[ص 1]

شرح حديث المعرفة بالنورانية

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطيبين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين الي يوم الدين .

و بعد يقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم ان زمانا قبل ذلك اتاني كتاب كريم و خطاب جسيم من صاحب المفاخر و مالك المآثر ذي العز و النجار و الكرامة و الفخار المولي الولي و السند الوفي و المقدم الصفي جناب الميرزا محمدرضا بن المرحوم الحاج محمدباقر الآهوئي القمي النخعي دام مجده العالي و مد ظله السامي و قد امرني فيه ان اشرح الحديث الشريف المروي عن مولانا و سيدنا اميرالمؤمنين صلوات الله عليه في المعرفة النورانية و قد اتاني كتابه و انا مشغول بتأليف كتابي فصل الخطاب في جمع الاخبار الصحيحة المأثورة في كتب الاصحاب فعاقني ذلك عن المبادرة الي امتثالي امره فعاودني مكررا و راجعني مرددا يطالبني بشرح الحديث و انا لاشتغالي بتأليف ذلك الكتاب لم‌اتمكن من امتثال امره الي ان وفقني الله لاتمام ذلك الكتاب فبادرت الي ائتمار امره و امتثال حكمه مقتصرا علي ما هو الميسور لورود مسائل كثيرة من اطراف البلاد و لزوم اداء حق كل واحد هذا و فطانته ادام الله عزه تريحني عن التعب في تطويل المقال بل عن سلوك مسلك الاعتدال فاكتفي بالاشارة مقتصرا علي اخصر عبارة راجيا من الله ان يجعله ذخيرة لي ليوم المعاد و يوفقني فيه للرشاد و يجعله خالصا لوجهه ليوم لقياه و طريقا الي رضاه و سلما نعرج به الي قرباه و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطيبين .

فاقول ان هذا الحديث حديث رواه المجلسي رحمه الله [ص 3] في بحارالانوار قال رحمه الله في البحار باب نادر في معرفتهم صلوات الله عليهم بالنورانية و فيه ذكر جمل من فضائلهم عليهم السلام اقول ذكر والدي رحمه الله انه رأي في كتاب عتيق جمعه بعض محدثي اصحابنا في فضائل اميرالمؤمنين صلوات الله عليه فكان فيه هذا الخبر و وجدته ايضا في كتاب عتيق مشتمل علي اخبار كثيرة قال روي عن محمد بن صدقة انه قال سأل ابوذر و ساق الحديث الي ان قال في آخر الباب اقول انما افردت لهذه الاخبار بابا لعدم صحة اسانيدها و غرابة مضامينها فلانحكم بصحتها و لا ببطلانها و نرد علمها اليهم عليهم السلام و رواه في العوالم ايضا بهذا السند و رواه في مشارق الانوار مرسلا عن سلمان و ذكر في منتهي المقال في ترجمة محمد بن صدقة بصري غال ضا و زاد صه من اصحاب الرضا عليه السلام و في جش ابن‌صدقة العنبري البصري ابوجعفر روي عن ابي‌الحسن موسي عليه السلام و عن الرضا عليه السلام له كتاب عن موسي بن جعفر عنه الحسن بن علي بن زكريا و كذا ضعف الحسن و قال ضعيف جدا فالحديث علي الاصطلاح الجديد بين العلماء ضعيف و لكن علي اصطلاح القدماء ممن تقدم علي العلامة رحمه الله و من تأخر عنه من محدثي اصحابنا الحديث صحيح لا شك في صحة مضامينه فان بناء المحدثين علي تصحيح الحديث بالقراين فما حف بالقرائن الصحيحة التي تطمئن اليها القلوب يؤخذ به و ما دلت القرائن علي خلافه يترك و ما ليس عليه قرائن يتوقف فيه فهذا الخبر باصطلاح القدماء صحيح لا شك فيه و لا ريب يعتريه كما ستتلي عليك ان شاء الله قرائن الصحة علي كل فقرة فقرة فلا سبيل لاحد الي انكاره و هذا هو الصحيح الذي امر محمد و آل‌محمد عليهم السلام باتباعه و المصحح بكتب الرجال لايسمن و لايغني من جوع فان الخبر ان كان صحيحا فلا حاجة الي تعديل رجاله و تصحيح سنده و ان كان مكذوبا فالذي يكذب في المتن يكذب في السند فيذكر سندا مكذوبا جميع سلسلته عدول ثم يكذب متنا فعلم الرجال لايغني عن القرائن و القرائن مغنية عنه نعم قد يحصل منه بعض القرائن ايضا و قد يحتاج اليه في بعض الموارد [ص 4] فنحن نشرع بحول الله و قوته في شرح فقرات ذلك الحديث جاعلا فقراته كالمتن و بياني لها كالشرح ليتبين ما قدر الله اظهاره في شرح كل فقرة فقرة و انما اذكر الفقرات علي ما رواه المجلسي في البحار فانه المرجع في هذا المضمار و ما ذكره الشيخ عبدالله بن نورالله في العوالم فانما رواه عنه و ما ذكره شيخنا الاجل الاوحد اعلي الله مقامه فانما ذكر بعض فقرات ما رواه في البحار و لم‌يذكر تمام الحديث و اقتصر علي موضع الشاهد منه و اما ما رواه الشيخ رجب في مشارق الانوار فيوافق رواية المجلسي في بعض الفقرات و يخالفها في بعض و ربما نشير الي موضع المخالفة ان شاء الله في تلو ذكر الفقرات .

قال : روي محمد بن صدقة انه قال سأل ابوذر الغفاري سلمان الفارسي رضي الله عنهما يا اباعبدالله ما معرفة اميرالمؤمنين عليه السلام بالنورانية قال يا جندب فامض بنا حتي نسأله عن ذلك قال فاتيناه فلم‌نجده قال فانتظرناه حتي جاء قال صلوات الله عليه ما جاء بكما قالا جئناك يا اميرالمؤمنين نسألك عن معرفتك بالنورانية .

