و اما سر بعث ابي‌بكر اولا ثم رجعه و ارسال علي عليه السلام فليعلم ان الامور ليس بيده و انما الاختيار بيد الله جل و عز كما قال الله يخلق ما يشاء و يختار ماكان لهم الخيرة من امرهم و قال و ماكان لمؤمن و لا مؤمنة اذا قضي الله و رسوله امرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم و لو بعث اولا عليا عليه السلام فلربما قال قائل لو بعث غيره ايضا لكان مرضيا و انما اختاره لقرابته و لان يكون هذا الفخر و الفضل له فبعث شيخهم و اكملهم في اعينهم ثم نزل الوحي بعزله و رجعه و ليعلموا ان هذا الذي يزعمونه افضل اصحاب محمد صلي الله عليه و آله لايصلح لذلك فما ظنكم بالباقين الذين هم مفضولون باعترافكم و لان الله جل جلاله اوحي الي ابرهيم و خليفته اسمعيل ان طهرا بيتي للطائفين و القائمين و الركع السجود فاراد اظهار ان عليا عليه السلام [ص 89] هو خليفة محمد صلي الله عليه و آله و هما اللذان يطهران البيت من ارجاس المشركين و يمنعانهم عن قرب المسجد الحرام كما نظفا البيت عن ارجاس الاوثان و اهبطا الاوثان عن بيت الله اشارة الي ذلك و قوله عليه السلام من لايصلح لحمل صحيفة يؤديها عن رسول الله صلي الله عليه و آله كيف يصلح للامامة الخبر ، فمن اشارات هذه القضية ان الذي لايصلح لحمل عشر آيات و تفصيلها و شرحها و قراءتها علي الناس كيف يصلح لشرح جميع القرآن علي الامة و حل رموزها و بيان احكامها و من لايصلح لاجراء حكم واحد من الله و رسوله بين الرعية كيف يصلح لاجراء جميع احكام الله و احكام رسوله الي الامة جميعهم و من لايصلح لسياسة امر واحد من المشركين و طردهم عن حول البيت كيف يصلح لسياسة المدن و منع الثغور و اصلاح الناس جميعا فبهذا الامر و العزل اشار صلوات الله عليه و آله الي انه ليس بقابل للخلافة و الامامة و انه ليس من رسول الله صلي الله عليه و آله حيث قال جبرئيل له انه لايؤدي عنك الا رجل منك و اشار الي ان للباطل جولة و للحق دولة و الي قوله تعالي بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و الي قوله جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا .

قال عليه السلام يا سلمان و يا جندب فانا و رسول الله صلي الله عليه و آله كنا نورا واحدا صار رسول الله صلي الله عليه و آله محمدا المصطفي و صرت انا وصيه المرتضي و صار محمد الناطق و صرت انا الصامت و انه لا بد في كل عصر من الاعصار ان يكون فيه ناطق و صامت يا سلمان صار محمد المنذر و صرت انا الهادي و ذلك قوله عز و جل انما انت منذر و لكل قوم هاد فرسول الله صلي الله عليه و آله المنذر و انا الهادي الله يعلم ما تحمل كل انثي و ما تغيض الارحام و ما تزداد و كل شئ عنده بمقدار عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال سواء منكم من اسر القول و من جهر به و من هو مستخف بالليل و سارب بالنهار له معقبات من بين يديه و من خلفه يحفظونه من امر الله .

اعلم بعد ما عرفت ان اول ما خلق الله هو محمد صلي الله عليه و آله باتفاق [ص 90] المسلمين و ان عليا عليه السلام نفسه بنص الكتاب و اتفاق الامة و انه متبعه و منه فهما النور الذي خلق اول مرة كما قدمناه ان له جهتين جهة الي ربه و هي جهة السفارة و البرزخية الكبري و الرسالة و الاخذ عن الرب المؤدي الي العبد و جهة الي نفسه و هي جهة عبوديته التي يصاب فيها ما خفي في الربوبية عن مشاعر الخلق فهي ظهورها و شهودها و ترجمانها و لسان صدقها المعبر عنها فتجلي جهة ربه بالمحمدية و جهة نفسه بالعلوية و تجلي جهة الرب بالنبوة عن الله جل جلاله و تجلي جهة نفسه بالوصاية و الامامة و لقب جهة الرب بالمصطفي لانه اصطفاها من بين خلقه و اختارها علي جميع ما ذرأ و ما برأ و اتخذها صافي جميع ما خلق و ازال عنه الاوساخ و الاكدار و نفض عنه الغبار و لقب جهة النفس بالمرتضي لانها نفس مطمئنة راضية مرضية لمحمد صلي الله عليه و آله و لله عز و جل فارتضاها الله سبحانه لنفسه نفسا و لمحمد صلي الله عليه و آله و ارتضاها مؤدياً عنه و عن محمد صلي الله عليه و آله و مفسراً لكتابه و شارحاً مبينا لدينه و به اشار الي قوله تعالي عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول فالمرتضي من الرسول هو علي عليه السلام .

و اما قوله صار محمد الناطق الي قوله و صامت ، اعلم ان الله جل جلاله حكيم و الحكيم لايفعل العبث فلو كان خلقه الخلق لا لغاية كان عبثا و لغوا و هو محال صدوره عن الحكيم و غاية الخلق ما كانت مقدمة عليه وجودا و مؤخرة عنه شهودا و المتقدم علي جميع الكاينات كائنة ما كانت و بالغة ما بلغت هو التجلي الاعظم و الظهور الاكرم و النور الاول و جمال الازل جل و عز و هو جهة معرفته سبحانه التي بها عرف نفسه فلو كان الخلق طرفة عين و لا قائم بمعرفته جل و عز لكان في تلك الحال ابقاء الخلق لغوا فلا بد في كل عصر من عارف بالله يقوم بحق معرفته فذلك العارف ان كان اماما لا بد له من مأموم و ان كان مأموما لا بد له من امام و لايمكن خلق ليس بامام و لا مأموم و ذلك انه ان كان آخذا عن الله بلا واسطة لكان قدوة لمن اقتدي به بعده و ان كان آخذا عن الله بواسطة فهو مؤتم بغيره و علي اي حال الامام و المأموم متضايفان لايقوم [ص 91] احدهما الا بالآخر و ان قلت قد يكون الانسان منفردا ليس بامام و لا مأموم كالانبياء الذين لم‌يبعثوا الي قوم قلت نعم ان الانبياء الذين لم‌يبعثوا لهم امام يقتدون بهم و هم علي شرع صاحب العزم الذي كان قبله و ساير الخلق ايضا لهم امام اما صاحب العزم او اوصياؤه الذين من قبله و لايمكن ان يكون رجل عارفا بالله عز و جل متدينا بدينه ليس بامام و لا مأموم و ذلك سر سار من اول الوجود الي آخره فتقول حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما ثم في الخلق انبياء و رعية و فعل و مفعول و امر و خلق ثم في عرصة هذا الخلق امام و مأموم و حجة و محجوج ثم في كل طبق و جنس و نوع كبير و صغير و رئيس و مرؤس و استاذ و تلميذ و مرشد و مريد و عالم و متعلم و حاكم و محكوم و لايقوم الخلق بدون ذلك البتة حتي ان منه الرجل و المرأة و اصل السر ناشئ من انه ما من شئ الا و فيه جهتان جهة من ربه و جهة من نفسه فجهة الرب امام و