصري الذي هو قابله [ص 15] و متوجه اليه و محله و وكره فتجلت النار لهذا الجسم فاشرق و طالعته فتلألأ فالقت في هويته مثالها فاظهرت عنه افعالها و ذلك المثال هو حقيقة تلك الكرة كما ستعرف من الشعلة فذلك المشتعل المتكمل باشراق النار له به هو مثال النار الملقي في حدود مكانه و وقته و كمه و كيفه و جهته و رتبته و وضعه و اجله و كتابه فذلك الجسم من حيث الاعلي مثال النار الجوهرية و انما صار مثال النار الجوهرية دون الماء الجوهري لحدوده التي كانت مشاكلة لصورة النار الجوهرية و لو كانت مشاكلة لصورة الماء لكان جسمه من حيث الاعلي مثال الماء الجوهري و ذلك ان النار العرضية مركبة من مادة و صورة مادتها التي هي المثال فعلية مادة النار و صورتها فعلية صورة النار و تكون المادة فعلية مادة النار بشرط ان تكون الصورة فعلية صورة النار و الا فتكون فعلية مادة غيرها و يظهر لك سر ذلك في ما بعد ان شاء الله فالنار الجوهرية لها فعل و هو النار العرضية و هي هذه الكرة العنصرية و سميناها بالعرضية لان نارية هذه الكرة صفة عارضة لها يمكن زوالها عنه كما يمكن زوال الشبح عن المرآة فالمرآة حمراء و صفراء بالعرض بخلاف الشاخص فانه احمر بالنسبة اليها بالذات و ذلك ان هذه الكرة لها مادة صالحة للتصور بكل صورة فاذا تصورت بصورة توجهت بها الي باب وجود من الوجودات الدهرية و سألت بلسان حدودها و استعدادها وجودا من ذلك الباب من رب الارباب فافيض عليه الوجود و تقدر ذلك الوجود في تقاديره علي هيئة سؤاله و ذلك الباب الذي توجه اليه هو باب امكاني قد بناه الله في نفس تلك المادة بالقوة و هي خزانة الله التي لاتنفد و هي التي بين الكاف و النون اللتين هي محلهما فاذا تصورت بصورة و الصورة عرض قائم بما لها من تلك المادة سألت بلسان استعدادها ان يفرز الله سبحانه لها من تلك المادة حصة و يجعل تلك الحصة لها فيها بالفعل لتختص بها دون غيرها [ص 16] ففرز تلك الحصة و تخصيصيها ( تخصيصها ظ ) اجابة لها مع تصورها بصورة خاصة مساوقة لان ما يفاض عليها هو الاجابة من الله سبحانه لسؤالها و الاجابة لاتؤخر عن السؤال فانه ينافي كرم الكريم المتعال فمحال في الحكمة ان يحرم السائل الواقف علي باب خزانة لا نفاد لها قد فتحه الكريم الذي لا بخل له ابدا فان البخل نهاية و هو لا نهاية له فالمادة الغير المتعينة هي خزانة الامكان الواقعة بين كاف وجوده و نون صورته من حيث كونهما تجلي الرب لهما بهما و نوره و رحمته كما مر فالمادة هي خزانة الرحمة و ليست مخصوصة باحد ممنوعة عن احد صالحة لكل احد موجود فيها كل مسئول بالقوة فاذا حدثت صورة و وقفت علي بابها و رفعت انائها ملأه الله سبحانه من بحر تلك الخزانة فتقدر و تحصص و تخصص من تلك الخزانة و ذلك البحر علي حسبه و لولا ذلك الفيض لميكن لتلك الصورة تحقق و اثر الاتري انك لو جعلت المرآة علي هيئة و لميكن هناك شبح يتهيأ بهيئتها لماكان فيها موجود يري و يلقي شبحا في مكان آخر فاذا وجد الشاخص و القي فيها الشبح حصل الموجود المركب من وجود و هو الشبح و ماهية و هي صورة المرآة و صار منشأ اثر و القي الشبح علي حسب هيئته في مكان