و اما قوله و احيي الموتي ، فله معنيان احدهما كما قال الله عز و جل كيف تكفرون بالله و كنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم فنفخ الروح في انشاء الخلق الآخر هو من احياء الموتي و كذلك رد الروح الي الاجساد البالية في القيمة من احياء الاموات و المعني الآخر انه يحيي الموتي كما كان عيسي علي نبينا و آله و عليه السلام يحيي الموتي فصاحب روح القدس هو محيي الموتي بجميع هذه المعاني يجري علي يديه لان ذلك الروح اصل حيوة العالم و حيوة كل شئ من شعاعه و نوره فاذا توجه الي ميت و اشرق عليه بوجهه احياه باذن الله و ليس ينافي قوله تعالي الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه و تعالي عما يشركون كما كان لاينافيه خلق عيسي من الطين كهيأة الطير و نفخه فيه و احياؤه اياها و ساير الاموات و ذلك ان الله هو الفاعل ما يشاء كما يشاء بما يشاء و هم السبب الاعظم فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .

و اما قوله و علم بها ما كان و ما يكون ، فلاجل ان الروح من عالم الجبروت الذي هو اعلي الملكوت و الملك و هو مهيمن عليهما فجميع المدد الزمانية و الدهرية عنده كنقطة حاضرة يري آخرهما كما يري اولهما و ليس عنده لهما تقض و لا مضاء و لا ترقب مستقبل بل جميعهما حاضر لديه فيعلم ما كان كما يعلم ما يكون بلا تفاوت و آية ذلك ان الحديد الدهري [ص 133] مثلا لا تخصص له بسيف دون سيف و لا سكين دون سكين و لا تخصص له بزمان آدم و ما بعده و لا بيومنا و لا بما بعده من الايام الي يوم القيمة فاين ما و متي ما وجد سيف او سكين او شئ يصنع منه فهو حاضر لديه و هو ظاهر فيه فلاجل ذلك هو في دهره مهيمن علي جميع الازمان مستعل عليها غابرها و آتيها و هنا شئ احب الاشارة اليه علي نحو التمثيل و هو ان للحروف عرصة فيها الف غير باء و باء غير جيم و حرف غير حرف فمن كان من اهل عرصة الحروف بوجود حرفي رأي الفا غير باء و باء غير جيم و هكذا بمشعر دراك بالانطباع كما في عينك و فوق الحروف عرصة المداد الدهري الذي هو في كل حرف و المداد الدهري غير الحصص المدادية التي في الحروف و ما في الالف غير ما في الباء و ما في الباء غير ما في الجيم اذ هذه الحصص هي الحصص الهبائية المادية و ليس كل حصة يري في كل حرف و لكن المداد الدهري هو الذي تراه في كل حرف بكله فهنالك جميع الحروف منحلة معدومة التعين و التكثر فلا شئ هناك سوي المداد فاذا نظرت من عين مدادية لاتري الا بحرا متشاكل الاجزاء لا تعين فيه لحرف فهنالك عدم الحروف الذي خلقت منه فعلمك في عرصة المداد بالحروف علم اجمالي لا تفصيلي كما ان المداد بحر متشاكل الاجزاء لا تعين لحرف فيه و لكن المراد بالمداد الدهري هنا المداد الاطلاقي بشرط لا فالاطلاق غير التقييد و الاجمال غير التفصيل و هذا المداد المطلق لايعطي ما دونه اسمه و حده الاتري ان كل فرد ليس بمداد مطلق كما ان كل فرد من الحيوانات ليس بجنس و الحيوان جنس و لكن للمطلق مرتبة اعلي و هو لابشرط و يسمي بالحق و هو الذي يعطي ما دونه اسمه و حده و هو المداد لا من حيث الاطلاق كما ان الحيوان مع قطع النظر عن الجنسية يعطي ما دونه اسمه و حده فالفرس حيوان و الابل حيوان و هكذا فذلك الوجود الحق الثابت لاينافي الاطلاق و التقييد فالاطلاق ظهور منه كما ان التقييد ظهور منه فعلم المداد المطلق بالحروف علم اجمالي لاجمال المداد و الآلات تشير الي نظائرها و اما علم المداد لابشرط بالحروف علم تفصيلي و بالمداد بشرط لا علم اجمالي يعلم الاجمال [ص 134] في رتبة اجماله و يعلم التفصيل في رتبة تفصيله لانه لا خصوصية له بالاجمال و التفصيل و الاطلاق و التقييد و هو اولي بهما منهما و اقرب اليهما منهما و اوجد منهما في مكانهما فيري الحروف باعينها و باعيانها في عرصتها و يري المداد بعينه في عرصته فمعني انهم صلوات الله عليهم يعلمون ما كان و ما يكون فان اريد بما كان ما وجد في الزمن الماضي فلا شك انهم يعلمون ما وجد في الزمن الماضي و امضي و كتب في اللوح قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و ان اريد بما كان ما خرج الي عرصة الكون من الامكان فلا شك انهم يعلمون ذلك علم احاطة و مشاهدة و عيان فانهم اصله و مبدأه و ماخرج الي عرصة الكون شئ الا بهم فلايخفي عنهم و اما ما يكون فان اريد به ما سيأتي و لمايأت في الزمان و هو بعد في الامكان و هو مقدر مشروط بشروط محققة و يحتمل فيه البداء او اريد به ما لم‌يخرج من الامكان في اي عالم كان و هو مقدر مشروط بشروط لم‌تقع و لكن ستقع فيعلمونه كما هو في الخارج بلا تفاوت بين علمهم و معلومهم فيعلمون ما سيكون بعد في الامكان مشاءا و مرادا او مقدرا او مقضيا مشروطا بشروط وقعت او لم‌تقع و سوف تقع و يحتمل ان يبدو لله فلاتقع الشروط و لاتخرج و يحتمل ان تقع و تخرج و يحتمل التقديم و التأخير و التبديل و التغيير كما هو في الواقع و لو كان علمهم بما سيكون علي غير ذلك لكان علي خلاف الواقع اذ واقعه الخارج للخلق المتدرج في الاوقات الواقف في عرصة الحروف هكذا فما سيكون بالنسبة اليه في عرصة المداد المشار اليه و هو علي سبيل الاجمال و اما ما كان فقد خرج الي عرصة الكون و اما ما سيكون بالنسبة الي الله سبحانه فانه يري كل شئ في وقته و حده و علمه سابق علي الكون و الامكان اذ بعلمه كانت المشية و بالمشية كانت الاشياء و ليس علمه علما اجماليا و لا تفصيليا بل ازلي خارج عن الاجمال و التفصيل و هما معاً من علمه الا ان الانسب عند الاضطرار ان يقال علمه تفصيلي لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها و هذا هو العلم المشار اليه بقوله لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء فالمستثني منه هو العلم الازلي و المستثني [ص 135] منقطع و المراد به العلم الامكاني و الكوني و العلم الازلي هو العلم المضروب دونه حجب الغيوب لايطلع عليه الا الفرد الصمد و هو المكنون المخزون عند الله لايطلع عليه احد سواه و يستزيد محمد و آل‌محمد عليهم السلام منه بقولهم رب زدني علما و اما العلم الثاني فهو العلم الذي علمه ملائكته و انبياءه و رسله و هم يعلمونه فهكذا يعلمون بروح القدس ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و ان قلت هل هم يشاهدون ما سيأتي رأي العين فيرون غدا في مكانه و بعد غد في مكانه و هكذا الي يوم القيمة و يرون كل احد و كل شئ فيما سيأتي في وقته و مكانه و ما يؤل اليه امره ام لا قلت ان ذلك مسألة معضلة لايعرف حقيقته الا الاقلون و ظاهر بعض الاخبار انهم يعلمون ذلك علم مشاهدة و عيان و ظاهر بعضها انهم لايعلمون ذلك و انه من علم الغيب و كلاهما حق و الذي افهم من الآيات و الاخبار و صحيح الاعتبار ان لهم مقامات فمن مقامهم البشرية الظاهرة و الرسالة الظاهرة و هم في هذا المقام فرد من افراد الانسان و حرف من الحروف محدودون في اوقاتهم فبهذا المقام يشاهدون الموجود و يعلمون ما سيأتي بالعلم الامكاني لا الكوني العيني و من مقامهم الكلية الاطلاقية و جميع الخلق بالنسبة اليهم كالاجسام بالنسبة الي الجسم المطلق فعلمهم في هذا المقام بالافراد علم اجمالي اطلاقي فهم في هذا المقام يعلمون الاشياء بالعلم الامكاني و يعلمون ان لله فيها المشية يقدم ما يشاء و يؤخر ما يشاء فما اوجده الله اوجده بهم فارادة الله في مقادير اموره تهبط اليهم و تصدر من بيوتهم الي ساير الخلق و تجري في الملك فهم و الخلق في ذلك بمنزلة السراج و الاشعة فما شاء الله ايجاده من الاشعة فانما يوجده بالسراج فما اوجده اوجده بالسراج و ما يوجده يوجده بالسراج و ما لم‌يوجده فلا علم للسراج به بالعلم العياني و انما يعلمه بالعلم الامكاني فهم في مقام الاطلاق يعلمون ما اوجده الله بهم علما عيانيا و ما لم‌يوجده الله يعلمونه بالامكان فاذا اراد الله ايجاده يصل اليهم الامر اولا ثم منهم يجري الامر الي عرصة الافراد فيكون بهم كما شاء الله و اما مظاهر الحق في كل رتبة [ص 136] فهي صاحب علم اجمالي و تفصيلي و هو علم مخصوص بمظاهر الحق جل جلاله و هي المقامات و العلامات التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفه بها من عرفه لا فرق بينه و بينها الا انهم عباده و خلقه فلايعلمه الا الله فذلك علم لايعلمه الا الله و به يوحي اليهم وحي خاص فيما سيأتي و يكون من المحتوم فما اوحي اليهم بوحي خاص انه سيكون كذا و كذا حتما فهم سلام الله عليهم يعلمون ذلك و ما لم‌يوح اليهم لايعلمونه فافهم ان كنت تفهم و الا فلاتفسدنها و اعط القوس باريها .