قدوة لجهة النفس و المفروض علي جهة النفس طاعة جهة الرب و جهة الرب جهة رب للنفس و جهة النفس جهة نفس لجهة الرب و لو لم‌يرب جهة الرب جهة النفس لم‌تبق فان تحقق جهة النفس بجهة الرب فلا بد من ربوبية جهة الرب لجهة النفس و لو لم‌يتبع جهة النفس جهة الرب لم‌تبق فلم‌يخلق الله جهة رب منفردة لاترب جهة نفس و لم‌يخلق الله جهة نفس بلا جهة رب و لما خلق الله المجالي و المظاهر فمنهم من حكي جهة الرب فكان ربا و اماما و من حكي جهة النفس كان مربوبا و مأموما و سري هذا السر في جميع ذرات الوجود و من كل شئ خلقنا زوجين فافهم فاذا عرفت ذلك فاعلم ان المأموم الحقيقي من يقتدي بالامام في جميع ذرات وجوده الشرعي و شرعه الوجودي فلم‌يخالفه في شئ من الاشياء فان خالفه في شئ فمن ذلك الحيث ليس الامام بامام و لا المأموم بمأموم البتة و يبطل السر الذي عليه دار رحي الوجود و تفاوت الخلق و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فالمأموم الحقيقي شرط ظهور امامة الامام كما ان الامام شرط تحقق المأمومية للمأموم و هما متضايفان و الامام هو الآخذ عن الله المؤدي الي المأموم الناطق عن ربه المترجم عنه [ص 92] و المأموم هو المنصت المستمع المقتدي القابل قال عليه السلام ينبغي للامام ان يسمع المأموم كل ما يقول و لاينبغي للمأموم ان يسمع الامام شيئا ، و قال الله عز و جل اذا قرئ القرآن فاستمعوا له و انصتوا لعلكم ترحمون لان القارئ يؤدي عن الله و هو لسان الله الناطق بكلامه فلو لم‌يكن في عصر الحجة فني الخلق و ساخت الارض و اهيلت السموات علي الارض البتة و بعد ما وجد الحجة لو لم‌يكن من يأتم به في جميع جهات وجوده الكونية و الشرعية لكان اماما بلا مأموم و لم‌يخلق الله منفردا اماما بلا مأموم و ان كان من يأتم به في جهة دون جهة فمن جهة عدم الائتمام يكون الامام منفردا معزولا عن الامامة و ذلك لايكون فلا بد في كل عصر من امام ناطق و مأموم صامت يقتدي به في جميع جهات وجوده الشرعي و شرعه الوجودي فهو المعصوم الصامت فلاجل ذلك كان رسول الله صلي الله عليه و آله هو الامام الناطق عن الله عز و جل و لم‌ينطق حتي وجد له مستمع و واع لقوله و كان علي عليه السلام هو الصامت في عصره و كذا الحسن و الحسين و لايضر تعدد المأموم و اما الامام فلايتعدد ثم لما سكت محمد صلي الله عليه و آله بالارتحال و نطق علي عليه السلام كان الحسن و الحسين هما صامتان مأمومان مقتديان به و لذا روي ان شيعة علي الحسن و الحسين عليهم السلام ، ثم لما سكت علي عليه السلام و نطق الحسن كان الحسين عليه السلام شيعته و المقتدي به و مأمومه كما قال رسول الله صلي الله عليه و آله الاول خير من الآخر لانه امامه و الآخر وصي الاول الحديث ، و هكذا في كل عصر لا بد من صامت و ناطق لاجل هذا السر الذي ابديناه فتدبر و ان قال قائل ان كان هذه القاعدة مسلمة و صاحب الامر عجل الله فرجه اليوم هو الناطق فمن الصامت قلت هذا هو اصل الخلاف اليوم بيننا و بين من يخالفنا و يعاندنا و الذي ينطق به الاخبار انه لا بد في كل عصر من صامت و ناطق فلولا الصامت المأموم لم‌يكن الناطق اماما مطلقا فحجتنا علي من يخالفنا اقراره بامامة الامام فان كان الصاحب اليوم اماما فلا بد و ان يكون له مأموم يقتدي به في جميع اقواله و احواله و افعاله حتي يظهر امامة الامام و يقوم التضايف فمنكر المأموم [ص 93] الصامت اليوم منكر الامامة المطلقة و قائل بان الصاحب عجل الله فرجه امام من جهة و منفرد من جهة و هو خلاف ضرورة الشيعة انه امام مطلق البتة و المأموم المطلق اليوم هو الشيعة التي تقتدي به في جميع جهات وجودها و هم في عصرهم كسلمان في عصره و ذلك انا سمعنا الرضا عليه السلام يقول لقوم طردهم لادعائهم التشيع لعلي عليه السلام ويحكم انما شيعته الحسن و الحسين و سلمان و ابوذر و المقداد و عمار و محمد بن ابي‌بكر الذين لم‌يخالفوا شيئا من اوامره و لم‌يرتكبوا شيئا من فنون زواجره الخبر ، و سمعنا موسي بن جعفر عليه السلام يقول لمن ادعي التشيع من الدلالين اتدرون ما مثل هذا هذا كمن قال انا مثل سلمان و ابي‌ذر و المقداد و عمار و هو مع ذلك يناجش في بيعه و يدلس عيوب المبيع علي مشتريه الخبر ، و لذلك قال ابوعبدالله عليه السلام ان العلماء ورثة الانبياء و ذاك ان الانبياء لم‌يورثوا درهما و لا دينارا و انما اورثوا احاديث من احاديثهم فمن اخذ بشئ منها فقد اخذ حظا وافرا فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين و عن النبي صلي الله عليه و آله يحمل هذا الدين في كل قرن عدول ينفون عنه تأويل المبطلين و تحريف الغالين و انتحال الجاهلين ، الي غير ذلك من الاخبار و المراد بالصامت الصامت عن التأسيس و الاستقلال و الا فكل امام لاحق في عصر السابق كان يتكلم الا انه ينهي كل شئ الي الناطق او السابقين و لايستقل ببيان و كذلك الشيعة اليوم صامتون ليس لهم رأي و هوي في الدين و لايعملون بعقولهم و لايسندون الامور الي انظارهم و بصايرهم و انما يروون عن الناطق و من تقدم عليه من الناطقين باذن الناطق الحاضر فهم صامتون عن مؤدي عقولهم و ظنونهم و اهوائهم و تبين من ذلك ان من قال ببصيرته و عقله و مؤدي ادلته العقلية غير المروية عن الناطق فهو مدع الناطقية مع الناطق الحق و من اخذ عنه فقد عبده و عبد الشيطان و دخل في قوله تعالي اتخذوا احبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله بالجملة ففي كل [ص 94] عصر لا بد من ناطق و صامت و هذا سر سار من اول الوجود الي آخره فالله جل و عز ناطق و متكلم باوامره الكونية و الشرعية و جميع القوابل الامكانية صامتة عنده ثم في الامكان محمد صلي الله عليه و آله ناطق عن الله سبحانه بجميع الاوامر الكونية و الشرعية التي هي دونه و جميع القوابل صامتة ثم الانبياء و الحجج كلهم ناطقون معبرون عن الله و ساير الرعية يجب عليهم السكوت و الصموت و الرواية ثم في الرعية ينحصر النطق في الرواة عنهم لقولهم اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله ، و لايجوز لاحد بعدهم النطق و يجب علي جميع من سواهم الصمت و الاخذ عنهم و الانتهاء اليهم في النقير و القطمير و بذلك جري الوجود و عليه عبد المعبود .

