قال صلوات الله عليه يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين صلوات الله عليك قال عليه السلام انا امير كل مؤمن و مؤمنة ممن مضي و ممن بقي [ص 154] و ايدت بروح العظمة و انما انا عبد من عبيد الله لاتسمونا اربابا و قولوا في فضلنا ما شئتم فانكم لن‌تبلغوا من فضلنا كنه ما جعله الله لنا و لا معشار العشر لانا آيات الله و دلايله و حجج الله و خلفاؤه و امناء الله و ائمته و وجه الله و عين الله و لسان الله بنا يعذب الله عباده و بنا يثيب و من بين خلقه طهرنا و اختارنا و اصطفانا و لو قال قائل لم و كيف و فيم لكفر و اشرك لانه لايسأل عما يفعل و هم يسألون الخبر ، و قد روي السيد الجليل الاستاد اعلي الله مقامه من البحار هذه الفقرة هكذا بعد قوله بروح العظمة و انا تكلمت علي لسان عيسي بن مريم في المهد و انا آدم و انا نوح و انا ابرهيم و انا موسي و انا عيسي و انا محمد انتقل في الصور كيف اشاء من رآني فقد رآهم و من رآهم فقد رآني و لو ظهرت للناس في صورة واحدة لهلك في الناس و قالوا هو لايزال و لايتغير و انما انا عبد من عباد الله الي آخر باختلاف قليل لايغير المعني .

اما قوله انا امير كل مؤمن و مؤمنة ، فالامير بمعني الآمر المستعلي علي المأمورين و المؤمن هو المصدق فهو امير كل مؤمن و مؤمنة في الشريعة لان النبي صلي الله عليه و آله نصبه اميرا علي رعيته و امته يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر فالنبي صلي الله عليه و آله هو صاحب الامر و الحكم و علي عليه السلام مظهره و مؤديه بين العباد و البلاد فهو امير كل مؤمن و مؤمنة و اما امارته لمن مضي فلاجل ان الانبياء و الاوصياء سلام الله عليهم هم الدعاة الي امرهم و حكمهم و الادلاء علي دينهم بل هم بانفسهم مجالي انوارهم و مظاهر آثارهم و هم الناطقون عن السنتهم الناظرون عن اعينهم الباطشون بايديهم بل هم اولي بهم منهم و اوجد في امكنتهم منهم فهو لاجل ذلك امير من مضي و من بقي فافهم و اما باطن ذلك فهو امير كل مؤمن و مؤمنة كونية لانه محل مشية الله و وكر ارادة الله منه تظهر الي جميع الكائنات و تنتشر الي جميع المذروءات بل هو امره صلوات الله عليه كما قال عليه السلام نحن امره و حكمه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد ، بل لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون له الخلق و الامر تبارك الله رب العالمين و جميع ما في عرصة الامكان من الامكانات [ص 155] و الاكوان و الاعيان كلها ممتثلة امر الله عز و جل فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة و لاجل ذلك قال الله عز و جل و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و قد دانت له السموات و الارض بالعبودية و اقرت له بالوحدانية و شهدت له بالربوبية فجميع ما في الامكان مؤمنة بالله وحده مؤتمرة بامره ممتثلة امره و اميرهم هو اميرالمؤمنين عليه السلام لانه محل امر الله جل و عز و منه يظهر الامر الي جميع الخلق فهو امير كل مؤمن و مؤمنة و لك ان تقول بظاهر الظاهر و تأخذ امير فعلا من الميرة بمعني الطعام فهو يمير المؤمنين اي يطعمهم و يجلب لهم العلم بقدر كيل قوابلها و يطعمهم الامداد و الفيوض الشرعية و الكونية علي حسب قوابلهم .

و اما قوله و ايدت بروح العظمة ، فالمراد بروح العظمة هو روح القدس فانه خلق اعظم من جبرئيل و ميكائيل و ليس لله جل جلاله خلق اعظم منه و هو مظهر عظمة الله جل و عز و قد ايده الله به كما مر الاشارة اليه و فيه اشارة الي قوله تعالي و ايدهم بروح منه و في عيسي و ايدناه بروح القدس الا ان الذي ايد به محمد و آل‌محمد عليهم السلام هو الروح الكلي بكليته و الذي ايد به الانبياء وجوهه و اعوانه .

و اما قوله و انما انا عبد من عبيد الله ، فالمراد بعبيد الله محمد و آل‌محمد عليهم السلام المشار اليهم في قوله فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي و في باطن قوله ان عبادي ليس لك عليهم سلطان و اعلم ان العبودية مقام علي و مكان سني و هي جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية و ما فقد في العبودية وجد في الربوبية و العبد لايكون عبدا في التشريع الا ان يكون منقادا بظاهره و باطنه للرب و ذلك الانقياد لايتحقق الا بان يخفي نفسه و يظهر ربه و يخالف هواه و يتبع امر مولاه و لاينظر الي نفسه ابدا و لايرفع نظره عن ربه ابدا و لايجده ربه حيث يكره و لايفقده حيث يحب و يتصف من كل جهة بصفات ربه فاذا صار كذلك هو عبد بحقيقة العبودية ليس لظلمة الشيطان فيه اثر و لا له عليه سلطان و يكون حينئذ معني الرب و ظاهره و آيته و دليله و وجهه و عينه و لسانه و يده و امره و حكمه و يكون جميع ما يضاف اليه [ص 156] مضافا اليه و يقع جميع ما يعامل عليه عليه و ليس للحادث مقام اعلي من كمال العبودية و لا له فضل اجل و اشهي و اعز و ابهي منه و لذلك خص الله به محمدا صلي الله عليه و آله و سماه بعبد الله علي الاطلاق و هو قوله و انه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبداً و قال تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا و لما اراد اعزاز انبيائه و اجلالهم سماهم بالعبيد كما قال في نوح و ابرهيم و الياس انه من عبادنا المؤمنين و قال في موسي و هرون انهما من عبادنا المؤمنين و قال و اذكر عبدنا داود ذا الايد انه اواب و قال في سليمان نعم العبد انه اواب و قال و اذكر عبدنا ايوب فالعبودية امر عظيم و خطب جسيم و وصف كريم لايبلغها الا من اصطفاه الله و اختصه و اصطنعه لنفسه فعن الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد من العبودية وجد في الربوبية و ما خفي عن الربوبية اصيب في العبودية قال الله عز و جل سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولم‌يكف بربك انه علي كل شئ شهيد اي موجود في غيبتك و حضرتك و تفسير العبودية بذل الكلية و سبب ذلك منع النفس عما تهوي و حملها علي ما تكره و مفتاح ذلك ترك الراحة و حب العزلة و طريقه الافتقار الي الله قال رسول الله صلي الله عليه و آله اعبد الله كأنك تراه فان لم‌تكن تراه فانه يراك و حروف العبد ثلثة ع و ب و د فالعين علمه بالله و الباء بونه عما سواه و الدال دنوه من الله بلا كيف و لا حجاب الحديث ، و اعلم انه حق و خلق و رب و عبد لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و جميع ما سوي الرب عبد للرب و العبد عبدان عبد كوني و عبد شرعي فالعبد الكوني هو المنقاد لامر الله الكوني و مشيته الكونية فلا شئ في عرصة الخلق الا و هو واقف موقف العبودية عامل بمراسمها مؤد حقها فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة لايخالف شئ منها رضاه و لايمتنع شئ منها عن محبته فكانت كما شاء الله من كل جهة فكانت علي صفة مشية الله و وفق محبته فكانت مظاهر اسماء الله و مجالي صفاته فكانت آيات الله و مقاماته فكانت انوار جلال الله و جماله [ص 157] فكانت مقامات الله و علاماته فوقفت في الكون موقف لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك و في هذا المقام لا فخر لاحد علي احد و لا مزية لاحد علي احد اذا الكل مشتركون بلا تفاوت بينها و الرحمن علي العرش استوي و اما العبد الشرعي فهو الذي له المزية و الشرف و الفضل و الكمال و الفخر و ليس جميع الخلق مشتركين في هذه العبودية و عليها وقع الاستثناء في قوله لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين فقسم الخلق قسمين قسم هم اولياء الشياطين و قسم عباد الله المخلصين و ذلك ان في عرصة التشريع رب تشريعي هو خليفة الرب الاعلي القائم مقامه في الاداء و هو من جانب النور و الوجود فهو مبدء الوجود و آية المعبود و عدو له يدعو الي نفسه و ينهي عن طاعة رب التشريع و هو مدعي الربوبية لنفسه و لكل اتباع فاتباع الرب التشريعي اولياۤؤ الرحمن و من عباد الله و اتباع عدوه اعداۤؤ الله و اولياۤؤ الشياطين و لمحمد و آل‌محمد سلام الله عليهم في مقام التشريع مقامان مقام الربوبية اذ مربوب و هو مقام اشرقت الارض بنوركم و قال الله تعالي اشرقت الارض بنور ربها قال عليه السلام رب الارض امام الارض ، و مقام الرسالة و العبودية اللتين في قولك اشهد ان محمدا عبده و رسوله و هو مقام قيامهم بين العباد و قطبية البلاد و لهم الفخر و الشرف و الفضل و الكمال و العز و الجلال بهذه العبودية اذ حقيقة العبودية العصمة عما سوي صفات الربوبية و هي لهم صلوات الله عليهم و هي كنهها الربوبية المشار اليها فما فقد في عبوديتهم من الهيمنة و الاحاطة و الكلية و الشهادة التامة وجد في ربوبيتهم و ما خفي في ربوبيتهم لغموض لطايف ذلك المقام و علو درجته فانما يصاب في عبوديتهم التي هي آيتها و دليلها و ظاهرها و لذلك استشهد الامام عليه السلام بقوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق بالجملة قوله انما انا عبد من عبيد الله ، ظاهره تخضع و تخشع و لكن باطنه ذكر اعظم فضائلهم صلوات الله عليهم فانهم لم‌ينالوا ما نالوا من المقامات العلية التي تنحسر دونها ابصار العقول الا بعبوديتهم لله و فنائهم في جنب ربوبيته و اخفائهم [ص 158] انفسهم و اظهارهم ربهم فصاروا بذلك مظهر جميع اسماء الله و صفاته و جميع آيات الله و مقاماته .