و اما قوله و سار من المشرق الي المغرب و من المغرب الي المشرق في لحظة ، عين فاعلم ان مجموع هذا العالم اذا نظرت اليها وجدتها كلها جسما يعني جوهرا غليظا له كم و كيف و جهة و رتبة و وقت و مكان و زمان فلاتري شيئا الا و هو هكذا و هذا الجسم علي اطلاقه يطلق علي العرش و الكرسي و الافلاك و العناصر و ما بينها فلاتري شيئا غير الجسم و هذا الجسم علي اطلاقه متمثل بالكل و الكل تمثله و نسبته الي العرش و الفرش علي حد سواء ليس شئ اقرب اليه من شئ و ليس شئ اولي به من شئ و جميع ما يصدر من واحد من هذه الافراد يصدر من الجسم فالجسم هو المتحرك و هو الساكن و هو الذاهب و هو الجائي و هو المعطي و هو الآخذ و هو صاحب جميع الآثار و الافعال و الحركات و السكونات و هذا الجسم هو جسمهم في مقام الكلية و الاطلاق و كذلك عقلهم في العقول و روحهم في الارواح و نفسهم في النفوس و طبعهم في الطبايع و مادتهم في المواد و ظلهم في الاظلة فنسبة المشرق و المغرب اليهم علي حد سواء يعني هم حين كونهم في المشرق يكونون في المغرب و بالعكس و حين كونهم في الارض يكونون في السماء علي حد سواء و اينما ارادوا ان يظهروا اخذوا مظهرا من ذلك المكان و ظهروا فيه و تمثلوا به فان شاؤا في مظهر واحد و ان شاؤا في مظاهر شتي و لذلك يحكي عن علي عليه السلام ظهوره في ليلة واحدة في امكنة شتي و ظهوره يوم الغزي وراء كتايب عديدة فلا غرو ان ظهر في الف الف صورة في آن واحد كما ان الجسم في آن واحد يظهر في الف الف صورة بلا تمانع منها فاذا كان الامر كذلك يقدر [ص 137] ان يسير من المشرق الي المغرب و من المغرب الي المشرق في لحظة واحدة و ذلك يتصور بنوعين فاما ان يفني الصورة التي في المشرق و يتخذ لنفسه صورة في المغرب في لحظة عين و اما ان يحمل الصورة التي في المشرق و يسير به الي المغرب و لايصعب عليه ذلك و لايعجزه كما انك تذهب يمناك من يمينك الي يسارك و يعبر عنه بطي الارض بالجملة الذي هو في المشرق حين كونه في المغرب لايعجزه السير من المشرق الي المغرب و لك ان تجعل المشرق مشرق الوجود و هو العقل و المغرب مغربه و هو الجسم و التراب فهو في لحظة عين يسير من المشرق الي المغرب بالتنزل اليه و بالعكس بالصعود اليه .

و اما قوله و علم ما في الضماير و القلوب و علم ما في السموات و الارض ، فذلك ايضا من باب ما قدمنا فاذا كان حقايق الاشياء كلها من اشعة انوارهم و جميع ما لهم و منهم و اليهم و بهم و فيهم منهم و اليهم كيف يخفي عليهم ما في الضماير و القلوب و ما في السموات و الارض و بذلك تواترت الاخبار منهم صلوات الله عليهم و قد اخبروا من ضماير العباد قبل ان يظهروها و ذلك واضح ان شاء الله .

قال صلوات الله عليه يا سلمان و يا جندب و صار محمد الذكر الذي قال الله عز و جل انا ارسلنا اليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آياتي افلاتعقلون اني اعطيت علم المنايا و البلايا و فصل الخطاب و استودعت علم القرآن و ما هو كاين الي يوم القيمة و محمد صلي الله عليه و آله اقام الحجة حجة للناس و صرت انا حجة الله عز و جل جعل الله لي ما لم‌يجعل لاحد من الاولين و الآخرين لا لنبي مرسل و لا لملك مقرب .