و قوله عليه السلام يا سلمان صار محمد المنذر و صرت انا الهادي الي آخر ، اعلم ان النذير اسم من اعلم الناس و اطلع عليه و اكثر استعماله في التخويف اي الاعلام بما يخاف الناس منه فهو الذي يعلم الناس امر الغيب من عظمة الله و جلاله و كبريائه فانه اشد ما يخافه ارباب البصاير و الالباب و من اهوال القيمة و النار و من اهوال المطلع و البرزخ و القبر و من سكرات الموت و ما يشاهده عنده و يعلمهم بانتقامات الله التي وردت علي الامم الماضية و ترد علي من يعمل اعمالهم من هذه الامة و يخالف امر الله و اما الهادي فهو المرشد و الدليل يهدي الناس و يرشدهم الي الحق و الي طريق مستقيم و النذير و الهادي يطلقان علي النبي و الامام معا كما قال تعالي لانذركم به و من بلغ ، قال ابوعبدالله عليه السلام من بلغ ان يكون اماما من آل‌محمد فهو ينذر بالقرآن كما انذر به رسول الله (ص) ، و يطلق الهادي علي رسول الله صلي الله عليه و آله كما قال و انك لتهدي الي صراط مستقيم و اما في هذه الآية الخاصة التي استشهد بها صلوات الله عليه فالمنذر هو رسول الله صلي الله عليه و آله فانه منذر من الله قد انذر عشيرته الاقربين اولا و بالذات كما قال و انذر عشيرتك الاقربين ثم انذر بتبعيتهم ساير الناس كما قال تعالي شأنه و اخفض جناحك للمؤمنين و قال لاتكلف الا نفسك و حرض المؤمنين و هم انفسه [ص 95] صلوات الله عليهم اجمعين و لكل قوم في كل عصر امام هاد من نسله يهدي اليه كما قيل لابي‌جعفر عليه السلام في قول الله عز و جل انما انت منذر و لكل قوم هاد فقال المنذر رسول الله صلي الله عليه و آله و علي الهادي و في كل زمان امام منا يهديهم الي ما جاء به رسول الله صلي الله عليه و آله و قال ابوعبدالله عليه السلام ان جبرئيل نزل علي محمد صلي الله عليه و آله بخبر عن ربه عز و جل فقال له يا محمد لم‌اترك الارض الا و فيها عالم يعرف طاعتي و هداي و يكون نجاة فيما بين قبض النبي الي خروج النبي الآخر و لم‌اكن اترك ابليس يضل الناس و ليس في الارض حجة و داع الي و هاد الي سبيلي و عارف بامري و اني قد قضيت لكل قوم هاديا اهدي به السعداء و يكون حجة علي الاشقياء انتهي ، فلا بد و ان يكون في كل عصر هاد متصرف بالهداية كما ان ابليس متصرف بالاضلال فلو كان ابليس موجودا متصرفا بالاضلال و ليس في الارض هاد متصرف بالهداية لكان الله مغريا بالباطل و حاشا الرب ان يفعل ذلك و ان يخلي ارضه من هاد متصرف بالهداية و لاينفع هداية النبي الذي مات او الامام الذي مات فان من مات رفع يد تصرفه عن العالم و الا لكان النبي السابق كافيا عن النبي اللاحق و البيت لايستضيء بالسراج المنطفي و النبي السابق لم‌يبق منه الا اقوال ذو وجوه و كل قوم يحملها علي هواه و حاشا الرب جل جلاله ان يبقي العبيد مع حكم حمال ذو وجوه يحمله كل خصم علي هواه بل لا بد من حكم فاصل بين الحق و الباطل في كل عصر لايحتمل الوجوه و يهدي الي الحق و الي طريق مستقيم و ان قلت اليس انه قد غاب عنا ولينا منذ دهر و ليس بيننا الا اقوال حمال ذو وجوه و يؤل اليها الرعية و يعيشون منذ غاب قلت في زمان حضور الحجة ايضا الحجة كان في بلد و في ذلك البلد في بيت و جميع اهل الارض غائبون في اطراف الارض لايرونه و لايكلمونه و انما يراه و يكلمه اناس مخصوصون و لم‌يكن كل احد يتمكن من الوصول اليه و لا الي ارسال كتاب اليه و لم‌ينقص الآن عن ذلك فانه في بلد و عنده اناس مخصوصون و ساير شيعته في اطراف الارض غير متمكنين من الوصول اليه و ارسال كتاب اليه [ص 96] و رؤية آحاد له يوم حضورهم و مكالمتهم معه و مكاتبتهم اليه لايغني عن جميع اهل الارض شيئا بالبداهة و محض امكان الوصول اليه اذا سافر اليه ليس يهدي الانسان الي مجهولاته و كذلك اليوم حرفا بحرف فلا بد و ان يكون وجود الهادي له منفعة غير النطق و السمع منه فمعني هذه الاخبار ان الهادي الحي في الزمان يهدي الي الحق بغير طريق السمع و النطق و بذلك تتم منفعة وجوده كما ان ابليس لعنه الله في طريق الباطل ليس اضلاله من طريق المشاهدة و النطق و السمع و انما يضل الناس بهيمنته التي جعل الله له و شهادته الناس فهو يضل بهيمنته و ان لم‌يره الناس و ليس جانب الحق اضعف من جانب الباطل و ليس هيمنة اهل الحق باقل من هيمنة ابليس البتة و هذه الهيمنة لاتتفاوت حال مشهوديتهم و حال غيبتهم فهم في حال غيبتهم ايضا مهيمنون علي الخلق شاهدون مطلعون رقباء كما قال تعالي و يوم نبعث من كل امة بشهيد و جئنا بك علي هؤلاء شهيدا و قال مخاطبا لآل‌محمد عليهم السلام ملة ابيكم ابرهيم هو سميكم المسلمين من قبل و في هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس فهم سلام الله عليهم شهداء علي الخلق و الشرط في الهداية شهادة الهادي لا المهتدي كما انه قال في ابليس المغوي للخلق انه يريكم هو و قبيله من حيث لاترونهم فالحجة عليه السلام اليوم هاد كما كان آباؤه هداة يوم حضورهم بلا تفاوت و كما ان ابليس يضل باسباب غيبية من الوسوسة و النجوي و التزيين و التشبيه كذلك الهادي يقدر علي الهداية بالتقريب و التبعيد و التعمية و التوضيح و بما شاء كيف شاء و قد اخبر الله و اخبروا و هم الصادقون المصدقون بانهم يهدون و يعلمون الزيادة و النقصان ان زاد المؤمنون شيئا ردّوهم و ان نقصوا اتموه لهم و ان اتوا بالحق قرروهم و صدقوهم فوجب الاعتراف بانهم يهدون بالحق و به يعدلون غابوا ام شهدوا بلا تفاوت و لايشترط في هداية الهادي مشهودية الهادي بل شهادته كما ان الله جل و عز هاد و لايشهده احد بل ذلك جار في كل فاعل فلايشترط مشهودية الفاعل مطلقا و انما يجب شهادته المفعول كما ان الله يخلق و يرزق [ص 97] و يحيي و يميت و لايري و كذلك الملائكة يجرون ما وكلوا به و لايرون و كذلك الجن يتصرفون في الاجسام و لايرون و كذلك الشياطين يتصرفون في الاجسام و لايرون فليكن كذلك الامام عليه السلام فانه يتصرف في الملك و لايري و يفعل ما شاء كما شاء قال الحجة عليه السلام و اما وجه الانتفاع بي في غيبتي كانتفاع الناس بالشمس اذا جللها السحاب ، و لا شك ان للشمس تربية و آثارا في السفليات و ان كانت محجوبة بالسحاب و تأثير الشئ في الشئ بالمماسة و الاقتران و المشاهدة انما هو في عالم الاعراض الدنياوية الظاهرة و اما التأثيرات الطبيعية و النفسانية و الروحانية فلايحتاج فيها الي مماسة و مباشرة و اقتران و مشاهدة فهم في كل عصر هداة الخلق باسباب غيبية روحانية ملكوتية و ان كان لهم بعض التصرفات ايضا في عالم الاعراض بالمقارنة قال ابوعبدالله عليه السلام لن‌تبقي الارض الا و فيها من يعرف الحق فاذا زاد الناس فيه قال قد زادوا و اذا نقصوا منه قال قد نقصوا و اذا جاؤا به صدقهم و لو لم‌يكن كذلك لم‌يعرف الحق من الباطل ، و بهذا المعني استفاضت الاخبار و ايدها صحيح الاعتبار .