و اما قوله لاتسمونا اربابا ، اي قدماء مستقلين ازليين اغنياء عن غيرنا فالربوبية الربوبية اذ لا مربوب و هي مخصوصة بذات الازل جل قدسه فلايجوز تسميتهم بالرب و الغلو فيهم و رفعهم عن درجة الخلق فانهم عبيد لله عز و جل كائنين ما كانوا لايملكون لانفسهم نفعا و لا ضرا و لا موتاً و لا حيوةً و لا نشوراً و تسميتنا لهم بالرب فانما هو بالرب اذ مربوب و الرب اذ مربوب يطلق علي غير الله كما اطلق الله علي عزيز مصر حيث قال اذكرني عند ربك فانساه الشيطان ذكر ربه و كما روي رب الارض امام الارض ، و في القاموس الرب باللام لايطلق لغير الله عز و جل و قال و رب كل شئ مالكه و مستحقه او صاحبه و قال في النهاية الرب يطلق في اللغة علي المالك و السيد و المدبر و قال في المصباح الرب يطلق علي الله تبارك و تعالي معرفا بالالف و اللام و مضافا و يطلق علي مالك الشئ الذي لايعقل مضافا اليه فيقال رب الدين و رب المال و قال في معيار اللغة الرب بالالف و اللام مخصوص بالله عز و جل و قد يخفف و بالاضافة يطلق علي غيره تعالي ايضا و ربما جاء بالالف و اللام عوضا عن الاضافة اذا كان بمعني السيد و الملك و قال في مجمع البحرين يطلق الرب علي السيد ايضا و المربي و المتمم و المنعم و الصاحب و لايطلق غير مضاف الا علي الله الي ان قال لايجوز استعماله بالالف و اللام للمخلوق و ربما جوزه بعضهم عوضا عن الاضافة بالجملة الرب يطلق علي كل سيد و مالك و نزل به الكتاب و ورد به الخبر و تكلم به العرب و لا نهي من الرب المضاف و هو الرب اذ مربوب و انما الممنوع هو الرب اذ لا مربوب فقوله لاتسمونا اربابا ، يعني الهاً قديماً و الا فهم رب اموالهم و عبيدهم اي صاحبها بالبداهة .

و اما قوله و قولوا في فضلنا ما شئتم ، يعني مما فيه كمال و حكمة و فضل و في قوله ما شئتم عموم لايحيط باطرافه طوامح العقول و لذا قال فانكم لن‌تبلغوا من فضلنا كنه ما جعله الله لنا ، و اعلم ان الله جل جلاله خلقهم اول شئ ثم خلق من انوارهم ساير شيعتهم و قد عبروا عن ارتفاع مقامهم علي شيعتهم بالف الف دهر [ص 159] فاعلي اذكار الشيعة دون ادني مقامهم بالف الف دهر و لايتجاوز شئ وراء مبدئه و لايدرك ما فوق مشعره ابدا ابدا فالشيعة لاتدرك من فضائلهم الذاتية و المخصوصة بمرتبتهم العليا شيئا و هي علمها مخصوص بهم لايتحمل ذلك غيرهم و هو العلم الذي لايدركه ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا عبد امتحن الله قلبه للايمان و انما يدرك منهم ما ظهر منهم في مرتبة الشيعة و هو المعبر عنه بالالف غير المعطوفة و ظاهره ان الالف في الخط الكوفي كان هكذا ـا و ذيله عطفه و الالف مع الذيل يكتب اذا كان منفردا غير متصل بحرف من الحروف و اما اذا اتصل به حرف يحذف ذيله فهم سلام الله عليهم في مقامهم الذي انفردوا به و لم‌يكن معهم غيرهم بمنزلة الالف المعطوفة اي التام الكامل الفذ المنفرد و اما اذا اتصل فضلهم بغيرهم و هو الذي عرفوه شيعتهم و تعرفوا به لهم و اقترن بشيعتهم فهو الالف غير المعطوفة و خص التشبيه بالالف لان الالف حرف علة و ابسط حروف العلة و لذلك صار حرف الوحدة و خص من صفات الله بست صفات الابتداء و الاستواء و الانفراد و اتصال الخلق بالله و عدم اتصاله بغيره و الالفة فاكمل مثل لصفاتهم الالف فلم‌يعلم شيعتهم من علومهم و فضائلهم الا الفا غير معطوفة من شأنها الاتصال بالغير بالجملة الشيعة لاتدرك كنه ما جعله الله لهم مما يخص بمقامهم الفذ و لا معشار العشر و المعشار بمعني العشر و قيل المعشار عشر العشير و العشير عشر العشر فهو جزء من الف جزء .

ثم علل عليه السلام لعدم درك الشيعة كنه فضائلهم بقوله لانا آيات الله و دلايله ، و الآية العلامة فآيات الله علاماته و علاماته دلايله كما قال عليه السلام دليله آياته و وجوده اثباته ، فآيات الله دلايله و علة كونهم آيات الله و دلايله ان الله سبحانه لما احتجب باحديته عن خلقه فلم‌يبلغه غوص الفطن و بعد الهمم و تفسخت دونه الحقائق فامتنعت معه خلق الله جل جلاله في رتبة الخلق ادلاء عليه و آيات و علامات بها يستدل الخلق عليه و بها يعرفوه فتعرف لهم بها و تجلي لهم بها و اقامها مقامه في الاداء فادت اليهم احديته في ذاته و واحديته في صفاته و افعاله و معبوديته [ص 160] و ابانت لهم عن الذات و الهوية و الالوهية و الاحدية و الواحدية و اظهرت لهم صفات القدس و الاضافة و الخلق فلاجل ذلك صارت تعرف الله و تعريف الله نفسه و اولئك الادلاۤء هم هم صلوات الله عليهم اذ لا احد اسبق منهم و لا اولي بالله منهم و لا احب الي الله منهم و لا اوفق بصفاته و اسمائه منهم فهم هم صلوات الله عليهم ثم لما ظهروا سلام الله عليهم لساير الخلق صار جميع الخلق كلهم آيات الله و دلايله لانهم نورهم و شعاعهم و علي هيأتهم فلاجل ذلك قال الله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فلك ان تقول معناها سنريهم آل‌محمد عليهم السلام في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فانهم الظاهر في مرايا قوابل الامكان آفاقه و انفسه و لك ان تقول ان في كل شئ له آية تدل علي انه واحد و صارت كذلك لان اشعة آيات الله آيات لله عز و جل فكل شئ علامة دالة علي الله عز و جل فلاجل ذلك اي لاجل انهم آيات الله علي احديته و واحديته و قدسه لايبلغ احد كنه ما جعله الله لهم من الفضل كيف و اني و يقول الله جل و علا و ماقدروا الله حق قدره و يقول سبحان ربك رب العزة عما يصفون و يقول لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار .

و اما قوله و حجج الله و خلفاؤه و امناؤ الله و ائمته ، فذلك علة اخري دالة علي عدم بلوغ الناس كنه ما جعله الله لهم فعلل عليه السلام بانهم حجج الله و ذلك ان الحجة لايكون حجة الا ان يكون اكمل من جميع رعيته في جميع جهات الكمال كمالا يعجز جميعهم عن بلوغه و يقصر مشاعرهم عن دركه و ذلك لايكون الا فيمن لايكون في مقام الرعية و يكون في مقام العلة و المؤثر و بانهم خلفاؤ الله اي القائمون مقامه في الاداء اي اداء توحيد ذاته و اداء توحيد صفاته و افعاله و عبادته و من كان كذلك فلا بد و ان يكون في مقام المؤثر للخلق فان مما ينبغي ان يؤدي الي الخلق كونه خالق الخلق و موجده و مؤثره و اعلم ان الخليفة من خلفته بعدك علي اهلك او مالك فالخليفة دليل المخلف و آيته و القائم مقامه لا فرق بينه و بينه في شئ سوي الذات ان ذات هذا هذه و ذات هذا هذه و ان تجاوزت عن الذات فلا فرق بينهما [ص 161] في الصفات و الافعال و الآثار فلقياه لقياه و قوله قوله و امره امره و حكمه حكمه و فعله فعله و آثاره آثاره و ملكه ملكه و سلطانه سلطانه و معاملاته معاملاته فان بلغ احد هذا المبلغ فهو الخليفة و القائم مقام المخلف في الاداء و بانهم امناؤ الله علي توحيده و صفاته و اسمائه و امناؤ الله علي مشيته و ارادته و قدره و قضائه و امناؤ الله علي خلقه و ملكه و دينه و وحيه و من كان كذلك يكون في مقام المؤثر لا محالة و بانهم ائمته الذين قدمهم الله اَمام خلقه ليكونوا لهم اسوة بهم يتأسون و يقتدون و اثرهم يقفون و الامام امامان امام وصفي و امام ذاتي اما الامام الوصفي فهو الذي يقتدي به في صفة من الصفات و ان لم‌يكن في الذات يقتدي به كالامام الذي يقتدي بصلوته دون ساير صفاته و ذاته و اما الامام الذاتي فهو الذي يكون المأموم مقتديا به في كونه موجودا كاقتداء شبحك في المرآة بك اذا صليت امامها فالشبح فيها يقتدي بك في صلوتك و حركاتك و سكونك و في ذات شبحك المتصل فيكون حمرته و صفرته و بياضه و سواده و هيأته التي هي ذاته تابعا مقتديا لشبحك المتصل فهو ذاته حمرة لاجل ان ذات الشبح المتصل حمرة و صفرة لان الذات صفرة و هكذا و هؤلاء صلوات الله عليهم ائمة ذاتيون مقدمون علي الرعايا بالذات فلايسعهم درك فضائلهم و معرفة مقامهم البتة .

و اما قوله و وجه الله و عين الله و لسان الله ، اعلم ان الوجه مستقبل كل شئ و نفس الشئ و ذاته و سيد القوم و شريفهم و الجاه و ما يتوجه اليه الانسان من عمل و غيره كذا في المعيار و اعلم ان من الاصول البينة ان الاحد جل شأنه يمتنع معه سواه فلا ذكر لشئ معه فلايصل اليه شئ و لايقارنه شئ فلايدركه شئ بوجه من الوجوه و اول ما تجلي تجلي بنور شعشعاني ليس في الامكان شئ اوحد منه و باحديته الوصفية التي له حاز جميع انحاء الكمالات و الربوبيات و الهيمنات علي ساير الموجودات و اليه يرجع الامر كله و عليه يدور رحي جميع ما في عرصة الامكان فهو قطب دائرة الوجود و وجه المعبود اذ به يستقبل و يستقبل و يتوجه اليه الخلق لا محيص لهم عنه و لا مناص و لا سبيل لهم الي الاحد الفرد ابدا ابدا [ص 162] فهو المقصود و ظاهر المعبود و مبدء الوجود و سابق الحدود و لكنه وجه للمعبود بذاته و بحقيقة ما هو عليه لاذكار الاشياء السرمدية لا لاعيانهم و لا لاكوانهم و لا لامكاناتهم الجايزة فانها بقضها و قضيضها منحطة عن ذلك النور فانها آثاره و اشعته فهي محجوبة عن دركه كما هي محجوبة عن درك الاحد الفرد الصمد و لكن له مقام آخر في دايرة الاكوان الجايزة و هو وسط الكل و قطب الجميع و هو اول ما خلق الله منها و هو عقل الكل به فتح الله و به يختم و ذلك القطب هو عرش ظهور ذلك الرحمن و كرسي استوائه يمكن ساير الاكوان الجايزة الوصول اليه و استقباله و التوجه اليه فهو وجه الوجه و لكن لايصلون اليه بكليته الا باذكارهم المعنوية في مقام الكلية اذ الجزئي لايصل الي الكلي بجزئيته ابدا و الجزئي اثر الكلي و شعاعه و الاثر لايصل الي المؤثر و لايدركه بذاته فله مقام آخر في رتبة الجزئيات بجزئي كامل جامع هو وجه وجه الوجه به يتوسل الي الوجه الكلي و به يتوسل الي الوجه الحقيقي و به يتوسل الي الحق جل شأنه قال الله جل و عز فابتغوا اليه الوسيلة و اعلم ان لزيد حقيقة بها عرف الله نفسه له فبها يوحد الله و يعرفه و يتوجه اليه و هي مقدسة عن جميع ما هو دونها من الصفات الذاتية و العرضية و المضافات بحيث وصف الله بها لها نفسه و لكن هي كذلك في الوجدان و اما في الوجود فهي حادثة و هي اعلي اذكار الشئ و هي مركبة من مادة و صورة حقيقة و لذلك يمتاز فؤاد زيد عن فؤاد عمرو و هي قد تنزلت بعقله الكلي المعنوي بالنسبة و هو مركب من مادة نورية و صورة معنوية كلية و تنزل هو بنفسه الجزئية الصورية بالنسبة و هي مركبة من مادة نورية و صورة جزئية دهرية و تنزلت هي بجسدها الجزئي المصور بصورته الجزئية التي بها امتاز عن عمرو و بكر و غيرهما و هو مركب من مادة غليظة جسدانية و صورة شخصية من اعماله و علومه و اخلاقه بها يمتاز عن غيره و انت لو لطفت المادة الجسدانية شيئا بعد شئ و حللتها و اذبتها و صَفيتها صارت مادة النفس ثم ترقت و صارت مادة العقل ثم ترقت و صارت مادة الفؤاد كما تنزلت اول مرة الي تلك المراتب و كما يمكن ذلك في الوجود يمكن ذلك [ص 163] في الوجدان بان تتوجه الي الجسد فتكشف عنه سبحة صورته و سبحة غلظة مادته و جمودها ثم تكشف عنها السبحة النفسانية ثم السبحة العقلانية ثم سبحة انيتها فتنظر الي ما وصف الله به نفسه و عرف فتعرفه به الاتري انه يسعك ان تنظر الي الخاتم فتكشف عنه السبحة الخاتمية و تشاهد الفضة علانية و تكشف السبحة الفضية فتشاهد المعدني المنطرق علانية ثم تكشف السبحة المعدنية و تشاهد الجسم ذا الطول و العرض و العمق و هكذا و اذا شاهدت الخاتم لاتكاد تصل الي الفضة الا ان تنبذ الخاتمية وراء ظهرك و تولي عنها فما دمت تري الحلقة لاتكاد تري الفضة ابدا و اذا رأيت الفضة ليس يبقي لك حلقة ابدا بالجملة و لزيد بعد جسده الذي ذكرنا اعراض ملحقة به من رتبة الحيوان و النبات و الجماد التي هي ليست اياه بل و لا منه و لا اليه فتلك مما لايرنو اليها الا المغرور الغبي كالذي كان يشتبه عليه نفسه بغيره فعلق علي رجله قرعة يعرف بها نفسه فنام يوما فحل رجل القرعة من رجله و علقها علي رجله فانتبه النائم فلم‌يجد القرعة فاشتبه عليه امر نفسه فقال ان كنت انا انا فاين القرعة و ان كنت غيري فاين انا فالغبي يزعم ان قرعة الاعراض مما هو به هو و لو كان له شهامة عرف انها غيره و مراتبه الذاتية ما اشرنا اليه بالجملة ذلك الذي بينا و شرحنا فطري الخلايق بل فطري البهائم فلايجرون علي غير ذلك فيكشفون جميع السبحات بالطبع فلايرون من كل شئ الا حقيقته دائما الاتري انه اذا دخل سلطان عليك قمت له و اذا كلمك اجبته و لاتلتفت الي قامته و الي لونه و الي ثيابه و الي ساير مشخصاته و الي جسده و نفسه و عقله بوجه من الوجوه الا ان تتعمد ذلك فتشتغل بها عنه فتغفل و الا و بالفطرة لاتري الا حقيقة السلطان و تكلمها و تكلمك لا غيرها مع ان عينك لم‌تقع علي غير ثيابه او جسده الظاهري و قد بسطنا القول في ذلك في رسالة خاصة يجدها من كان من اهلها بالجملة هو صلي الله عليه و آله وجه الله الذي به توجه الي خلقه و به يتوجهون اليه و لكن الوجه وجه ان لم‌ير و الا فليس بوجه و ذلك كالباب انه باب ان لم‌ير و رؤي منه البيت و الا فهو حجاب لا باب و كذلك الوجه هو باب [ص 164] ذي الوجه ان لم‌ير و الا فهو حجابه و ظهره لا وجهه فهو عليه السلام لفنائه في الله و ممسوسيته في ذات الله جل و عز كان وجها لله عز و جل لايحجبه بوجه و كان عند تجلي الله جل جلاله كزيت مسه النار فاشتعل فكان مرأي النار و منظرها و مشهدها فلايري منه الا هي و ليس يحجبها بوجه من الوجوه فاختارته و اجتبته و قربته و اصطفته حتي اعطته اسمها و حدها و هذا هو معني الممسوس في ذات الله فالشعلة هي وجه النار و قبلتها و ما تستقبل بها و ما تستقبل به و اما اذا كان الوجه بمعني النفس و الذات فلا شك انه عليه السلام نفس الله القائمة فيه بالسنن و ذات الله العليا و لكن ليس ذلك علي ما تزعم بل انه عليه السلام نفس مخلوقة و ذات مخلوقة اختصت بالله فلم‌تكن لغير الله حتي لنفسها لانها فنيت من ذات نفسها و بقيت بالله و اعدمت نفسها و اظهرت ربها كالشعلة عند سطوع النار فليس الدخان المشتعل الا للنار فلما كانت كذلك نسبت الي الله جل جلاله فكانت نفسا شريفة و كانت لله و كانت ذاتا شريفة و كانت لله فبذلك قيل نفس الله و ذات الله و كذلك تكون عين الله و لسان الله و يد الله و جنب الله و اما اطلاق القول بانه عين الله و امثالها فانه صلوات الله عليه بكله دراك و بكله بصير و بكله سميع و بكله قدير و بكله فعال و ليس الحقيقة كالاعراض حتي يكون عضو منها بصيرا و عضو سميعا و ان كان عينه ايضا عين الله و اذنه اذن الله و لسانه لسان الله و يده يد الله و هكذا بهذا المعني الذي ذكرنا و اما اذا كان الوجه بمعني السيد و الشريف فذلك واضح فمن اسود منه و اشرف و قد خلق الله جميع الخلق من شعاع نوره و سوّده و شرفه بان جعله ركن توحيده و مقامه العلي و مظهره السني و ان كان بمعني الجاه فهو المنزلة و القدر و في الزيارة انتم جاهنا اوقات صلواتنا ، اي انتم قدرنا و انتم منزلتنا عند الله اي نحن اذا تقربنا اليكم و اتصلنا بكم فقد حصل لنا قرب و منزلة و قدر عند الله سبحانه فكونه وجه الله بمعني الجاه يعني انت الجاه المنسوب الي الله لعباده او انت قدر الله كما قال ماقدروا الله حق قدره اي انت علوه و ارتفاعه و جلاله و عظمته و كبرياؤه و هكذا .