آخر فالصورة و ان كانت سبب تقدير المقدر عطاءه لها و لكن في الحقيقة يكون العطاء سبب تحقق الصورة فان الصورة اي السؤال هي انية العطاء و قابليته المخلوقة من نفس العطاء و هي قائمة به قيام تحقق فكل نعمه ابتداء و كل احسانه تفضل فكما ان العطاء من المعطي السؤال ايضا منه و بتعليمه و تأييده و توفيقه و اذنه و الا لميهتد احد الي سؤاله و تلك الاسولة حدود كمالاته و تقادير ظهوراته جل شأنه اذ ليس الا الله و صفاته و اسماؤه الا ان تلك الاسولة من حيث نسبة بعضها الي بعض حاجات حادثة و دعوات مستحدثة يظهر الاجابة عليها بها بعدها صعوداً و جميعها مع الاجابات [ص 17] يعني اذا قستها بها تكون ثابتة في اماكنها و اوقاتها مقرونة باجاباتها اجاباتها اثر مادة المشية و سؤالاتها اثر صورة المشية القائمة بتلك المادة القائمة بتلك الصورة قيام ظهور يعني هما محلها و وكرها و متعلقها و اذا قستها الي الله سبحانه تجدها اسماء و صفات له و شؤنا لكماله فموادها التجلي المطلق و الكينونة الازلية الاولية و صورها حدود الاسماء الخاصة و الفعليات المتعينة بالجملة هذه النار الظاهرة لها مادة نوعية و هي قبل التعين بها الجسم الشايع بينها و بين ساير الاجسام و هو دهري فلما حصلت الصورة الخاصة النارية العنصرية التي هي مطابقة مع النار الجوهرية الكامنة في تلك المادة متقدرة علي حسب محبتها و ميلها تحصص فيها من ذلك الجسم حصة هي المادة الشخصية و المسؤل المقدر و هي ظهور ذلك الجسم و حصل النار فالنار حقيقة هي تلك الصورة المتحققة بتلك المادة لا المادة الظاهرة بتلك الصورة كما قال تعالي شأنه يكاد زيتها يضيء و هذا حال كل مسمي فالنار الجوهرية هي تلك الصورة المتحققة اذا لاحظتها بالنسبة الي الاعلي و النار العرضية هي ايضا تلك الصورة اذا نسبتها الي مصاقعاتها و هي عرضية لامكان ازالة تلك الصورة عن الجسم و لبس صورة اخري فيمحي تلك الصورة عن لوح ذلك الجسم الزماني و تثبت في الورقة الوسطي من اللوح المحفوظ في الدهر و يثبت هنا علي الجسم في الزمان صورة اخري فيخصص تلك الحصة بها و تصير ماء مثلا فلاجل ذلك قلنا ان نارية هذا الجسم الخاص صورة عارضة له يمكن ان تزول و اما النار الجوهرية و هي الصورة الفعلية النارية المكتوبة في الورقة الوسطي من اللوح اي الدهر فتلك لاتكون غير تلك فهي ما دام ملك الله نار و هي قبل سؤال هذه الكرة لمتكن و انما اوجدها الله بعده بسؤالها و كانت قبل في خزائن الله سبحانه غير متعينة فلو لميكن في الدنيا جسم علي هيئة النار لمتكن نار جوهرية [ص 18] ايضا في الدهر فلما كان كانت بعده و لكنها قبله بمائة الف سنة فالنار الجوهرية خلقت قبل هذه النار العرضية بمائة الف سنة مع انها لمتكن قبله فهي نفس تلك الفعلية من حيث نسبتها الي المادة و ملاحظتها في حدها ابدا دهريا نعم لو نسبتها الي فعلية اخري كانت عرضية فافهم هذه الكلمات العجيبة الغريبة الجارية من الغيب الي الشهادة مع قلة بضاعتي و كثرة اضاعتي و تبلبل بالي و اختلال حالي فالنار الجوهرية هي المتعالية عن الاعراض و الاعراض صفتها و ظهورها في عالم الزمان فان لحاظ الشئ من حيث هو هو