و اما استشهاده صلوات الله عليه بقوله تعالي الله يعلم ما تحمل كل انثي فاستشهاد بباطنه علي كونهم صلوات الله عليهم هداة الخلق في كل عصر يهدون من شهدهم و من غاب عنهم فقال تعالي الله يعلم ما تحمل كل انثي من القوابل الخلقية في كل عالم بحسبه لايخفي عليه ما تحمله القوابل من المقبولات الذكر الغالب عليه جهة الرب و الانثي الغالب عليها جهة النفس و ما تغيض الارحام اي ما تنقصه من الكمال فتسقط نطفة او علقة او مضغة او عظاما او المكسو لحما او بعد انشائه خلقا آخر قبل ان يصل الي رتبة الكمال و ذلك في كل قابلية ناقصة بالذات او عرضتها عارض عاقها عن كمال الانفعال فلم‌تتم مسألتها فمنعت تمام المسؤل و ذلك في كل عالم و كل شئ بحسبه و ما تزداد تلك القوابل فيكون استعدادها كاملا فتقتضي زيادة عن بنات جنسها فتأتي بالذكر و الانثي جميعا و من تفسيرهما ان الغيض كل حمل دون تسعة اشهر و ذلك لكمال استعداده انه يستوفي و يستمد في زمان قليل شيئا كثيرا فيدرك قبل [ص 98] الاجل المضروب لعامة نوعه و ما تزداد اذا رأت المرأة الدم ايام حملها فلحقها ضعف فانها تزداد علي ايام مثلها بعدد ايام الدم فهي تشمل كل قابلية عرضها عارض في ايام استمدادها و استكمالها فلم‌تبلغ حد الكمال الي الاجل المضروب لها لولا العارض فهي تبقي علي الاستمداد حتي تتلافي تلك الايام التي اعرضت او فترت او عاقها عائق فلايخفي علي الله هذه الحالات الثلث اي التي تغيض و تنقص و التي تستوفي الايام المضروبة لها و التي تزداد فهي تعم كل ناقص و تام و زايد و كل شئ عنده بمقدار لانه قال انا كل شئ خلقناه بقدر فكل شئ عنده بمقداره و قضائه و ذلك ان المقدار يأتي بمعني القدر عالم الغيب و الشهادة فلايخفي عليه شئ في السرمد و الجبروت و الملكوت او لايخفي عليه ما قد كان و صار مشهودا و ما يكون و هو بعد في غيب الامكان و لم‌يخرج الي عرصة الشهود الكبير في عالم الشهادة لقوله له الكبرياء في السموات و الارض ، المتعال في عالم الغيب لانه عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد و قد جعل التكبير في حال القيام الذي هو مقام بعد العبد و استمساكه و التسبيح بالعلو في حال السجود الذي هو اقرب ما يكون العبد الي ربه سواء منكم من اسر القول الكلمات و الحروف او الافعال او العقايد في نفسه و صدره و تصوره في خاطره فلم‌يظهره لاحد و من جهر به و اظهره في عالم الشهادة فانتم سواء عند الله يري الفريقين و يطلع علي الصنفين بلا تفاوت كما لايتفاوت عند روحك في الوضوح ما اضمرته في صدرك و ما عملته باعضائك و جوارحك فالكل باشارته و تأييده قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا و من هو مستخف بالليل ليل الماهيات فانغمر في بحار ظلماتها او ليل البعد عن الحق او ليل الجهل او ليل الاستتار عن المؤمنين و سارب بالنهار اي بارز بالنهار باضداد ما ذكرنا فهذه الاربع فرق عند الله سواء و لك ان تقول سواء منكم من اسر القول في اسرار نار الاثرية و من جهر به في علانية هواء المقبولية و من هو مستخف بليل تراب الانية و سارب بنهار ميل ماء القابلية فجميع هذه الكيفيات الاربع من الخلايق في العالمين [ص 99] و تلك الكيان الثلثة التي هي غيض جهة النفس و حمل جهة الرابط و زيادة جهة الرب جميعها في العوالم مشهود لله رب العالمين لايخفي عليه شئ منها في السموات و الارض له معقبات من بين يديه و من خلفه و هذه الآية مما حرف فان المعقب لايكون من بين اليدين و انما نزلت له معقبات من خلفه و رقيب من بين يديه قال ابوعبدالله عليه السلام لقاريها الستم عربا فكيف يكون المعقبات من بين يديه و انما المعقب من خلفه فقال الرجل جعلت فداك كيف هذا فقال انما انزلت له معقبات من خلفه و رقيب من بين يديه يحفظونه بامر الله و من‌ذا الذي يقدر ان يحفظ الشئ من الله و هم الملائكة الموكلون بالناس انتهي ، فكل شئ له رقباء من بين يديه و معقبات من خلفه و رقباء في ملكوته و معقبات في ملكه و رقباء مما يلي المقبول و معقبات مما يلي القابلية و رقباء مما يلي المؤثر و معقبات مما يلي الاثرية و رقباء مما يلي جهة الرب و معقبات مما يلي جهة النفس و هكذا و هم من الملئكة الذين شأنهم و خدمتهم حفظ الاشياء بامر الله باذنه و هم الروابط بين الاشياء و بين مشية الله يأخذون عن الله و يوصلون الي ذلك فاذا كان الرقيب و المعقب مطلعين علي الشئ بامر الله فما ظنك بالله و كيف يمكن ان لايطلع الله علي خلقه الايعلم من خلق و هو اللطيف الخبير فاثبت صلوات الله عليه بهذه الآية ان الله الذي علمه و اطلاعه كذا بخلقه فلايخفي عليه خافية في الارض و لا في السماء و يقدر ان يهدي من يشاء بما يشاء كيف يشاء فلاينبغي ان يتعجب بعد ذلك متعجب و يقول ان عبداً واحداً محدوداً في بلد من البلدان و في بيت من البيوت جالس و ربما هو محبوس او غايب كيف يقول زادوا اذا زاد الناس في شرق العالم و غربه و متي قال و نحن لم‌نسمع و كيف يقول نقصوا اذا نقص الناس في اطراف الدنيا و متي قال و نحن لم‌نسمع ذلك ابدا و متي صدق و متي اطلع علي ما في الدنيا حتي يصدقهم و يقول قائلهم ترك الاستفصال عند عموم المقال و قيام الاحتمال يفيد العموم في المقال لان الاصل العدم الازلي في علم الامام فلولاه لم‌ينطق بهذا المقال المختلف الحال المفرق للبال [ص 100] المورث للكلال و هو احق بالاعراض عنه و المسكين غافل ان قوله قد زادوا و نقصوا و تصديقه ليس باللسان و القول الظاهري و انما هو اظهار بطلان الباطل و حقية الحق كما قال تعالي بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و قال يحق الله الحق بكلماته و يبطل الباطل و عليهم صلوات الله عليهم اظهار بطلان الباطل و حقية الحق كيفما شاؤا و ارادوا و كيف لا و هم الشاهدون المطلعون علي حقايق الكاينات كما سمعت و المأمورون من الله بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر و القادرون علي التصرف بقدرة الله و لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايخافون علي انفسهم عدوا و لو فرض انهم يخافون علي انفسهم او علي شيعتهم عدوا فهو محل الحكم الثانوي المتبع و لا مانع من التصرف و هو اكمل و اتم و اقوي للحجة و مطابق للآيات و الاخبار و صحيح الاعتبار فهم يتصرفون في العالم كيفما يشاؤن و لا بد للمؤمن ان يتكل عليهم و يعمل بما اروه و قد بسطنا القول في ذلك في ساير كتبنا اينما مس الحاجة الي المسألة فان شئت فراجع فبين عليه السلام ان من هذه صفته لايصعب عليه الهداية و يهدي بالحق الي صراط مستقيم فمحمد صلي الله عليه و آله هو المنذر و علي الهادي و لايزال منهم هاد بعد هاد ثم ما فرقوا في الهداية بان منها الايصال الي المطلوب و هو شأن الله سبحانه و ليس لغيره ذلك كما قال جل شأنه انك لاتهدي من احببت و منها الايصال الي ما يوصل الي المطلوب و هو شأن النبي صلي الله عليه و آله كما قال و انك لتهدي الي صراط مستقيم فذلك شئ لانعرفه من طريق آل‌محمد عليهم السلام و محمد صلي الله عليه و آله لايهدي من احب كما انه لايملك لنفسه نفعا و لا ضرا و لا موتا و لا حيوة و لا نشورا و مما لايملك هو و لا احد من الخلق الهداية لا الي المطلوب و لا الي ما يوصل الي المطلوب و هو و اهل بيته سلام الله عليهم هداة الخلق الي المطلوب و الي ما يوصل الي المطلوب بالله جل و عز و ان هدي الله يهدي بهم و ان هدوا يهدون بالله ان هدوا في عالم الظاهر يهدون الي ما يوصل الي المطلوب و ان هدوا في الآخرة فالي ثوابهم و عطائهم [ص 101] و رضوانهم و ان هدوا في الحقايق فالي مثالهم و تعريفهم و تعرفهم بهم عرف الله و لولاهم ماعرف الله ،

هذا اعتقادي فيه قد ابديته فليقبل الواشون او فليمنعوا

قال فضرب بيده علي الاخري فقال صار محمد صاحب الجمع و صرت انا صاحب النشر و صار محمد صاحب الجنة و صرت انا صاحب النار اقول لها خذي هذا و ذري هذا و صار محمد صاحب الرجفة و صرت انا صاحب الهدة و انا صاحب اللوح المحفوظ الهمني الله عز و جل علم ما فيه .