و اما قوله بنا يعذب [ص 165] الله عباده و بنا يثيب و من بين خلقه طهرنا و اختارنا و اصطفانا ، فاعلم ان الاثابة الجزاء الا انها اصطلحت علي جزاء الخير و الجزاء الخير امداد الرجل بمجانس يزيد في قوته و قدرته و حسنه و ملكه و ماله و العقاب ما يعامل به الشخص عقب ما عمل من السوء فهو جزاء السوء و الجزاء السوء امداد الرجل بغير مجانس لفطرته الاصلية الالهية بما ينقص من راحته و نعمته و سلامته في نفسه و ما لها من الامور الخارجة عنها و الجزاء خيرا كان او شرا مدد لاينزل الا بالاستمداد من المجزي فان الله جل و عز لا صلوح لذاته لامداد الخلايق كما حقق في محله و الاستمداد عمل من المستمد فالاستمدادات الكونية تقتضي الامداد الكونية و هي امداد وجودية ذاتية بها يكون الشئ هو هو فلايكون الا ثوابا اجزاء مشاكلة و الاستمدادات الشرعية تقتضي الامداد الشرعية و هي اما موافقة او منافرة فان كانت موافقة زادت في حسن المستمد و قوته و قدرته و دوامه و ثباته و ان كانت منافرة نقصت منها البتة و ضعفت و تألم الشئ بضعفها و فقدها و تعذب و المستمد الشرعي لايهتدي الي الاستمداد الا بلطف من الله جل و عز و تعليم و ارشاد منه و التعليم و الارشاد لايتحقق و لايظهر الا علي من يفهم و يعقل فان الجهل ليس بقابل للتعليم و الارشاد فتبين ان الهداية شرطها العقل و هو التكليف و لايهتدي الا العقل و لايكلف الا العقل و لايطيع و لايعصي الا العقل فلايستحق الثواب و العقاب الا العقل و لذا قال ابوجعفر عليه السلام لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر ثم قال و عزتي و جلالي ماخلقت خلقا هو احب الي منك و لااكملتك الا فيمن احب اما اني اياك آمر و اياك انهي و اياك اعاقب و اياك اثيب انتهي ، فالامر و النهي يقعان عليه و الثواب و العقاب ايضا يقعان عليه فانه المستمد بعد الهداية ثم لايخفي عليك ان العقل عقلان عقل هو مطيع لله عز و جل يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان و هو علي فطرة الله التي فطر الخلق عليها و هي مطابقة لصفة مشية الله باقية علي صفة حال صدورها منه و لم‌تغير و لم‌تبدل فهو يطيع و لايعصي و يكون محبوبا لله عز و جل و عقل متغير [ص 166] عما كان عليه و خلق عليه بشوائب الانيات و انما مثل ذلك كشبحك في المرآة فمرة يكون المرآة مستقيمة عديمة الالوان مصقولة كاملة فتحكي شبحك علي ما انت عليه فتحبه و تضيفه الي نفسك و هو منك و اليك و مرة يكون المرآة معوجة مصبوغة كدرة فيري فيها شبح اعوج مصبوغ كدر قبيح فتنفيه عن نفسك و تشنأه و تتبرأ منه فانه ليس منك و لا اليك و هو علي ما هو عليه قائم بظهورك و مادته شبحك و كذلك نور العقل الذي صدر من مشية الله جل و عز و من العقل الكلي هو من حيث الصدور علي حسب المشية و هي محبوبه لله عز و جل و يقع ذلك النور علي قوابل الخلق فمنهم من يكون قابليته صافية معتدلة غير مصبوغة باصباغ الآراء و الاهواء و العادات و الشهوات و الغضب و الالحاد و الشقاوة فيظهر عليها العقل كما صدر فيكون محبوبا لله عز و جل يضيفه الله اليه و هو يطيع الرحمن و يكتسب الجنان و يتقرب الي الله عز و جل و يسلك اليه و يستأنس بطاعة الله دائما و هو علي فطرة الله التي هي الدين القيم و منهم من يكون قابليته كدرة معوجة مصبوغة بتلك الاصباغ فتغير العقل و لآمرنهم فليغيرن خلق الله فيتغير العقل مع كونه قائما بمشية الله و يكون تغيراته علي حسب تغيرات القابلية فيظهر عليها العقل علي حسبها فالذي عليها مركب من امرين من نور عقل صادر من المشية محبوب و اعوجاجات مبغوضة فهو له شعور و تمييز حصل له بما صدر من المشية و بطلان و عصيان و تباعد و منكرات من ذات القابلية فيستعمل شعوره في العصيان و لولا الشبح لم‌يظهر علي مرآة قابليته شئ و لولا اعوجاجه لظهر معتدلا فهو الذي يتقوي بقوة الله علي معصية الله و يستعين بنعمة الله علي مخالفة الله فلاجل ذلك قال الله جل و عز للعقل و خصه بالخطاب فقال ماخلقت خلقا هو احب الي منك اي لو بقيت علي صرافتك و علي ما خلقتك عليه و اياك آمر و اياك انهي اذ لا شعور لغيرك و انما التكليف لمن يفهم التكليف و لا فهم لغيرك و اياك اثيب فانك لو بقيت علي فطرتك و اطعتني استحققت المزيد مني و اياك اعاقب فانك بعد التغير و التبدل تذهب مذهب الانيات المغيرة و تعصيني و تغتر بغُرور الغَرور [ص 167] و لولا انت لا فهم للماهية و لا حس و لا حركة فتبين و ظهر ان الثواب و العقاب للعقل و لا شك ان العقول الجزئية التي في الخلق جميعها اشعة العقل الكلي و العقل الكلي هو عقلهم صلوات الله عليهم و هو الملك الذي له رؤس بعدد الخلائق يشرق من وجه كل رأس منه نور علي قلب من يخص به فلاجل ذلك قال عليه السلام بنا يعذب الله عباده و بنا يثيب ، اذ لولاهم لم‌يكن لاحد عقل و اذ لا عقل لا تكليف و اذ لا تكليف لا استحقاق لثواب و لا عقاب و معني آخر لذلك انهم صلوات الله عليهم علة الكاينات و مؤثر الموجودات و جميع ما في الخلق و لهم و بهم و منهم و عليهم كله صادر منهم راجع اليهم و هم ممدون جميع القوابل الكونية و الشرعية بفضل انوارهم يقولون كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا فيعطون كل ذي حق حقه و يسوقون الي كل مخلوق رزقه و بهم سكنت السواكن و تحركت المتحركات فلايصعد صاعد الي عليين و دار القرب الا بهم و لاينزل نازل الي سجين الا بهم فبهم يعذب الله من يعذب و بهم يثيب الله من يثيب و لا اشكال في ذلك و في الظاهر انهم سلام الله عليهم قسيموا الجنة و النار و بيدهم مفاتيحهما فيدخلون الجنة من شاؤا و يدخلون النار من شاؤا و كذلك انهم صلوات الله عليهم في العالم بمنزلة الروح في الجسد و حيوة العالم بهم كما ان حيوة بدنك بروحك فلايتحرك عضو الا بالروح و كذلك هم الروح الكلي للعالم الكلي فلايتحرك منه شئ و لايسكن الا بهم فلا محرك لهذا العالم سواهم و لا مسكن غيرهم فهم المعطون ما شاؤا لمن شاؤا و هم المانعون من شاؤا ما شاؤا و اليهم كل القبض و البسط و العطاء و المنع و الحركة و السكون فجميع ما اصاب قوم منذ اول الدهر الي يومنا هذا و يصيب الي يوم القيمة من النعيم و الراحة و العزة فبهم و جميع ما اصاب قوم و يصيب من العذاب و الذلة و الهوان فبهم فبهم يعذب الله من يشاء و بهم يثيب فتثبت و اما قوله و من بين خلقه طهرنا و اختارنا و اصطفانا ، فان الله سبحانه طهرهم في الظاهر من ارجاس المعاصي و الواثها و من كل مغمض في ذواتهم و صفاتهم و افعالهم و احوالهم و اموالهم و طهرهم [ص 168] في الباطن من جميع ارجاس مقتضيات القوابل الامكانية الناقصة اذ خلق الجميع من انوارهم و اجراها في عرصة الامكان بسببهم فلايجري عليهم ما هم اجروه و لايعود فيهم ما هم ابدأوه و ذلك ان مقام المؤثر فوق مقام الآثار بوجوداتها و ماهياتها مبرأ من جميع مقتضياتها منزه عن جميع نقائصها فكذلك الله رب العرش طهرهم و اختارهم حيث اتخذهم خير خلقه و اصطفاهم و اتخذهم صفوة جميع الكاينات عن كدوراتها و اصطفاهم اول مرة في السرمد عن جميع كدورات الدهر ثم اصطفاهم في الدهر عن جميع كدورات الزمان ثم اصطفاهم في الزمان عن جميع كدورات الزمان و نقايصها فصلي الله عليهم ما كر الجديدان و تتالي الملوان .