اقول ابوذر رحمه الله شأنه اجل من ان يعرّف ، اسمه الشريف جندب بضم الجيم و الدال و قد يفتح الدال و قد يكسر معه الجيم كدرهم و ابوه جُنادة كسلالة و هو غفاري و هو ككتاب رهط من كِنانة و هو كان من كبار صحابة رسول الله صلي الله عليه و آله و من فضله انه قيل لعلي عليه السلام حدثنا عن ابي‌ذر الغِفاري قال علم العلم ثم اوكاه و ربط عليه رباطا شديدا و قال ابوعبدالله عليه السلام الايمان عشر درجات فالمقداد في الثامنة و ابوذر في التاسعة و سلمان في العاشرة و قال رسول الله صلي الله عليه و آله من اراد ان ينظر الي زهد عيسي بن مريم عليه السلام فلينظر الي ابي‌ذر و اما سلمان رضي الله عنه ففضله اكثر من ان يسطر و من فضله ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام لابي‌ذر يا باذر ان سلمان لو حدثك بما يعلم لقلت رحم الله قاتل سلمان يا باذر ان سلمان باب الله في الارض من عرفه كان مؤمنا و من انكره كان كافرا و ان سلمان منا اهل البيت و قيل لابي‌عبدالله عليه السلام اكان سلمان محدثا قال نعم قيل من يحدثه قال ملك كريم قيل فاذا كان سلمان كذا فصاحبه [ص 5] اي شئ هو قال اقبل علي شأنك و عن الفضيل بن يسار عن ابي‌جعفر عليه السلام قال قال لي تروي ما يروي الناس ان عليا عليه السلام قال في سلمان ادرك علم الاول و علم الآخر قلت نعم قال فهل تدري ما معني ذلك (ظ) قال قلت يعني علم بني‌اسرائيل و علم النبي صلي الله عليه و آله قال فقال ليس هكذا و لكن علم النبي صلي الله عليه و آله و علم علي عليه السلام و امر النبي و امر علي صلوات الله عليهما و آلهما و عن النبي صلي الله عليه و آله سلمان بحر لاينزف و كنز لاينفد سلمان منا اهل البيت سلسل يمنح الله الحكمة و يؤتي البرهان و قال في حديث ماحضرني جبرئيل الا امرني عن ربي عز و جل ان اقرأه السلام و قال ابوعبدالله عليه السلام علم سلمان علما لو علمه ابوذر كفر و قال ان سلمان علم الاسم الاعظم و قال آخا رسول الله صلي الله عليه و آله بين سلمان و ابي‌ذر و اشترط علي ابي‌ذر ان لايعصي سلمان و قال سلمان خير من لقمان ، الي غير ذلك من فضلهما و في العوالم و روي اصحاب الاخبار ان سلمان الفارسي لقي عيسي بن مريم و بقي الي زمان نبينا صلي الله عليه و آله و خبره مشهور .

و اما المعرفة فالمراد بها ما يقابل الانكار و مشعرها الفؤاد و ذلك ان الله عز و جل خلق الخلق في ثلث مراتب اوليها مرتبة الحقيقة و هي اول اذكار الشئ الذي صدر من مشية الصانع من حيث انه نورها و اثرها و الي ذلك اشار اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث كميل حين سأله عن الحقيقة فقال نور اشرق من صبح الازل فيلوح علي هياكل التوحيد آثاره ، و هي الشئ من حيث صدوره من المبدء و ثانيتها مرتبة مادته و معنويته و هي كلية بالنسبة الي جزئيات حالاته و تطوراته جارية في كلها ثابتة فيها و ليس فيها تعين شئ منها و ثالثتها مرتبة صورته و جزئياتها و حالاتها و تطوراتها في اطوارها ، و هذه الثلث المراتب في كل شئ بحسبه و لما كان الانسان انموذج جميع العالم و جامعا لجميع ما فيه خلق فيه ثلث مدارك من جنس هذه الثلث المراتب لكي يدرك بكل مدرك ما يشاكله كما قال علي عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ، فخلق الله جل و عز فيه من جنس الحقائق مشعرا [ص 6] يسمي بنور الله المشار اليه بقوله صلي الله عليه و آله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله ، و الفؤاد المشار اليه بقوله ماكذب الفؤاد ما رأي و به يدرك حقايق الاشياء و الامثلة الملقاة في هويات الاشياء و شأنه المعرفة و ضدها الانكار و خلق فيه من جنس المعاني مشعرا يسمي بالعقل و به يدرك المعاني الكلية و شأنه اليقين و ضده الظن و الشك و الوهم و خلق فيه من جنس الصور مشعرا يسمي بالنفس و لها من المراتب عشرون لتكثر مراتب الصور و بها يدرك الصور المجردة و المادية و شأنها العلم و ضده الجهل و الي هذه المراتب اشار الله سبحانه بقوله ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن و بقوله و من الناس من يجادل في الله بغير علم و لا هدي و لا كتاب منير فالحكمة دليل اهل الفؤاد و سبيلهم الهدي و الموعظة دليل اهل العقل و سبيلهم الكتاب المنير و المجادلة دليل اهل النفس و سبيلهم العلم و قد بسطنا القول في هذه المسائل في ساير كتبنا و لا حاجة الي تفصيلها هنا و الغرض بيان درجة المعرفة و قد تبين ان مشعرها الفؤاد فمن كان من اهل الفؤاد يمكنه المعرفة بالحقايق و المثل الملقاة في هويات الاشياء و من لم‌يكن منهم لايمكنه ذلك ابدا كما ان رؤية الالوان و الانوار من شأن العين فمن كان له عين يمكنه رؤية الالوان و الانوار و من لم‌يكن له عين و تكلف معرفتها بساير مشاعره لايكاد يصل الي دركها ابدا و ان كان ساير مشاعره سليمة و من اجل ذلك قال اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظايرها ، فالاداة بمعني الآلة و المراد هنا المشاعر فانها آلات ادراك الاشياء فقال انما تحد الادوات انفسها ، اي ليست تحد انفس المدركات الخارجية فان الادوات لاتصل الي ذوات المدركات الخارجة و انما تدرك منها اشباحا تأتيها فتنصبغ تلك الادوات باصباغها كانصباغ المرايا اذا انطبع فيها اشباح الشواخص المنفصلة فاذا اتتها الاشباح و انصبغت بها تصورت بصورها فتحددت بحدودها فتصور ادراكها ايضا فانها مدرك مصبوغ فاذا ادركت نفسها و هي محدودة بتلك الحدود فقد حدتها فهي تحد نفسها المصبوغة لا الشئ الخارجي و اما الآلات [ص 7] فالمراد بها ايضا المشاعر فهي تشير الي نظائرها فالعين لاتشير الي الاصوات و الاذن لاتشير الي الالوان و هكذا بل كل واحدة تشير الي نظيرها في الرتبة فالعين تشير الي الالوان و الاذن تشير الي الاصوات و هكذا فالحقايق لاتدرك الا بمشعر مناسب لها و الذي جعله الله لها و جعله آلة دركها الفؤاد فمن رام ذلك بغيره حرمه ،

فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و ان لم‌يكن فهم فيأخذه عنا

و ما ثم الا ما ذكرناه فاعتمد عليه و كن في الحال فيه كما كنا

فالمراد بمعرفة اميرالمؤمنين بالنورانية معرفة نورانية اميرالمؤمنين و حقيقته و كونه نور الله جل جلاله كما قال عليه السلام اخترعنا من نور ذاته و فوض الينا امور عباده ، و ذلك كما تقول معرفة زيد بالانسانية او الكاتبية او النجارية يعني معرفة انسانيته و كاتبيته و نجاريته فمعرفة اميرالمؤمنين بالنورانية معرفة نورانيته و كونه نوراً للّه جل جلاله و ذلك خاصة اهل الفؤاد و لما كان ابوذر رحمه الله من اهل الفؤاد و كان له ذلك المشعر و كان سلمان رضي الله عنه ايضا من اهل ذلك و اعلي و اجل و اعلم و اكمل سأله ابوذر رحمه الله عن ذلك و لما كان اميرالمؤمنين عليه السلام بين ظهرانيهم و مع ظهوره لم‌يكن ينبغي لمثل سلمان ان يبادر بشرح ذلك له و كان بيانه صلوات الله عليه اتم و اكمل و اعلي و اجل قال فامض بنا حتي نسأله و اذا سألاه و تصدي للبيان فلا محالة يبين امورا ينفعهما معا و يتجلي لهما بنور و يعني بهما عناية لم‌تتعلق بهما قبل فاتياه فلم‌يجداه اول مرة ليعلما انه لا كل من طلب ذلك المقام وجده و ليعلما انه ليس يصل الانسان الي مطلوبه من جهده بل هي عناية غيبية من الله جل جلاله و منهم يعنون بها من شاؤا بعناية خاصة و تفضل ابتدائي لهم فلما عرفهما ذلك بفقدانهما اياه عني بهما و توجه اليهما تفضلا منه و كرما فسألهما و هو اعلم بما جاءا له حتي يكون سؤاله اذنا لهما لعرض حاجتهما عليه صلي الله عليه ظاهرا اذ ما لم‌يأذن العالي الداني بالسؤال لم‌يقدر الداني علي السؤال و ما لم‌يسأل الداني العالي حاجته ظاهرا بلسانه لم‌يستحق قضاء [ص 8] حاجته كما قال الله عز و جل قل مايعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فلاجل ذلك سألهما عن حاجتهما اذنا لهما حتي يسألاه بلسانهما و ليس يسأل السائل بلسانه حتي ينزل السؤال من اعلي درجاته و مراتبه الي ادناها فيستحق قضاء الحاجة بجميع مراتبه فلايعوقه عائق عن قضاء حاجته و لذلك قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله تبارك و تعالي يعلم ما يريد العبد اذا دعاه و لكنه يحب ان تبث اليه الحوائج فاذا دعوت فسم حاجتك ، هذا و في ملاطفة العالي الجليل العظيم تمكين و تقريب للداني و ايناس له حتي لايستوحش كما سأل الله عز و جل موسي عليه السلام و هو اعلم قال و ما تلك بيمينك يا موسي .

قال صلوات الله عليه : مرحباً بكما من وليين متعاهدين لدينه لستما بمقصرين لعمري ان ذلك الواجب علي كل مؤمن و مؤمنة .

قوله صلوات الله عليه مرحبا هو مصدر ميمي من قولهم رحب المكان رحبا كقرب اي اتسع فقوله مرحبا اي اتيت مكانا متسعا لايضيق بك و لا شك في اتساع عرصة علمه صلوات الله عليه بحيث لا غاية له و لا نهاية فمن جاءه جاء مرحبا و سعة لايدرك اطرافها و لا تحديد لاُرَفِها و اما الولي فهو بمعني المحب و الصديق و الناصر و اولياؤ علي عليه السلام محبوه و اصدقاؤه و ناصروه و تعاهد الشئ اذا حافظه و راعي حرمته فهما رحمهما الله كانا متعاهدين لدينه اي لدين الله اي كان كل واحد منهما يتعاهد دين الله حالا بعد حال فيحفظ كل واحد منهما دينه و يراعيه لئلايتصرف فيه الشياطين من الجن و الانس و لئلاينسيانه لان الانسان ينسي كل ما لم‌يتعاهده و لم‌يراع حرمته فهما كانا متعاهدين لدينهما ليلا و نهارا و حالا بعد حال او كان كل واحد منهما يتعاهد الآخر و يراعيه و يراقبه حالا بعد حال لدين الله و قوله صلي الله عليه لستما بمقصرين ، اثبات درجة عظيمة لهما فان غير المعصوم لايكون غير مقصر كما قال ابوالحسن عليه السلام في حديث كل عمل تريد به الله عز و جل فكن فيه مقصرا عند نفسك فان الناس كلهم في اعمالهم فيما بينهم و بين الله مقصرون الا من عصمه الله عز و جل و قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث حكم الله عز و جل لايقوم له [ص 9] احد من خلقه بحقه الحديث ، فشهادته عليه السلام لهما بقوله لستما بمقصرين مقام عظيم لهما و قوله صلوات الله عليه لعمري ان ذلك الواجب علي كل مؤمن و مؤمنة ، اي ان التعاهد للدين و سؤال الائمة الطاهرين و العلماء الراسخين و طلب العلم واجب علي كل مؤمن و مؤمنة و قد اديتما الفرض الذي كان عليكما او ان معرفتي بالنورانية هي واجبة علي كل مؤمن و مؤمنة و في هذا المعني يقع اشكال و هو ان المعرفة الفؤادية و ليس كل احد صاحب مشعر الفؤاد كيف تجب علي كل مؤمن و مؤمنة و لايكلف الله نفسا الا ما آتيها و درجات الايمان عديدة متفاوتة و لاينبغي ان يحمل علي صاحب الدرجة ما يتحمله صاحب الدرجتين و هكذا و الجواب عن ذلك ان الانسان يجب عليه الاتيان بكل مكلف به يقدر علي الاتيان به و ما لايقدر علي الاتيان به موضوع عنه و ان الله جل و عز جعل ما امر به من اسباب التقرب اليه و الصعود اليه فاذا امر الله الانسان بامر و اتي به علي ما يستطيع حصل له التقرب الي الله سبحانه و صعد اليه و لولا ذلك لم‌يكن لعمله فائدة فاذا حصل له التقرب و صعد تمكن من درجة تليه لا محالة و تقوي و قدر للوصول اليها فاذا تمكن من الوصول اليها كلف بالصعود اليه و هو تكليف بما يستطيع فاذا ائتمر بذلك و صعد اليها و عمل بمقتضاها صفا و تلطف و قدر علي الصعود و تمكن و هكذا فاذا تمكن كلف به ففي كل درجة يجب عليه طلب العلم بدرجة يفقدها و يتمكن من وجدانها فاذا حصل له العلم بها وجب له العمل به فاذا عمل به تقرب و تقوي علي طلب درجة عليا و علم اعلي و لذلك قال ابوعبدالله عليه السلام طلب العلم فريضة في كل حال ، و لو كان لكل احد الاقتصار علي اول درجة لماتقرب احد الي الله عز و جل و لماصعد اليه بل كان للجاهل الاقتصار علي جهله و ارتفع التكليف بالكلية و علم من ذلك ان الذين ينكرون وجوب طلب العلم و يقولون بكفاية دين العجائز تمسكا بحديث موضوع ليس منه اثر في آثار آل‌محمد عليهم السلام غافلون عن سر التكليف و عن ترقي الانسان اذا عمل بما علم و تمكنه من الوصول الي درجة عليا و وقوع التكليف بما يتمكن به هذا و الانسان اذا حصل له علم و عمل به [ص 10] عرف بعد حين انه ما فيه من التوحيد شرك و ما فيه من معرفة النبوة و الامامة تقصير و بعد معرفته بذلك لايجوز له الاقتصار عليه و يجب عليه طلب علم يزيل عنه ذلك الشرك و ذلك التقصير و الذين لم‌يعرفوا كونهم في شرك و تقصير انما هو لاجل عدم عملهم بما علموه و عدم الاعتناء بدينهم و ترك السعي في الترقي و بقائهم علي التقصير في الاعتناء بدينهم فلو اعتنوا و اهتموا بدينهم و عملوا بما علموا عرفوا ان ما كانوا عليه غير لايق و يجب عليهم التجاوز عنه و هذا هو معني قوله عليه السلام في الدعاء تدلج بين يدي المدلج من خلقك ، و ذلك واضح في علم الفلسفة فان الله سبحانه قادر علي تغيير كل شئ عن جوهريته الي جوهر اعلي و مكمل لكل شئ و مشيته جل جلاله ظهور تلك القدرة و ذلك التكميل و كل شئ صدر من مشيته من حيث الصدور تابع لها فيكون فيه قوة التغيير و التكميل ففي كل موجود قوة التغيير و التكميل و كل شئ صالح للبلوغ الي رتبة الاكسيرية و الكمال و التكميل و انما يعوقه من ذلك الاعراض الملحقة به فمن قدر علي ازالة تلك الاعراض و رده الي حقيقته التابعة لمشية الله المكملة لكل ناقص قدر علي تحصيله و تلك الاعراض ليست تزول و تفارق الشئ الا بالحل و لا حل الا بالحرارة و الرطوبة فاذا انحل الشئ بما يناسب صفا و لطف و خف و صعد و لم‌ينحل معه تلك الاعراض فبقيت ثقيلة صلبة فرسبت و صعد المحلول و امتاز و تمكن الصانع من اخراجها عنه و رميها خارج العالم فاذا عقده عليه ثم حله بماء آخر مناسب حل الجوهرية الاصلية و صفت و لطفت و صعدت اعلي و بقيت الاعراض الثانية ثقيلة غير منحلة فرسبت و امتازت و تمكن الصانع من التفريق بينها و بين الصافي اللطيف و هكذا كلما حله امتاز العرضي و الجوهري و كلما امتازا امكن التفريق و لا غاية لهذه التصفية عندهم و لا نهاية و كلما يزداد الشئ حلا و عقدا ازداد نعومة و توحدا و تشاكلا الي ان يلوح من افقه صبح نور المشية فيصير فعالا في غيره في اول درجة ثم كلما يزاد حلا و عقدا ازداد انحلالا و نعومة و صفاء و لطافة و تخلي عن الاعراض و امتازت و تخلفت و رسبت فرميت خارج العالم و ازداد الجوهر تخلصا و لطافة و قوة و لا غاية لذلك و لا نهاية [ص 11] فاذا سقي الانسان بماء العلم شيئا و انحل بالعمل به امتاز اعراضه عن اغراضه و شاهد في نفسه من القصور و التقصير و العوائق عن الوصول الي الدرجة القربي فعند ذلك يبادر الي تنقية نفسه بالاستغفار و التضرع و التوبة فيزيل عن نفسه تلك السيئات و التقصيرات فيصعد درجة فاذا سقي ماء العلم مرة ثانية و انحل بالعمل بعد العلم ازداد نعومة و لطافة و ميز بين سيئاته و حسناته و استغفر الله و لاجل ذلك حسنات الابرار سيئات المقربين و لذلك يكون الانسان دائم الترقي و بعد كل عمل يزداد بصيرة بما كان فيه و يري ما في نفسه من القصور و التقصير و يجب عليه ازالتها و طلب العلم ثانيا و العمل به و هكذا يجب علي المؤمن ان يعمل دائما .