اعلم ان الله سبحانه احدي لا تكثر فيه بوجه من الوجوه و خلق خلقا ذا كثرة و وجوه ابانة منه لهم عن صفة القديم اذ ما وجب فيه امتنع في الحدث و ما يجب في الحدث يمتنع في القدم فكان جميع ما خلق مركبا من اجزاء اقلها جزءان و هما في النظر الاعلي جهتان جهة الي ربه و جهة الي نفسه و هاتان الجهتان مما قد تكرر ذكرهما في كتبنا و في مباحثاتنا و لكن من ادرك ذلك علي الحقيقة و علي ما هو في القلوب قليل قليل و ساشرح هيهنا من ذلك ما شاء الله ان اشرحه اعلم ان لجميع هذا الخلق اعتبارين و فيها نظران فمرة ينظر الناظر اليها فيري جميعها شيئا واحدا لا اختلاف فيه و لا تعدد و لا تكثر و مرة ينظر اليها من حيث انفسها فيري خلقا متعددا متكثرا ممتازا بعضها من بعض و آية ذلك انك مرة تنظر الي هذا العالم بنظر انها جوهر منجمد له كيف ما و كم ما و جهة ما و رتبة ما و وقت ما و مكان ما ففي هذا النظر لاتري في السموات و الارض الا شيئا واحدا ليس فيه ذكر لعرش و لا كرسي و لا سماء و لا ارض و لا شئ مما بينهما فتري جسما واحديا لا تعدد فيه فتنظر الي العرش و تري منه ما تري من الكرسي اذا نظرت اليه و ما تري من السموات اذا نظرت اليها و ما تري من الارض اذا نظرت اليها و ذلك مشهود رأي العين لكل غبي و ذي لب بل لكل طفل و ان لم‌يقدر علي التعبير عنه و مرة تنظر فتري سماء غير ارض و شمسا غير قمر و تري مولودا غير مولود بينهما و ذلك ايضا بديهي يري بالعين يراها كل احد فتحقق لكل محسوس جهتان جهة انه جسم و جهة انه هو هو غير غيره و كذلك اذا نظرت الي [ص 102] جميع ما في العالم من الغيب و الشهادة و الحقايق و المعاني و الصور فانك تري فيها امرا واحدا يجمع الكل و لا اختلاف فيه و لا تعدد و لا تمايز و تري جميع الكثرات فيه محلولا مذابا معدوم الاثر و العين و ذلك ايضا مشهود كل جاهل و عالم و ان لم‌يقدر الجاهل ان يعبر عنه و تري مرة اخري كل شئ هو هو بحدوده و كثرته و امتيازه عن غيره فتري اشياء عديدة فلكل شئ يتحقق هاتان الجهتان رأي العين و نعبر عن جهة الوحدة بجهة الرب و عن جهة الكثرة بجهة النفس فلاجل ذلك قلنا ان لكل شئ جهتين جهة الي ربه و جهة الي نفسه و ليس المقصود ان الرب جل جلاله في جهة من الخلق و جهة من الخلق تكون اليه بل نسبته الي الجهتين علي السواء و كلتاهما خلقان منه الا ان الخلق له جهتان جهة وحدة و هي ما وصف بها ربها نفسه له و هي احكي الجهتين لله سبحانه و بها تري ربها اي ما عرف به نفسه و جهة كثرة تري بها انفسها و لاتحكي ربها و تري انفسها فهاتان الجهتان لايخلو منهما الحادث في اي رتبة كان و من تلك الرتب رتبة الخلق الاول فله ايضا تانك الجهتان ثابتتان فلما تجلي ذلك الخلق الاول في مراتب الكثرة و الفرق ظهر في مظهر و الغلبة لجهة وحدته و ظهر في مظهر و الغلبة لجهة نفسه و كثرته و ليس المظهر الذي فيه جهة الوحدة غالبة بخلو من جهة الكثرة و لا المظهر الذي فيه جهة الكثرة غالبة بخلو من جهة الوحدة الا ان كل واحدة في كل واحد غالبة و آية ذلك الذكر و الانثي اللذان هما انسان فيه جهتان جهة وحدة و جهة كثرة و لكنه ظهر في هذه الدنيا في مظهرين مظهر فيه جهة الوحدة غالبة و فيه من جهة الكثرة اقل و هو الذكر و مظهر فيه جهة الكثرة غالبة و فيه من جهة الوحدة اقل و هو الانثي و ذلك ان الذكر فيه من جهة الوحدة جزءان و من جهة الكثرة جزء و الانثي فيه من جهة الكثرة جزءان و من جهة الوحدة جزء و قد مثلا في هذا المربع ذي الثلثة الذي هو آدم الالواح و مبداها حيث ان العدد الموضوع فيه الآحاد الي التسعة و هي اصل الاعداد و مبداها الذي يدور عليه رحاها و قد وضعت في هذا اللوح و اذا جمعت جميع اعدادها [ص 103] كانت خمسة و اربعين و هو عدد آدم و اذا جمعت ضلعا واحدا كان خمسة‌عشر و هو عدد حوا فحوا هي ضلع واحد له و مع ذلك العقل الذي لحواء من ظل ضلع آدم الايسر لا من نفس ضلعه كما يقوله العامة و الا لكان لآدم ثلثين و لها خمسة‌عشر بل من فاضل ضلعه الايسر بالجملة الانسان حقيقة واحدة ذات جهتين و قد ظهر في مظهر الذكر بغلبة جهة ربها و في مظهر الانثي بغلبة جهة نفسها و كذلك الامر في ظهور الخلق الاول في مظاهر الكثرة فظهر في مظهر بالاصطفاء و غلب عليه جهة الوحدة و ظهر في مظهر بالارتضاء و غلب عليه جهة الكثرة فلاجل ذلك قال عليه السلام صار محمد صاحب الجمع و صرت انا صاحب النشر ، فمحمد صلي الله عليه و آله هو صاحب الوحدة و الجمع و عدم الكثرة و الاختلاف و لاجل ذلك قال ليس الاختلاف في الله و لا في ، فمحمد صاحب الجمع يتحد فيه الكثرات و الاختلافات و هو صاحب الجمع يؤلف بين مختلفات الامم علي ظاهر الاسلام و اذكروا اذ كنتم اعداء فالف بين قلوبكم فاصبحتم بنعمته اخوانا و كنتم علي شفا حفرة من النار فانقذكم منها و هو صاحب الجمع يؤلف بين متعاديات الطبايع و الاضداد و الارواح و الاجساد و الاسباب و المسببات و الشروط و المشروطات و العلل و المعلولات و المبادي و الغايات و هو صاحب الجمع ليوم الجمع فيجمعهم ليوم واحد و محشر واحد لامر واحد من امكنة متشتتة و مراتب