و اما قوله و لو قال قائل لم و كيف و فيم لكفر و اشرك لانه لايسأل عما يفعل و هم يسألون ، فلايخفي ان ذلك بعد معرفتهم و معرفة ما آتاهم الله من فضله فمن عرفهم و عرف فضائلهم ثم انكر و جحد و قال متعجبا لم و كيف و فيم لكفر فان الكفر لايكون الا بالجحود كما قال عليه السلام لو ان الناس اذا جهلوا وقفوا و لم‌يجحدوا لم‌يكفروا ، فالمعني لو قال قائل من العارفين بمقامي لم كفر و اشرك كما قال جل و علا يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و وجه الكفر ان عدم حصول الشئ يكون من شيئين اما من نقصان في الفاعل و اما من نقصان من القابل فايهما تحقق لم‌يحصل الشئ الذي من شروط وجوده الفاعل و القابل و هنا الفاعل هو الله جل جلاله فانه خالق كل شئ لا من شئ و هو الكامل الحق و الاحد المطلق لا نقصان فيه و لايترقب زيادة في نفسه و استفادة لذاته و هو ظاهر و القابل هنا هو قابليتهم و لا شك انه لايعوق قابلية الامكان الذي لا غاية و لا نهاية عن قابلية كاملة تقبل جميع ما يمكن في الخلق من الكمال البتة ففيه قابلية وجود كامل جامع لجميع الصفات الكمالية التي يمكن حصولها في الامكان و هو جميع ما سوي الربوبية الذاتية اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فالفاعل الكامل موجود و القابلية لوجود ذلك الكامل في الامكان موجود بلا شك و لا ترقب في السرمد و في العالم الاول فما المانع من حصول خلق كذلك و لايسبقه سابق و لايفوقه فائق [ص 169] و لايلحقه لاحق فلا بد و ان يكون خلق كذلك لوجود المقتضي و فقد المانع و لذلك قالوا نزلونا عن الربوبية و قولوا في فضلنا ما شئتم و لن‌تبلغوا ، فمن انكر وجود خلق كذلك فهو اما منكر لكمال الله جل و عز و اما منكر لقدرته و لذلك تقرأ في الجامعة الصغيرة اني لمن القائلين بفضلكم مقر برجعتكم لاانكر لله قدرة و لاازعم الا ما شاء الله ، و ان وجب خلق خلق كذلك فقد خلق و اذ ثبت و عرف انهم اشرف الخلق و اوله و اكمله فلا مجال لانكار شئ من الكمال لهم مما دون الربوبية الذاتية القديمة و اما ما سوي الذات الاحدية من الصفات فلا بد و ان يكون لهم ثابتا صلوات الله و سلامه عليهم و اما استدلاله بقوله لانه لايسأل عما يفعل و هم يسألون فاعلم ان السؤال يقع عن اربعة اشياء اما يسأل الشخص عن العلة الفاعلية في صنعه فيقال له بم فعلت و اما يسأل عن العلة المادية فيقال مم صنعت و اما يسأل عن العلة الصورية فيقال علي ما صنعت و اما يسأل عن العلة الغائية فيقال لاجل ما صنعت و لا خامس و يلحق جميع القرانات و الاعراض و الحدود و الاذن و الاجل و الكتاب العلة الصورية فالله جل جلاله كان في احديته و ازليته و لا شئ سواه ثم ابدع الخلق ابداعا و اخترعه اختراعا بلا استعانة بآلة اذ هو مخترع الآلة لا من شئ و حق و خلق لا ثالث بينهما فلم‌يك لخلقه الخلق آلة يستعين بها فيقال له بم خلقت فلايسأل عن العلة الفاعلية لخلقه فان العلة من خلقه كما روي في الدعاء كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة ، و كذلك لايسأل الذي يخترع الخلق لا من شئ و لم‌يخلقه من اصول ازلية و لا اصول محدثة احدثها غيره بل خلق مواد الخلق ثم خلق الخلق منها كما قال و جعلنا من الماء كل شئ حي فجعل نسب الخلق الي الماء و لم‌يجعل للماء نسبا فكان الماء اول ما خلق لا من شئ فلايقال لمن هو كذلك مم صنعت و كذلك لايسأل انك علي احتذاء اي صورة و مثال صنعت فانه لم‌يكن صورة ازلية يظهرها بالايجاد و لا مثال محدث احدثه غيره فيوجده و يظهره بافاضة الوجود عليه بل ابدعه ابداعا و لم‌يك شيئا مذكورا و كذلك لايسأل انك لاجل اي شئ صنعت فانه لا غاية ملحوظة لخلقه و ليس ذات الازل غاية [ص 170] الخلق و ليس بينها و بين الخلق شئ يكون ملحوظا و غير مخلوق و لا شئ مخلوقا لغيره يكون غاية خلقه بل اوجد الغاية التي هي معرفته و اوجد لها الخلق و لا شئ سواه فلايسأل الله سبحانه بوجه من الوجوه عن ما فعل و هم يسألون فانهم فيما يفعلون يحتاجون الي آلة و الي مادة يأخذونها لصنعهم و يصورونها علي احتذاء مثال سابق و يركبونه لاجل غاية بعثتهم علي العمل فاستدل عليه السلام علي ان الله سبحانه جعلهم كذلك لا بعلة غائية بعثته علي العمل اذ لاكان شئ سواه فانشأهم انشاءا قبل كل شئ فهم الاولون لا اول قبلهم و الآخرون لا آخر بعدهم لايسبقون و لايلحقون بل هم اول مذكور في عرصة الامكان فهم غاية الغايات و نهاية النهايات و انما خلق الله ما سواهم لاجلهم و لم‌يخلقهم لاجل شئ ابدا اذ بهم عرف نفسه لهم و بهم لغيرهم فلا غاية لخلقهم سوي انفسهم و انما صنعهم لنفسه كما قال و اصطنعتك لنفسي و هم نفس الله القائمة فيه بالسنن و هم علة العلل خلقهم الله بهم كما قال خلقت المشية بنفسها ثم خلقت الاشياء بالمشية ، فالله سبحانه ابدعهم و اخترعهم بهم لا بسواهم اذ لا سابق عليهم فهم اول العلل لانفسهم و لغيرهم و كذلك لم‌يخلقهم من مادة سابقة و لا علي احتذاء صورة متقدمة فانه خلقهم لا من شئ فلاجل ذلك لا بدء لخلقهم و لا غاية و لا اول و لا آخر و لا تنقل و لا زوال كانوا هم هم ابد الآباد و ازل الآزال لا فناء لوجودهم و لا انتقال و لاجل ذلك هم وجه الله المتعال كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و هم عند الله الذي قال فيه ما عندكم ينفد و ما عند الله باق ، و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون فهم دائمون و في صلوتهم قائمون .

قال عليه الصلوة و السلام يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين صلوات الله عليك قال عليه السلام من آمن بما قلت و صدق بما بينت و فسرت و شرحت و اوضحت و نورت و برهنت فهو مؤمن ممتحن امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و هو عارف مستبصر قد انتهي و بلغ و كمل و من شك و عند [ص 171] و جحد و وقف و تحير و ارتاب فهو مقصر ناصب اما من آمن و صدق بما قلت فهو مؤمن قد اختبر الله قلبه للايمان .

فان القلب موضع الايمان و الصدر موضع الاسلام قال الله تعالي قولوا اسلمنا و لمايدخل الايمان في قلوبكم و قال فمن يرد الله ان يهديه يشرح صدره للاسلام و ذلك ان الاسلام هو الظاهر الذي عليه الناس و يحقن به الدماء و هو القول باللسان و العمل بالاركان و المراد بالصدر هو النفس التي هي مبدء الحواس الظاهرة و الباطنة و هي محل الاسلام و هي وعاء العقل الذي يعبر عنه بالقلب كما قال الله عز و جل ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب فالمراد بالقلب العقل و هو موضع الايمان اي التصديق و اليقين بالحق كما قال و لمايدخل الايمان في قلوبكم فكل مؤمن مسلم و لا كل مسلم مؤمن فان القول باللسان و العمل بالاركان مأخوذان في الايمان و الاعتقاد بالجنان ليس مأخوذا في الاسلام و قد مر ما يدل علي ذلك فلاجل ذلك امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و اما قوله و من شك و عند الخ ، فلا شك في ان المعاند الجحود و المتوقف بعد البيان و كذا المتحير بعد البرهان هو مقصر ناصب كافر مشرك بالله العظيم ثم باقي الفقرة ظاهر ان شاء الله لايحتاج الي زيادة شرح .

قال صلوات الله عليه يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين صلوات الله عليك قال عليه السلام انا احيي و اميت باذن ربي و انا انبئكم بما تأكلون و ما تدخرون في بيوتكم باذن ربي و انا اعلم بضماير قلوبكم و الائمة من اولادي عليهم السلام يعلمون و يفعلون هذا اذا احبوا و ارادوا لانا كلنا واحد اولنا محمد و آخرنا محمد و اوسطنا محمد و كلنا محمد فلاتفرقوا بيننا و نحن اذا شئنا شاء الله و اذا كرهنا كره الله الويل كل الويل لمن انكر فضلنا و خصوصيتنا و ما اعطانا الله ربنا لان من انكر شيئا مما اعطانا الله فقد انكر قدرة الله عز و جل و مشيته فينا .

اعلم ان الاحياء هو رد الروح الي البدن بعد خروجه منه و الاماتة هي اخراج الروح من البدن و درك معني الاحياء مشكل جدا جدا و ليس هيهنا موضع بيانه [ص 172] مفصلا و لا علينا ان نشير اليه علي نحو الاجمال اعلم ان الجنين بعد ما تم خلقة اعضائه الظاهرة و الباطنة و تمت نباتيته جذبت الدم من سرته و جري الدم من قرينه الي سرته الي معدته فانهضم فيها و جري صوافيه من العروق التي تسمي بماساريقا الي كبده فانهضمت فيها و جري صوافيها الي قلبه فتبخرت فيه بخارا لطيفا معتدلا فيه جزء من الحرارة و جزء من البرودة و جزء من اليبوسة و جزءان من الرطوبة و ذلك البخار هو خلاصة ذلك الدم الذي كان في القرين و مصعده فاشتعل ذلك البخار بحيوة الام و شعلات النجوم المربيتين لذلك البخار المعدلتين له المنضجتين اياه المنشئتين له كما يشتعل البخار الصاعد من الزيت بحرارة النار المقربة به فيشتعل البخار حيا و ظل يتحرك و يحس باللمس و يسمع بالاذن و الحيوة التي اشتعل بها كانت في كمون البخار و ضعيفة خامدة و انما تقوي و نشط كما ان الحرارة كانت كامنة في البخار و لم‌تحدث النار الخارجية فيه نارا و انما نبهت راقدة ما كان فيه من الحرارة و قوت ضعيفها و اخرجت الي الفعلية ما كانت فيه بالقوة و كذلك الحيوة الخارجية لاتحدث الحيوة في البخار بعد ان لم‌تكن و انما اظهرتها بعد ان قد كمنت و هي اي الحيوة صورة فلكية ملكوتية تعرض نباتية البخار و يتصور نباتية البخار بها و تلك الصورة قالبها حيوة الام و الشعلات فتصوران نباتية البخار علي حسبهما من الصفا و الاعتدال و النضج و علي حسب البخار و تلك الصورة هي الحيوة الحيوانية و هي غير البخار الصاعد بالحرارة النباتية و هي من عالم البرزخ و هي من يوم تعلقت بالبخار النباتي متشبثة به الي ان ينعقد الدم فينقطع البخار فيبطل الصورة و تذهب و هو الزهوق و الموت و الهلاك و ربما يموت بقطع رأسه او غيره فيتفرق الروح بالخروج الي ان يخرج عامة البخار و يبرد القلب و ينجمد الدم فيموت و يبطل صورة الحيوة فاذا جمد الدم و انقطع البخار و تحلل الموجود ذهبت الصورة و فنيت و محيت من لوح الزمان اي المادة الجسمانية و عادت الي ما بدئت منه عود ممازجة كالنباتية و الجمادية و اما النفس الانسانية فليست من اصل الجسم و ليست جسمانية المبدء [ص 173] و ليس لها انبعاث من اصل البدن بل هي مادتها شعاع الانسان الكلي يأتي من الخارج و صورتها حقيقة العلوم المتكثرة و العمل بها و تلك العلوم تصعد من الخارج فتطرق المشاعر الظاهرة ثم تدخل علي الحس المشترك ثم تصعد الي الخيال فتتجرد عن المواد الخارجية و تخرج ما كمن فيه من النفس الانسانية شيئا بعد شئ و لذلك ليس للانسان كمال علم لم‌يصعد اليه من الجوارح الظاهرة الاتري ان الاعمي بالولادة لايقدر علي تصور لون و الاصم بالولادة لايقدر علي تصور صوت فما صعد من العلم و العمل الي الخيال و تجرد و صعد الي النفس يصير صورة النفس و تمتاز بها عن غيرها فتلك النفس في كل احد بحسبه و لذلك تمتاز نفس زيد عن نفس عمرو و تزداد نعومة و لطافة بزيادة العلوم و الاعمال و تزداد غلظة بقلة العلوم و تسفلها و تلك صورة تعرض غيب الحيوانية كما ان الحيوانية صورة تعرض النباتية و النباتية صورة تعرض الجمادية و النباتية هي اعتدال و صفاء يعرض العناصر فيظهر من كل عنصر فعله و يطاوعه الاخوان ثم ان الحس و الحركة و الارادة تعرض ذلك الصفاء و لاتصاقعه ليحتاج مجيئها الي ذهابه كالالف و الباء ثم العلوم و الاعمال صور تعرض الحس و الحركة و الارادة و لاتصاقعها ليحتاج مجيئها الي ذهابها فالنفس الانسانية كامنة في الحيوانية كمون النار في الزيت و انما تستخرج بمساعدة نار بالفعل فتخرج تلك النار من القوة الي الفعلية كما كانت الحيوانية في كمون النباتية و النباتية في كمون الجمادية و لاجل انها لم‌يصاقع بعضها بعضا و كانت احديها فوق الاخري قلنا انها واقعة في الطول بالجملة النفس الانسانية صورة مجردة عن المواد الزمانية كما وصفها اميرالمؤمنين عليه السلام حين سئل عن العالم العلوي فقال صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله الخبر ، فهي ما دام الانسان حيا متعلقة بالحيوانية المتعلقة بالنباتية المتعلقة بالجمادية و اذا فسد الجمادية فسد النباتية و فارقت الحيوانية و عادت الثلثة عود ممازجة و فارقت الانسانية الدهرية و هي قائمة في دهرها تعود عود مجاورة [ص 174] فهي قائمة في دهرها الي ان يشاء الله احياۤء الشخص فيؤلف بدناً نباتيا علي صفة بدنه الاول فيصعد من دمه بخار و يشتعل بالحيوانية فاذا حيي حيوة تشابه حيوته الاولي تعلق بها تلك النفس لانها دهرية و نسبتها الي كل الابدان علي السواء فان ناسبها بدن حكيها و الا حجبها فاذا ناسبها بدن و ظهرت منه عرفت نفسها كما كانت تعرف فذلك صفة الاحياۤء و الاماتة علي نهج الاختصار فالولي عليه السلام لقدرته علي ما يشاء اذا شاء احياء او اماتة فعل ذلك و لا غرو و يمكن ان يراد بالاحياء و الاماتة اللذين في الدنيا و الاحياۤء و الاماتة في الرجعة و الاحياء في القيمة فجميع ذلك راجع الي الولي لانه وكر مشية الله و محل ارادته و جميع ما يشاء الله و يريده يظهر منهم و يجري بهم و قلب الولي هو الصور كما قال الله عز و جل فاذا نقر في الناقور اي في قلب الامام فاذا اراد الله اماتة اهل العالم اعرض قلب الولي عن افاضة الحيوة فجذب الحيوة المفاضة علي الاحياء فمات الكل و اذا اراد الاحياء توجه الي من يشاء بعد صوغ بدنه و يشرق من قلبه نور الحيوة عليه فيحيي و ذلك انه مؤثر الكل فلايحدث حادث الا بهم و لايسكن ساكن الا بهم و لايتحرك متحرك الا بهم .

و اما قوله باذن ربي ، فاعلم ان اذن الله هي مشيته و امره اذا انفرد فهم لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و هم لكونهم محال مشية الله يفعلون ما يشاؤن و مايشاؤن الا ان يشاۤء الله و اما اذا اجتمع مع المشية و الارادة و القدر و القضاء و الامضاء فالاذن هو رخصة من الله عز و جل ليخرج الشئ من العدم الي الوجود و ذلك من خواص مذهب آل‌محمد عليهم السلام فغيرهم يقول اذا وجد العلة التامة و استعد القابل بوجود المقتضي و رفع المانع فتخلف المعلول محال و يجب وجوده و الحق عند آل‌محمد عليهم السلام ان الله لايضطر الي شئ و لايسلب الاختيار منه تعالي شأنه و في اي حال بيده الامر و يمكن ان لايخرج الشئ مع ذلك كله من العدم الي الوجود فان وجود المقتضي و فقد المانع و صلاحية القابل و وجود العلة لاتوجب علي الله شيئا و لاتضطره و لاتلزمه و لاتخصصه ابدا ابدا و الله سبحانه احد قدوس لا تعين له ابدا فلايجب [ص 175] مع ذلك كله عليه اخراج الشئ الي الوجود فان اذن خرج و ان لم‌يأذن لم‌يخرج و العلة عندنا مخلوقة و ليس ذات الله علة شئ و في الدعاء كان عليما قبل ايجاد العلم و العلة ، و بذلك يتمكن العبد من تسوية الخوف و الرجا فلايأمن من مكر الله ابدا و لاييأس من روح الله ابدا فهو يرجو من الله النجاة و ان احاطت به اسباب الهلاك و يخاف من الله الهلاك و ان احاطت به اسباب النجاة و كذلك ينبغي للعبد ان يكون مع ربه .

و اما قوله انا انبئكم بما تأكلون و ما تدخرون في بيوتكم باذن ربي ، فاعلم ان للانسان عينين عينا في ظاهر جسده يشاهد به الالوان و الاشكال القائمة بالمواد الجسمانية و سببها الضياء و الهواء و المقابلة فان العين بمنزلة المرآة الصافية ينطبع فيها شبح كل لون و شكل وقع عليه نور فاذا لم‌يكن مقابلا للعين لم‌يقع منه شبح في العين اي عين كانت فان ذلك طباع العين و هذه العين يحجبها الحواجب فتمنعها عن المشاهدة و عينا في باطنه قد فتحت في عالم الدهر و الاظلة يشاهد الانسان بها الاظلة و لايحجبها ظلمة الدنيا و لا حواجبها فهي تشاهد المثل و صفة مشاهدتها من مشكلات المسائل و لا علينا ان نشير اليها هنا اعلم ان عالم المثال عالم مقداري اسفله موضوع علي المواد الدنياوية فهو غليظ كثيف يناسب المواد الدنياوية الغليظة و المراد بالمواد الدنياوية مواد كانت في الزمان موجودة قبل تكوين ذلك الشئ الزماني كوجود الخشب قبل السرير و الطين قبل الكوز فصورة السرير و الكوز من اسفل عالم المثال و هذه المثل السفلية لاتظهر منفصلة عن المواد الزمانية و لا بد و ان تحل علي مادة زمانية و تظهر عليها فجميع ما تري من المثل بعينك الظاهرة علي المواد الزمانية كلها من اسفل عالم المثال و اما اعلي عالم المثال فهو دهري قائم علي المواد الدهرية و المادة الدهرية هي التي لاتوجد في الخارج بلا مثال منفردةً عنه كما لايوجد المثال الدهري بلا مادة منفردا عنها و المثال هو الكم و الكيف و الجهة و الرتبة و الوقت و المكان التي بها تحددت مادة الجسم و هي صور اهبية هذا العالم و مادتها المادة الدهرية فهما نوعيتان بالنسبة الي ما في الزمان من [ص 176] الكائنات و يمكنك ان تدركهما اذا نظرت الي كل شئ من حيث انه جسم فالجسم المركب زماني و اجزاؤه دهرية نوعية بالنسبة الي هذا العالم ثم ان الجسم ذا الشبح يكمل الهواء المقارن علي نحو ما هو عليه من الشبح فينفعل الهواء و يتكمل تكملا لطيفا رقيقا خفياً و لكن لرقة مادته لايظهر الشبح للعين فيتكمل اجزاء الهواء الي ان يلاقي صفحة العين كما يتكمل اجزاء الماء بالتمويج الي منتهاه فيتكمل صفحة العين بتكميل الهواء اياها و ليس ينفصل من ذي الشبح شئ آخر غير ثابت في مادة فان العرض لايقوم بلا جوهر و ليس العرض بشئ ينتقل و يمر من لدن ذي الشبح الي المرآة مثلا و انما هو تكمل اجزاء الهواء بعضها عن بعض كتأثر الماء بعضه عن بعض اذا تموج فنفس ما يتأثر منه الهواء هو المراد من الشبح المنفصل و هو اثر من ذي الشبح و لاينفصل شئ عن ذي الشبح و يمشي و الهواء لشدة رقته و لطافته يتكمل اجزاؤه سريعا في طرفة عين و ان كان من السماء الي الارض فالتكميل قائم بالمكمل قيام صدور و بالاجسام المتكملة قيام ظهور و من ذلك ما يقع في الاعين من المثل فان الاعين كالمرآة و الاشباح تنفصل عن ذويها كما بينا و تقع في العين فما وقع في العين من الشبح ينصبغ به الجليدية ثم العصبة الجوفاء التي تصل الي العين علي نحو التألم و الانفعال و التأثر و لذلك ربما يبقي المثال في العين اياما اذا تألمت العصبة و انفعلت كثيرا كالذي ينظر الي الشمس المنخسفة فيتألم العصبة و يبقي فيها المثال اياما بحيث يري قرص شمس علي كل شئ نظر اليه ثم ينطبع في الروح البخاري الذي في العصبة فينصبغ هو صبغا لطيفا كانصباغ الهواء بالشبح و ان كان خفيا و ذلك ايضا علي نحو التألم فالموجود عند العصبة و البخار تألمهما لا الشبح الآتي فان الشبح الآتي تابع لذي الشبح و قد ذهب بذهابه و تألمهما تكملهما بكمال الشبح الآتي و لما كان روح الحيوان في البخار ينفعل من البخار علي نحو التكمل فالموجود عنده كماله الحاصل الا انه لارتباطه الكامل بالطبايع و قلة تكمله و ضعفه يرتفع عنه الكمال سريعا و يبقي بلا كمال كارتفاع النور من الجدار اذا ذهب السراج فاسرع ذلك يكون [ص 177] في الجليدية و بقاؤه في العصبة ابطأ و بقاؤه في الروح ابطأ منه و لذلك يبقي في الحس المشترك الشبح زمانا بعد ذهاب ذي الشبح و الشبح ثم يفني منه بعد حين و اما اذا انطبع منه فيه و انطباعه فيه يحصل بتكمله بالاقتران به فيتكمل منه الخيال علي نحو التألم و التأثر و الانفعال و ذلك التكمل يبقي له ما توجه اليه و حفظه و ان ذهب الشبح و ذو الشبح من الخارج و زال شبحه عن العين الا ان تكمل الخيال لا بد و ان يكون مسبوقا بما ذكر و لايأتيه شبح من غير هذا الطريق و لايصعد نفس الشبح اليه و انما ذلك علي نحو التكمل و كما ان الحديدة ربما تتسخن و تبقي متسخنة و قد ذهبت النار كذلك بعد ما تكمل الخيال يبقي فيه الكمال و ان ذهب المكمل و اعلم ان الشئ اذا كان لطيفا صافيا عن الاعراض يسرع انفعاله عن الوارد و اذا كان غليظا يكون ابطأ انفعالا فلاجل ذلك يكون الهواء مثلا اسرع انفعالا من الارض الجاسية و كذلك يكون البخار اسرع انفعالا من الجسم الغليظ و الحس المشترك اسرع منه انفعالا و الخيال اسرع من الحس انفعالا و هكذا و كذلك يتصور الخيال باي صورة شاء و لايقدر الجسم الغليظ علي ذلك و لذلك يتصور الجن باي صورة شاء و لايقدر الانسان علي التصور باي صورة شاء بالجملة اذا تكمل الخيال و حصل له ملكة ذلك الكمال يتصور بتلك الصورة الخاصة متي ما شاء و اراد و الي ما شاء و اراد و يتفاوت ما يقع في الخيال فلربما يقع فيه شئ و لايدوم عليه حتي يتأثر منه تأثرا قويا فيكون له ملكة فذلك موجود عليه ما دام ذو الشبح موجودا و يذهب بذهابه و ربما يداوم عليه حتي يتأثر قويا و يصير له ملكة فذلك متي ما شاء يتصور بتلك الصورة و لاينساه و ان تركه احيانا و لكن يتذكره متي ما شاء و الفضل في اعماله في الملكة فالذي يدركه الخيال صفته و كماله الحاصل له و لذلك قال علي عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ، فالخيال لايدرك الا نفسه فالشبح الحاصل في الخيال لايحتاج بعد الي المواد الخارجية فهو مجرد عن المواد الخارجية لا عن مادة الخيال فان العرض لايقوم بلا مادة في عالم من العوالم فما بقي الخيال متهيأ بهيأة ذلك الكمال يجد [ص 178] ذلك الكمال علي ما وصل اليه من الخارج فاذا اعرض عنه ذهب و ان شاء تصورها و غيرها كيفما شاء ثم لما حصل له قوة ذلك الكمال و افاده استعدادا و ملكة يمكنه التهيؤ بهيأته متي ما شاء و اراد و لذلك لايقدر علي ما لم‌يستفد و تخيل ما لم‌يدركه و لم‌يصل اليه و تهيؤ الخيال بهيأة ما اراد كجلوس البدن و قيامه و حركته و سكونه فكما ان البدن اذا شاء ان يجلس جلس و اذا شاء ان يقوم قام كذلك الخيال يتهيؤ باي هيأة شاء و اراد و انما يعجز البدن عن ذلك لغلظته و كثافته و بطء مطاوعته و اما الخيال فروح لطيف يتهيؤ باي هيأة شاء و اراد و لكن هنا دقيقة و هي ان الشئ لايقدر علي ان يغير نفسه و ما يري في البدن من القيام و القعود فانما يقيمه و يقعده الروح اقول و كذلك الخيال لايقدر علي ان يغير نفسه و انما يغيره النفس التي فوقها و بقي ايضا دقيقة انيقة و هي ان النفس جوهرة وحدانية لا خصوصية لها بصورة حتي تختار صورة فتأمر الخيال بالتصور عليه و انما يأتي اسباب الترجيح من ابواب المشاعر الظاهرة و ابواب الطبايع و العادات و غيرها فاذا حصل مرجح صورة تصور الخيال و النفس دائمة الاشراق فتصور النفس الخيال علي حسب المقتضي و الا فالنفس لا خصوصية لها بشئ من تلك الصور و ان كان لها خصوصية بالنسبة الي نفس زيد و يكون لكل نفس قوي قريبة الي الفعلية ليست في غيرها و ذلك ان ما حصل في الخيال حينا بعد حين يتكمل منه النفس و لا حين لها الا حين واحد فيجتمع عندها جميع الكمالات التي حصلتها في نقطة واحدة و حين واحد فبذلك المعلومات و الاعمال تمتاز عن غيرها و لاجل ذلك كان يقال ان حدود نفس المؤمن تخطيطات علمية و عملية احاطت به و كل احد يمتاز عن آخر بعلمه و عمله فكذلك تترقي النفوس و تتنزل و تكون من اهل عليين و اهل سجين فلاجل ذلك لايقدر نفس ان تصور خيالها الا علي نحو علوم اكتسبها و صارت ملكة لها و له بالجملة اذا حصل المرجح صور النفس بقدرتها الحاصلة المكتسبة خيالها و تصور الخيال علي حسب تلك الصورة فيدرك الانسان في خياله ما تصور عليه و هذا الذي كان يقال ان الخيال اذا اراد تصور شئ واجه لوح الارتسام و هو لوح النفس [ص 179] قد ارتسم فيه صور ما اكتسبته و صارت ملكة لها و تلك الملكة هي حافظتها فيواجه الخيال ذلك اللوح فيتجلي النفس بصورة تريدها بسبب المرجحات فيقع مثالها في الخيال فيتصور الخيال علي حسبه بصورة ذلك المثال فيجد الانسان في خياله تلك الصورة و لاجل ذلك لايغلط الخيال و يتصور تلك الصورة المرادة من بين جميع معلوماته و لربما صورت حسها المشترك فذلك لها اصعب لغلظته و يصعب عليها تغييره اذا تطبع علي هيأة و لذلك يصعب علي اناس اخراج ما انطبع في اذهانهم و تطبعوا عليه كاهل الوساوس و النجوي بالجملة الخيال سريع التشكل بقدر لطافته و علي ذلك سهل علي الجن التصور باي صورة شاؤا و لهم صورتهم النوعية و انما مثل تصورهم كتصور السكر بصور عديدة و هو سكر لا خل كذلك زيد الجني يتصور بصور و هو زيد بالجملة الخيال هكذا يتصور و هكذا يري في المنام ما يري و لايري الا ما حصل له اسباب ترجيح لصورة من الاسباب المذكورة و هكذا جميع ما يظهر من النفس من الاعمال و الصفات فكلها محتاجة الي حصول اسباب و الا فلا مرجح في اصل النفس الا لما به هي هي من خصوصيات زيدية او عمروية فتلك مرجحها في نفسها بالجملة المثل ليست منضودة في عالم حتي يتوجه اليها الخيال و يقع فيه الشبح فيدركه اذ لو كان كذلك لكان يدرك الانسان بخياله اشباحا لم‌يدركه قبل اذا طلب شبحا و دار في طلبه الي ان يظفر بمطلوبه او طلب الاشباح ابتداء فافهم بل عالم المثال كهذا العالم الاشباح الماضية فانية و الاشباح الآتية لماتظهر لاهله و الاشباح الموجودة محسوسة نعم المثل جميعها موجودة في اللوح المحفوظ الذي هو صفحة علم الله لايفني و لايمحي منها شئ و ما دخل في ملك الله لايخرج من ملك الله قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و لايعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات و لا في الارض و اما غيره سبحانه ممن يمر عليه اوقات فالماضي و الآتي عنده معدومان و الحاضر عنده موجود كل بحسبه و هل للانسان ان يدرك ما في عالم المثال من المثل الموجودة و لمايدركها في هذا العالم اقول لايوجد في [ص 180] الخيال الا ما صعد اليه من الزمان الاتري ان الاعمي الامي لايقدر علي تصور الالوان و الاشكال و النور بوجه من الوجوه و الاصم الامي لايقدر علي تصور الاصوات بوجه من الوجوه و الذي تزعم ان الانسان يتخيل ما لم‌يره انما لم‌ير شخص الخيال و لكنه رأي اجزاءه و نوعه مثلا اذا رأي انسانا له الف رأس لم‌ير في الخارج انسانا كذا و لكن رأي الانسان و رأي الرأس و رأي التعدد فركب ذلك في خياله و لو لم‌ير شيئا من ذلك لم‌يقدر عليه كالاعمي الذي لايقدر علي تصور اللون ابدا و ذلك انه لم‌يحصل له ذلك الكمال فلايقدر علي تصوير ما ليس عنده الا بالقوة البعيدة و لكن لايخفي ان الخيال قد يكون مرجحه من اعيان المدركات الخمس و قد يكون من الدوال عليها و قد يكون من مستلزماتها او من لوازمها او ما يقرب منها و امثال ذلك فتصير سبب ترجيح توجه النفس الي مثال و تصورها به و تصور الخيال بسبب ذلك فتدبر فاذا عرفت ذلك فاعلم ان الولي يري ما في العالم من وجوه عديدة فمرة يري بالابصار مبصراتها و بالاسماع مسموعاتها و بالحواس محسوساتها فانه اولي بالحواس من الحاسين بها فجميع ما يدركه الانس و الجن و الملائكة يدركونه سلام الله عليهم بادراكهم فانهم اولي بهم و بادراكهم و مرة يدرك كل شئ بذلك الشئ فكما ان الشئ لايغيب عن نفسه و لايفقده و هو هو هو اولي به منه فيدرك كل شئ بنفس ذلك الشئ و مرة يدركون الشئ بالانطباع فينطبع في مشاعرهم كما ينطبع في مشاعر غيرهم و مرة يدركون المعلولات في عللها و المسببات في اسبابها و المشروطات في شروطها و المعَد له في المعِد له و اللوازم في ملزوماتها و المدلولات في دوالها و المتضايفات في قرينها و المنطبعات في مراياها و يدركون الشئ من مشاعر غيره اذا واجهته و ادركته فيدركون زيدا بمشاعر عمرو و هكذا و امثال ذلك و ذلك انحاء طرق الاستدلالات و مرة يدركون الشئ بالاحاطة لانهم هم المؤثرون لجميع ما في العالم و خلق الكل من نورهم و شعاعهم و هم اولي بكل شئ من كل شئ و اوجد من كل شئ في مكان وجود كل شئ و اقرب من كل شئ الي كل شئ فلايخفي عليهم خافية في السموات و لا في الارض فاي عجب [ص 181] في ان ينبئوا الناس بما يأكلون و ما يدخرون في بيوتهم و هم لايخفي عليهم اثر النمل علي الصفا في الليلة الظلماء و لايخفي عليهم قطر السماء و كيل البحار و مثقال الجبال و انما ذكر ذلك لانه كان معجزة عيسي و ثبت نبوته بذلك و ظهر عظمته لذلك فقال انا ايضا افعل ما كان يفعل عيسي و هو نبي الله و كان عظيما في اعين الناس و في نفوسهم و انا اري ما تأكلون في بيوتكم و ما تدخرون بجميع انحاء الرؤية و كذا اشاهدكم و اشاهد ضمايركم و ما في صدوركم و قلوبكم و نفوسكم و ما انتم عليه في جميع عوالمكم علانية علم احاطة لا علم اخبار .