بقي شئ و هو انه قد يقع منهم اخبار بالغيب في محل التحدي فيقع و يشكل فهم ذلك جدا اما في الظاهر فيقال ان الله جل و عز يوحي اليهم بوحي خاص ان الامر الفلاني يقع و لا بد منه و لا بداء فيه فيخبرون في مقام التحدي [ص 112] فيكون كما اخبروا و اما عند الحكيم فيشكل درك ذلك ان الله جل و عز كيف يخبرهم و ما معني يخبر و لايصعد بهم الي مقام ذاته ليطلعوا علي العلم الاول و العلم الامكاني الاجمالي ليس فيه تعين شئ حتي يعلموا منه المحتوم و غير المحتوم و العلم الكوني التفصيلي يحتمل فيه البداء نعم اشهدهم الله خلق السموات و الارض و خلق انفسهم و اتخذهم اعضادا في خلقه بلا شك و هذه الشهادة لاتزيد علي عالم الخلق و الكثرة و عالم الخلق و الكثرة مما يحتمل فيه البداء اعلم ان كثيرا مما يخبرون به في مقام التحدي مما قد شهدوه و لميشهده غيرهم او لميخلق بعد و سيخلق و هم يعلمون نوعا ان هذين لايقع فيهما البداء ابدا و ان كان يقدر الله علي تغييره لانه يخالف الحكمة و الله عز و جل لايخالف الحكمة او اخبر الله عز و جل به نوعا و هم يرون ان عدم وقوع ذلك قبيح و ينافي الحكمة كما انك تعلم علما يقينيا ان الله سبحانه لايدخل نبيه النار و لايفني الجنة و ان الله لايكذب و لايفعل الا الاصلح و لايفعل فعل السفهاء و لايفعل القبيح و هكذا و لمتبلغ رتبة الازل و جميع ما في الخلق يحتمل فيه الوقوع و عدم الوقوع و لكن تعلم مما علمك الله كلية و جملا ان ذلك كذلك و كذلك هم صلوات الله عليهم يعلمون بما علمهم الله جملا بعض الامور انها تقع او لاتقع و لاتخالف الواقع و ذلك معني انهم يخبرون بان ذلك محتوم و لايقع فيه البداء هذا و ان الله سبحانه لايغير ما يغير بمقتضي ذاته تعالي و تقدس و انما يغير و يبدل بمقتضي ما في الامكان كما قال عز من قائل ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و هم سلام الله عليهم علة جميع الكاينات فلايكون فيه قابل و لا مقبول الا و هو شعاع نورهم فلايتغير شئ مما في الامكان عما كان الا بهم بكم سكنت السواكن و تحركت المتحركات فاذا عزموا صلوات الله عليهم ان يكون شئ كذلك و هو عزم الله و ارادته فلايحدث في القوابل ما يوجب التغيير و يتفق العلل و الاسباب علي كون ذلك الشئ فيقع حتما و لايقع فيه بداء و اعلم ان الاشياء اما لايجوز فيه البداء ابدا و اما يجوز و لايقع و اما يجوز و يقع فما اخبروا به علي وجه التحدي مما يجوز فيه [ص 113] البداء و لكن لايقع فيه البداء و لايكذب الله نبيه الذي هو لسانه فكما لايكذب و يقبح منه الكذب لايكذب نبيه و حجته فيقع لا محالة الا ان يكون اخبر علي غير جهة الحتم فيحتمل فيه البداء و ربما يقع بالجملة علي صلوات الله عليه هو صاحب اللوح المحفوظ اي النفس الكلية كما ان محمدا صلي الله عليه و آله هو صاحب القلم الجاري اي العقل الكلي و جميع ما خلقه الله عز و جل او سيخلقه فانما يجريه اولا بذلك القلم علي ذلك اللوح ثم يشرق من ذلك اللوح علي الالواح الجزئية التي هي جميعا شئون ذلك اللوح الاعظم المحفوظ و اولاده و وجوهه و اوراقه و سطوره و كلماته و حروفه و معني كونه محفوظا انه محفوظ ما اثبت فيه لايخرج منه قال الله عز و جل قال فما بال القرون الاولي قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و لكل ما ذكرناه اخبار و آيات قد تركنا ذكرها خوف الاطالة و لكن وضعنا في كلماتنا اشارات الي تلك الاخبار فمن كان متتبعا في الاخبار تنبه من تلك الاشارات الي اصول اخبارها و آثارها .
قال صلوات الله عليه يا سلمان و يا جندب و صار محمد يس و القرآن الحكيم و صار محمد ن و القلم و صار محمد طه ماانزلنا عليك القرآن لتشقي و صار محمد صاحب الدلالات و صرت انا صاحب المعجزات و الآيات و صار محمد خاتم النبيين و صرت انا خاتم الوصيين و انا الصراط المستقيم و انا النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون و لا احد اختلف الا في ولايتي و صار محمد صاحب الدعوة و صرت انا صاحب السيف .
اعلم ان الله عز و جل كما سمي نبيه صلي الله عليه و آله باسماء معروفة كمحمد و احمد و امثال ذلك سماه بصفات كالذكر و الرسول و الخاتم و امثال ذلك و كما سماه باسماء و صفات سماه بحروف مثل يس و طه و حم و ن و ص و امثال ذلك و لكل واحد وجه اما تسميته بيسۤ فقد روي عن ابيجعفر عليه السلام ان لرسول الله صلي الله عليه و آله عشرة اسماء خمسة في القرآن و خمسة ليست في القرآن فاما التي في القرآن فمحمد و احمد و عبدالله و يس و ن الخبر ، [ص 114] فهي اما من جهة ان س اسمه و يا حرف الندا و اما كلاهما اسم له فان اخذ يا حرف النداء و س اسمه فلاجل ان سين من بين الحروف اختص بمطابقة زبره مع بينته فان س له من العدد ستون و الياء و النون ايضا ستون و ذلك خصوصية لس ليس لساير الحروف و الزبر هو المسمي و الموصوف و البينات هي الاسم و الصفة فهو صلوات الله عليه و آله يطابق باطنه ظاهره و ظاهره باطنه و وجوده ماهيته و ماهيته وجوده لكمال الاتحاد الذي بينهما و كونهما اول ما خلق الله و لايوجد هذه المطابقة الا فيمن يقدر ان يقول انا محمد و محمد انا و هو مع ذلك قطب الحروف و وسطها يتقدمه اربعةعشر و يتأخر عنه اربعةعشر كما انه صلوات الله عليه و آله قطب جميع الحروف الكونية عليه يدور رحاها و لاجل ذلك صار قلب القرآن كما روي عن النبي صلي الله عليه و آله ان لكل شئ قلبا و قلب القرآن يس انتهي ، و قد وقع في النصف الآخر كما ان قلب الانسان وقع في الجانب الايسر و يمكن ان يقال ان يا و سين كليهما معاً اسم و يشهد بذلك قوله تعالي سلام علي آل يس يعني آلمحمد عليهم السلام و هما معاً قواهما سبعون و هو قوي كن و هو قطب الوجود و عليه يدور رحي ما في الغياب و الشهود فهو صلي الله عليه و آله محل مشية الله و وكر ارادته و مظهر امره فلاجل ذلك سمي بيس و اما القرآن الحكيم فهو علي عليه السلام لانه الكتاب الناطق الذي احصي كل شئ فيه كما قال و كل شئ احصيناه في امام مبين و اشار اليه في الباطن بقوله الرحمن علم القرآن اي علم عليا (ع) علم ما كان و ما يكون كما قال علمته علمي و علمني علمه ، و باطن قوله هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق و قال تعالي شأنه بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم و هو الذي اوتي العلم بكله و جميع افراده و القرآن مثبت في صدره بقلم ابداع الله جل جلاله فافهم و يس اي محمد قلب القرآن اي علي عليهما السلام لانه قلبه و اميره و قطبه يستمد منه و يطيعه في جميع حركاته .