اعلم ان محمدا صلي الله عليه و آله هو الذكر اي ذكر الله الذي ذكر به نفسه في خلقه حيث خلقهم لمعرفته و كان يمتنع وصول الحادث الي القديم و لم‌يخلقوا من اصول ازلية و لم‌يكن لهم مشعر من جنس القديم فيعرفوه به و لم‌يكن الله لينزل الي رتبة الحدوث فيعرفوه و يشاهدوه فيكون متغيرا عن حاله فذكر الله لهم نفسه بمحمد صلي الله عليه و آله فذكر به احديته في ذاته و واحديته في صفاته و افعاله و عبادته و ذكر به صفاته الذاتية و صفاته القدسية [ص 138] و صفاته الاضافية و صفاته الخلقية و ذكر لهم به جميع مقامات التوحيد و منازل التفريد و لولا ذكره نفسه به لم‌يطلع احد علي ذكره و كذلك هو بصفاته ذكر الله محابه و يعرف عن عكوسها مساخطه و كذلك هو صلوات الله عليه ذكر الخلق عند الله به يذكرون لديه في مقام الاجمال او هو اصل الخلق و مبدؤهم و علتهم و جميع المعلولات مذكورة في العلة و تلك الاذكار هي مبادي تلك المعلولات فجميع الخلق به يذكرون في رتبة الاجمال عند الملك المتعال بل به يذكرون في مقام التفصيل علي معني ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه فهو الاصل و هو الفرع اذ هو اولي بهم منهم و اوجد في امكنة وجودهم منهم و اقرب اليهم منهم و الكل تمثله و كونها له اولي من كونها لها فهو ذكرهم في مقام الاجمال و التفصيل به يذكرون عند ربهم و هو سبب تذكر العباد ربهم كقوله جالسوا من يذكركم الله رؤيته ، فمن رآه فقد رأي الحق فبه يذكرون ربهم و صفاته و اسماءه و انواره و افعاله و محابه و ما يُتقرَب به اليه فالذكر هو رسول الله صلي الله عليه و آله بجميع تلك المعاني يتلو عليهم آيات الله التكوينية و التدوينية لكي يعقلوا عن الله و اسمائه و صفاته و افعاله و محابه و مساخطه .

و اما قوله اني اعطيت علم المنايا و البلايا و فصل الخطاب ، اما علم المنايا فالمنايا جمع المنية و هي كناية عن الموت مأخوذة من مني الشئ اذا قدره فالمنية فعيلة بمعني مفعولة اي مقدرة و علم المنايا علم موتات الناس و آجالهم و هو يستنبط من جهات فمرة يستنبط من القيافة و مرأي الناس فان علي وجوه الناس و اعضائهم ادلة لآجالهم كما يعرف القائف و مرة يستنبط من مواليد الناس و معرفة طوالعهم و مربياتهم من النجوم كما يعرفه المنجم و مرة يستنبط من انطباعات النجوم في الاشياء السفلية كالرمل و الخيط و غيرهما و امثال ذلك و هذه الانواع تحصل بالتعلم و صائب الفكر و ليس ذلك مما خص به و يخصصون به من شاؤا من اوليائهم فما خصوا به هو انكشاف مواقع التقدير و كميات الآجال له صلوات الله عليه بالعلم العياني و لانه محل المشية و وكر الارادة و ارادة الله في مقادير اموره تهبط اليهم و في بيوتهم الصادر عما [ص 139] فصل من احكام العباد فلايبلغ اجل ذي اجل منتهاه الا و هم المناة لذلك و يجري بهم هذا و لهم ليلة القدر و ما ينزل فيه من كل امر فانه ينتهي اليهم آجال جميع من كان اجله في تلك السنة فيأتيهم الملائكة بذكر كل اجل اجل هذا و لهم المشاهدة لمقتضيات جميع الافعال و الاقوال و الاعراض و القرانات و ما يقتضي تقديم الاجل و تأخيره كما اخبروا به غير مرة و ربما يعلمون بعض هذه الوجوه بعض مواليهم او يخبرونهم عن آجال قوم بخصوصياتها و لكن هذا العلم علم يحتمل فيه البداء لانه مما لم‌يقع فلربما يرون عيانا قرب اجل احد و لكن يبدو لله بهم فيؤخر الله اجله فيرون حينئذ ذلك الذي بدا لله ثانيا و شاهد جواز البداء في هذا العلم ما رواه في البحار عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال مر يهودي بالنبي صلي الله عليه و آله فقال السام عليك فقال النبي صلي الله عليه و آله عليك فقال اصحابه انما سلم عليك بالموت فقال الموت عليك قال النبي صلي الله عليه و آله و كذلك رددت ثم قال النبي صلي الله عليه و آله ان هذا اليهودي يعضه اسود في قفاه فيقتله قال فذهب اليهودي فاحتطب حطبا كثيرا فاحتمله ثم لم‌يلبث ان انصرف فقال له رسول الله صلي الله عليه و آله ضعه فوضع الحطب فاذا اسود في جوف الحطب عاض علي عود فقال يا يهودي ما عملت اليوم قال ماعملت عملا الا حطبي هذا احتملته فجئت به و كان معي كعكتان فاكلت واحدة و تصدقت بواحدة علي مسكين فقال رسول الله صلي الله عليه و آله بها دفع الله عنه و قال ان الصدقة تدفع ميتة السوء عن الانسان و عنه عليه السلام ان عيسي روح الله مر بقوم مجلبين فقال ما لهؤلاء قيل يا روح الله ان فلانة بنت فلان تهدي الي فلان بن فلان في ليلتها هذه قال يجلبون اليوم و يبكون غدا فقال قائل منهم و لم يا رسول الله قال لان صاحبتهم ميتة في ليلتها هذه فقال القائلون بمقالته صدق الله و صدق رسوله و قال اهل النفاق ما اقرب غدا فلما اصبحوا جاؤا فوجدوها علي حالها لم‌يحدث بها شئ فقالوا يا روح الله ان التي اخبرتنا امس انها ميتة لم‌تمت فقال عيسي يفعل الله ما يشاء فاذهبوا بنا اليها فذهبوا [ص 140] يتسابقون حتي قرعوا الباب فخرج زوجها فقال له عيسي عليه السلام استأذن لي علي صاحبتك فدخل عليها فاخبرها ان روح الله و كلمته بالباب مع عدة قال فتخدرت فدخل عليها فقال لها اصنعت ليلتك هذه شيئا (ظ) قالت لم‌اصنع شيئا الا و قد كنت اصنعه فيما مضي انه كان يعترينا سائل في كل ليلة جمعة فننيله ما يقوته الي مثلها و انه جاءني في ليلتي هذه و انا مشغولة بامري و اهلي في مشاغيل فهتف فلم‌يجبه احد ثم هتف فلم‌يجب حتي هتف مراراً فلما سمعت مقالته قمت متنكرةً حتي انلته كما كنا ننيله فقال لها تنحي عن مجلسك فاذا تحت ثيابها افعي مثل جذعة عاض علي ذنبه فقال عليه السلام بما صنعت صرف عنك هذا انتهي ، و هذا من علم المنايا قد جري فيه البداء و ان قلت الذي يري لدغ الافعي لم لايري الصدقة قلت ان لدغ الافعي مما قد قدر في لوح التقدير و رآه صاحب علم المنايا في لوح التقدير و لم‌يره في لوح الامضاء و لو رآه في لوح الامضاء لماجاز فيه البداء و كان محتوما و لكنه رآه في لوح التقدير او في مبادي القضا و قبل الامضاء فاخبر بما قد قدر و قضي و اما الصدقة فلم‌تقدر له ذلك الوقت و لم‌تقض او قدر و لم‌ينظر اليه صاحب العلم و انما نظر في تقدير المنية حسب فاخبر بما رأي و ذلك مثل كتاب كتب فيه سطور و انت تقرأ سطرا و تعرض عن ساير السطور فلاتنظر اليها لحكمة او اشتغال بامر اهم و امثال ذلك فتخبر بما رأيت و يجري ما شاء الله ان يجري و لست بكاذب فيما اخبرت و لكن جري ساير الاقدار فحجب ما بين الشئ و بين ما قدر له و اما الرب جل جلاله فانه يري غدا ممضي و يري ما سيفعل و لايبدو له في علمه و لايظهر له شئ غير ما يعلمه و لايجهل شيئا و لايخفي عليه شئ و كذلك علم البلايا فانه بعينه كعلم المنايا فان صاحب علم البلايا يعلم ما قدر من البليات العامة و الخاصة للعالم و الاشخاص و لكنه علم يحتمل فيه البدا فلربما قدر بلاء عام و لكن لما عدلوا و تضرعوا و انابوا صرف الله عنهم البلاء كما في قوم يونس لما آمنوا كشف الله عنهم العذاب و يدل علي ذلك ما قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله عز و جل جعل لمن جعل له سلطانا مدة من ليالي و ايام و سنين و شهور [ص 141] فان عدلوا في الناس امر الله عز و جل صاحب الفلك ان يبطئ بادارته فطالت ايامهم و لياليهم و سنوهم و شهورهم و قد وفي تبارك و تعالي لهم بعدد الليالي و الايام و الشهور انتهي ، بالجملة علم البلايا ايضا مما يحتمل فيه البداء و وجوه استنباطه ما ذكرنا و لكن الولي يطلع عليه كما ذكرنا و اما فصل الخطاب فهو الخطاب الفاصل بين الحق و الباطل و هذا الذي فيه فضل لا ما ذكره اهل القال و القيل و منه ما قال ابوعبدالله عليه السلام علم رسول الله صلي الله عليه و آله عليا الف باب يفتح كل باب الف باب و قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان رسول الله صلي الله عليه و آله علمني الف باب من الحلال و الحرام مما كان و مما هو كاين الي يوم القيمة كل باب منها يفتح الف باب فذلك الف الف باب حتي علمت علم المنايا و البلايا و فصل الخطاب و قال ابوعبدالله عليه السلام علم رسول الله صلي الله عليه و آله عليا حرفا يفتح الف حرف كل حرف منها يفتح الف حرف انتهي ، فذلك الخطاب الفاصل بين كل حق و باطل فقوله سبحانه آتيناه الحكمة و فصل الخطاب فالحكمة معرفة الحقايق في النفس و العمل بالاعضاء و فصل الخطاب هو البيان المميز بين الحق و الباطل بالنسبة الي الغير و البيان الهادي لغيره الي طريق الصواب و البيان الشارح للمشكلات و البيان الكاشف عن حقيقة الاحوال و الامور و البيان القاضي بين الناس بالحق و امثال ذلك كل ذلك من فصل الخطاب فالحكمة لنفس الانسان و الخطاب لغيره فافهم ذلك .