متقدم علي لحاظه مع ما يلحق به فنظرك الي الشئ الموضوع بين يديك من حيث هو هو متقدم علي نظرك اليه من حيث كونه علي هذا و في هذا و قبل هذا و بعد هذا و هكذا و دهريته حيث هو هو و زمانيته ساير الحيوث و ساير الحيوث هي التي تتبدل و تتغير و تجيئ و تزول و الشئ هو هو في كل حال فالنار الجوهرية هي الثابتة في كل حال و هي غير العرضية كلا و جمعا و هي هي ظهورا و عيانا فالجوهرية تتعالي عن هذه الاعراض بالبداهة و غنية عنها لانها قائمة بموجدها و العرضية هي صفة من صفات الجوهرية و كمال من كمالاتها و نور من انوارها و فعل من فعلياتها و تجل من تجلياتها قائمة بها قيام صدور فانا لانعني بالصدور الا ما كان هكذا و الا فلايخرج شئ جوهري و لا عرضي من نفس الجوهر فيكون عرضا بل اذا كان شئ بالنسبة الي شئ هكذا قلنا انه اثره و شعاعه و نوره صادر عنه اذ المراد بالصدور عنه الصدور عن امره الذي هو هو فالداني صادر عن امر العالي الذي هو هو فهو مخلوق بنفسه لديه و التعبير بالصدور عنه لان الاثر ليس بشئ اصلا الا اذا لوحظ المؤثر وراءه كالخط في المنظرة فانه فقير محض ليس له شيئية الا بالمؤثر فان نظر الناظر الي المؤثر رآه فما رآه هو الاثر و ان قطع النظر عن المؤثر لمير شيئا افهم ما اقوله [ص 19] لك و ان اردت الشاهد انظر الي الشعلة و لا شك ان الشعلة لاتدخل عينك و انما الذي يأتيك مثالها و نورها و ينطبع في عينك و تراه كما هو الحق و ذكرناه في رسالتنا في علم المناظر و المرايا فالذي في عينك من الشعلة نور الشعلة فح ما رأيت الشعلة و نظرت اليها رأيت نورها الذي في عينك لا غير و ان قطعت النظر عن الشعلة لمتر شيئا و لا نور في عينك و لاتزعم انك تري النور علي الجدار و لاتري الشمس فانك لو علمت علم المناظر و المرايا لعلمت انك لاتري الا الشمس و لاتواجه الا الي الشمس بصرافتها او منصبغة و لكن هنا ليس مقام التفصيل فلما كان النور موجودا بالمنير شيئا بالمنير قائما بالمنير آتيا من عنده و هو عنده لانك تراه في النور لا غير و النور نور ان رأي المنير و الا فهو عدم محض قلنا ان النور صادر من المنير و الصفة من الموصوف و الفعل من الفاعل و كلها من باب واحد فالنار العرضية هي صفة النار الجوهرية و فعلها و مثالها و نورها و لايري منها و فيها الا هي كما علمت ، و الغرض في هذا الفصل اثبات الجوهر و العرض و المنير و النور و المؤثر و الاثر و قد تم باوضح بيان لمن له عينان و لايجوز اوضح من ذلك لان للحيطان آذانا و ان كان الامر في بياننا واضحا لمن كان من اهله .
فصل - اعلم انه لما كان مقصود الحكيم الاستضاءة بالنار في عالم الاجسام و لا بد فيه من ضوء يري و النار الجوهرية لاتري و لايري العين المركبة من الطبايع الا مركبا فدبر في حكمته تدبيرا يظهر به النار للانظار فاختار لذلك الدهن المركب من جزئين من الحرارة و جزئين من الرطوبة و جزء من اليبوسة و جزء من البرودة اما زيادة الحرارة ليتعلق بها النار و تشيط فيها و اما زيادة الرطوبة لتكون صقيلا متداخل الاجزاء متحدها و سريع الانفعال و باقيا مرتبطا بعد عمل النار [ص 20] فيه ليمكن الانتفاع به و اما