و اما قوله صار محمد ن و القلم ، فقد اشرنا سابقا ان النون هو الدواة الاولي و الماء الذي خلقه الله قبل كل شئ ثم خلق منه كل شئ و هو مبدء كل حيوة و كل حي فقد سئل ابوعبدالله عليه السلام [ص 115] عن ن و القلم و ما يسطرون فقال في حديث طويل و اما ن كان نهرا في الجنة اشد بياضا من الثلج و احلي من العسل قال الله له كن مدادا فكان مدادا ثم اخذ شجرة فغرسها بيده ثم قال و اليد القوة و ليس بحيث تذهب اليه المشبهة ثم قال لها كوني قلما ثم قال له اكتب فقال يا رب و ما اكتب قال ما هو كاين الي يوم القيمة ففعل ذلك ثم ختم عليه و قال لاتنطقن الي يوم القيمة و عن سفيان بن سعيد عن الصادق عليه السلام في حديث فاما ن فهو نهر في الجنة قال الله له اجمد فجمد فصار مدادا ثم قال للقلم اكتب فسطر القلم في اللوح المحفوظ ما هو كائن الي يوم القيمة فالمداد مداد من نور و القلم قلم من نور و اللوح لوح من نور قال سفيان فقلت له يا بن رسول الله بين لي امر اللوح و القلم و المداد فضل بيان و علمني مما علمك الله فقال يا بن سعيد لولا انك اهل للجواب مااجبتك فن ملك يؤدي الي القلم و هو ملك و القلم يؤدي الي اللوح و هو ملك و اللوح يؤدي الي اسرافيل و اسرافيل يؤدي الي ميكائيل و ميكائيل يؤدي الي جبرئيل و جبرئيل يؤدي الي الانبياء و الرسل قال قال لي قم يا سفيان فلاآمن عليك انتهي ، فن هو رسول الله صلي الله عليه و آله لانه هو المداد الاول و الماء الاول النازل من سحاب المشية و هو الذي خلق الله الكاينات من نوره فمادة كل شئ من نوره صلوات الله عليه و آله كما اشرنا اليه قبل و نوره هو المتطور باطوار جميع الكاينات فالكل تمثلاته و ظهوراته ،
ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات
و انما عبر عنه بالنون لانه ظل ادني المشية المعبر عنها بكن الاتري ان كل نور من ظاهر منيره و ادني مراتبه يحكي ادني مراتبه فهو في هذا المقام ن قد ظهر المراتب الخمسة التوحيدية في جميع مراتب وجوده العشر فكان نونا هذا و النون هو الحوت المشتق من الحيوة و هو ذلك الماء الذي منه كل شئ حي و اما القلم المحلوف به فهو علي عليه السلام كما سئل ابوالحسن موسي عليه السلام عن قول الله ن و القلم و ما يسطرون قال فالنون اسم لرسول الله و القلم اسم لاميرالمؤمنين انتهي ، و هو المشار اليه بقوله اقرأ و ربك الاكرم الذي علم بالقلم [ص 116] علم الانسان ما لميعلم فالله جل جلاله علم الانسان باميرالمؤمنين عليه السلام ما لميعلم من امر التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فانه معلم الكل و لو لميجر القلم بما تعلم من ن علي لوح الكاينات لماعلم احد من المذرؤات شيئا فقوله عليه السلام فن ملك يؤدي الي القلم و هو ملك و القلم يؤدي الي اللوح و هو ملك ، فهذه الملائكة من الملائكة العالين الذين لميسجدوا لآدم و لا لاحد من خلق الله و ساير ملائكة الرحمن يتعلمون منهما و نسب الكلمتين في الآيتين الي محمد صلي الله عليه و آله من اجل انه محمد و محمد هو فصار محمد يس و القرآن الحكيم يعني في مقام الجمع مع ان يس هو محمد و القرآن هو علي عليهما السلام في مقام الفرق و كذلك صار محمد صلي الله عليه و آله ن و القلم و ما يسطرون في مقام الجمع و اما في مقام الفرق فن محمد و القلم علي عليهما السلام و كون علي عليه السلام قلما في هذا المقام مع انا قلنا ان القلم هو رسول الله و اللوح هو علي عليهما السلام لاينافي ما مر فان شيئا واحدا يكون له دلالة علي شئ بالنسبة الي شئ و دلالة علي شئ آخر بالنسبة الي شئ آخر الاتري ان شيئا واحدا يكون مثلا ذاتا بالنسبة الي ما دونه صفة بالنسبة الي ما فوقه فمن حيث الذاتية يكون له دلالة و من حيث الوصفية له دلالة و كذلك رجل واحد اب من جهة و ابن من جهة و من حيث الابوة له دلالة و من حيث البنوة له دلالة اخري فاذا اعتبرت القلم مع اللوح فالقلم آية محمد و اللوح آية علي و ان اعتبرت القلم مع النون فالنون آية محمد و القلم آية علي فافهم .