و اما قوله و استودعت علم القرآن و ما هو كائن الي يوم القيمة ، اعلم ان القرآن في الظاهر هو هذا الكتاب الذي منه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات و هذا القرآن قد اودع فيه علم كل شئ لان الله يقول مافرطنا في الكتاب من شئ و يقول تبيانا لكل شئ و يقول و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و ليس المراد من قوله لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين ان كل اسم و كل لغة و شرح كل جزئي جزئي من الحوادث و شرح كل صنعة و حل كل مشكل في القرآن بخصوصيته حتي انه صار بعض الجهال يمتحنون العلماء بان هذه المسألة في اي [ص 142] موضع من القرآن بل في القرآن علوم و ابواب كلية يفتح من كل باب ابواب و فيه اصول كلية لها فروع و قد بين القضية الواحدة بحيث تنطبق علي الظاهر و التأويل و الباطن و باطن الباطن الي سبعين بطنا فكذلك يكون في القرآن علم كل شئ و لو كان يقال ان فيه كل جزئي جزئي لزم التناقض لان الله يقول منهم من قصصنا عليك و منهم من لم‌نقصص عليك فما لم‌يقصه عليه كيف يكون في القرآن بالجملة القرآن فيه كليات و اصول يتفرع عليها جزئيات العالم و يستخرج منه علمها و بذلك يشهد استدلالات الائمة عليهم السلام بالكتاب علي المطالب و من علم علم القرآن علم كل شئ و في الباطن هو محمد صلي الله عليه و آله كما ان الفرقان هو علي عليه السلام و ذلك ان القرآن هو مقام الجمع و الفرقان هو مقام الفرق و ذلك ان القرآن هو مجموع الكتاب و الفرقان هو المحكم الواجب العمل به فقوله و استودعت علم القرآن ، يعني علم محمد صلي الله عليه و آله اودعني و علمني علمه و في التأويل فالمراد به العقل و ذلك ان الكلام دليل عقل المتكلم و شرحه و تفصيله و ظاهره فكل احد يتكلم علي مقدار عقله فالعقل هو مبدء الكلام و اصله و روحه فالقرآن ظاهر عقل النبي صلي الله عليه و آله و شرحه و بيانه و منطوقه و جميع ما في القرآن من العلم هو في عقله صلوات الله عليه و آله علي نحو الكلية و المعنوية و تنزل في روحه بالصور الرقيقة و في نفسه بالصور العلمية المجردة و في مشاعره الباطنة بالصور الظلية البرزخية و في جسمه علي لسانه بالصور الحرفية فالعقل في القرآن كالروح في الجسد فهو القرآن الروحاني و القرآن هو العقل التدويني البياني فالمراد بالقرآن في التأويل هو عقل النبي صلي الله عليه و آله و لاجل ان العقل من الروحانيين سمي بروح القدس و سمي القرآن بالروح و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان فقوله استودعت علم القرآن ، يعني ما اودع روح القدس و ايدت به و جعل في قلبي حتي علمت به ما كان و ما هو كائن الي يوم القيمة علي ما شرحنا سابقا و بيّنا .