الجزءان الآخران فلحصول الرؤية و ذلك لايكون الا الدهن سواء كان مستخرجا خارجا قبل كالزيت او يكون في الشئ الدهني و يخرج حين العمل كالحطب مثلا فاختار الحكيم لاجل ذلك الدهن للاشعال و الاستضاءة فسلط عليه النار بتقريب النار العرضية التي هي كرسي استقرارها و عرش استوائها اليه و النار العرضية جسم كالدهن مركب حقيقة فادناها منه فمازجت الدهن لتماثلهما في الجسمية و سيلان النار و حدتها و نفوذها فتخللت اجزاء الدهن فرققته و فرقت اجزاءه الهبائية و لطفتها و خففتها و صعدت بها بخارا فيه ثلثة من الحرارة و جزء من البرودة و جزؤ من اليبوسة و اربعة من الرطوبة ثم ادامت العمل عليها حتي جففت رطوباتها بتبديدها هوائها فجعلته دخانا صاعدا فيه اربعة اجزاء حرارة و جزؤ رطوبة و جزؤ يبوسة و جزؤ برودة فاحمي النار التراب المرتبط الاجزاء بما فيه من الماء الرقيق بما فيه من الهواء فصيرته ملتهبا محميا و سبب احمراره ان التراب الممزوج بالماء في نفسه اسود كدر متكاثف الاجزاء مظلم و النار في نفسها لا لون لها لكثرة لطافتها و انتشار اجزائها و رقتها و تشاكلها و تمازجها و اتحادها اي ارتباطها حتي انها اصقل شئ في الطبيعيات و اصفي شئ و لكن اذا عبر عن لونها عبر بالحمرة الرقيقة المشرقة البراقة اللماعة و انما يعبر عن لونها بالحمرة مع انها لاتري فان اليبوسة التي فيها تقتضي التكاثف في حد ذاتها و التراكم اذ كانت الاجزاء متشاكلة و في التكاثف و التراكم غلظة لللون البتة و كدرة و الحرارة تقتضي الانتشار و الانبساط فاذا ضمت هاتان الصفتان اقتضتا الحمرة فانها لون يفرق البصر مع كثافة له و لما كانت اي النار ارق الطبيعيات و اصفيها و احكاها لما ورائها من المبدء الاحدي كانت مشرقة لامعة فكانت النار حمراء مشرقة في نفسها و ان كانت لاتري [ص 21] لللطافة فاذا تخللت اجزاء التراب الهوائية و عملت فيها و مازج التراب النار للمشاكلة الجسمانية و عمل فيها و وقعت بينهما الاحالة و الاستحالة و التفاعل حدث بينهما امر ثالث لونه مركب منهما فحدث شئ لونه حمرة كثيفة مرئية مشرقة قليلا و هذا هو الاحتماء و كذلك يحتمي الحديدة و الجمرة و الدخان و غيرها فاذا كان الغالب علي المركب النار صار اشد اشراقا و لمعانا و اصفي لونا و حمرة و اذا كان الغالب التراب صار اقل لمعانا و اكدر لونا و حمرة و لما كان الدخان الغالب عليه النار و الهواء و كان فيه جزء من التراب و جزء من الماء صار اشد الجمرات و المحميات اشراقا و لمعانا و صفاء و اصفيها لونا و اكثرها بريقا و تلألأ و جميع ذلك لرقة الدخان و تشاكل اجزائه و ارتباطها ما دام فيها الرطوبة و صقالته و كلما لطف صار اضوء و المع الا ان للضياء حدا فاذا جاوزه خفي عن البصر و يحسب الانسان اذا لميره ظلمة و لايسميه نورا و ضياء فالمشروط في الضوء ان يكون فيه كثافة تثبت النار في كتاب المعاينة و تظهرها للعين و حدد ذلك باربعة نار و واحد تراب اذ لو صار التراب اقل من ذلك لخفي و اضمحل و تفرق و استتر عن النظر و ذلك سر في جميع المقامات فالذي ترابه اقل من ذلك ليس بضوء و نور زماني يدرك بالابصار و عدم النور في عالم الزمان ظلمة