ثم قال صلوات الله عليه يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال عليه السلام انه لايستكمل احد الايمان حتي يعرفني كنه معرفتي بالنورانية فاذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و صار عارفا مستبصرا و من قصر عن معرفة ذلك فهو شاك و مرتاب و ذكر الشيخ رجب هذه الفقرة بزيادة و تفاوت في الالفاظ هكذا قال من كان ظاهره في ولايتي اكثر من باطنه خفت موازينه يا سلمان لايكمل المؤمن ايمانه حتي يعرفني بالنورانية و اذا عرفني بذاك فهو مؤمن امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و صار عارفا بدينه مستبصرا و من قصر عن ذاك فهو شاك مرتاب .

اعلم ان الايمان بمعني التصديق و التصديق هو استقرار القلب علي صدق ما سمع و مطابقته للواقع فالتصديق هو الاقرار و الاقرار التام هو العمل اذ لولا العمل لكذب الاعضاء ما استقر عليه القلب و لم‌يحصل التصديق التام فلاجل ذلك كان للايمان درجات لان للانسان الكامل درجات و يجب عليه في كل رتبة و درجة ان يؤمن و اما الانسان الناقص فليس فيه جميع الدرجات بالفعل فلايقدر علي ايمان تلك الدرجة التي هي بعد بالقوة و كمال الايمان ان يكون بجميع الدرجات بالفعل و لما كان الفؤاد الذي به يحصل المعرفة بنورانية اميرالمؤمنين عليه السلام اعلي الدرجات و ليس للانسان درجة اعلي منه [ص 12] و حصول المعرفة بالنورانية علامة تحقق الفؤاد في الانسان لايكون العبد مستكملا للايمان حتي يعرفه صلوات الله عليه بالنورانية و من حصل له هذه المعرفة حصل له ساير مراتب الايمان البتة فانه لم‌يصل اليها الا بعد التجاوز عن ساير المراتب و الايمان فيها و كليات مراتب الايمان ثلثة الاعتقاد بالجنان و العمل بالاركان و القول باللسان و القول باللسان من العمل بالاركان فالايمان اعتقاد و هو كالروح و عمل و هو كالجسد فلا ظهور للروح الا بالجسد و لا قوام للجسد الا بالروح فاذا اجتمعا حصل الايمان التام الكامل و رجوع جميع العقايد الي معرفة اميرالمؤمنين و آله عليهم السلام فان معرفة الله جل جلاله ليس يحصل لاحد الا بمقاماته و علاماته التي يعرفه بها من عرفه و هم مقاماته و علاماته من عرفهم عرف الله و من جهلهم جهل الله و معرفة النبي صلي الله عليه و آله لاتحصل الا بمعرفتهم صلوات الله عليهم لاتحاد انوارهم و كونهم نفسه و ظهوره و معرفة حقايق الاشياء لاتحصل الا بمعرفة مثلهم الملقاة في هويات الاشياء و معرفة ما له و ما عليه لاتحصل الا بمعرفة صفاتهم و اضدادها فلايستكمل احد الايمان الا ان يكمل في معرفته صلوات الله عليه و يعرفه بالنورانية فاذا عرفه فقد عرف الله و عرف رسوله صلوات الله عليه و آله و عرف حقايق الاشياء و حقيقة ما له و ما عليه و كذلك رجوع الاعمال الي معرفته فان العمل هو معرفة الجسد كما ان الاعتقاد عمل الروح و ذلك كما ان الجسد تنزل الروح و الروح مصعد الجسد و من لا عمل له لا ثبات لعلمه لان العلم يهتف بالعمل فان اجابه و الا ارتحل فالجسد الذي لا عمل له غير عارف فان كان تاركا كان منكرا و من كان منكرا ببعض مراتبه هو غير كامل الايمان فمن عرف اميرالمؤمنين صلوات الله عليه بجنانه و اركانه هو مستكمل الايمان و الا فلا بل هو ناقص الايمان قال ابوعبدالله عليه السلام لايقبل الله عملا الا بمعرفة و لا معرفة الا بعمل فمن عرف دلته المعرفة علي العمل و من لم‌يعمل فلا معرفة له الا ان الايمان بعضه من بعض ، فمعرفته بالنورانية لاتحصل لاحد الا بعد استكمال العلم و العمل هذا و كمال العمل دليل وجود الفؤاد فان البدن ما لم‌يتم خلقته [ص 13] لم‌يتعلق به الروح و كذلك العمل جسد العلم فما لم‌يتم العمل لم‌يتعلق به العلم فدليل وجود الروح كمال الجسد و دليل وجود الفؤاد كمال الاعمال قال الله تعالي ان تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ، و قال الصادق عليه السلام في حديث اذا تجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة و اذا هاج ريح المحبة استأنس في ظلال المحبوب و آثر المحبوب علي ما سواه و باشر اوامره و اجتنب نواهيه و اختارهما علي كل شئ غيرهما و اذا استقام علي بساط الانس بالمحبوب مع اداء اوامره و اجتناب نواهيه وصل الي روح المناجات و القرب الخبر ، فلايذهبن بك المذاهب ان تزعم رجلا انه من اهل الفؤاد و ليس له عمل و لا تقوي فالعارف باميرالمؤمنين عليه السلام من له علم و عمل و كلما يزداد و يستكمل في العلم و العمل يزداد و يستكمل في معرفة اميرالمؤمنين صلوات الله عليه و اما قوله صلوات الله عليه فاذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و صار عارفا مستبصرا ، فاعلم ان الامتحان بمعني الشرح و التوسيع يقال امتحن الله قلوبهم اي شرحها و وسعها كذا في المعيار و الشرح بمعني التوسيع فشرح الله صدره للاسلام اي وسعه كذا في المعيار و انما خص القلب بالايمان و الصدر بالاسلام فان الاسلام وعاء الايمان و ظاهره قال الله عز و جل قالت الاعراب آمنا قل لم‌تؤمنوا و لكن قولوا اسلمنا و لمايدخل الايمان في قلوبكم فالاسلام من شأن النفس و الايمان من شأن العقل و ذلك ان الاسلام هو التسليم و قد يسلم الانسان و ينقاد لكبير لاستيلائه عليه و هو في قلبه غير مصدق و لا بصير فاذا استولي العقل علي النفس و اسرها يسلم النفس للطاعة له و لكن فيها بعد من مقتضيات الانكار موجودة و ليست براضية لفعله و امره الا انها تسلم له لاستيلائه عليها و اسره لها و عدم امكان المروق لها عن امره فتسلم راغمة الانف لامره و لاتبالي ان تخالف امره اذا تمكنت و اما الايمان فهو شأن العقل اذ هو التصديق و التصديق هو العمل و العمل هو الاداء و العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و العقل عبد الله حقيقة مصدق له راض بامره و نهيه عن سجية و طباع فالايمان شأن العقل و الاسلام شأن النفس [ص 14] فالايمان يشارك الاسلام و