و اما قوله و محمد صلي الله عليه و آله اقام الحجة حجة للناس [ص 143] و صرت انا حجة الله عز و جل و في نسخة اقام الحجة حجة الناس و صرت انا حجة الله فاعلم ان محمدا و عليا صلوات الله عليهما كليهما حجة الله عز و جل الا ان كلا منهما يدعو الي شئ و يقيم الحجة لاثبات ما يدعو اليه و لا شك ان محمدا صلي الله عليه و آله يدعو الي الظاهر و يكتفي به من الخلق و علي عليه السلام يدعو الي الباطن و لايكتفي بالظاهر فلاجل ذلك صار محمد صاحب الاسلام و علي صاحب الايمان و من محاسن الاتفاق ان بينات محمد ي م ا ي م ا ل و هي مائة و اثنان و ثلثون و يساوي عدد الاسلام و بينات علي ي ن ا م ا و هي مائة و اثنان و هو يساوي عدد الايمان بل يوافق حروفه فمحمد اقام الحجة حجة للناس او حجة الناس يحتج بها بعضهم علي بعض و يثبت بها اسلامه و اما علي عليه السلام فهو حجة الله علي الناس يحتج بها عليهم فيقبل من ثبت الايمان في قلبه و يرد من لم‌يستقر الايمان في قلبه فيحتج بعلي عليه السلام عليه و يثبت بموافقته و مخالفته الايمان و الكفر و قد قطع به عذر المعتذر و محمد صلي الله عليه و آله المرشد الي السبيل و انك لتدعوهم الي صراط مستقيم و علي عليه السلام هو الموصل الي المقصد انما انت منذر و لكل قوم هاد و قال يهدي اليه من اناب .

و اما قوله جعل الله لي ما لم‌يجعل لاحد من الاولين و الآخرين الي آخر ، فلا شك في ذلك فانه طأطأ كل شريف لشرفهم و خضع كل جبار لفضلهم و ذل كل شئ لهم و جعلهم مهابط ارادته و مساكن مشيته و مرآةً لجميع اسمائه و صفاته و انواره و هم جمع الله و هم كل الله لا فرق بينه و بينهم الا انهم عباده و خلقه فتقهم و رتقهم بيده بدؤهم منه و عودهم اليه فتح الله بهم الوجود و ختم بهم الشهود فلايسبقهم سابق و لايفوقهم فائق و لايلحقهم لاحق و ذلك واضح لا غبرة عليه .

قال صلوات الله عليه يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال انا الذي حملت نوحا في السفينة بامر ربي و انا الذي اخرجت يونس من بطن الحوت باذن ربي و انا الذي جاوزت بموسي بن عمران البحر بامر ربي و انا الذي اخرجت ابرهيم من النار باذن ربي و انا الذي اجريت انهارها و فجرت [ص 144] عيونها و غرست اشجارها باذن ربي و انا عذاب يوم الظلة و انا المنادي من مكان قريب قد سمعه الثقلان الجن و الانس و فهمه قوم اني لاسمع كل قوم من الجبارين و المنافقين بلغاتهم و انا الخضر عالم موسي و انا معلم سليمان بن داود و انا ذوالقرنين و انا قدرة الله عز و جل الخبر .

اعلم ان الله سبحانه ذات احدية يمتنع معها سواها فلاتقترن بغيرها و لايقترن بها غيرها و لاتتغير و لاتتبدل و لاتتقلب و لاتحدث فيها ما لم‌يكن و لاتضاف الي شئ و لايضاف اليها غيرها و لاتصدر من شئ و لايصدر منها غيرها فلاينسب اليها شئ و لا معها شئ و هذه الاحكام اَسْهِل بالنطق بها و اَصْعِبْ بتحملها و اجرائها في الجزئيات و ترني الناظر و لايدري ما يستنتج منها فلا اسم و لا فعل و لا حرف و لا قول و لا كلام و ما ذكرناه لاجل التقديس و التسبيح لا لاجل التشبيه ثم بعد ذلك عرصة الكلام و القول فيقال ثم خلق خلقا بنفسه اي بنفس ذلك الخلق اذ لم‌يسبقه خلق آخر فجعله فعلا منه و قولا به يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و ذلك قوله عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، و هذا هو الخلق الاول الذي لايسبقه سابق و لايفوقه فائق و لايلحقه لاحق و هذا الخلق هو حقيقة ما سوي الله سبحانه و اعلي اذكاره و فؤاده اذا نسبته و لكن لاينتسب الي غير الله بوجه من الوجوه و باعتبار من الاعتبارات اذ هو نسبة الله و جميع ما في العالم من الحركة و السكون و التغير و التبدل و الانقلاب كلها به و بارادته و نظره فبه سكنت السواكن و تحركت المتحركات و هو مقلب الاحوال و يد ذي الجلال و هو مشية الله و ارادته و قدره و قضاؤه و امضاؤه و حكمه و قدرته و يده و لسانه و وجهه و امثال ذلك و هو في العالم كالروح في الجسد لايتحرك متحرك عن مكانه الا به و لايسكن ساكن في مقامه الا به و لايتغير شئ عما كان عليه من جوهريته الا به و لايتحول شئ عما هو عليه الا به و لايخرج شئ من العدم الي الوجود الا به بالجملة لايخرج كمال من قوة شئ الي الفعلية الا به فاذاً الافلاك به دائرة و الارض به قارة و النجوم به سارية و الرياح به هابة و الانهار به جارية [ص 145] و الجمادات به متولدة و النباتات به نابتة و الحيوانات به ماشية و هكذا بل الاعين به بصيرة و الآذان به سميعة و هكذا بل النفوس به عالمة و العقول به دراكة و هكذا بل العابدون به عابدة و المصلون به مصلية و الصائمون به صائمة بل الناجون به ناجية و الهالكون به هالكة و اذا اردت المقايسة فقايس نفسك في بدنك و مراتبك فجميع الافعال بك و منك و اليك انت ترفع يدك و تخفض و انت تحرك رجلك و تسكن و انت تنطق لسانك و تسكت و هكذا جميع ما يصدر منك فانما هو صادر من نفسك و لاجل ذلك من عرف نفسه فقد عرف ربه اي من عرف نفسه في بدنه و مراتبه فقد عرف ظهور ربه في ملكه فافهم و ذلك الخلق الاول باجماع العامة و الخاصة و نصوص الكتاب و السنة هو هم صلوات الله عليهم حيث خلقهم الله قبل خلق الخلق بالف الف دهر ثم خلق بهم ما سواهم و ذلك واضح ان شاء الله و مع ذلك قد كتبنا في هذه المسألة كتابا مستقلا سميناه بنعيم الابرار فاذا كان الخلق الاول هو هم صلوات الله عليهم فلا غرو في امثال هذه العبارات ان بهم سكنت السواكن و تحركت المتحركات و في قوله السلام علي مقلب الاحوال و سيف ذي الجلال و في فقرات هذا الحديث الشريف انا الذي حملت نوحا في السفينة الي آخر ، و لايحتاج الي تأويل و توقف و شك و ريب فهو بنفسه الذي حمل نوحا في السفينة كما اذا وضعت يدك اليمني علي يدك اليسري ثم قلت انا الذي حملت يدي هذه علي يدي هذه او اخرجت يدك من جيبك و قلت انا الذي اخرجت يدي هذه من جيبي فالذي تأمل في هذه الفقرات كالمجلسي رحمه الله و تلميذه الشيخ عبدالله و قالا لو صح صدور الخبر منه صلي الله عليه و آله لاحتمل ان يكون المراد به و بامثاله ان الانبياء عليهم السلام بالاستشفاع بنا و التوسل بانوارنا رفعت عنهم المكاره و الفتن كما دلت عليه الاخبار الصحيحة انتهي ، و كأنهما حسباهم صرف هذه الابدان البشرية التي كانت في مكان مخصوص و زمان مخصوص ثم تعجبا من كونه صلي الله عليه هو الذي حمل نوحا في السفينة مع انهما رويا روايات متواترة انهم خلقوا قبل الخلق و بهم فتح الله و بهم يختم و ان الخلق من [ص 146] شعاع انوارهم فبعد تلك الاخبار اي حاجة الي التأويل و هم بمنزلة روح العالم و نفسه و حقيقته كانوا كذلك من اول الدهر الي يومنا هذا و ما بقي ملك الله لايتحرك متحرك و لا تحرك الا بهم و بارادتهم و بتحريكهم فمن عرفهم هكذا فقد عرفهم بالنورانية و صدق الاخبار المتواترة ثم لا غبرة في الفقرات بعد ذلك .