فلا نور للنار نفسها و لا ضياء فوق مقام الشعلة فهي اي الشعلة هي مبدؤ النور و الانارة و اول مقام المنير افهم ذلك و حيث لا نور لا منير بالجملة كلما لطف الدخان في حدود العيان صار اشد بريقا و اصفي لونا و كلما كثف صار اكثف كما جربت من حال الشعلات ، و حاصل الفصل ان الشعلة هي دخان محمي كالحديدة المحماة و كالجمرة و التفاوت في الصفاء و الكدورة و احسن شئ دبر لذلك الدهن لما ذكرنا و ما كان اغلظ من الدهن كان اكدر و اقل بريقا اذا احتمي و ما كان [ص 22] ارق يستحيل هواء و لايري اذا احتمي و ما كان ابرد يقاتل برودته النار و تمنعها من الاحماء و ما كان اكثر حرارة يصير اكثر تبددا و خفاء فحد الاعتدال في هذا الباب الدهن و له ميدان من مبدئه الي منتهاه جميع مراتبه صالح في الجملة علي الاختلاف و لذلك اختار الله سبحانه في التمثيل الزيت و هو احسن الادهان و اشرفها حار في الثانية و فيه قليل يبوسة كما ينبغي و اجزاؤه متشاكلة و حرارته شبيهة بالحرارة الفلكية و لذلك تكون حافظة لقوته حتي قيل انه يبقي قوته اربعة آلاف سنة و انما ذلك كله لتشاكل اجزائه و شباهة حرارته للحرارة الفلكية و لذلك لايقرب آكله الشيطان اربعين يوما لانه مطرود من السماء و اختار الله سبحانه القسم به و قال و التين و الزيتون و كني بالتين عن رسول الله صلي الله عليه و آله و بالزيتون عن علي عليه السلام اما التين فانه اشبه نبات بنبات الجنة كما روي و لايحتاج معه الي دواء كما روي و يقوي الحرارة الغريزية و يزيد في العقل و اما الزيت فلما ذكرنا من كماله .
فصل - اذا دنت النار العنصرية الدهن خالطته بالمشاكلة لانهما مركبان عنصريان فمازجته لاتحاد المادة فيهما فاتحدت المادة بالمادة و كان فعلية حصة الدهن الرطوبة و اللزوجة و الغلظة و الهبوط لغلبة صورة الماء و التراب العرضيين عليه و كان فعلية حصة النار الرقة و اللطافة و الصعود فلما غلب صورة النار علي صورة الدهن فككت صورة الدهن و ازالته و ادخلته في مخبئ قوة المادة و اخرجت منه ما يشاكلها كما ان حصة من الطين لها صورة مثلا هي كرية فاذا وضعتها في الملبنة و غمزتها غلبت صورة الملبنة و الغمز علي الصورة الكرية و ادخلتها في مخبئ امكان الطين و اخرجت منه صورة تربيع اللبنة كذلك اذا غلبت صورة النار علي صورة الدهن ادخلت صورة الدهن في امكانه و اخرجت ما في قوته من الصورة [ص 23] النارية و ان غلب صورة الدهن علي النار ادخلت صورة النار في امكانها و اخرجت ما فيه من صلوح الصورة الدهنية و اطفأها و هذا معني الاحالة و الاستحالة و التفاعل في المتصاقعين و هو من باب التكميل و التربية و لما كان لكل فعلية كمال ما ما لميستهلك بالكلية فكما انه يعمل هذا في هذا يحصل العكس ايضا فكما ان النار تلطف الدهن و ترققه و تجففه و تصعد به كذلك الدهن يغلظها و يرطبها و يهبطها و يكثفها كما يقع التفاعل بين الخل و العسل فان كان لاحدهما غلبة ما يظهر خصاله عليه اكثر فالشعلة المرئية هي المركب الحاصل بين الدهن و النار مع غلبة النار فهي نار حائلة و ارض سائلة و هواء راكد و ماء جامد و الغلبة للنار فصعدت كالنار و حميت و استضاءت و