و اما قوله و صار محمد طه ماانزلنا عليك القرآن لتشقي ، فاعلم ان طا قواه تسعة و هي تمام الآحاد و مبادي الاعداد عليه يدور رحي جميع المراتب و كل الاعداد من تنزلاته و تنزلات تنزلاته و هكذا و الهاء هو تنزل الالف بعد حركته اليه و قواه خمسة و هي مع التسعة اربعةعشر و الهاء قطب التسعة عليه يدور رحاها و اذا ضرب الطا في الها حصل مه و اذا ضرب الطاء في نفسه حصل فا فاذا تطرفا الطا حصل فاطمة و هي مجمع الاربعةعشر و الطا بزبره و بينته عشرة و الها ستة فاذا ضرب العشرة في الستة حصل ستون [ص 117] و هو س كما مر انه اسم محمد صلي الله عليه و آله و اذا ضرب عشرة في خمسة حصل ن و هو ايضا اسم محمد صلي الله عليه و آله فعلي اي حال طه هو مجموع الاربعةعشر و هو محمد في مقام الجمع و قوله ماانزلنا عليك القرآن لتشقي هو علي عليه السلام انزله الله عليه لينعم لا ليشقي و يتعب لانه نعمة الله عليه و هو الكتاب الناطق الذي انزله الله علي محمد صلي الله عليه و آله الذي احصي الله كل شئ فيه كما قال و كل شئ احصيناه في امام مبين و هو ناصره و معينه و يده و سيفه و نعيمه و جنته و روحه و ريحانه .
و اما قوله و صار محمد صاحب الدلالات و صرت انا صاحب المعجزات و الآيات ، اعلم ان محمدا صلي الله عليه و آله هو الدليل في الخلق يدل علي الله و علي توحيده و صفاته و اسماۤئه و افعاله و عبادته و علي محابه و مساخطه و يدل علي الانبياء من قبله و علي الاوصياء من بعده و يدل علي الجنة و ما يقرب منها و علي اسباب دخول النار و ما يقرب منها و يدل علي الابرار و ولايتهم و يعرف الفجار و البراءة منهم و هكذا فهو صاحب الدلالات و اما كونه عليه السلام صاحب المعجزات و الآيات اما بحسب الظاهر فمعناه انه و ان لميكن صاحب الدلالات الابتدائية كما ان محمدا صلي الله عليه و آله كذلك بقوة ما جعل الله فيه من انواره و اودعه من اسمائه لكنه صاحب المعجزات و الآيات علم من اسماء الله ما يفعل به المعجزات و الآيات الباهرات ما يثبت حقيته لمن لميصله النصوص الواضحات و كذلك يثبت به صدق محمد صلي الله عليه و آله و الانبياء السابقين و الاوصياء اللاحقين و لك ان تقول ان محمدا صلي الله عليه و آله في عالم الظاهر هو الدليل يدل الي علي عليه السلام في الباطن و هو المدلول عليه و شواهد دلالته التي هي المعجزات و الآيات انا صاحبها و مجريها علي يديه فان الولاية الباطنة مقدمة علي النبوة الظاهرة و ان كانت النبوة الباطنة مقدمة علي الولاية الباطنة و النبوة الظاهرة مقدمة علي الولاية الظاهرة و انما مثلهما باطنين كالعرش و الكرسي و ظاهرين كالشمس و القمر فالشمس هي الدليل يدل علي ما خفي من امر العرش و الكرسي و لكن الكرسي هو صاحب انوار الشمس [ص 118] و بنوره و قوته تدل و تنير و تحكي ما وراءها فافهم و لك ان تقول ان محمدا صلي الله عليه و آله هو آية الذات لانه الذات الظاهرة و علي عليه السلام آية الصفات و الافعال لانه ظاهر محمد صلي الله عليه و آله و صفته و صورته فصار محمد صاحب الدلالات علي الذات بلا اقتران و صار علي عليه السلام صاحب المعجزات و الافعال و الصفات التي تعجز عنها المعلولات و هو غامض لغير الحكماء .
و اما قوله صار محمد خاتم النبيين و صرت انا خاتم الوصيين ، فالخاتم قيل بفتح التاء مأخوذ من حلي الاصبع و كان المراد به الزينة و خاتم النبيين اي زينتهم و الجوهر الذي به يتزينون و هو بعيد جدا عن الفصاحة فلعله سمي به لانه به ختم علي صحيفة النبوة بعد ما تمت و بكسر التاء اي آخرهم و هو الاولي الافصح فهو صلي الله عليه و آله آخر الانبياء لانه كان اولهم وجودا فصار آخرهم شهودا و تأخر ظهور المبدء الاول لان القوابل الخلقية لما استكملت و صارت قابلة لان يظهر عليها المبدء ظهر كما ان العقل في الانسان اول ما خلق و انما يظهر فيه بعد ما استكمل قابليته و صفت و اعتدلت فهو مقدم وجودا و مؤخر شهودا و كذلك لما كان محمد صلي الله عليه و آله اول ما خلق الله مقدما وجودا علي الكل تأخر ظهوره حتي يستكمل قوابل العالم و صارت قابلة لظهوره و تجلي نوره و لان البدء عودا يقع ختما فلاجل ذلك صار خاتما لجميع النبيين و كذلك علي عليه السلام صار خاتما للاوصياء الماضين لانه ايضا مقدم وجودا علي الكل و هو من نور محمد صلي الله عليه و آله و كان معه في سابق رتبته فظهر في آخر الاوصياء و ان قلت ان الائمة عليهم السلام هم اوصياء ايضا و هم جاؤا بعده فكيف هو خاتم الاوصياء قلت انهم جميعا نور واحد و طينة واحدة و من روح واحد و اولهم علي و آخرهم علي و كلهم علي صلوات الله علي جميعهم لا فرق بينهم و يحتمل ان يكون آخر الاوصياء في الكرة في الوقت المعلوم حيث يقاتل ابليس في الروحا و يمكن ان يكون هو آخر الاوصياء صعودا الي السماء عند قرب القيمة ثم بعده يصعد محمد صلي الله عليه و آله و يكون الهرج اربعين صباحا حتي ينفخ في الصور فهو خاتم الاوصياء بهذه المعاني [ص 119] علي ما ذكرنا .