الاسلام لايشاركه اللهم الا ان يكون المراد بالاسلام الاسلام الحقيقي فانه يرادف الايمان كما يأتي و قد شرح ذلك ابوجعفر عليه السلام قال الايمان ما استقر في القلب و افضي به الي الله عز و جل و صدقه العمل بالطاعة لله و التسليم لامره و الاسلام ما ظهر من قول او فعل و هو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها و به حقنت الدماء و عليه جرت المواريث و جاز النكاح و اجتمعوا علي الصلوة و الزكوة و الصوم و الحج فخرجوا بذلك من الكفر و اضيفوا الي الايمان و الاسلام لايشرك الايمان و الايمان يشرك الاسلام و هما في القول و الفعل يجتمعان كما صارت الكعبة في المسجد و المسجد ليس في الكعبة و كذلك الايمان يشرك الاسلام و الاسلام لايشرك الايمان و قد قال الله عز و جل قالت الاعراب آمنا قل لم‌تؤمنوا و لكن قولوا اسلمنا و لمايدخل الايمان في قلوبكم فقول الله عز و جل اصدق القول قيل فهل للمؤمن فضل علي المسلم في شئ من الفضائل و الاحكام و الحدود و غير ذلك فقال لا هما يجريان في ذلك مجري واحدا و لكن للمؤمن فضل علي المسلم في اعمالهما و ما يتقربان به الي الله عز و جل قيل اليس الله عز و جل يقول من جاء بالحسنة فله عشر امثالها و زعمت انهم مجتمعون علي الصلوة و الزكوة و الصوم و الحج مع المؤمن قال اليس قد قال الله عز و جل يضاعفه له اضعافا كثيرة فالمؤمنون هم الذين يضاعف الله عز و جل لهم حسناتهم لكل حسنة سبعين ضعفا فهذا فضل المؤمن و يزيده الله في حسناته علي قدر صحة ايمانه اضعافا كثيرة و يفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير قيل ارأيت من دخل في الاسلام اليس هو داخلا في الايمان فقال لا و لكنه قد اضيف الي الايمان و خرج من الكفر و ساضرب لك مثلا تعقل به فضل الايمان علي الاسلام ارأيت لو ابصرت رجلا في المسجد اكنت تشهد انك رأيته في الكعبة قيل لايجوز لي ذلك قال فلو ابصرت رجلا في الكعبة اكنت شاهدا انه قد دخل المسجد الحرام قيل نعم قال و كيف ذلك قيل انه لايصل الي دخول الكعبة حتي يدخل المسجد قال اصبت و احسنت ثم قال كذلك الايمان و الاسلام انتهي ، و اما ما ذكرنا من [ص 15] ان الاسلام الحقيقي يرادف الايمان فيدل عليه قول اميرالمؤمنين عليه السلام قال لانسبن الاسلام نسبة لم‌ينسبه احد قبلي و لاينسبه احد بعدي الا بمثل ذلك ان الاسلام هو التسليم و التسليم هو اليقين و اليقين هو التصديق و التصديق هو الاقرار و الاقرار هو العمل و العمل هو الاداء ان المؤمن لم‌يأخذ دينه علي رأيه و لكن اتاه من ربه فاخذه ان المؤمن يري يقينه في عمله و الكافر يري انكاره في عمله فو الذي نفسي بيده ماعرفوا امرهم فاعتبروا انكار الكافرين و المنافقين باعمالهم الخبيثة انتهي ، و هذا الاسلام هو الاسلام الحقيقي و هو الايمان بالجملة لاجل ذلك خص عليه السلام الايمان بالقلب و الاسلام بالصدر و المراد بالقلب العقل كما قال عز و جل ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب و المراد بالصدر النفس فما دونها من المشاعر و هي وعاء العقل و ظاهره و صورته فالايمان معني و الاسلام صورة اما المعني فلايكون بلا صورة و اما الصورة فقد تكون بلا معني خاص و ان لم‌تكن توجد بلا معني مطلقا هو الذي خلقكم فمنكم كافر و منكم مؤمن فمن عرف اميرالمؤمنين علي ما اشرنا اليه وسع الله قلبه للايمان فلم‌يضق بما ورد عليه من الايمان و لم‌يحرج و وسع صدره للاسلام فلم‌يضق بقبول امر او نهي وارد عليه فاستكمل المعني و الصورة و الروح و الجسد و صار ايمانه ايمانا تاما كاملا و صار عارفا حقيقيا مستبصرا مهتديا الي الحق و اما قوله و من قصر عن معرفة ذلك فهو شاك مرتاب ، فاعلم ان للقلب حالات اربع و هو مجبول عليها لايقدر علي خلافها فاما ان يجزم علي الشئ بحيث يثبت و يستقر بالكلية فهو اليقين و ذلك لايكون الا حاصلا من ادلة بينة واضحة تامة فتلك الادلة بمنزلة السحاب و مدلولها بمنزلة المطر فاذا وقع مدلولها علي ارض القلب نبت منها نبات اليقين فذلك اليقين ولد قد تولد بين ابوين ابوه الدليل القطعي و امه القلب او الدليل بمنزلة الشاخص و المدلول شبحه و القلب بمنزلة المرآة و كل مثل ينبئ عن وجه من وجوه المسألة فاذا كان في الخارج دليلان متضادان ناقصان فان الدليل لو كان تاما لدل علي ما دل بينا واضحا و اورث اليقين بمدلوله و اذا كان ناقصا يكون افادته [ص 16] وجود المدلول ناقصا فلايتضح للعقل مطابقته للواقع و مخالفته فيقع من كل واحد منهما شبح علي مرآة القلب فلايقدر علي ان يقر علي احدهما فيحصل له تردد فان غلب احد الدليلين علي الآخر تولد منهما الظن و تولد من المغلوب الوهم و ان تساويا حصل منهما الشك فيبقي مترددا لايقدر علي الاقرار بهذا و لا بهذا و اما الريب فهو اول الشك و احتمال الخلاف فكأنه الوهم المقابل للظن و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام لاترتابوا فتشكوا فتكفروا ، يعني اذا عرفتم حقا لاتلتفتوا الي جهة الخلاف فتستأنسوا بها ثم تتقوي قليلا فترتابوا ثم تتقوي بعده فتساوي الحق في انظاركم فتشكوا ثم تتقوي بعده في انظاركم حتي تغلب الحق فتظنوا فتكفروا و اما ان يغلب جهة الباطل حتي يتولد منه اليقين بموافقة الواقع و الحق فلايكون ذلك ابدا و ما يقوله بعض الجهال من ان اهل الباطل ربما يقطعون علي حقية باطلهم فذلك افك و افتراء و لايكون ذلك ابدا و ان لكل شئ اثرا مشاكلا له و مادة الباطل و صورته اللتان هما اركان دليله لهما اثر باطل فان الاثر يطابق صفة مؤثره فلايؤثر دليل الباطل في نفس احد يقينا بحقية مدلوله هذا و دليل الحق ما ليس معه دليل باطل و ان الله جل جلاله لم‌يدع الباطل منفردا في الدنيا حتي يؤثر بلا معارض فمهما قام دليل باطل قام دليل حق بازائه يبطل دلالته قال الله عز و جل بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و لكم الويل مما تصفون و قال قل جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا و قال ليحق الله الحق بكلماته و يبطل الباطل فلم‌يقم قائم باطل الا قام بازائه قائم الحق يكسره و الا لم‌يكن لله علي خلقه حجة و لكان يسع كل احد ان يقول اني اتيقن ان الحق معي حيث ما كنت ثم لايكون لنبي و لا لوصي نبي رده و تكذيبه و لاجل ذلك قال ابوعبدالله عليه السلام في قوله و اعلموا ان الله يحول بين المرء و قلبه قال يحول بينه و بين ان يعلم ان الباطل حق و قال عليه السلام في معني الآية لايستيقن القلب ان الحق باطل ابدا و لايستيقن القلب ان الباطل حق ابدا انتهي ، و لولا ذلك لم‌يقم لنبي حجة علي رعيته و لا لله علي خلقه من حجة [ص 17] و ان قلت كما انه لم‌يقم دليل باطل الا و قام معه بازائه دليل حق كذلك لم‌يقم دليل حق الا و قام بازائه دليل باطل فيلزم من ذلك ان لايكون يقين ابدا و يكون المدار في جميع الامور بالشك او الظن قلت كذلك هو قال الله عز و جل و ماارسلنا من رسول و لا نبي الا اذا تمني القي الشيطان في امنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته و لكن قال ان جند الله هم الغالبون و ان حزب الله هم المفلحون و قال بل نقذف بالحق علي الباطل فيدمغه فاذا هو زاهق و قال ليحق الله الحق بكلماته و يبطل الباطل و قال لله العزة و لرسوله و للمؤمنين و من البين ان كل عزيز غالب الله مغلوب فلايكون لدليل الباطل غلبة علي الحق و علي الله ابطاله و دمغه و ازهاقه و لاتحسبن الله مخلف وعده رسله و انما خلي بين الباطل و جولته لتصغي اليه افئدة الذين لايؤمنون بالآخرة و ليرضوه و ليقترفوا ما هم مقترفون هذا و قلوب المؤمنين خلقت من الحق و تنجذب الي الحق و تستأنس به و قلوب الكافرين خلقت من الباطل فتنجذب الي الباطل و تستأنس به الا انهم في الفطرة الاولية خلقوا علي طبق الحق فتلك الفطرة لاتدعهم يستقرون علي الباطل فهم مضطربون دائما و ان يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون و اما المؤمنون فلم‌يبدلوا تلك الفطرة و لم‌يغيروه و لم‌يتبعوا الشيطان القائل و لآمرنهم فليغيرن خلق الله و اتبعوا ربهم الذي قال فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم فهم يثبتون علي الحق و يطمئن قلوبهم عليه و يتيقنون فقوله صلي الله عليه و من قصر عن ذلك فهو شاك مرتاب ، يعني به من قصر عن معرفتي فهو شاك مرتاب في دينه في توحيد الله عز و جل فانه صلي الله عليه برهان التوحيد و ظاهره و دليله و ركنه و جمعه فمن عرفه عرف الله و من لم‌يعرفه فلا سبيل له الي الله و لايقدر علي الوصول الي كنه ذاته فان الحادث لايصل الي القديم و لا الي ظهوره و تعريفه و تعرفه فانه صلي الله عليه تعريفه و تعرفه فمن عرفه فامامه يقين و من لم‌يعرفه فامامه سجين فهو شاك مرتاب في التوحيد و كذا في النبي صلي الله عليه و آله فانه نفسه و كذب من زعم انه عرف الشئ [ص 18] و لم‌يعرف نفسه فقد روي عن الرضا عن آبائه صلوات الله عليهم قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله يا علي انت و الائمة من ولدك بعدي حجج الله علي خلقه و اعلامه في بريته فمن انكر واحدا منهم فقد انكرني و من عصي واحدا منهم فقد عصاني و من جفا واحدا منهم فقد جفاني و من وصلكم فقد وصلني و من اطاعكم فقد اطاعني و من والاكم فقد والاني و من عاداكم فقد عاداني لانكم مني خلقتم من طينتي و انا منكم ، و هذا و الحمد لله واضح لا سترة عليه و كذا شاك مرتاب في معرفة اوامر الله و نواهيه فانه ليس العلم الا ما خرج منهم كما قال ابوجعفر عليه السلام لسلمة بن كهيل و الحكم بن عتيبة شرقا و غربا فلاتجدان علما صحيحا الا شيئا خرج من عندنا اهل البيت و قال عليه السلام ليس عند احد من الناس حق و لا صواب و لا احد من الناس يقضي بقضاء حق الا ما خرج منا اهل البيت و اذا تشعبت بهم الامور كان الخطاء منهم و الصواب من علي عليه السلام انتهي ، و ذلك ان احدا لايطلع علي ما يرضي الله و ما يسخطه و لايعلمهما الا الله جل جلاله و قد انهي علمهما بالوحي الي رسول الله صلي الله عليه و آله فانهاهما رسول الله صلي الله عليه و آله الي علي عليه السلام بالسمع و النطق و قد انهاهما الي ذريته بالايداع و السمع و النطق فلايعرفهما احد الا بالاخذ عنهم و ليس للآراء في الوصول الي ذلك حظ و لا نصيب ان اصابت عميانا خافت ان تكون قد اخطأت و ان اخطأت رجت ان تكون قد اصابت و هي دائما مضطربة و هي تتنقل في الحالات تميل مع كل ريح تغلبها كل رأي غالب و تصرفها كل شبهة هامدة فمن لم‌يعرفهم فهو شاك مرتاب في دينه و حلاله و حرامه ايضا و كذا شاك مرتاب في معرفة الحقايق فان الله سبحانه خلقهم حين خلقهم و لا شئ سواهم ثم خلق الاشياء من انوارهم و اشهدهم خلق السموات و الارض و خلق انفس الخلايق فهم الشاهدون المطلعون لايشاركهم احد في ذلك فمن اخذ عنهم معرفة الحقائق وقع علي حقيقة الخلائق و من لم‌يأخذ عنهم يخرص خرصا لايرضي به الخالق كما وقع الحكماء تحت كل كوكب و هم اشد الناس اختلافا فيما تكلموا فيه لاستبدادهم بعقولهم [ص 19] و اختلافها علي اختلاف صورهم فمن لم‌يعرف آل‌محمد عليهم السلام هو شاك مرتاب في جميع اموره و لعمري جميع اصحاب العلوم شاكون مرتابون الا من اخذ منهم فان كانوا في علم يزعمون انهم علي يقين فانه علم اصطلاحي وضعوه او علم بديهي و مع ذلك فانهم في مباديه شاكون و في حقايقه مرتابون او في المقدمات يسامحون و لايعرف الحقائق الا بالمشاهدة و قد قال الله سبحانه في الظالمين مااشهدتهم خلق السموات و الارض و لا خلق انفسهم فاذا جاوزت المشاهدة جاء الاستدلال و الاستدلال لايكشف عن حقيقة الشئ هذا و ان عرفوا وجها من شئ فانما يجهلون وجوها عديدة منه و لايعرف ذلك الا من مارس الامور و العلوم و لم‌يسامح فيما سمع و ان تطع اكثر من في الارض يضلوك عن سبيل الله ان يتبعون الا الظن و ان هم الا يخرصون .