مختلفة و مقامات متفاوتة و علي عليه السلام صاحب النشر و المراد به التفريق من قولهم نشر الشئ فرقه و ذلك قوله صلي الله عليه و آله و انما الاختلاف فيك يا علي ، و قد قال الله عز و جل عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون و ذلك ان عليا عليه السلام هو الباب المبتلي به الناس من اتاه فقد نجا و من لم‌يأته فقد هلك و المشار اليه في قوله تعالي و ضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و هو الام التي سعد في بطن ولايتها من سعد و شقي من شقي و هو صاحب كل نشر فان الاشياء تنتشر و تتفرق في مقام صورها و حدود انياتها و هو عليه السلام مبدأ الصور و اولها و ذلك ان الخلق الاول [ص 104] صلوات الله عليه و آله هو منير الكل و مؤثر الكل و جميع ما سواه نوره و اثره كما استفاض بذلك الاخبار و النور اثر المنير و فضله و شبحه المنفصل و مادة النور من مادة المنير و صورته من صورته الاتري ان السراج مركب من ضياء و من لون و شكل و نوره و اثره ايضا له ضياء يحكي ضياء السراج و لون و شكل يحكيان لون السراج و شكله فالنور بجهتيه اي بمادته و صورته مشتق من السراج تابع له مادته تابعة لمادته و صورته تابعة لصورته فمادة السراج هي صاحبة الجمع اذ المادة مقام الجمع يجتمع جميع الافراد فيها بالقوة و هي ما به الاشتراك في الكل و صورته صاحبة الفرق و النشر و الامتياز لان الصورة هي ما به يتميز كل فرد عن كل فرد و كذلك محمد صلي الله عليه و آله صاحب الجمع اذ يجتمع عنده جميع ما يظهر من امر الله و حكمه في الوجودات الكونية و الشرعية و علي عليه السلام صاحب النشر يفرقه في الخلق يعطي كل ذي حق حقه و يسوق الي كل مخلوق رزقه و يغني كلا من سعته فبذلك و امثالها صار محمد صلي الله عليه و آله صاحب الجمع و علي عليه السلام صاحب النشر .

و قوله صلوات الله عليه و صار محمد صاحب الجنة و صرت انا صاحب النار اقول لها خذي هذا و ذري هذا الي آخر ، حقيقته هي حقيقة الكلام السابق و هي انه لما عرفت ان محمدا صلي الله عليه و آله في عالم الكثرة هو من غلب عليه جهة الرب و علي عليه السلام هو من غلب عليه جهة النفس و جهة الرب هي جهة الوحدة و الائتلاف و الرحمة السابقة العامة و النعمة و كل خير و كمال و نور و دوام و ثبات و جهة النفس هي جهة الكثرة و الاختلاف و النقمة و الشقاء و كل شر و نقص و ظلمة و انقطاع و زوال و كان الخلق الاول بكله لله و من الله و الي الله جري في عرصات الآثار ما يناسب كل ركن من ركني الخلق الاول بركن من ذينك الركنين فكل الي كل مضاف و منسوب فصار محمد صلي الله عليه و آله صاحب الرحمة لانها تناسبه و صار علي عليه السلام صاحب النقمة لانها تناسبه فلاجل ذلك صار محمد صاحب الجنة و الرحمة و هو باطن علي عليه السلام باب باطنه فيه الرحمة و صار علي صاحب النار و الغضب و هو ظاهره و ظاهره من قبله العذاب [ص 105] فما يقال ان عليا عليه السلام رحمة الله علي الابرار فيعني بباطنه و نقمته علي الفجار فيعني بظاهره و باطنه هو ظاهر النبوة فلاجل ذلك قال انا مدينة العلم و علي بابها ، فباطن الباب يلي المدينة و ظاهره يلي البر و التيه فمن دخله كان آمنا و من لم‌يدخله فقد هلك فلاجل ذلك صار محمد صاحب الجنة و صار علي عليه السلام صاحب النار يقعد علي عجز جهنم و تنقاد له كما تنقاد الذلول لصاحبه فيقول خذي هذا و ذري هذا .

و قوله صار محمد صاحب الرجفة و صرت انا صاحب الهدة ، فالرجفة الزلزلة و الهد الهدم بصوت شديد و ذلك ايضا من الباب السابق فان محمدا صلي الله عليه و آله جاء ينبه الخلايق و يوقظهم فرجفهم و حركهم للتنبيه مداراة و تذكيرا و لم‌يهدم بنيانهم و اما الولي صلوات الله عليه فهو صاحب الهدة و صاحب تأويل هو الذي ارسل رسوله بالهدي و دين الحق ليظهره علي الدين كله و لو كره المشركون و صاحب تأويل و قاتلوهم حتي لاتكون فتنة و يكون الدين كله لله فهو يهد اركان الكفر و يهدم بنيانه حتي لايبقي له اثراً في الرجعة ان شاء الله و اما في هذه الدنيا فقد ظهر بالمحمدية و لذلك صبر كما صبر اولوا العزم من الرسل و مااستعجل لهم و املي لهم و ذلك من الرحمة المحمدية و الا فمقتضي شأن الولي القلع و القمع حتي لايبقي ما يخالف دين الله و يكون الدين كله لله كما قمع و قلع آثار الانية من نفسه و كان بكله لمحمد صلي الله عليه و آله و كان مرآة مظهرة له ليس له من نفسه عين و لا اثر و كذلك تأثيره في العالم فيفني جميع آثار الانيات و اظلال الماهيات و يصفي الدنيا عن الكدورات حتي يظهر جمال الله في جميع الذرات و لم‌يبق حجاب يحجب الاسماء و الصفات حتي يعبد الله جل جلاله علانية في جميع الارضين و السماوات كما سيظهر به سلطان العصر و صاحب الخلق و الامر اللهم عجل فرجهم و سهل مخرجهم و اما محمد صلي الله عليه و آله فبمقتضي قوله انما انت منذر فانذرهم و خوفهم من يوم الولي حتي وجلت قلوبهم و ارتعدت فرايصهم و اكتفي بالقول و بعض الفعل علي التنزيل و اما الولي فهو صاحب التأويل و صاحب الافعال و اظهار حقايق [ص 106] الاقوال في جميع الافعال .