و اما قوله و انا الصراط المستقيم ، اي المعهود في القرآن حيث يقول هذا صراط علي مستقيم و يقول اهدنا الصراط المستقيم او المعهود في السنة ان لله صراطا مستقيما او المراد جنس الصراط المستقيم الي كل خير فكل صراط و وسيلة الي كل خير هو هو كما يأتي و الصراط هو الطريق و فيه لغة بالسين و المستقيم المستوي الذي لا انحراف له و لا ميل الي جهة من الجهات المتطرفة عن المقصد كالعمود القائم علي الارض غير المائل الي جانب و الصراط المستقيم الطريق الممتد من عند السالك الي المقصد علي نحو الاستقامة فلاينحرف الي المضلات كما قال علي عليه السلام اليمين و الشمال مضلة و الطريق الوسطي هي الجادة ، و هو عليه السلام هو الصراط المستقيم الي الله سبحانه فان من توجه اليه رأي الله سبحانه ظاهرا في منتهي نظره كما قال عليه السلام جالسوا من يذكركم الله رؤيته و عن النبي صلي الله عليه و آله من رآني فقد رأي الحق ، كما ان طريق بلد هو الذي اذا واجهته رأيت ذلك البلد في منتهاه و ذلك لظهوره في مرآة ذلك الطريق و وقوع شبحه الذي لايصدر الا علي الاستقامة عليه فيري الناظر ذلك البلد اذا وقف في بطن الطريق متوجها الي منتهاه و كذلك هو عليه السلام صراط بين الله و بين خلقه فمن توجه اليه رأي انوار التوحيد ظاهرا من وجهه لانه عند الله عز و جل بمنزلة الزيت عند النار حيث عمل فيه النار حتي كلسته و بددت رطوباته و طردت برودته فبقي فيه الاجزاء الترابية و الاجزاء النارية المتقوية بالنار الواصلة اليها من الخارج مع قليل رطوبة فصعد بقوة النار دخان لطيف رقيق صيقلي متصل الاجزاء متشاكلها فعملت فيها النار و شددت عليها و كان شأن الدخان السواد للاجزاء الترابية عن ساير العناصر و اقتضاء البرودة و اليبوسة السواد و الانقباض و التراكم و الاستتار و تلك الرطوبة القليلة الباقية تقتضي بياضا من نفسها و سوادا في الاجزاء الترابية لضم بعضها الي بعض كما تري من انه يسود التراب اذا صب عليه ماء و كان شأن النار الانتشار و الانبساط و الانفتاح و الوضوح و البيان و تقتضي لونا بينا ظاهرا غاية الظهور فلما تركب لون النار [ص 120] و الماء و التراب حصل بينها الحمرة و لما كان يشوبه قليل رطوبة مال الي الصفرة و برق لصقالة الدخان و اقتضاء النار الوضوح فصار شعلة و لسنا بصدد بيانها فالنار الجوهرية الغيبية قد عملت في الدخان حتي اشعلته فاتخذته مظهرا لنفسها حتي اعطته اسمها و حدها فيسمي في عالم الظاهر بالنار فهي اي الشعلة النار الظاهرة او ظاهر النار و هي ممسوسة بالنار و اليه الاشارة بقوله يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار فالزيت ممسوس بالنار بالجملة الشعلة صراط مستقيم الي النار للانوار ليس صراط اقوم منها الي النار و لا اقرب اليها منها كيف لا و هي ممسوسة بها و هي ظاهرة منها لا من غيرها و ليست بالفعل الا فيها و لولاها ماعرفت النار و لارؤي ضوؤها و بريقها و التماعها البتة فمن عرف الشعلة عرف النار و من جهلها جهل النار و من تخلي عنها فقد تخلي عن النار و من توجه اليها فقد توجه الي النار و من اعرض عنها فقد اعرض عن النار و هي باب النار ترفع الانوار ايدي ضراعتها اليها و تشخص ابصار آمالها اليها و تقصد بخالص توجهها اليها حين ارادتها النار في الزيارة من اراد الله بدأ بكم و من وحده قبل عنكم و من قصده توجه بكم ، و لك ان تقول انه عليه السلام الصراط المستقيم الي محمد صلي الله عليه و آله فانه المشتعل بنوره صلوات الله عليه و آله اذ هو نفسه و انيته و ماهيته يقوم هو به قيام ظهور و تجل و هو صلي الله عليه و آله ظاهر به كما ظهر امره به و هو عليه السلام مخلص فيه متبع لامره هاد اليه داع اليه فهو عليه السلام الصراط المستقيم الي محمد صلي الله عليه و آله متبع له في جميع اقواله و افعاله لايتبع الظنون و الاهواء و الآراء في دين الله جل جلاله و لايشير الي غيره و لايدعو الي سواه و كذلك هو سبيل الله الي خلقه في خلقه يعني ان الله سبحانه يجري به و علي يديه جميع ما يريد ان يجري الي خلقه من معرفة توحيده و اسمائه و صفاته و افعاله و محابه و مساخطه و امداده و فيوضه الكونية و الشرعية فلايصل الي احد من اهل العالمَين شئ الا بهم صلوات الله عليهم فهو صلي الله عليه الصراط المستقيم من الله الي خلقه و من الخلق الي الله جل و عز .
و اما قوله و انا النبأ [ص 121] العظيم الذي هم فيه مختلفون و لا احد اختلف الا في ولايتي ، اعلم انه عليه السلام هو نبأ الله الذي نبأ خلقه به فنبأ الله به خلقه عن وحدة ذاته و واحديته في صفاته و واحديته في افعاله و واحديته في عبادته و نبأ به عن اسمائه و صفاته و افعاله و انواره جميعا و نبأ به عن ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و نبأ به عن مراضيه و مساخطه و نبأ به عن انبيائه المرسلين و غير المرسلين و عن علومهم و حكمهم و اسرارهم جملا و مفصلا و هكذا و لنعم ما قال الشاعر :
لو جئته لرأيت الناس في رجل و الدهر في ساعة و الارض في دار