قال صلي الله عليه يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال عليه السلام معرفتي بالنورانية معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي بالنورانية .

اعلم ان المعرفة هي الادراك الثاني للشئ بعد ادراكه اولا و غيبوبته فاذا رأيت زيدا تقول اعرفه اذا كنت رأيته قبل ثم غاب عنك فاذا رأيته ثانيا تقول اعرفه انه هو هو و ان لم‌تك رأيته سابقا تقول لااعرفه و كذلك الامر في كل حاسة فان سمعت صوتا ثم غاب عنك ثم سمعته تقول عرفته انه هو هو و ان لم‌تك سمعته قبل تقول لااعرفه و هكذا ثم تختلف المعرفة فمعرفة وجه من الشئ و معرفة وجهين و معرفة وجوه و معرفة جميع جهاته و هكذا فلايحصل المعرفة بالشئ الا بمدرك يناسبه فلايعرف الانسان صوتا بعينه و لا لونا باذنه و هكذا فقيل معرفة الله و معرفة رسوله و حججه عليهم السلام اما لاجل ان الله سبحانه خلق الخلق في عالم الذر و بثهم بين يديه و اخذ عليهم الميثاق و تجلي لهم بما تجلي و اظهر لهم محمدا و آله عليهم السلام و اخذ عليهم العهود و عقد عليهم المواثيق فلما جاؤا الي الدنيا و جدد عليهم العهد و ارسل اليهم الرسل و قال ذكرهم بايام الله و قال و ذكر فان الذكري تنفع المؤمنين [ص 20] فتجلي لهم ثانيا بما تجلي و اظهر لهم الحجج عليهم السلام عرفوا ان ما رأوه هنا هو ما رأوه هناك و عرفوه فعرفوا الله و عرفوا رسوله و حججه عليهم السلام و اما لان الله سبحانه خلق الخلق حين خلقهم من نور مشيته و جعل حقايقهم آيات توحيده فتجلي لها بها و ظهر لها بها ثم انزلهم الي ساير المراتب الخلقية المعنوية و الصورية و الغيبية و الشهادية الي ان جاء بهم في هذه الدنيا ابعد المراتب و اقصاها و غيب عنهم ذلك النور و حجبهم عن ذلك الظهور بحجب اغشية الاجسام و ساير المراتب التنزلية فغاب عنهم بها ثم لما صعدهم من مهاوي الاجسام الي مراقي تلك المراتب و كشف لهم الحجاب عن تلك الانوار عرفهم نفسه و عرفوه و عرفوا الوسائط بينه و بين خلقه فعلي هذا المعني يصح ان يقال عرفهم نفسه و حججه في عالم الذر ايضا فان عالم الذر عالم النفوس و هو متنزل عن عالم الحقايق التي تجلي لهم بها ثم غاب عنهم بحجب انيات المراتب التنزلية ثم ظهر لهم في عالم النفوس و لاجل ذلك قال عليه السلام ثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه يوما ما ، و اما معرفته عليه السلام بالنورانية فاعلم ان الله جل و عز احد لايجزي و لايثني و لايتناهي فلايكون معه غيره و لايثبت معه سواه فلا شئ اذ هو الا هو فلايتحد معه شئ و لايجامعه شئ فلايمكن ان يدركه غيره اذ لا غير فهو هو لايعلمه سواه فتجلي لا بحركة بعد سكون و لا بنطق بعد سكوت و لا بتغير عما كان عليه فتجلي لا في وقت كان بعد وقت و في مكان كان بعد مكان و لا في رتبة كانت بعد رتبة و لا من شئ و لا بشئ و لا لشئ و لا علي شئ و تجليه كماله الازلي و جماله الابدي نور مستطير و ظهور اثير و هو قدرة قدير و لايتعدد بازلية التجلي القدماء للفقر الذاتي الذي للتجلي الي المتجلي و ليس التجلي الا للمتجلي و به فاني يتعدد القدماء و يتكثر الازل تعالي عن ذلك علوا كبيرا هذا و كمال الازل ازلي و ان فرض شئ بلا كمال في طرفة عين و فرض عدم تغير ذلك الشئ عما كان عليه ابدا لزم ان لايحدث له كمال ابدا فامتنع عدم كماله جل و عز و كماله هو ذلك التجلي الاعظم و الظهور الاجل الاكرم و كما انه [ص 21] يمتنع عدم كماله اولا يمتنع فناؤه آخرا فهو نور ثابت ازلا ابدا اولا آخرا و سميناه نورا لانه ظاهر بنفسه بل هو اظهر من كل شئ بل لا ظهور لغيره و كل شئ بعد اعتبار الشيئية له فانما ظهر بفضل ظهوره و ذلك انه من حيث نفس الاشياء اولي بكل شئ من نفسه و اقرب الي كل شئ من نفسه و بلحاظ كل شئ آيته و نوره و ظله فهو اظهر من كل شئ بل لا ظهور لغيره فان كل قابلية كان في الامكان معدوما و ان ما لبس من حلة الوجود فانما هو من فضله و ظله فلا وجود لشئ الا بفضل وجوده فهو مظهر جميع ما سواه فلاجل ذلك سمي بالنور لان النور هو الظاهر في نفسه و المظهر لغيره و هو المشار اليه بقوله تعالي الله نور السموات و الارض و لما كان بكله له سبحانه لا لنفسه و لا لغيره حمل علي الله و اتصف به و ذلك النور هو الذي لايسبقه سابق و لايفوقه فائق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع و هو مقامهم صلوات الله عليهم لا لغيرهم اذ هم اول ما خلق الله باتفاق الشيعة و اشرفه و اكرمه علي الله و هم متحدون مع محمد صلي الله عليه و آله في النور و الطينة و الروح باتفاق الشيعة و هو اول ما خلق الله باتفاق المسلمين فذلك النور هو اعلي درجاتهم و اس فضائلهم صلوات الله عليهم كما حققناه في كتاب نعيم الابرار و لك ان تقول ان مقام النور هو مقام الولي لانه مقام الظهور و التجلي و اما مقام النبي فهو مقام الغيب و البرزخية بين الله غيب الغيوب و بين خلقه فهو ليس بظاهر للمشاعر الغيبية و الشهادية الخلقية لغلبة جهة الرب عليه و اما الولي