و اما قوله و انا عذاب يوم الظلة ، فالمراد بالظلة الحر و السمائم و يوم الظلة يوم حر و سمائم سلطهما الله علي قوم شعيب كما قال فكذبوه فاخذهم عذاب يوم الظلة فمن تفسير القمي قال قوم شعيب فاخذهم عذاب يوم الظلة قال يوم حر و سمائم و قال فبلغنا و الله اعلم انه اصابهم حر و هم في بيوتهم فخرجوا يلتمسون الروح من قبل السحابة التي بعث الله فيها العذاب فلما غشيهم اخذتهم الصيحة فاصبحوا في دارهم جاثمين انتهي ، فقال انا عذاب يوم الظلة يعني به تلك الحر و السمائم و الصيحة فيقول انا هو لاني نقمة الله علي الفجار و ذلك العذاب انا حيث تجليت بالعذاب لهم و اعلم ان قوله انا عذاب يوم الظلة غير ان يقول انا معذب قوم شعيب و كونه معذبا لهم و لغيرهم ظاهر لما بينا ان كل حركة و سكون بهم صلوات الله عليهم و هم في العالم كالروح في الجسد و اما كونه عذابا او رحمة فيخفي قليلا و الوجه فيه ان لهم صلوات الله عليهم مقامين الاول مقام الفاعلية و المحركية و هو مقام كونهم بمنزلة الروح في الجسد و نسبة الروح و الجسد نسبة التنزل و الاشتراك في المادة و ان كانت مختلفة المراتب بل نسبة القطب الي الكرة و القلب الي البدن فانه المحرك المباشر و الثاني مقام الاطلاق الحقي و المؤثرية التي هي اولي من الآثار بالآثار و اوجد في مكانها منها فذلك الذي يحمل عليه كل ذات و كل صفة و فعل و نسبة و اقتران و جهة و اعتبار و ذلك الذي يسعه ان يقول انا صلوة المؤمنين و صيامهم و له يقال ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و ذلك بعينه بنفسه رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و هو الراحم و المنتقم ايضا فافهم ان كنت تفهم .

و قوله و انا المنادي من مكان قريب ، اشارة الي قوله تعالي و لو تري اذ فزعوا فلا فوت [ص 147] و اخذوا من مكان قريب و هو جيش البيداء يؤخذون من تحت اقدامهم يبعث الله جبرئيل فيقول يا جبرئيل اذهب فابدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم عندها و لايفلت منهم الا رجلان من جهينة و لذلك جاء القول و عند جهينة الخبر اليقين فقوله و انا المنادي من مكان قريب يعني من تحت اقدامهم بنداء يا بيداء ابيدي القوم الظالمين كما في حديث مفضل و ذلك مما بينا واضح الوجه ان شاء الله .

و قوله و اني لاسمع كل قوم من الجبارين و المنافقين بلغاتهم ، فذلك في الصيحات من السماء قبل خروج القائم عجل الله فرجه و حين ظهوره ينادي الخلق بحيث يسمع كل قوم بلسانهم بالانذار بالقائم و البشارة بظهوره فيقول انا المنادي من السماء و ان كان من فم جبرئيل فاني اولي بجبرئيل منه و اوجد في مكانه منه فاذا نادي هو فانما انا انادي و ان كان من هناك و هو كما قال عليه السلام ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا فافهم .