فلا نبأ لله عز و جل اعظم منه بل هو النبأ الذي نبأ الله به محمدا (ص) في المقام الظاهر الشمسي فهو نبي لانه نبي بهذا النبأ و لميعرف حقيقة هذا النبأ علي ما هو عليه الا محمد صلي الله عليه و آله قال يا علي ماعرفك الا الله و انا ، و اما ساير الناس فقد اختلفوا في هذا النبأ فمنهم من عرفه حق معرفته و منهم من عرفه منحرفا عن حق معرفته الي جهات لاتحصي و منهم من لميعرفه و من لميجعل الله له نورا فما له من نور بل لميختلف احد في شئ مع احد الا و كان الاختلاف في ولاية علي عليه السلام و ذلك ان الخلق الاول الذي هو علة العلل مركب من جهتين جهة الي ربه و جهة الي نفسه فخلق من جهته الاولي برزخ البرازخ و الواسطة الكبري بين الله و بين خلقه و ليس قولي انه خلق من الجهة الاولي انه خلق منها وحدها فان الله لميخلق شيئا فردا قائما بذاته بل خلق من الجهتين و الجهة الاولي فيه غالبة كما انه خلق الذكر و الانثي كلاهما من العقل و النفس و العقل في الذكر غالب فيه منه جزءان و من النفس جزء و النفس في الانثي غالبة و فيها منها جزءان و من العقل جزء فخلق من الجهة الاولي نور محمد صلي الله عليه و آله و فيه من الجهة الثانية مسحة و خلق من الجهة الثانية نور علي عليه السلام و فيه من الجهة الاولي مسحة فالولي نفس النبي و انزل الله بذلك قرآنا و قال و انفسنا و انفسكم و قال ماكان لاهل المدينة و من حولهم من الاعراب ان يتخلفوا عن رسول الله و [ص 122] لايرغبوا بانفسهم عن نفسه و هو ظاهره و صورته و محمد صلي الله عليه و آله باطنه و معناه و غيبه و هذان الوجودان الكاملان في مقام الوحدة علة الكاينات و منير الموجودات قد افيض من الوجود المحمدي مادة الكل و جهة اتحاده و افيض من الوجود العلوي صورة الكل و جهة تمايزه و اليهما الاشارة بقوله عليه السلام ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته ، فنوره هو نور محمد صلي الله عليه و آله و جهة وحدة الكل لانه مدخول من و رحمته هو نور علي عليه السلام حيث قال كتب علي نفسه الرحمة و هو نفس الله القائمة فيه بالسنن و رحمة الله علي الابرار بالجملة الرحمة المكتوبة هي علي عليه السلام و ان الله صبغ المؤمنين في ولاية علي عليه السلام فالمؤمن اخو المؤمن ابوه النور و امه الرحمة فابوهم نور محمد صلي الله عليه و آله و امهم الرحمة نور علي عليه السلام فصح انا و علي ابوا هذه الامة فمحمد ابوهم لان منه المادة و علي نفس رسول الله و خلق لكم من انفسكم ازواجا و الطيبات للطيبين فعلي ام المؤمنين و قال تعالي يصوركم في الارحام كيف يشاء فلا اختلاف في مقام المادة و انما جميع الاختلاف في الصورة ففي الارحام يتميز الذكورة و الانوثة و الحسن و القبح و غيرها و جميع اختلاف اهل العالم في صورهم لا في موادهم و الصور من علي عليه السلام و لذلك روي ليس الاختلاف في الله و لا في و انما الاختلاف فيك يا علي ، نعم من الناس من صبغ في باطن الولاية و هو الرحمة علي الابرار و منهم من صبغ في ظاهر الولاية و هو النقمة علي الفجار و ذلك انه السور الذي ضرب بين الناس له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب اذ هو الباب المبتلي به الناس من اتاه فقد نجي و من لميأته فقد هلك فالناجي ناج به و الهالك هالك عليه و هو البينة التي كان رسول الله علي بينة من ربه ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة بالجملة علي عليه السلام هو اصل الصور جميعا و اصل جميع الاختلافات فمااختلف جميع الكاينات الا في الصورة المفاضة منه عليه السلام و تلك الصورة المفاضة ان لميغيرها مغير من القوابل ظهرت علي وفق صورة العلة علي ما هي عليه و ان [ص 123] غيرها مغير ظهرت علي حسب القابلية المغيرة فالصورة المتغيرة هي المنكرة للعلة و علي خلاف كينونته ينكرها و يتبرأ منها و هي صورة خارج الباب و الصورة المبغوضة للعلة الساكنة في دار غضبه و هي سجين و ان كان قوامها بشبح العلة المنفصل و الصورة غير المغيرة هي الموافقة لشبح العلة المنفصل و هي المحبوبة للعلة الساكنة في دار حبه و هي عليون و هذه الصورة هي ولاية الولي المفاضة علي الكائنات لانها هي التي عندهم من الولي و ما افيض عليهم من ذكر الولي و النسبة بينه و بينهم فبها يحبونه و يحبهم و علي حسب اختلاف مراتب الموافقة اختلافهم في المحبة و الولاية فافهم و نحن و ان لمنستقص المسألة بتطويل ذيل الكلام لكنا وضعنا في هذا المختصر كل شئ تريد علي نحو الاشارة و العاقل تكفيه و الجاهل آلافها لاتغنيه بالجملة فعلي عليه السلام هو النبأ الذي نبأ الله سبحانه به خلقه منه فاختلفوا فمنهم من آمن و منهم كفر فكل من اختلف في التوحيد او الرسالة او الامامة او المعاد او شئ من الحكم او الفروع او الحقايق او غيرها فقد اختلفوا في الولي و لك ان تسميه النبأ لان رسول الله صلي الله عليه و آله نبأ به امته و رعيته عن الله سبحانه و اخبرهم بان الله سبحانه نصبه خليفة له بعده او هو جميع ما انبأ النبي صلي الله عليه و آله امته و رعيته كما قال انا صلوة المؤمنين و صيامهم و كما في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه ، فهو جميع ما بعث به رسول الله صلي الله عليه و آله و جاء به فمن اقر به فقد اقر بما جاء به النبي و من انكره فقد انكر جميع ما جاء به النبي و لذلك قال الله عز و جل يا ايها الرسول بلغ ما انزل اليك من ربك و ان لمتفعل فمابلغت رسالته فناط عدم تبليغ الرسالة بعدم ابلاغ الولاية فكأنه اذا لميبلغ الولاية لميبلغ الرسالة مطلقا فهو ما جاء به الرسول و انبأ به و انما اختلفت الامة الي ثلث و سبعين فرقة فيما جاء به النبي و في دينه و كل يستدل بقوله و يستند الي حديثه و الفرقة الناجية من اخذ بجميع ما جاء به النبي صلي الله عليه و آله و هو هو فافهم .