تبرقت و هذا معني اشتعالها و لما كان اسفلها اكثر رطوبة و لماتتكلس و لماتحتم كما ينبغي ظهرت اقل ضوء و فيه زرقة الدخان بعد و كان اغلظ و اثخن فاذا عمل فيه النار اكثر صعدته اكثر و لطفته اكثر فصار اشد بريقا و لمعانا و ازالت سواد الدخان الذي مازج الضوء و صار ارق فصار اصفر و براقا و اقل حجما لانه بقوة النار يمتد صاعدا الي حيزها و سبب الصفرة ممازجة حمرة النار مع بقايا البرودة و الرطوبة اللتين فيه فاذا عملت النار فيه اكثر صعدته اكثر و دققته و اقلت حجمه لانها تمده الي حيزها و صار اشد حمرة لتقلل الرطوبة و هكذا الي ان بلغت الشعلة رأسها فكان ادق اجزائها و ارقها و احمر لفناء الرطوبة و بقاء الاهبية الترابية من الدخان الصاعدة بمشايعة النار فتصير حمراء كالجمرة قليل الضوء فاذا فنيت الرطوبة المؤلفة بين اجزاء الدخان و ارتباط بعضها ببعض تفرقت الاهبية و تخلل بين اجزائها الهواء فانقطع الشعلة و بردت تلك الاهبية باختلاط الهواء و تكميل برد الهواء اياها فاسودت و صارت توتجا و صعدت قليلا لبقايا النار التي فيها و تموج الهواء ثم نزلت الي الارض او [ص 24] تعلقت بحاجب حايل فهذا حقيقة امر الشعلة من اول تكونها الي آخرها فتدبر فيه تجده كما شرحنا و كذلك امر كل محماة الا ان النار في الجمرة و الحديدة لمتغلب حدا تصعد بهما و لمتكن لهما تلك الرطوبة الرقيقة التي تجعلهما قابلتين لتكميل النار و عملها علي حسب ما تقتضيه و الغلبة فيهما للتراب و النار مع اغلبية النار فحمرتهما مع قليل اشراق بقدر ما تظهر انفسهما و ليس لمثالهما ذلك الكمال الذي يكمل الوان ساير الاجسام و يبديهما نعم فيهما رطوبة متعلكة غليظة فما دامت باقية كانت اجزاؤها متصلة بعضها ببعض و هي ان فارقت النار تكون اسود فاذا غلبت النار بحيث افنتها فرقت اجزاءها الهبائية رمادا و سبب بياضها شدة تكلسها و تلطيف النار لها و ذلك ان الارض اذا كانت بسيطة لاتري و خفيت عن الابصار و البياض و ان كان من الالوان باعتبار و لكنه ليس بلون باعتبار آخر كما يظهر من الاخبار و الالوان الكثيفة المرئية الوان المركبات و السواد المحسوس في الارض حال تركيبها و حصول رطوبة فيها تربط بعض اجزائها ببعض كما تري من حال الارض اذا صب عليها قليل ماء تسود و الوحل بواسطة شدة تركيبه مع الماء يسود و يصير حمأة و اما الارض الخالصة فهي ابعد عن السواد و لونها آدم و ادمتها ايضا من الرطوبات المربطة بين اجزائها فاذا سلط عليها النار اخرجت ما فيها من النار و جففت ما فيها من الماء و صارت اقرب الي البساطة فصار لونها اقرب الي البساطة فيبيض الارض في النار و تصير نورة بيضاء و لذلك كلما يشتد احتراق المحترقات تصير اشد بياضا و لاتخفي عن النظر لبقاء التركيب فيها في الجملة فذلك سر بياض المكلسات الذي لاتسمعه الا مني و لا قوة الا بالله و كل ما ذكروه فيه فهو خبط عشواء و قد ذكرنا اقوالهم في رسالتنا المسماة بالياقوتة الحمراء و كتبهم بها مشحونة و لاتجد لذة ما اقول انا في العلوم الا ان تكون [ص 25] فطنا و تراجع ساير كتب الناس ثم تراجع كتبي و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .