و اما قوله لانا كلنا واحد ، فاعلم انهم واحد نوعا فانهم من نور واحد نوعي و طينة واحدة نوعية و روح واحد نوعي فانهم من نوع اللاهوت فهم نور واحد قد تجلي باربع‌عشرة صورة و من عجايب ذلك النور انه لتوحده و تجرده لم‌ينقسم كانقسام الروح المتجسد بانقسام الجسد فذلك النور لتجرده واحد قد ظهر في اربع‌عشرة مرآة و يدرك ذلك النور الواحد من اعين الكل و يسمع من آذان الكل و يحس بحواس الكل فعلي عليه السلام يري بعين محمد و محمد يري بعين علي و علي يسمع من اذن محمد و محمد يسمع من اذن علي و هكذا فلاجل ذلك مرأي كل واحد مرأي كل واحد و مسمعه مسمعه و لاجل ذلك يقول بقية الله سلام الله عليه من اراد ان ينظر الي محمد و علي فها انا محمد و علي و من اراد ان ينظر الي الحسن و الحسين فها انا الحسن و الحسين ، و هكذا يعد جميع الائمة و يعد الانبياء و اوصياءَهم و انما مثل ذلك النور و تلك القوابل مثل علي عليه السلام حيث ظهر في اربعين صورة و كلها علي عليه السلام اخ الرسول و زوج البتول و ابو الحسن و الحسين يري من اعين كل الصور و يسمع من آذان الكل و يبطش من ايدي الكل و هكذا و كذلك تلك الحقيقة الواحدة الشريفة قد ظهرت باربع‌عشرة صورة و تري من اعين الكل و تسمع من آذان الكل و تبطش من ايدي الكل و مرأي كل واحد مرأي الكل و زيارة كل واحد زيارة الكل و مسرة كل واحد مسرة الكل و اذي كل واحد اذي الكل و حديث كل واحد حديث الكل و بكل واحد من هذه الامور يشهد اخبار اعجبها [ص 182] ما روي من البحار عن الجابر الانصاري في حديث فدخل اميرالمؤمنين عليه السلام فاخذه النبي فتعانقه حتي انهما صارا شخصا واحدا فقدنا اميرالمؤمنين فلم‌نجد له عينا و لا اثرا فزدنا تعجبا و قلنا ما الذي جري علي ابن عمك لما تعانقتما و مانريك الا وحدك فتبسم النبي صلي الله عليه و آله و قال يا قوم اماسمعتم مني انا و علي من نور واحد لما تعانقنا انا و اياه و هو اشتاق الي المنزل الاول من نور فامتزج نوره بنوري حتي بقينا شخصا واحدا كما ترون قال فلما سمعنا ما قال النبي صلي الله عليه و آله رعبت قلوبنا و اصفرت وجوهنا و الناس شاهدوا النبي و قد طال غيبة اميرالمؤمنين فقالوا يا رسول الله بحق من ارسلك بالحق الا ما اخبرتنا كيف صار علي فاحضره الينا حتي يزول الشك من قلوبنا و طال العجب منا فقال علي مني و انا من علي فقد جلله العرق فرأينا من جبهته قد ظهر مصباح نور حتي ظننا نحترق و اهل الارض كلهم يحترقون من نور ذلك المصباح فلما شاهد النبي حالنا صرخ صرخة و قال اين قيوم الاملاك اين مدبر الافلاك اين مبدء الكاينات اين عالم الغيب و المكاشفات اين الصراط المستقيم اين من بغضه عذاب اليم اين اسد الله الغالب اين الذي دمه دمي و لحمه لحمي و روحه روحي اين الامام الهمام اميرالمؤمنين الا و صوت علي قد ظهر و ينادي لبيك لبيك يا سيد البشر فلما سمعنا صوته فانتظرنا طويلا من اين يظهر علي بن ابي‌طالب و نحن ننظر الي النبي فاذا علي قد ظهر من الجنب الايمن من النبي و هو يقول لبيك لبيك قال جابر لما وصل علي بالنبي و خرج منه سألته كيف وصوله بك و خروجه منك فقال يا جابر ان غيبة علي كانت امرا يعلمه الله و هو انه التصق صدره بصدري و امتزج لحمه بلحمي و دمه بدمي و نوره بنوري كما كان في الموطن الاول قبل ذرة الهياكل حتي صرنا شخصا واحدا انتهي ، بالجملة تلك الحقيقة الكلية هي محمد الكلي و لاجل ذلك قال كلنا محمد ، يعني ذلك المحمد الكلي و اما هذا المحمد الجزئي فهو فرد من افراد ذلك المحمد الكلي و لك ان تقول كلهم محمد الجزئي علي ان يكون الناطق هو ذلك الكلي و هو يقول انا محمد اي الجزئي كما يصح ان يقول انا علي [ص 183] انا الحسن انا الحسين فيصح ان يقول كل واحد منهم انا محمد و محمد انا من هذه الجهة فافهم .

و اما قوله و نحن اذا شئنا شاء الله و اذا كرهنا كره الله ، فاعلم ان الله سبحانه كان اذ لا كان فاحدث اول كل شئ مشية و لاتكون المشية مشية الا لمشاء اذ لايعقل شاء الا مع مشاء و المشاء الاول هو حقيقة محمد و آل‌محمد عليهم السلام اذ هي باجماع الشيعة اول ما خلق الله فلا مشية الا مع وجودهم و لم‌يك وجودهم الا مع المشية فهم المشاء الاول الذي لا مشاء قبله فهم المشية من حيث كونها مشاء الم‌تسمع انه عليه السلام يقول خلق الله المشية بنفسها ، فهي لها حيثان حيث كونها فعلا و مشية لله عز و جل و حيث كونها مفعولا و مشاء فحيث كونها مشاء هو المشاء الاول الذي لا مشاء قبله و ذلك لما ثبت في الحكمة ان الله عز و جل يخلق كل شئ في مقامه و حده بنفسه حتي لايكون لاحد عليه حجة فالمشاء الاول و المخلوق الاول الذي هو مجمع علي كونه اول ما خلق مخلوق بنفسه و مشاء بنفسه فهو له حيثان حيث مشية و حيث مشائية فكما انه مشاء اول كذلك مشية اولي بالجملة حيث محمديتهم و علويتهم محل المشية و مسكن الارادة و ممكن القدر و وكر القضاء و مظهر الامضاء فلايتعلق مشية الله بشئ من الاشياء الا و يجب ان يظهر منهم فيتعلق به كما انك اذا ضربت زيدا فانما ضرب بمشية الله و انما جعل الله مشيته في قلبك فاذا شاء ان يضرب الضارب حرك من بواطن زيد كوامن ما ابطن فيه من ارادته و هيج سره للميل الي ضرب زيد و بسط اليد اليه و بطشها عليه كذلك ان الله جل و عز جعل في قلوبهم المشية الكلية التي بها خلق ما سواه فاذا اراد فعل شئ حرك سرهم و اماله الي ذلك الشئ فاظهر مشيته علي جوارحهم فكان ما كان و يشهد بذلك قنوت الحسين عليه السلام اللهم منك البدء و لك المشية و لك الحول و لك القوة و انت الله الذي لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و جعلت عقولهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقائق [ص 184] ما منحتهم و اني لاعلم مما علمتني مما انت المشكور علي ما منه اريتني و اليه اويتني اللهم و اني مع ذلك كله عائذ بك لائذ بحولك و قوتك راض بحكمك الذي سقته الي في علمك جار بحيث اجريتني قاصد ما اممتني الدعاء ، فلاجل ذلك لايشاؤن صلوات الله عليهم الا ان يشاء الله و لايشاء الله الا بمشيتهم قال الله تعالي و ماتشاؤن الا ان يشاء الله و قال لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فقال عليه السلام و نحن اذا شئنا شاء الله ، يعني بنفس مشيتنا و اذا كرهنا كره الله يعني بعين كراهتنا فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .

و اما قوله لان من انكر شيئا الفقرة ، فقد مر مفصلا فمن اعترف بقدرة الله انه لايعجزه شئ و اعترف بقدس الله و احديته انه لايشوبه شئ و بجود الله عز و جل انه لايبخله شئ و بان ما ليس بممتنع فقد جعل في الامكان و يمكن ان يتعلق به القدرة فلو ذكر ليس بممتنع وقوعه و لم‌يقم دليل علي امتناع وقوعه و لكون وجودهم اول الموجودات لايعقل وجود مانع من كمالهم قبلهم و لا معهم و لايمنع عنه ما بعدهم فاذا لا مانع من فاعل و لا قابل فما الباعث علي انكار فضلهم هل هو الا خبث الطين او ضعف اليقين فالويل كل الويل لمن انكر فضلهم و خصوصيتهم و ما اعطاهم الله ربهم فمن انكر شيئا مما اعطاهم الله فقد انكر قدرة الله عز و جل و مشيته فيهم فان امكان ذلك الكمال مما لايخفي علي العقلاء فلم‌يبق الا انكار قدرة الله علي ايجاد ذلك الكمال نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين .

قال صلوات الله عليه يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين صلوات الله عليك قال عليه السلام لقد اعطانا ربنا ما هو اجل و اعظم و اعلي و اكبر من هذا كله قلنا يا اميرالمؤمنين ما الذي اعطاكم ما هو اعظم و اجل من هذا كله قال عليه السلام قد اعطانا ربنا عز و جل من علمه الاسم الاعظم الذي لو شئنا خرقنا السموات و الارض و الجنة و النار و نعرج به السماء و نهبط به الارض و نغرب و نشرق و ننتهي به الي العرش فنجلس عليه بين يدي الله عز و جل و يطيعنا كل شئ حتي السموات و الارض و الشمس و القمر و النجوم و الجبال [ص 185] و الشجر و الدواب و البحار و الجنة و النار اعطانا الله ذلك كله بالاسم الاعظم الذي علمنا و خصنا به و مع هذا كله نأكل و نشرب و نمشي في الاسواق و نعمل هذه الاشياء بامر ربنا و نحن عباد الله المكرمون الذين لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و جعلنا معصومين مطهرين و فضلنا علي كثير من عباده المؤمنين فنحن نقول الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و حقت كلمة العذاب علي الكافرين اعني الجاحدين بكل ما اعطانا الله من الفضل و الاحسان يا سلمان و يا جندب فهذا معرفتي بالنورانية فتمسك بها راشدا فانه لايبلغ احد من شيعتنا حد الاستبصار حتي يعرفني بالنورانية فاذا عرفني بها كان مستبصرا بالغا كاملا قد خاض بحرا من العلم و ارتقي درجة من الفضل و اطلع علي سر من سر الله و مكنون خزائنه انتهي .

اعلم ان للشئ الواحد مراتب عديدة من جهات شتي و من هذه الجهة التي نحن بصدده للشئ مراتب فمرة تنظر الي الشئ و تراه من حيث انه هو هو و لاتري فيه ذكر غيره بوجه من الوجوه فتري الحجر حجرا و الشجر شجرا و هكذا و لا شك في ثبوت هذا الحيث للاشياء و مرة تنظر الي الشئ من حيث انه مصنوع الغير و لاتقدر علي ادراك هذا الحيث حتي تري فيه ذكر صانع و ذكر صنعه ثم تراه مصنوعا بذلك الصنع الاتري ان المصنوع ما صنع به صانع صنعا و الا فلا مصنوع و ذلك كنظرك الي خط الكاتب من حيث انه مكتوب الكاتب فتري فيه ذكر الكاتب و تعرف انه خطه منسوب اليه و تري فيه صنعه من استقامته و اعوجاجه و هكذا ساير صفاته و ذلك محسوس في الاشياء فلاجل ذلك مهما نظرت الي صنع صانع رأيت فيه الصانع و تتذكره علانية كما انك مهما سمعت شعر امرأ القيس تذكرته و رأيت شبحه فيه و رأيت اعتدال قريحته في الشعر و لو لم‌ترهما لم‌تتذكرهما و مرة تنظر الي الشئ غافلا عن هذين المنظرين و تري صنع الصانع و تقصر نظرك فيه فتتمحض في مشاهدة اعتدال صنعه و حسنه و كماله من دون رؤية شئ غيره و ذلك الصنع المشهود شبح في المصنوع الاتري انك قد تري عمراً المضروب و انت غافل عن كونه عمراً و عن مضروبيته و انما ترنو [ص 186] الي قوة الضرب و كيفيته و حدته و ايلامه و كسره و جرحه مثلا و ذلك امر مشهود في كل شئ فلاجل ذلك تستدل بالبناء علي حكمة الباني و حسن قريحته و اعتدال سجيته و كمال علمه بالبناء مثلا و ذلك ايضا امر مشهود واقعي لايخفي علي ذي مسكة و مرة تنظر الي الشئ و تري صانعه فيه و تغفل عن الصنع و المصنوع كما يتفق لك ان ترنو الي الابن و تري فيه الاب او تنظر في الاب و تري الابن و انما المنظور اليه هو مثال كل واحد في صاحبه و كذلك مثال الصانع في المصنوع موجود و ان كان المثال من حيث الصنع لا من حيث آخر و معني ذلك ان في الكتابة مثال كاتبية زيد لا خياطيته و ضاربيته ففي كل صنع مثال صانعية صانعه لا محالة و الصانع و المصنوع متضايفان و ليس بمصنوع ما لا ذكر للصانع فيه و ليس بصانع ما لا ذكر للمصنوع فيه الاتري انك تمر بدار السلطان فتتذكر السلطان و مالكيته لهذا الملك و متصرفيته له و ربما تقول اين بانوك و اين ساكنوك فهذا الحيث ايضا في كل شئ و من باب هذا النظر روي مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه و في الدعاء انت الذي تعرفت الي في كل شئ فرأيتك ظاهرا في كل شئ فانت الظاهر لكل شئ ، فمن تمكن من هذا النظر و نظر الي العالم رأي الصانع الحكيم القادر العليم بما القي من مثال معرفته في كل شئ و هو قوله سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم و من عجايب القرآن انه في جل مقام خاطب النبي قال الم‌تر الي ربك كيف مد الظل او كيف فعل ربك باصحاب الفيل و امثال ذلك فاضاف الرؤية الي الرب و ذلك في اغلب المواضع و اما اذا تكلم في غيره اضاف الرؤية الي الصنع او المصنوع كقوله اولم‌ير الذين كفروا ان السموات و الارض كانتا رتقا و هكذا فتدبر و الا فمن نظر الي العالم رأي الصنع و اتقانه و احكامه اذا تمكن منه و الا رأي المصنوع و دخل عرصة الاستدلال منه علي الصانع و ان غفل عن ذلك ايضا و هو كاكثر الناس رأي سماء و ارضا و جبالا و براري و بحارا كما تري فاحفظ هذه المقدمة و استمع اخري و هي انه ذات زيد ليس فيها ذكر شئ غير حقيقة زيد ابدا و لاتذكر غيرها الا ان تغفل عنها اذ ليس لك قلبان و ليس زيد مركبا [ص 187] من نفسه و من غيرها بداهة و ان نزلت من رتبة الذات فاول المقامات مقام الحركة الكلية و التجلي الاعظم الذي له و لايعقل غير ذلك فان كل تجل له دون هذا التجلي الاعظم و ذلك التجلي هو الحركة الكلية الكبري العظمي فان كل تجل حركة من زيد احدثها و نعبر عن تلك الحركة بالمشية فلتكن مشية زيد فزيد يحدث مشيته اول شئ ثم يحدث سائر تجلياته و صفاته و افعاله بتلك المشية و ليس في هذا المقام كثرة و لا اختلاف مما يحدث بها لا في ذاتها و لا فيما يحل فيها ان حل فانها اوحد تجل بعد ذات زيد و لايجري عليها ما هي اجرته و لايعود فيها ما هي ابدته فليس هيهنا شئ الا الكينونة الظاهرة لزيد من حيث اعلاها ثم الحركة الكلية من حيث اسفلها ثم اول حادث بالفعل المصدر الذي هو تأكيده و يعمل عمله لقربه منه و هو اسمه و آيته و لا فرق بينه و بين الفعل الا انه اثره و آيته ثم بعد ذلك مقام اسم الفاعل و هو حكاية الفعل للمفعول عدم استقلال نفسه و اضمحلاله عند الذات و لذلك يقال ان اسم الفاعل مشتق من المصدر و المشتق كائنا ما كان فرع المبدء و لكن قد يشتبه الامر علي الناس بين اللفظ و المعني لشدة اضمحلال اللفظ في المعني الاتري انك لو قلت ليس هذا مكان زيد يشتبه الامر علي السامع انك قصدت المسمي او الاسم و كذا لو قلت رأيت زيدا بل المتبادر المسمي دون الاسم لشدة اضمحلال الاسم عند المسمي فلاجل ذلك اذا قلنا ان الضارب مقامه دون الضرب يشتبه علي السامع فيحسب انه ذات الضارب و المراد بالضارب دون الضرب و ليس الامر كذلك فلاتغفل عن هذا فاسم الفاعل مقامه بعد المصدر و لذلك لو لم‌يحدث زيد الضرب ليس بضارب و ما لم‌يحدث الكتابة ليس بكاتب و ما لم‌يزن ليس بزان و ما لم‌يعص ليس بعاص فاذا احدث زيد المصدر حدث له اسم الفاعل و اما المراد من الاسم فهو الذات التي فوق التجلي الاعظم ثم دون اسم الفاعل مقام المفعول و هو ايضا مشتق من المصدر و الفرق بين الفاعل و المفعول ان الفاعل فرع اعلي المصدر و لذا زيد فيه الالف الدال علي المبدء و المفعول فرع اسفل المصدر و لذا زيد فيه الميم الدال علي كونه مخلوقا في اربعين صباحا و الواو الدال [ص 188] علي الحدود الستة اللازمة لحيث الانية فمقام اسم الفاعل تحت مقام المصدر في كل شئ و الذات تتصف به و هو في مقامه و حده و الاسم غير المسمي و هو صفة لموصوف و هو خارج عن الذات و مقامه بعد مقام المصدر فاذا عرفت هذه المقدمة السديدة فاعلم ان لما في هذا العالم الكبير مقام اسمية لصانعه و كل شئ اسم بحسبه لان الاسم الذي بعد الضرب ضارب و الذي بعد النصر ناصر و الذي بعد العلم عالم و هكذا فلكل شئ مقام اسمية لله سبحانه الجزئي بجزئيته و الكلي بكليته فبلحاظ و نظر جميع العالم اسم الله و صفته كما قيل ليس الا الله و صفاته و اسماؤه و من البين ان كل مفعول مفعول لفاعله فالمضروب مضروب الضارب و المنصور منصور الناصر و هكذا فلله سبحانه في كل شئ اسم خلقه بذلك الاسم و اقامه و احياه و رزقه و حفظه بذلك الاسم و العبد اذا رفع النظر عن انية الاشياء و عن مفعوليتها وصل الي النظر الي اسماء الله و صفاته و اطلع علي الاسماء و عرف ما يقوم به كل شئ من اسماء الله و علم ان جميع ما سوي الله قائم باسماء الله و ان عند كل ملك و علي جبهته اسما من اسماء الله به ينزل و يعرج و به يسبح الله و يعبد و به يقوم بما امر به من امر الخلق و بقي هنا شئ ان الاسماء تختلف في الكبر و الصغر و في الاحاطة و المحاطية و القوة و الضعف كما ان المفاعيل تختلف فكما ان نور الشمس صادر منها فرع لها حادث بها كذلك الاسم الذي خلق الله به النور صادر من الاسم الذي خلق به الشمس فرع له حادث به و كذلك جميع الاسماء التي خلق بها الآثار فرع الاسماء التي خلق بها المؤثرات لها فالاسم الذي خلق به المؤثر اعظم من الاسم الذي خلق به الآثار و محيط بها متصرف في المؤثر و الاسماء و الآثار البتة و جميع تلك الاسماء و الآثار قائم به متحرك بتحريكه ساكن بتسكينه كما هو واضح فاعظم اسماء الله جل جلاله هو الاسم الذي خلق الله به علة العلل و النور الازل و التجلي الاول فليس لله اسم اعظم منه و اجل فهو الاسم الاعظم الاعظم الاعظم و الذكر الاجل الاعلي الاعلي الاعلي فبه اقام الله الكون و المكان و الدهر و الزمان بل به اقام الامكان و عليه يدور رحي الاكوان [ص 189] و الاعيان و ما سوي الملك المنان فبه خلق الكاينات و قام الموجودات و يحفظ الله المذروءات و يمسك الله الارضين و السموات و هو الاسم الذي استقر في ظل الله فلايخرج منه الي غيره و هو الاسم الذي استتر عن جميع الكاينات لا لاجل انه كان يمكن لهم العلم به و لاحجب عنهم لعدم المصلحة لهم بل لاجل انها فات الاوهام قدره و علا العقول شأنه و صعد عن الافئدة مكانه و لايسع مشعر احد العلم به و لذلك اختص الله بعلم ذلك الاسم واحداً وحيداً لم‌يخلق له نديداً و انما جعله في لاهوته فريداً فاصطنعه لنفسه و اختصه من تكرمته بذلك الحرف يعني ماوسعني ارضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن فذلك العبد يسعه معرفة ذلك الاسم و الدعوة به و تسبيحه به و هو الثناء الذي اثني الله به و ذلك الاسم محجوب عن كل نبي و وصي الا عن محمد و آل‌محمد عليهم السلام فقد منحهم الله ذلك و علمهم اياه و هنا دقيقة شريفة يجب الاشعار بها و هي ان تعليم الاسم الاعظم و العلم به علي اقسام احدها ان يعلم الانسان بالتعليم الظاهري بالالفاظ و الحروف حتي يقع معاني ذلك في القلوب فيكون الانسان عالما بمفادها و معناها كتعليم اهل المجادلة و علومهم و ذلك كأن تعلم ان النار احد العناصر و بهذا العلم لاتحرق و لاتجفف و لايصدر منك آثار النار و ثانيها ان يريك المعلم ما يريد ان تعلمه فتصير مشاهدا له علي ما هو عليه فتعبر عنه بما شئت و ذلك كأن يريك المعلم الهادي النار فتريها و تمسها و تجد حرارتها فتعبر عنها بما شئت كيف شئت و بهذا العلم ايضا لست محرقا مجففا و لايصدر منك آثار النار و هذان العلمان علمان عرضيان وصفيان لايفيدان لك الا كمالا عرضيا و ثالثها ان يوصلك الهادي الي مقام النار حتي تحترق بالنار و تستحيل نارا فتكون نارا تحرق و تكلس و تضيء و تطبخ فحينئذ تكون عالما بظاهر النار و باطنها و حقيقتها يصدر منك ما يصدر منها و هذا العلم كمال ذاتي واقعي و تصير الذات به منشأ آثار و مبدء انوار و كذلك العلم بالاسم الاعظم فمن الناس من يتعلم الفاظا و يدرك منها معاني و يتصور بعض التصورات و صوابه ان يطابق الموضوع الخارجي [ص 190] و منهم من يحصل له صفاء بدوام العلم و نور بدوام التفكر و انقطاع بالزهد في الدنيا فيديم النظر في آيات الآفاق و الانفس حتي ينقطع عن انية الاشياء بل عن حيث مصنوعيتها لله جل و عز فيري اسماء الله و انواره حتي يقول لايري فيه نور الا نورك و لايسمع فيه صوت الا صوتك و يشاهد آيات الله في الآفاق و في الانفس و انما شاهد ذلك لما انفتح له عين قلبه و بلغ مبلغ العقل و ادراك هذا المقام له بالانطباع المعنوي و هو عرضي لا ذاتي فيحصل له اليقين و يشاهد الاسم الاعظم عيانا و لكن لمايحصل له انقلاب ذاتي و استحالة اليه و منهم من ينقطع عن انية الاشياء حتي انية نفسه و عن مصنوعية الاشياء حتي مصنوعية نفسه و يري جمال الصانع في جميع الموجودات و يدوم علي ذلك حتي يكون طباعه ذلك و يكون انصرافه عن هذا النظر بعنف و قهر و اما من حصل له حالة حينا ما فوصل الي ذلك و غفل عنه في ساير الحالات فليس ذلك من اهل هذا المقام و اما من كان طباعه الوقوف ذلك الموقف و قصروا انظارهم عما سواه حتي انهم اذا ارادوا التوجه الي سواه كان ذلك قصرا و قهرا فذلك الذي اريد و همّي في بيان حاله فذلك الذي قد قوي من مراتبه مرتبة اسميته حتي قهرت ساير مراتبه و لم‌تكن منشأ آثار و كان جميع الاثر لمرتبة اسميته كالذي يغلب عليه الصفراء و يضمحل فيه ساير اخلاطه فلايظهر منها اثر و انما يكون تمام الاثر للصفراء فكذلك اذا غلب علي الجماد النباتية يكون السلطان و التأثير و الحكم للنباتية و كذلك اذا غلب علي النبات الحيوانية و كذلك اذا غلب علي الانسان الرتبة الاسمية يكون المؤثر تلك الرتبة وحدها فيصدر من الشخص آثار ذلك الاسم و يصير صاحب تصرف و تصريف في العالم بقوة ذلك الاسم و يفعل الله به ما يفعل بذلك الاسم و يكون الاشياء علي حسب ارادته فيريد الله به ما يريد و مايريد الا ما يريد الله عز و جل فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان محمدا و آل‌محمد عليهم السلام هم اول ما خلق الله و هم معصومون مطهرون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و هم قد بلغوا مبلغ الاسمية لله عز و جل و غلبت علي جميع مراتبهم الدنيا [ص 191] حتي لم‌يبق لها آثار و ان صدر لها آثار فلتلك الجهة و لحفظها لا لنفسها فلاجل ذلك قد بلغوا مبلغ الاسم الاعظم و التجلي الاكرم و الذكر الاعلي و النور الاسني و هكذا علمهم الله الاسم الاعظم فلاجل ذلك يفعلون ما يشاؤن و مايشاؤن الا ان يشاء الله كما بينا سابقا و انقادت الاشياء لهم فهي بمشيتهم دون قولهم مؤتمرة و بارادتهم دون نهيهم منزجرة و لو شاؤا ان يقلبوا السماء ارضا و الارض سماء و الدنيا آخرة و الآخرة دنيا و اللوح قلما و القلم لوحا بقوة ذلك الاسم لفعلوا لانهم اول ما خلق خلقهم الله و خلق من انوارهم ساير الكائنات فهكذا يكون نسبة اسم الله الذي تعلق بهم مع ساير الموجودات فهم اذا بلغوا مبلغ ذلك الاسم احاطوا بما سواهم خبرا و قدروا علي ما شاؤا بحول الله و قوته و ذلك منهم حول الله و قوته فيفعل الله بهم ما شاء و يفعلون بالله ما شاؤا فهكذا علموا الاسم الاعظم و الذكر الافخم و يتصرف به في الملك و الملكوت و في الجبروت و الماهوت و يرتقون الي عرصة اللاهوت و ليس لله عز و جل اسم اعظم بسطة و احاطة و قدرة منه و هو الاسم المشار اليه في دعاء الاسماء الحسني اسألك باسمك الذي انشأت به ما شئت من مشيتك يا الله و اسألك باسمك الذي تقول به للشئ كن فيكون بقدرتك يا الله الدعاء ، ثم اعلم ان الاسم الاعظم علي اقسام منها الاسم الاعظم الكوني و هو الذي اشرنا اليه انه من بلغ ذلك المبلغ و استولي عليه ذلك الاسم بحيث صار اسم الله الاعظم قدر علي ما يشاء كما يشاء و لايجاوز امره بر و لا فاجر حقير و لا كبير و منها الاسم الاعظم الوصفي و هو ان يتصف الرجل بصفات ندب الله اليها من الزهد و الورع و العفاف و اليأس عما في ايدي الناس و الانقطاع الي الله و التوكل عليه و التفويض اليه و التسليم له و اجتناب المحارم و المواظبة علي الفرائض و المداومة علي المندوبات و مجانبة المكروهات ما تيسر فاذا فعل ذلك كان ممن يستحق الاجابة من الله عز و جل فهو صاحب الاسم الاعظم الوصفي الذي اذا دعا الله به اجابه و قد جَرٰي الشرع ببيان تلك الاوصاف و منها الاسم الاعظم اللفظي و هو حروف و كلمات مؤلفة يعلمها العالم فاذا الفها العالم و دعا الله به [ص 192] استجاب له و قد اخفي عن عامة الخلق لئلايدعو الجهال به فيستجاب لهم لما اوجب الله عليه من حق ذلك الاسم و قد يلاحظ معه صلاح الوقت و المكان و الحال و اللباس و الاكل و الحركات و ساير المقارنات فانها تكون سبب كمال القابلية و الاستعداد و تمام المقتضي و منها الاسم الاعظم الشخصي و هو الشخص الذي انتهي اليه السؤدد و الشرف في عالم الاكوان و قد كمل في جميع المراتب حتي كان جامعا لجميع المراتب فهو علي حسب نحن والله الاسماء الحسني التي امر الله ان تدعوه بها اسم الله الاعظم من عرفه و توسل به الي الله سبحانه حق التوسل و دخل علي الله من بابه و دعاه به و سأله به استجاب له البتة و منها الايماني و هو ان يعرف المؤمن ربه و يعرف نبيه و وليه و القري الظاهرة بينه و بينه فيتوسل بهم الي الله و يدعو الله بهم فيستجاب له كما روي عن الكاظم عليه السلام ان الاسم الاعظم اربعة حروف الاول لا اله الا الله و الثاني محمد رسول الله و الثالث نحن و الرابع شيعتنا ، و جميع ذلك مشروح في الاخبار ظاهر لمن جاس خلال الديار بالجملة آل‌محمد سلام الله عليهم بجميع تلك المعاني عالمون بالاسم الاعظم و به يقدرون علي جميع ما يتعلق به ارادتهم و يحبون و يشاؤن لايعصيهم شئ و لايخالفهم احد و مع ذلك لايشاؤن الا ان يشاء الله كما لايشاء الله الا ما شاؤا فاذاً هم قادرون علي ما ذكره عليه السلام و ما لم‌يذكره و كتمه .

و اما قوله و ننتهي به الي العرش فنجلس عليه بين يدي الله عز و جل ، فاعلم انهم سلام الله عليهم خلقوا من طينة العرش فطينتهم الذاتية بلطافة العرش و صفائه و حيزها هناك بحيث لو خليت و طبعها لصعدت الي حيزها و انما نزلت لما لحقها من الاعراض و قبلت بامر الله و مهما شاؤا و ارادوا صعدوا الي حيزهم كما صعد النبي صلي الله عليه و آله ليلة المعراج و يصعد ابدان الائمة عليهم السلام بعد الموت اليه و اذا كانوا من طينة العرش كانوا من اعلاه لا من اسفله فانهم اشرف الخلق فلاجل ذلك قال نجلس عليه بين يدي الله و ليس المراد من الجلوس نحو جلوسك علي الفراش فيكون رأسك في الهواء فوق البساط فتزعم انهم يجلسون علي العرش [ص 193] و يكون رؤسهم في هواء فوق العرش اذ ليس فوق العرش ضيق و لا سعة و لا فضاء و لا امتداد و انما جلوسهم علي العرش لايتجاوز محدب العرش و انما يجلسون علي العرش من جميع نواحيها لانهم كالطف جزء منه و اوسع و قد اطلنا البحث عن ذلك في كتابنا الفطرة السليمة و غيرها فراجع ان شئت و لاحظ اخبار الباب هنالك ثم باقي الفقرة واضح ان شاء الله و لولا توارد الاسولة عن الاطراف و كثرتها و اشتغال القلب بالهموم و اعراض القلب عن هذا الخلق المنكوس و اليأس من انتفاعهم بالعلوم الحقة و شوقهم اليها حاشا المؤمنين و هم القليلون لبسطت الكلام في شرح هذا الحديث الشريف و لكن يمنعني ما ذكرت فاكتفي بما ذكرنا و انما اقللت من ذكر شواهد الاخبار لان ساير كتبي مملو من تلك الآثار و لم‌يكن حاجة الي التكرار و كان غرضي محض ازالة الاشكال عن الالفاظ و بعض المعاني مع الايجاز و الاختصار و قد قدر الاتيان بذلك علي حسب الميسور و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

و قد وقع الفراغ من تسويد هذه الاوراق ليد مصنفها كريم بن ابرهيم عفا الله عن آثامهما في رابع شهر شوال من شهور سنة اثنتين و ثمانين بعد المأتين من الالف الثاني حامدا مصليا مستغفرا . تمت .