و اما قوله صلي الله عليه و صار محمد صاحب الدعوة و صرت انا [ص 124] صاحب السيف ، فمحمد صاحب الدعوة لان الله سبحانه امره بذلك و قال ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة فقال ادعو الي الله علي بصيرة انا و من اتبعن فهو داعي الخلق الي الله سبحانه بنار التكليف و جاذبهم اليه بقوة الحرارة التي له من اثر المشية التي هي الحركة الايجادية فلما طرح انواره الجاذبة اليه علي عرصات الامكان و كانت حارة بحرارة المشية التي هي عالم احببت ان اعرف دعا القوابل بجذبه الي الله سبحانه فاختلفت القوابل في الانجذاب فساع سريع نجا و متأخر بطيء رجا و مقصر في النار هوي فمن كان من القوابل لطيفا خفيفا صافيا انفعل و انجذب و صعد و من كان قابلا للصعود و كان له عارض تبطأ الي زوال العارض و من كان كثيفا غليظا غير منفعل لميجب و لمينجذب و في اثناء هذه المقامات درجات لاتحصي فلاجل ذلك صار محمد صلي الله عليه و آله صاحب الدعوة و البينات و الزبر و الحجج علي دعوته ما يكفي العباد و يكتفي به كل احد ما لميكن من اهل العناد و قد دعا صلوات الله عليه و آله اهل جميع العوالم بكتابه المنزل و شرعه المفصل كما قال الله تعالي تبارك الذي نزل الفرقان علي عبده ليكون للعالمين نذيرا و دعا كل شئ بلسانه فانه الرسول الي الكل و الله يقول و ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه فدعا كل شئ بلسانه الي الله سبحانه و الي شرعه كما قال الله عز و جل كل قد علم صلوته و تسبيحه و قال و ان من شئ الا يسبح بحمده و لكن لاتفقهون تسبيحهم و دعوته صلوات الله عليه و آله دعوتان دعوة جوانية في كينونات الاشياء حيث خلقت من نوره فدعا القوابل الامكانية بالسنة وجوداتها و كينوناتها فاجابت بانفعالاتها و امتثالاتها و هو قوله سبحانه انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و دعوة برانية و هي علي نوعين برانية كونية و هي ما يلقي من سموات كل رتبة التي هي مجالي افعاله و ايدي تدبيره علي ارضي كل رتبة من الانوار للتكميل و استخراج ما في كوامنها فمنها ما اجابت و اسرعت و منها ما اجابت و ابطأت و منها ما لميجب و جميع ذلك دعوته فان الله عز و جل اذا اراد شيئا القاه الي روح القدس و هو عقله صلي الله عليه و آله [ص 125] فالقاه الي النجوم و جرت به كما روي عن ابيعبدالله عليه السلام ان الله تبارك و تعالي خلق روح القدس و لميخلق خلقا اقرب اليه منها و ليست باكرم خلقه عليه فاذا اراد امراً القاه اليها فالقاه الي النجوم فجرت به ، هذا و هو حيوة الكل به تحركت المتحركات و سكنت السواكن فلا فعل للسموات في الارضين الا به و هو دعوته و برانية شرعية و هو بدعوته الفصلية الظاهرة حيث دعا العباد بعد ما ظهر لهم بالبشرية المعروفة و اظهر لهم خفايا التوحيد و اسرار التفريد و ابدي لهم الشرايع و الاحكام و الحلال و الحرام و مصالح الانام فدعاهم الي الله عز و جل و الايمان به و اليوم الآخر و الي رسالته و شريعته و ولاية اولياء الله و البراءة من اعداء الله فهذا هو دعوته الظاهرة الي الله عز و جل و اتي صلي الله عليه و آله علي اثبات دعوته بالبينات الواضحات حتي ماابقي لذي مقال مقالا و اما قوله و انا صاحب السيف ، اي السيف الذي جاء به محمد صلي الله عليه و آله و بعث به و ذلك خمسة سيوف ثلثة منها شاهرة فلاتغمد حتي تضع الحرب اوزارها و لنتضع الحرب اوزارها حتي تطلع الشمس من مغربها فاذا طلع الشمس من مغربها امن الناس كلهم في ذلك اليوم فيومئذ لاينفع نفسا ايمانها لمتكن آمنت من قبل او كسبت في ايمانها خيرا و سيف منها مكفوف و سيف منها مغمود حكمه اليهم صلوات الله عليهم و سله الي غيرهم فاما السيوف الثلثة المشهورة فسيف علي مشركي العرب قال الله عز و جل اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم و خذوهم و احصروهم و اقعدوا لهم كل مرصد الآية ، فهؤلاء لايقبل منهم الا القتل او الدخول في الاسلام و السيف الثاني علي اهل الذمة قال الله تعالي قاتلوا الذين لايؤمنون بالله و اليوم الآخر و لايحرمون ما حرم الله و رسوله و لايدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتي يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون و السيف الثالث سيف علي مشركي العجم يعني الترك و الديلم و الخزر قال الله عز و جل فضرب الرقاب حتي اذا اثخنتموهم فشدوا الوثاق فاما منا بعد و اما فداء حتي تضع الحرب اوزارها و اما السيف المكفوف فسيف علي اهل البغي و التأويل قال الله عز و جل و ان طائفتان [ص 126] من المؤمنين اقتتلوا فاصلحوا بينهما فان بغت احداهما علي الاخري فقاتلوا التي تبغي حتي تفيء الي امر الله و اما السيف المغمود فالسيف الذي يقوم به القصاص قال الله عز و جل النفس بالنفس فسله الي اولياء المقتول و حكمه الي آلمحمد عليهم السلام فهذه السيوف التي بعث بها محمد صلي الله عليه و آله و اميرها و عمادها و قوامها و شاهرها و ضاربها و المقاتل بها علي يدي من كان هو علي عليه السلام في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اوله و اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه ، فاينما شهر سيف في سبيل الله و ضرب به و قوتل به فمحركه و صاحبه علي عليه السلام و ذلك ان السيف لازالة الاعداء و دفع الاخابث و تطهير الارض و هو في مقام يذكر فيه الاعداء المنافرون المتباينون و ذلك في مقام الصورة لا المادة فولاية الاولياء و التأليف و الاتحاد و الدعوة و الضم راجع الي محمد صلي الله عليه و آله و البراءة من الاعداء و التفريق و التمييز و القطع و الفصل راجع الي علي عليه السلام فلذلك صار محمد صلي الله عليه و آله صاحب الدعوة و صار علي عليه السلام صاحب السيف .
قال صلي الله عليه و صار محمد نبيا مرسلا و صرت انا صاحب امر النبي صلي الله عليه و آله قال الله عز و جل يلقي الروح من امره علي من يشاء من عباده و هو روح الله لايعطيه و لايلقي هذا الروح الا علي ملك مقرب او نبي مرسل او وصي منتجب فمن اعطاه الله هذا الروح فقد ابانه من الناس و فوض اليه القدرة و احيي الموتي و علم بها ما كان و ما يكون و سار من المشرق الي المغرب و من المغرب الي المشرق في لحظة عين و علم ما في الضماير و القلوب و علم ما في السموات و الارض .