و اما قوله و انا الخضر عالم موسي و انا معلم سليمان بن داود و انا ذوالقرنين و انا قدرة الله عز و جل ، فاعلم انه قد كثر امثال هذه الحمول في كلماتهم صلوات الله عليهم و تحير العقول فيها و لم‌يجعل الله علمها الا عند اهله و انا اشرح لك في هذا المقام ما يرفع عنه الابهام بحول الله الملك العلام اعلم ان ذات الشئ لا مجال فيها للتعدد و الاختلاف فلا موضوع هناك و لا محمول و لا نسبة و لا حمل اللهم الا ان يضم اليها غيرها و تلاحظ مع شيئين غيرها فتلاحظ مع شئ خارج عنها مرة و مع شئ آخر خارج عنها اخري فيحصل بين الحالين تغاير ما فتقول هذه اي مع هذا هي تلك اي مع ذاك فيصح و يعقل الحمل حينئذ فتقول مثلا زيد اي الذي سمعته هو زيد اي الذي رأيته فتضم ذات زيد الي المسموعية و المرئية فتقول هذه المسموعة هي تلك المرئية فمن اجل وحدة الذات و عدم تغاير فيها لم‌يصح الحمل في الذات و يسمي ان حمل بحمل هو هو و كذلك لايصح الحمل في المتباينين من كل جهة فانه كذب محض كأن تقول ان الوجود عدم و ما بين هذين من الاشياء يجوز فيها الحمل لوجود وجه اشتراك و ايتلاف و وجه تغاير و اختلاف اما وجه [ص 148] الاشتراك بين الاشياء فيمكن ان يكون جنسيا كاشتراك الفرس و الغنم في الحيوانية ثم تتصاعد هذه الاجناس الي جنس الاجناس و هو الوجود و يمكن ان يكون نوعيا كاشتراك زيد و عمرو في نوع الانسانية و يمكن ان يكون صنفيا كاشتراك زيد و عمرو في العالمية و يمكن ان يكون الاتحاد في الوجود الخارجي كأن تقول الفرس حيوان صاهل و يمكن ان يكون الاشتراك في المادة كاشتراك السرير و العصا في الخشب و يمكن ان يكون الاشتراك في التأثير كاشتراك الماء و الابقر في رفع العطش و النار و الماء الحار في الاحراق و يمكن ان يكون الاشتراك اشراقيا كقولك زيد قائم و يمكن ان يكون الاشتراك فعليا كقول الوزير انا السلطان يعني به في قولي هذا و في فعلي هذا فيكون القبول مني قبولا من السلطان و الرد علي رداً علي السلطان و طاعته طاعة السلطان و معصيته معصية السلطان و يمكن ان يكون الاشتراك وصفيا كأن تقول للليل القار لاشتراكهما في وصف السواد او تقول لللبن الثلج لاشتراكهما في وصف البياض و زيد اسد لاشتراكهما في الشجاعة فاذا تحقق احد هذه الوجوه في شيئين تحقق الاشتراك و يكون في ما سوي وجه الاشتراك المغايرة بين الاشياء فلا بد في الحمل من مغايرة بين الموضوع و المحمول حتي يحصل الفايدة و يتحقق النسبة و يكون لكل واحد منهما مصداق لفظ و من اشتراك حتي يصدق الحكم و الحمل كما عرفت فقد يكون الاشتراك جنسيا او نوعيا او صنفيا او ماديا فحينئذ اما يحمل فرد منها علي فرد او فرد علي جنس او جنس علي فرد اما الاول فقليلا ما يقع في المعميات و الالغاز للستر و لو جاز مطلقا لجاز حمل كل شئ علي كل شئ للاشتراك في الجنس البعيد مثلا اقلا فلايقال زيد حجر لاشتراكهما في الجسم و اما الثاني فيكثر وقوعه كأن يقول الجسم انا العرش و انا الكرسي و انا الافلاك و العناصر و اما الثالث فكأن تقول العرش جسم و الكرسي جسم و الافلاك جسم و العناصر جسم و يأتي في الحمل الاشراقي ما يكشف عن ذلك فان الافراد آثار للاجناس و اشراق منها و اما الاشتراك في الوجود الخارجي فيكثر حمله كأن تقول الفرس حيوان صاهل و الحمار حيوان ناهق و الكلب حيوان نابح [ص 149] فالحيوان الصاهل في الخارج متحد مع الفرس و انما تغايرا بالاجمال و التفصيل و الجمع و التفريق و اما الاشتراك في التأثير فيكثر الحمل فيه كأن تقول للصوم الجنة او تقول للماء الحاد النار او تقول للدعاء السهم و امثال ذلك و اما الاتحاد الاشراقي فهو ان يتحد احدهما مع اشراق الآخر لا مع ذاته فيجوز ان تحمل المشرق علي الاشراق و هذا اكثر كأن تقول العرش جسم و الكرسي جسم و الافلاك جسم و العناصر جسم فلايوهم حصر المشرق في الاشراق و يجوز ان تحمل الاشراق علي المشرق و لكن علي وجه لايوهم حصر المشرق في الاشراق كأن يقول الجسم انا العرش انا الكرسي انا الافلاك انا العناصر و امثال ذلك يكثر في كلمات آل‌محمد عليهم السلام كقول الحجة عليه السلام يا معشر الخلايق الا و من اراد ان ينظر الي آدم و شيث فها انا ذا آدم و شيث الا و من اراد ان ينظر الي نوح و ولده سام فها انا ذا نوح و سام و من اراد ان ينظر الي ابرهيم و اسمعيل فها انا ذا ابرهيم و اسمعيل الا و من اراد ان ينظر الي موسي و يوشع فها انا ذا موسي و يوشع و من اراد ان ينظر الي عيسي و شمعون فها انا ذا عيسي و شمعون و من اراد ان ينظر الي محمد صلي الله عليه و آله و الي اميرالمؤمنين فها انا ذا محمد و اميرالمؤمنين الا و من اراد ان ينظر الي الحسن و الحسين عليهما السلام فها انا ذا الحسن و الحسين الا و من اراد ان ينظر الي الائمة من ولد الحسين فيعد واحدا واحدا الي الحسن عليه السلام فها انا ذا هم فلينظر الي الخبر ، فالحمول الي قوله من اراد ان ينظر الي محمد صلي الله عليه و آله كلها اشراقية لانهم خلقوا من شعاع نورهم بتواتر الاخبار فينتسب الي الكل و لا غرو لانه اولي بالآثار من الآثار و اوجد في امكنتهم منهم و اما الانتساب الي محمد و الائمة عليهم السلام فهو من باب الاشتراك في المادة باطنا و ضعف ما به الامتياز كما في الزيارة اشهد ان ارواحكم و نوركم و طينتكم واحدة ، و كما في القرآن ذرية بعضها من بعض و اما في الظاهر فيمكن ان يكون من باب الاشتراك في الفعل و التأثير لانه يفعل ما يفعل اولئك لا فرق بينه و بينهم و كذلك الانتساب الي الانبياء عليهم السلام في الظاهر يمكن ان يكون [ص 150] من باب التأثير و الفعل فانه يظهر ما اظهروا و يفعل ما فعلوا و يشرح ما شرحوا و امثال ذلك و اما الاشتراك في الفعل و الصنع فقد ذكرنا انه كقول الوزير انا السلطان يعني في الفعل و الحكم و التدبير و مثل ذلك ما قال عليه السلام لابي‌بصير الراد عليك هذا الامر كالراد علي رسول الله صلي الله عليه و آله و ما قال فاذا حكم بحكمنا و لم‌يقبل منه فكأنما بحكم الله استخف و علينا رد و الراد علينا كالراد علي الله و هو علي حد الشرك بالله و كقوله في الدعاء لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك ، يعني في الفعل و الحكم و القول و الامر و المشية و الارادة و المحبة و العداوة و امثال ذلك لبداهة انهم لايشتركون مع الله في الذات و لا اشراق للذات و ليحمل علي ذلك قوله عليه السلام ان لنا مع الله حالات هو فيها نحن و نحن هو و هو هو و نحن نحن ، لبداهة عدم اشتراك بين ذات الله و بينهم يصح به الحمل الا الاشتراك في الفعل فهم لما كانوا لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و حكمهم حكم الله و فعلهم فعل الله و قولهم قول الله و امرهم امر الله و ارادتهم ارادة الله و هكذا جميع ما يضاف اليهم قالوا نحن هو و هو نحن كأن يقول الوزير انا السلطان و السلطان انا يعني في الحكم و الامر و لنعم ما قال ابن ابي‌الحديد في وصف علي عليه السلام :

تقيلت افعال الربوبية التي عذرت بها من شك انك مربوب

و اما الاشتراك في الوصف فكما ذكرنا ان يقال للليل الكحل او القار و للشمس السراج و هكذا و يمكن ان يحمل علي ذلك قوله هو فيها نحن و نحن هو ، يعني في الصفة علي انهم صفة الله و معانيه و علي ان اسماءهم اسماؤ الله و صفاتهم صفات الله و جميع ما لهم و بهم و منهم لله و بالله و من الله فلو احطت باطراف كلامنا و تدبرت في ما شرحنا عرفت وجه قوله عليه السلام في هذا الحديث الشريف انا الخضر عالم موسي و امثال ذلك و اما قوله و انا معلم سليمان و انا ذوالقرنين و انا قدرة الله ، فمعلم سليمان اشارة الي قوله تعالي و علمنا منطق الطير و اوتينا من كل شئ و يرجع اليه قوله ففهمناها سليمان [ص 151] و انا ذوالقرنين لانه ضرب علي قرنه في هذه الدنيا و يضرب علي قرنه الآخر في الرجعة كما يظهر من الاخبار او المراد اسكندر و هو مثل قوله انا الخضر و انا قدرة الله لانه مشية الله المتعلقة بالامكان بها اخرج الله جميع البدايع و يخرج ما يشاء و لايعجزه شئ في السموات و لا في الارض فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة و جميع المقدورات في الامكان و هو العمق الاكبر فما انزجر به هو قدرة الله علي كل مقدور و فيما ذكر كفاية و لو اردنا بسط كل مسألة لطال بنا المقال و يمنعني عنه الكلال و ما شاء الله كان و ما لم‌يشأ لم‌يكن و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

قال صلوات الله عليه يا سلمان و يا جندب انا محمد و محمد انا و انا من محمد و محمد مني قال الله تعالي مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لايبغيان .