و اما قوله و انا صاحب اللوح المحفوظ الهمني الله عز و جل علم ما فيه ، ففيه اشارة لاهل الدراية ان محمدا صاحب القلم و هو صلوات الله عليه صاحب اللوح و ذلك ايضا من الباب السابق فالاشارة اليه ان الله سبحانه اول ما خلق القلم و المراد به العقل الذي هو اول خلق من الروحانيين عن يمين عرش مشية الله و هو نور محمد صلي الله عليه و آله كما في حديث جابر حيث قال اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ، و انما سمي بالقلم حيث اجري الكلام علي رسم الكتابة و اعتبر في الاكوان الكتابة حيث انها كلمات كتبت في الواح الامكان كما قال تعالي في عيسي بكلمة منه اسمه المسيح و اشار الي الائمة عليهم السلام بقوله فتلقي آدم من ربه كلمات فلما اعتبر فيما سوي الله انه كتاب تكويني و ان الموجودات كلمات مكتوبة في لوح الامكان فاعتبر في هذا الرسم لها قلم تكتب به و لوح تكتب عليه فالقلم هو السبب الاعظم الاول الذي به كتب ما كتب في الواح محالها كما يكون السبب في كتابة الكتاب القلم فلاجل ذلك قيل ان اول ما خلق الله القلم فان ايجاد السبب قبل ايجاد المسببات و لا بد لهذا القلم من مداد يمد و يجري ذلك المداد بذلك القلم علي اللوح و يكون مادة للكلمات المكتوبة و الي هذه المراتب اشار الله جل و عز بقوله ن و القلم و ما يسطرون فنون هو الدواة الاولي التي هي وعاء المداد و هو نهر يجري من تحت العرش عرش المشية فقال الله عز و جل له اجمد فجمد فكان مدادا و ذلك انه كان رقيقا برقة الامكان و ماكان يصلح لان يكون مادة للكلمات فسلط الله علي ذلك الماء برد البعد فجمد و غلظ و صار مناسبا للمادية و القلم هو اول شجرة نبتت علي حافة ذلك النهر و اليه الاشارة بقوله عليه السلام ان روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدايقنا الباكورة ، فباكورة ثمر الوجود كان نصيب روح القدس الذي هو اول خلق من الروحانيين عن يمين العرش و هو ذلك العقل و ذلك القلم قد نبت علي حافة نهر الوجود الدنيا و ذلك النهر هو المداد لجميع ما كتب في اللوح و هو النون المشار اليه في قوله تعالي ن و قد نبت قلم العقل علي حافته و اما اللوح فهو لوح القوابل [ص 107] الخلقية و محال وجود المكونات التي حدثت بقوله تعالي ادبر فادبر و ذلك الادبار هو جريان القلم بما شاء الله و اراد و لذلك اللوح ثلث صفحات كلية صفحة منها للملكيات و صفحة منها للملكوتيات و صفحة منها للجبروتيات الرقيقة فالقلم جري في هذه الالواح بما شاء الله فهو بالنسبة الي علم الله فقد جف لايزيد شيئا و لايكتب شيئا ابدا و اما بالنسبة الي علم الملائكة و الانبياء و ساير الخلق فهو جار ابدا كل يوم هو في شأن و يزيد في الخلق ما يشاء و لدينا مزيد ، عطاء غير مجذوذ و يحدث منه الامر بعد الامر و الشئ بعد الشئ فلكل من هذه الصفحات مقامان مقام محو و اثبات و زيادة و نقصان و يقع فيه البداء و مقام علمية لله سبحانه فذلك يجمع جميع ما محي و ما سيمحي و ما اثبت و ما سيثبت فلاجل ذلك لايقع فيه بداء و محو و اثبات و امثل لك مثالا انك تأخذ لوحا و انت تعلم في نفسك انك تريد ان تكتب عليه سورة ثم تمحوها و تكتب عليه سورة اخري فانت عازم في نفسك علي ذلك اولا ثم تشرع فتكتب السورة الاولي علي وفق عزمك ثم تمحوها ثم تكتب عليه السورة الثانية علي وفق عزمك فالكتاب الظاهر حدث فيه محو ما كان و اثبات ما لم‌يكن و اما علمك السابق و المقارن و اللاحق لم‌يزد عليه شئ و لم‌ينقص منه شئ و لم‌يتغير و لم‌يتبدل بوجه من الوجوه و كذلك لكل واحد من هذه الصفحات مقامان مقام ظاهر يمحو الله منه ما يشاء و يثبت فيه ما يشاء و مقام علمية لله عز و جل ازلية فذلك لايزيد فيه و لاينقص منه لان المحو و الاثبات معا فيه مثبتان قال فما بال القرون الاولي و هي الممحوة قال علمها عند ربي في كتاب لايضل ربي و لاينسي و لايتغير علمه فذلك المقام العلمي لله سبحانه هو ام الكتاب الذي عنده و يظهر في عرصة الامضاء فعرصة الامضاء هي مطابقة مع ذلك العلم الازلي و اما مقام المحو و الاثبات فهو مقام المشية و الارادة و القدر و القضاء فاذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء فالامضاء مؤخر ظهورا و كل مؤخر ظهورا مقدم وجودا و وجود الامضاء المقدم هو ذلك العلم الذي قال عليه السلام فيه بعلمه كانت المشية ، فالعلم سابق علي المشية وجودا و يظهر في [ص 108] عرصة الامضاء شهودا فافهم و غموض هذه المسألة يستدعي ما يتيسر من البسط اعلم ان الله سبحانه احد في ذاته ليس له رتبة و لا وقت و لا مكان و جميع ما سواه من الخلق الذي لا نهاية له حاضر عنده علي نهج التفصيل و هذا تفصيل لايضاده اجمال فان التفصيل و الاجمال حرفان من ذلك التفصيل الاول يري كل شئ بنفسه في مقام وجوده و مكان شهوده الاجمال في مقام الاجمال و التفصيل في مقام التفصيل اي الامكان في مقام الامكان و الاكوان في مقام الاكوان و لكل شئ اعتبار حضور في هذا المحضر و بهذا الاعتبار هو ازلي علي ان علمه جل جلاله ازلي و هذا الازل غير القديم للذات فهذا المحضر الذي لا بدء له و لا غاية و لا انقضاء له و لا نهاية هو صفحة علمه جل جلاله الذي لايزيد فيه زايد و لاينقص منه ناقص و لايتغير و لايتبدل و لايمحي منه شئ كان فيه مكتوبا و لايثبت فيه شئ لم‌يكن فيه ثابتا و هو كماله عز و جل ليس منه بباين و هو عنده كيدك منك كما روي و هو العلم السابق علي المشية به خلق الله المشية و لايحيط به احد من خلقه و هو العلم المكنون المخزون عنده لايطلع عليه احد سواه و هو مقدم وجودا علي جميع ما خلق الله لانه ازلي فلم‌ينزل من هذا العلم شئ و لم‌يصعد اليه شئ و لايتحول و لم‌يتجزأ ثم لكل شئ مقام امكان مطلق علي انه شئ و حادث و موجود و امثال ذلك من الامور العامة فهو بهذا الاعتبار امكان مطلق و موجود مطلق فهو في هذا المقام العلم الصلوحي الاجمالي الامكاني فانه يصلح ان يكون كذا و كذا و كذا و كذا و هذا هو العلم الذي لم‌يطلع عليه احد الا ما اظهره الله في عرصة الاكوان منه و هذا هو العلم الذي يقدم الله منه ما شاء و يؤخر منه ما شاء و منه البداء فيشاء الله شيئا او يريد او يقدر او يقضي ثم يبدو له فيتركه بخلاف العلم الازلي فلايقدم منه شئ و لايؤخر و لايبدو لله جل و عز فيه اذ الكل فيه موجود بالفعل و هو العلم بالفعل بخلاف العلم الثاني فانه العلم بالاشياء بالقوة و جميع الاشياء فيه بالقوة فاذا نظرت الي جميع ما سوي الله بهذا الاعتبار