اعلم ان الروح خلق من خلق الله اعظم من جميع الملائكة و اقرب الي الله تعالي من جميعهم و هو الحيوة السارية فيهم به يتحركون و به ينزلون و يصعدون و به يسبحون و به يعملون اعمالا وكلوا بها كما قال الله عز و جل ينزل الملائكة بالروح من امره و هذا الروح مخلوق من امر الله المفعولي كما قال الله عز و جل يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي يعني مادته امر الله المفعولي [ص 127] المشار اليه في قوله و كان امر الله مفعولا و امر الله المفعولي هو اول نور صدر من امر الله الفعلي المشار اليه بقوله له الخلق و الامر فالله سبحانه خلق امره الاول بنفسه لا بامر سابق اذ لا سابق عليه و لا بذاته اذ لا تنقلب الذات عما هي عليه فلما اكمل خلقه اشرق منه نور هو علي صفته و هيأته و مثاله فهو امر الله المفعولي ثم اخذ من هذا النور و خلق منه الروح و هو المشار اليه بقوله اوحينا اليك روحا من امرنا فهذا هو الروح من امر الله و هذا الروح اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش ليس لله عز و جل خلق اعظم منه قد ملأ بجثته الشريفة جميع العوالم الخلقية بحيث لميخل منه موضع خردلة و هو حيوة الكل و علة العلل و وسط الكل و المحيط بالاشياء من جميع جهاتها عالم بما مضي و ما سيأتي من الازمان و الدهور الملكوتية لايخفي عليه شئ في السموات و الارض و لايعجزه شئ و نسبته الي الف الف عالم علي حد سواء و قد خص الله محمدا و آلمحمد عليهم السلام بتأييد هذا الروح و هو معهم اينما كانوا و قد انزله الله علي محمد صلي الله عليه و آله ثم لميصعد و لايصعد الا قبيل القيمة حين يصعد محمد و آلمحمد عليهم السلام عن الارض و يبقي اهل الارض في هرج و مرج فهو معهم سلام الله عليهم يعلمون به ما كان و ما يكون الي يوم القيمة و يقدرون به علي ما يشاؤن و هو لايلهو و لايسهو و لايخطي و لايزل و لميكن بكليته مع احد من الانبياء و انما كان بوجوهه و رؤسه معهم يسددهم علي النبوة و هو قوله في عيسي عليه السلام و ايدناه بروح القدس و قد عبروا صلوات الله عليهم عن هذا الروح بتعبيرات عديدة كالعمود من نور و نور انا انزلناه في ليلة القدر و روح النبوة و روح القدس و الروح من امر الله و امثال ذلك و قد يفرق بين روح القدس و الروح من امر الله فيراد بالروح من امر الله الروح الملكوتي الذي هو تنزل العقل و هو حقيقة الانبياء و هو قوله رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من امره علي من يشاء من عباده ، فعن الرضا عليه السلام ان الله عز و جل ايدنا بروح منه مقدسة مطهرة ليست بملك لمتكن مع احد ممن مضي الا مع رسول الله صلي الله عليه و آله [ص 128] و هي مع الائمة منا تسددهم و توفقهم و هو عمود من نور بيننا و بين الله عز و جل الخبر ، و في رواية عن ابيعبدالله عليه السلام انا انزلناه نور عند الانبياء و الاوصياء لايريدون حاجة من السماء و لا من الارض الا ذكروها لذلك النور فاتاهم بها الخبر ، و عن المفضل بن عمر قال قلت لابيعبدالله عليه السلام سألته عن علم الامام بما في اقطار الارض و هو في بيته مرخي عليه ستره فقال يا مفضل ان الله تبارك و تعالي جعل للنبي صلي الله عليه و آله خمسة ارواح روح الحيوة فبه دب و درج و روح القوة فبه نهض و جاهد و روح الشهوة فبه اكل و شرب و اتي النساء من الحلال و روح الايمان فبه امر و عدل و روح القدس فبه حمل النبوة فاذا قبض النبي انتقل روح القدس فصار في الامام و روح القدس لاينام و لايغفل و لايلهو و لايسهو و الاربعة الارواح تنام و تلهو و تغفل و تسهو و روح القدس ثابت يري به ما في شرق الارض و غربها و برها و بحرها قلت جعلت فداك يتناول الامام ما ببغداد بيده قال نعم و ما دون العرش و قال عليه السلام ان الروح خلق اعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول الله صلي الله عليه و آله يسدده و يرشده و هو مع الاوصياء من بعده و قال في قوله و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ملك منذ انزل الله ذلك الملك لميصعد الي السماء كان مع رسول الله و هو مع الائمة يسددهم و سئل عن قوله عز و جل يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي قال خلق اعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول الله صلي الله عليه و آله و هو مع الائمة و هو من الملكوت و قال في حديث انما الروح خلق من خلقه له بصر و قوة و تأييد يجعله الله في قلوب الرسل و المؤمنين و قال ان الله تبارك و تعالي خلق روح القدس و لميخلق خلقا اقرب اليه منها و ليست باكرم خلقه عليه فاذا اراد امرا القاه اليها فالقاه الي النجوم فجرت به و قال في حديث فاذا مضي ذلك الامام الذي قبله رفع لهذا منار يبصر به اعمال العباد فلذلك يحتج به علي خلقه و قال ابوجعفر عليه السلام في حديث فاذا هو تكلم اي الامام رفع الله له عمودا يشرف به علي الارض يعلم به اعمالهم و قال ابوعبدالله (ع) في حديث في الامام [ص 129] و جعل له مصباح من نور يعرف به الضمير و يري به اعمال العباد و قال في رواية فاذا سقط من بطن امه اوتي الحكمة و جعل له مصباح يري به اعمالهم ، الي غير ذلك من الاخبار و المراد بالجميع هو ذلك الروح الملكوتي الذي خلقه الله اول شئ و هو من امر الله مادته امر الله المفعولي و صورته المعنوية الكلية مكانه الجبروت عظمته تسع الف الف عالم و ما من ملك الا و هو صادر من امره متحرك باذنه عامل بتأييده عالم بتعليمه و يسمي باسم العقل ايضا اذ هو عقل الكل و هو عقلهم صلوات الله عليهم و هو اقرب الخلق الي الله عز و جل و ليس باكرمهم عليه فانه بعضهم و روحهم و الكل اكرم من البعض قال العسكري عليه السلام ان روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ، و هي باكورة الوجود لمتذق قبل فاول من ذاقها هو روح القدس فاذا عرفت ذلك فاعلم انه صلوات الله عليه قال صار محمد نبيا مرسلا ، فالنبي فعيل من النبأ و هو المخبر عن الله تعالي كما في القاموس و المرسل من الارسال بمعني التوجيه يقال ارسله اي وجهه اليه فالمرسل من وجهه الله الي خلقه و امره بالتوجه اليهم و سئل ابوجعفر عليه السلام عن قول الله عز و جل و كان رسولا نبيا ما الرسول و ما النبي قال النبي الذي يري في منامه و يسمع الصوت و لايعاين الملك و الرسول الذي يسمع الصوت و يري في المنام و يعاين الملك قيل الامام ما منزلته قال يسمع الصوت و لايري و لايعاين الملك ثم تلا هذه الآية و ماارسلنا من قبلك من رسول و لا نبي و لا محدث انتهي ، فالرسول الذي يعاين الملك بالوحي في اليقظة و يحدثه و يسمع صوته و كذلك في المنام يعاين الملك و يسمع صوته و اما النبي فهو لايري الملك في اليقظة بوحي تأسيسي و يسمع صوت الملك و اما بغير الوحي التأسيسي فلربما يري و كذلك الائمة عليهم السلام فانهم كانوا يرون الملك و يرون شيعتهم و لربما يري شيعتهم الملك فكيف بهم صلوات الله عليهم و اذا كان شيعتهم يرون فكيف الانبياء و هم اجل الشيعة و اعظمهم بالجملة صار محمد نبيا متصفا بصفة الانبياء قبل البعثة و متصفا بصفة الرسل بعد البعثة و اوحي اليه الروح من امر الله كما قال الله [ص 130] عز و جل و كذلك اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و لكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا و قد مر صفة الروح من امر الله و اما علي عليه السلام فهو ليس بنبي و لا برسولٍ و لكن هو صاحب امر النبي اي صاحب الروح من امر الله كان فيه وجودا في زمان النبي صلي الله عليه و آله و انتقل اليه بالحكم و التصرف بعد وفاة النبي صلي الله عليه و آله فلاجل ذلك قال و صرت انا صاحب امر النبي صلي الله عليه و آله و استشهد بآية الروح .