اما قوله انا محمد و محمد انا ، فقد مر شرحه ان هذا الحمل اما للاشتراك في الفعل فان جميع ما يفعله محمد صلي الله عليه و آله يفعله علي عليه السلام و هو خليفته و القائم مقامه امره امره و حكمه حكمه و قوله قوله و طاعته طاعته لا فرق بينه و بينه الا ان محمدا نبي و عليا ولي ليس بنبي فمن اجل جهة الاشتراك قال انا محمد يعني في الطاعة و الامر و الحكم و غير ذلك و اما للاشتراك في المادة فانهما خلقا من نور واحد و طينة واحدة و روح واحد و المراد بهذه الوحدة الوحدة في المادة فهم مشتركون في المادة مختلفون في الصورة فقوله انا محمد يعني في المادة و يؤيده قوله انا من محمد و محمد مني ، فان من لبيان المادة و انا من محمد يعني من مادة محمد و من طينته كما تقول لمائين في انائين هذا من هذا و هذا من هذا يعني هذا من نوع هذا او من جنسه او من مادته و اما التبعيض فيصح علي معني دقيق و هو ان الله سبحانه يقول و جعلوا له من عباده جزءا فذكر ان الولد جزء والده و لا شك ان عليا عليه السلام هو قاسم الجنة و النار و محمد صلي الله عليه و آله ابوالقاسم قال الله عز و جل النبي اولي بالمؤمنين من انفسهم و في قراءة اهل البيت عليهم السلام و هو اب لهم فهو ابو علي و علي جزؤه فهو من محمد علي معني [ص 152] التبعيض و يصعب عكسه علي معني التبعيض و يسهل بان تعلم ان لهما صلوات الله عليهما مقامين مقام كلية و مقام جزئية و جزئية محمد فرع كلية علي لان محمدا صلي الله عليه و آله في مقام الكلية كالعرش و عليا فيها كالكرسي المستنير من العرش و محمدا في مقام الجزئية كالشمس المستنيرة من الكرسي و عليا فيها كالقمر المستنير من الشمس فمحمد في مقام الشمسية فرع علي في مقام الكرسية و جزؤه و ولده فبهذا المعني يصح ان يقال محمد من علي صلوات الله عليهما و آلهما و اما البحران يلتقيان في الآية فهما علي و فاطمة فعلي عليه السلام بحر العلم الباطن و فاطمة عليها السلام بحر العلم الظاهر يلتقيان يقترنان بالتزوج بينهما برزخ هو محمد صلي الله عليه و آله و البرزخ ما كان احد طرفيه من جنس هذا و احد طرفيه من جنس هذا فمحمد من جنس علي و من جنس فاطمة و هو برزخ في الظاهر لانه ابن عمه و اخوه و ابوها و يدل علي هذا الباطن ما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قوله مرج البحرين يلتقيان قال علي و فاطمة بينهما برزخ لايبغيان قال لايبغي علي علي فاطمة و لاتبغي فاطمة علي علي يخرج منهما اللؤلؤ و المرجان الحسن و الحسين انتهي ، و اللؤلؤ الحسن عليه السلام و المرجان الحسين عليه السلام .

قال صلوات الله عليه يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال عليه السلام ان ميتنا لم‌يمت و غائبنا لم‌يغب و ان قتلانا لم‌يقتلوا .

اما قوله صلوات الله عليه ان ميتنا لم‌يمت ، يعني كساير الاموات حيث يزهق ارواحهم بسبب خراب ابدانهم و فسادها فلايبقي لارواحهم مظهر تظهر فيه فترفع عن الدنيا كمرآة كانت موضوعة تحت الشمس و كانت فيها ظاهرة تتلألأ و تشرق منها فكسرت و تفرقت اجزاؤها فخفيت الشمس عن الارض و ارتفع نورها و عاد اليها و كذلك حال الروح عند خراب البدن لانها لاتظهر و لاتقدر ان تتصرف في الدنيا لفقدانها الآلة المجانسة للاجسام و اما هم صلوات الله عليهم اذا ماتوا لم‌يعجزوا عن اتخاذ بدن آخر متي شاؤا و ارادوا فيظهرون فيه فيتصرفون في العالم كما شاؤا و ارادوا هذا و هم لاجل كليتهم و احاطتهم [ص 153] و ملئهم السموات و الارض اذا ماتوا لم‌يخلوا الدنيا من وجودهم فيعودوا الي البرزخ و يكونوا في البرزخ دون الدنيا كساير الاموات بل هم اذا خلعوا ابدانهم لم‌تذهب ارواحهم عن الدنيا و هم اقرب الي كل شئ منه يرونه و يسمعونه و يطلعون عليه و بهم يسكن السواكن و يتحرك المتحركات فمثل هؤلاء لايصدق عليهم الموت و الفنا كساير الاموات المنقطعين عن الدنيا المحبوسين في البرزخ و كذلك غائبهم اذا غاب لم‌يغب و حقيقة غيبته عدم رؤية الناس اياه و الا فهو شاهد مطلع كما قال عز و جل ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس فهو لما ازال الاعراض عن نفسه عميت الاعين المدركة للاعراض عن دركه فلايدركه فصار كالغائب المحجوب بحجب الاجسام و البعد و اما في الحقيقة فهو حاضر شاهد ليس بغائب لانه في مقام الكلية اقرب الي كل شئ منه و اولي به منه و احضر عند كل شئ من نفسه و اوجد من كل شئ في مكانه فهو اكبر الاشياء شهادة فمثل ذلك اذا غاب لم‌يغب و لم‌يتغير شهادته نعم كان له اعراض و كان لها شهادة في المشاهد فلما تفرقت ذهب شهادتها دون شهادته .

و اما قوله و ان قتلانا لم‌يقتلوا ، فكقوله ان ميتنا لم‌يمت فان سيوف الدنيا العرضية و اسلحتها لاتعمل الا في البدن العرضي و من كان تعلقه بالدنيا بسبب البدن العرضي فاذا تقطع و تفرق اجزاؤه و فسد ارتفع تعلق روحه عن الدنيا و اما من كان اوجد في مكان ما في الدنيا و الآخرة منه فلايضره القتل هذا و قتيلهم متي شاء يتخذ لنفسه بدنا آخر و يظهر فيه فلم‌يقتل منهم الا بدنهم العرضي و لاينافي ذلك قول الحجة عليه السلام و اما قول من زعم ان الحسين عليه السلام لم‌يقتل فكفر و كذب و ضلال ، فان الكفر هو انكار وقوع القتل علي البدن العرضي و لا شك في وقوعه و اما وجودهم في العالم و تصرفهم فيه فمما لاينكر و معجزات قبورهم و ظهورهم بعد الممات اوضح من الشمس في رابعة النهار .