فهو ظاهر النبي و صفته و تجليه لمن دونه فلايظهر لمن دونه الا به فالولي هو النور و يدل عليه باطن قوله تعالي الله نور السموات و الارض فعلي اي حال معرفة علي عليه السلام بالنورانية هي معرفة ذلك النور و انه هو حقيقته و فؤاده لايشاركه فيه احد و هو بالنسبة الي النبي صلي الله عليه و آله كنسبة الصورة الي المادة او النفس الي العقل او الماهية الي الوجود فمن عرف ذلك النور فقد عرف الله لانه جهة معرفة الله عز و جل و تعريف الله عز و جل نفسه لخلقه و تعرفه لعباده و هو النبأ العظيم الذي انبأ الله عن نفسه و الآية الكبري التي اراها الله خلقه ليتبين [ص 22] لهم انه الحق و الاشارة الي بيان هذا الاجمال ان ذات الله جل و عز احدية غير متناهية و يمتنع حيث هي و لا حيث ذكر غيرها فلو ذكر معها غيرها باي وجه لزم تركيبها و خروجها عن الاحدية فاذا امتنع معه ذكر غيره يمتنع ان يعرفه غيره بل لايعقل للذات الاحدية معرفة و معروفية اذ هي في ذاتها هي و ليس لها حيوث و مراتب تكون من حيث عارفة و من حيث معروفة و من حيث معرفة و لايقوم معها غيرها فيكون عارفا بها و ليست بمركبة فتكون موصوفة بالمعروفية فامتنع ان يعرف الذات او يكون لها معرفة البتة فمعرفة الذات لفظ مهمل لا معني له البتة نعم تجلي الله سبحانه بنور جعله جهة اقترانه و جهة اضافته و جهة اتصافه لانه جعله له بكله و لم‌يجعله لنفسه و لا لغيره بل جعله له مبرءاً عن كل اسم و رسم و ذكر غير اسمه و رسمه و ذكره فلما كان كذلك صار جميع ما يضاف اليه او يقترن به او يقع وصفا له مضافا اليه جل و عز مقترنا به وصفا له جل جلاله بل لا حقيقة للاضافة الي الذات و الاقتران بها و اتصافها بشئ الا هذا و يكشف عن جميع ذلك معني قول اميرالمؤمنين عليه السلام كمال التوحيد نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و شهادة الاقتران بالحدث الممتنع من الازل ، فالمضاف و المضاف اليه و المقترن و المقترن به و الموصوف و الموصوف به و المنسوب و المنسوب اليه و جميع المتضايفات مقترنات و الاقتران دليل الحدث لانه دليل التركيب و الاحد لايقترن بغيره اذ غيره يمتنع معه فاذا لايقترن بالذات شئ فاذا جهة الاقتران مقترنة مع المقترن و لاجل ذلك قال ابوعبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل فلما آسفونا انتقمنا منهم قال ان الله تبارك و تعالي لايأسف كاسفنا و لكنه خلق اولياء لنفسه يأسفون و يرضون و هم مخلوقون مدبرون فجعل رضاهم لنفسه رضا و سخطهم لنفسه سخطا و ذلك لانه جعلهم الدعاة اليه و الادلاء عليه فلذلك صاروا كذلك و ليس ان ذلك يصل الي الله كما يصل الي خلقه و لكن هذا معني ما قال من ذلك و قد قال ايضا من اهان لي وليا فقد بارزني [ص 23] بالمحاربة و دعاني اليها و قال ايضا من يطع الرسول فقد اطاع الله و قال ايضا ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله و كل ذلك و شبهه علي ما ذكرت لك و هكذا الرضا و الغضب و غيرهما من الاشياء مما يشاكل ذلك و لو كان يصل الي المكون الاسف و الضجر و هو الذي احدثهما و انشأهما لجاز ان يقال ان المكون يبيد يوما ما لانه اذا دخله الضجر و الغضب دخله التغيير و اذا دخله التغيير لم‌يؤمن عليه الابادة و لو كان ذلك كذلك لم‌يعرف المكون من المكون و لا القادر من المقدور و لا الخالق من المخلوق تعالي الله عن ذلك القول علوا كبيرا هو الخالق للاشياء لا لحاجة فاذا كان لا لحاجة استحال الحد و الكيف فيه فافهم ذلك ان شاء الله انتهي ، فاذا الصفات للموصوف و المقترنات لجهة الاقتران و النسب لجهة الانتساب و الخطابات لجهة الخطاب و الاشارات لجهة الاشارة و التعبيرات لجهة التعبير و الاسماء لجهة التسمية و هكذا و تلك الجهة هي ذلك التجلي المتمحض فيه الخالص له الذي لا ذكر فيه لنفسه و لغيره الا هو و ذلك قوله جل قدره سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين فالذي يخصه و لايتعلق بغيره هو الحمد و الثناء الجميل الذي اثني الله به نفسه في الدعاء انت كما اثنيت علي نفسك لااحصي ثناء عليك ، و ذلك الثناء هو اول خلق خلقه الله عز و جل و اول تجل تجلي الله جل جلاله به و هو باجماع المسلمين و اتفاق النصوص حقيقة محمد صلي الله عليه و آله لا من حيث انه حقيقته بل من حيث انها حق الله الظاهر في خلقه له به و لغيره به بهم فهو حمد الله و ثناؤه الجميل الذي اثني به علي نفسه و هو لله عز و جل ليس لغيره و هو تلك الجهة التي جميع ما يضاف اليها فقد اضيف الي الله عز و جل الم‌تسمع قوله ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله الم‌تسمع قوله من يطع الرسول فقد اطاع الله و قوله لم‌تقتلوهم و لكن الله قتلهم و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي ، و في الزيارات من احبكم فقد احب الله و من ابغضكم فقد ابغض الله و من اعتصم بكم فقد اعتصم بالله ، فلاجل ذلك صار معرفة ذلك الحق هو معرفة الله عز و جل و معرفة الله [ص 24] عز و جل معرفته .