و اما قوله لايعطيه و لايلقي هذا الروح الا علي ملك مقرب او نبي مرسل او وصي منتجب ، الظاهر ان المراد منه العطاء و الالقاء لاجل التصرف و الحكم فذلك لايحصل الا لملك مقرب ذو تصرف في الاشياء او نبي مرسل ذو معجز او وصي ذو معجز و اما بغير هذا الوجه فيؤيد غير هؤلاء ايضا بروح القدس كما قال ابوعبدالله عليه السلام ما قال فينا قائل بيت شعر حتي يؤيد بروح القدس و قال ابوجعفر عليه السلام للكميت بن زيد لاتزال مؤيدا بروح القدس ما دمت تقول فينا ، لكن هنا دقيقة و هي ان روح القدس روح كلي تحته ارواح جزئية عديدة و يسمي جميعها بروح القدس من باب الحقيقة بعد الحقيقة كما يسمي الشمس في السماء بالشمس و نورها علي الارض و في المرايا بالشمس فالروح الكلي لايؤيد به الا محمد و آلمحمد عليهم السلام و لايتحمله احد غيرهم و اما غيرهم من الانبياء فانهم يؤيدون برأس من رؤسه و ساير المؤمنين يؤيدون بوجه من وجوهه و لايعمل عامل عمل خير الا اذا ايد بروح القدس فانه اصل كل خير و مبدأه .
و اما قوله فمن اعطاه الله هذا الروح فقد ابانه من الناس و فوض اليه القدرة الي آخر الكلام ، فالمراد ان من اعطي هذا الروح فقد فضله الله علي غيره و فوض اليه القدرة فلان هذا الروح هو اول صادر من مشية الله و اشبه شئ بها و احكي شئ لها و انسب شئ اليها فمن باب ان الاثر يكون علي صفة مؤثره يكون ذلك الروح علي صفة مشية الله من القدرة و الحكمة و العلم و الحيوة و السلطنة و الدوام و الاستعلاء و القهر و غير ذلك فمن اوتيه استحق جميع هذه الصفات و صدر منه آثارها كما اذا حصل في جسد روح [ص 131] الحيوان فبمحض ولوجه في الجسد يصير بصيراً سميعاً ذائقا شاماً لامساً متحركاً مدركا مريداً و لايحتاج في ابداء تلك الآثار الي تكسب و رياضة و كلفة بل تصير جبلة له و كذلك روح القدس اذا تعلق ببشر تكون صفات الله و اخلاقه سجيته و جبلته تتأتي منه من غير كلفة و لايحتاج في ابدائها الي رياضة و مشقة ثم اختلاف الآثار علي حسب اختلاف القابل و المقبول فان كان القابل لا كدورة فيه و الروح المتعلق روح كلي يظهر منه الآثار العظيمة الكلية مما سمعت و ان كان الروح من الارواح الجزئية و القابلية كدرة حاجبة في الجملة يظهر منها الآثار علي حسبهما فلربما ينتهي الامر الي انه لايظهر من القابل الا عمل خير واحد كانشاد شعر واحد و لايكون ذلك الا بتأييد روح القدس الا ان الروح وجه من وجوه الروح الكلي و القابلية لا صفاء لها الا من وجه واحد و حيث واحد و من ساير الوجوه حاجبة فاذا كل مؤمن ينطق بكلمة حق هو من تأييد روح القدس و بذلك هو اصل كل خير و اما محمد و آلمحمد عليهم السلام الذين مرايا قوابلهم صافية معتدلة مستقيمة من كل جهة و حيث و الروح المتعلق بهم هو الروح الكلي فلايعجزهم شئ في السموات و لا في الارض و لنعم ما قال ابن ابيالحديد :
تقيلت افعال الربوبية التي عذرت بها من شك انك مربوب
فقوله فوض اليه القدرة ، ليس معناه ان الله يفوض اليه القدرة ثم لايكون قادرا او لايفعل فعلا بعد ذلك و الكل فعلهم بل القدرة قدرة الله و الفعل فعل الله جل و عز الا انها تظهر علي ايديهم و تظهر بارادتهم التابعة لارادة الله جل و عز كما قال الحسين عليه السلام في دعاء له اللهم منك البدء و لك المشية و لك الحول و لك القوة و انت الله الذي لا اله الا انت جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و جعلت عقولهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به عنك في عقودهم بعقول تدعوك و تدعو اليك بحقايق ما منحتهم الدعاء ، و ذلك هو التفويض الحق و ذلك ان التفويض [ص 132] تفويضان تفويض هو شرك بالله عز و جل و هو ان يكل الامر الي غيره و يرفع يده عنه فلايفعل هو شيئا و يكون الفعل لذلك الغير فذلك شرك و هو قول القدرية الذين هم مجوس هذه الامة و تفويض هو عين ايمان كما قال عليه السلام خلقنا الله من نور ذاته و فوض الينا امور عباده انتهي ، فاذا قيل ان الله فوض امر ملك الي سلطان فليس معناه ان الله فوض اليه امره و رفع يده عنه بل هو المالك لما ملكه و القادر علي ما اقدره عليه و المتصرف فيما فوض اليه اذ الرب اولي بالعبد من نفس العبد و اقرب اليه منه و اشد اطلاعا عليه منه و هذا هو التفويض الحق فالمعني ان الله سبحانه اظهر ما اراد اظهاره لهم بهم و بهم لغيرهم و هذا هو تفويض الايمان الذي هو من ناصع التوحيد و خالص التفريد .