رأيته بحرا ساكنا زخارا عميقا لا غاية له و لا نهاية و لايقدر احد علي السباحة في هذا البحر و هو [ص 109] ايضا علم مخصوص بالله سبحانه و مرة تنظر الي الشئ من حيث هو هو فتري سماء و ارضا و شمسا و قمرا و زيدا و عمرا و هكذا فالاشياء بهذا الاعتبار كلمات علمية مكتوبة في لوح المحو و الاثبات و هذا علم علمه الله ملئكته و انبياءه و رسله و اهله من خلقه فهم يحيطون به علما و هذا الكتاب يتغير و يتبدل و يمحا منه و يثبت فيه فما وقع في هاتين المرتبتين و ما سيقع كله مكتوب في العلم الاول علي التفصيل و في العلم الثاني علي الاجمال و وقع في الثالث مفصلا علي طبق العلم الاول و لهذا العلم الثالث باعتبار آخر ثلث ورقات ورقة فيها رسم الذوات و الحقايق فان لكل شئ من حيث هو هو حقيقة لايذكر معها فيها غيره و ورقة فيها رسم الصفات و الاقترانات فان لكل شئ صفاتا تلزمه من جهة الاعراض الخارجة الحاصلة من اقتران الاشياء بعضها ببعض و ورقة فيها رسم افعالها و آثارها و اشباحها و اشباح اشباحها و هكذا و جميع هذه الاوراق تفصيلية و كانت مرسومة في العلم الاول بالتفصيل و هذه الالواح الثلثة التفصيلية هي الواح الامضاء علي طبق العلم الاول فان ما يخلقه الله و يقضيه و يمضيه لايخالف علمه السابق بالاشياء و لايمكن ان يتحرك متحرك مقدار رأس ابرة من حده و لم‌يكن في ذلك العلم السابق فمن تحرك كان فيه متحركا و من سكن كان فيه ساكنا و انما يخلقه الله علي حسب علمه و علمه في كل باب اولي بحقيقة التصديق و هذه الالواح اذا محي منها شئ ليس فيه ذلك الشئ بعد و اما العلم الاول فاذا محي عنه شئ كان فيه لايخرج منه الي عرصة غيره و لا عرصة و اما العلم الثاني فلا محو فيه و لا اثبات و لكن منه المحو و منه الاثبات يبدو منه في هذه الالواح التفصيلية اما هذه الالواح الثلثة فقد رسمت بالقلم و كان جميع ما رسم فيها في القلم علي نحو الاجمال و الكلية و المعنوية و انما برزت منه الي هذه الالواح مفصلا و لما كان جميعها آثار الخلق الاول و انواره و كان له كما مر مقام وحدة و مقام كثرة و ظهر في عالم الكثرة بمظهرين مظهر كان الغالب عليه جهة الوحدة فهذا في هذا المقام صار قلما و حاكيا لعلم القلم و مظهر كان الغالب عليه جهة الكثرة فهذا في هذا المقام صار لوحا و لما كان [ص 110] الخلق الاول مؤثرا بجميع ما دونه و انما يجري منه الآثار علي نهج الحكمة و كان له جهتان كان جهة وحدته مبدء الاجمال و جهة كثرته مبدء التفصيل و كان يجري من مبدء اجماله الفيض علي مبدء التفصيل و منه ينتشر في الخلق في عالم التفصيل كان في مظهر الكثرة ذكر جميع الكائنات في عرصات التفصيل و ذلك الذكر هو الوجه المشار اليه في الآية كل شئ هالك الا وجهه فلكل شئ ذكر و وجه في ذلك المظهر المتكثر و اليه الاشارة بقوله تعالي و كل شئ احصيناه في امام مبين ، و كل شئ احصيناه كتابا و بقوله هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون و بقوله بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم مع انه قال تبيانا لكل شئ و قال مافرطنا في الكتاب من شئ فذلك المظهر المتكثر في مقام العلية هو اللوح المحفوظ و ذلك المظهر المتوحد هو القلم الجاري و لكن بين هذا اللوح و لوح العلم الاول الازلي الذي اشرنا اليه ان العلم الازلي لايزيد فيه و لاينقص و لايمكن فيه التغير و التبدل و هذا اللوح فيه مبادي جميع ما يجري في الالواح الثلثة التفصيلية و كل ما يمحي فيها يمحي به و كل ما يثبت فيها يثبت فيه و هو علة جميع ما فيها و مبدؤها و مثلهما ما هو مثبت في نفسك من تصور ما توجده و تصنعه فانت تعلم في نفسك ما انت صانعه و ما انت ممحيه و ما انت مثبته قبل صنعك و مع صنعك و بعد صنعك و لكن قد يبدو لنفسك شئ فينقلب عزمك و يتغير و اذا تغير لم‌تنس ما كان فيها قبل و انما ثبت معه شئ آخر الاتري انك تعزم علي ان تكتب في الكتاب الفا ثم تمحوه و تكتب باء فان كتبت و محوت و اثبتت علي ما في عزمك فعلت و ان بدا لك في نفسك و عزمت علي ان تكتب باء ثم تمحوه و تكتب جيما لم‌تنس ما كنت عازما عليه قبل و تقول عرفت الله بفسخ العزايم و نقض الهمم و قال علي عليه السلام عرفت الله بفسخ العزايم و حل العقود ، و كذلك مبدء الكثرة يمكن ان يبدو فيه ما لم‌يكن و اذا بدا له لم‌ينس ما كان عازما عليه قبل و هو يوافق العلم الازلي فيما مضي و ان لم‌يوافقه فيما يأتي بخلاف الالواح الثلثة التفصيلية فانه اذا محي منها شئ فقد منها ثم [ص 111] ليس فيها الا ما اثبت ثانيا كما انك اذا محوت عن الكتاب الالف و كتبت باء ليس بعد الف فيه فهذا هو الفرق بين الالواح و هذا اللوح المحفوظ المشار اليه في قوله عليه السلام انا صاحب اللوح المحفوظ ، فالمراد به لوح مبدء الكثرة و لاجل ذلك قال لولا آية في كتاب الله لاخبرتكم بما كان و ما يكون الي يوم القيمة يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب ، و اعلم ان المراد بمبدء الكثرة هذا النفس الكلية و هي اللوح المحفوظ كما ان المراد بمبدء الوحدة العقل الكلي و هو القلم الجاري فالنفس الكلية فيها وجوه الكثرات و مباديها جميعا و هي باطن ليلة القدر التي يفرق فيها كل امر حكيم و يأتي فيها مبادي جميع ما في السنة ثم يفصل في اوقات السنة شيئا بعد شئ و لكن ليس يمضي في ليلة القدر جميع ما في السنة مفصلا لانها تمضي في اوقات السنة و اما في ليلة القدر فهي جمل و امثل لك مثالا ظاهرا تكشف عن باطن ان الامور في ليلة القدر بمنزلة قولك كل شئ طاهر حتي تعلم انه قذر و قولك اذا شككت فابن علي اليقين و امثال ذلك و اما في عرض السنة فيجري تلك الاحكام في كل شئ شئ و مورد مورد فما في ليلة القدر محتوم ممضي جملا لا مفصلا و في عرض السنة يقع شئ بعد شئ مفصلاً و لاجل ذلك يحتمل فيها البداء التفصيلي بان لايقع الشئ اليوم و يقع غداً و اما ان لايقع و كان في ليلة القدر انه يقع فلايكون فافهم ذلك فالعلم الذي في صدر الامام عليه السلام هو العلم الجملي و يجري الله جل جلاله الخلق من نوره علي حسبه فان بدا لله في الخلق او لم‌يبد كان في ذلك اللوح الذي هو صدر الامام نعم قد يقع البداء في نفس ما في صدر الامام فيبدو لله عز و جل فيه اولا ثم يشرق منه في الخلق كما شاء الله كما تري ان جميع الانوار تابعة للسراج و لربما يبدو لك فتمد السراج مدا او تغيره فاذا غيرته تغير جميع الانوار علي حسبه و لاجل ذلك قالوا يحتمل فيما اخبرنا به البداء .