فصل - ثم لما كانت السماوات هي ظهور حيث فعلية الجسم و الارض ظهور حيث مفعوليته دارت تلك السماوات علي حسب قوة فعليتها و عملت في الارض لانها هي حيث المفعولية فطرحت شعلاتها و انوارها علي الارضين للتكميل لاخراج ما في كيانها الي العيان و لما كانت الارض مختلفة الاجزاء علي حسب تكثرها اللازم لجهة الانية و البرودة اختلفت اجابات الاجزاء و انفعالاتها لتكميل الفاعل فمنها ما اجابت درجة فحدث منها المركبات غير التامة لعدم لطافة اجزائها المانع عن الانحلال التام الذي هو سبب التمازج و التركب التام و منها ما اجابت درجتين لقوة لطافتها في الجملة فانحلت فتمازجت فتركبت اشد فحدث منها المعادن علي اختلاف مراتبها حاجبة و مشفة منسحقة و منطرقة و منها ما اجابت [ص 56] ثلث درجات لان لطافتها اكثر فاشتد انحلالها و تمازجها و تركبها و كانت اعدل فحدث عنها النبات و منها ما اجابت اربع درجات لقوة ما ذكر فيها فحدث منها الحيوان و منها ما اجابت خمس درجات فحدث منها الانسان و منها ما اجابت ست درجات فحدث منها الانبياء علي اختلاف مراتبهم و منها ما اجابت سبع درجات فحدث منها الانسان الكامل الجامع لانه لميترك نوعا من انواع الاجابة الا و قد اجاب به و لميعقه عائق عن مراد الفاعل في فعله و عن غايته و ما بين هذه المراتب مراتب و برازخ لاتحصي و هذه المواليد كلها من هذه الارض و الفرق بينها باللطافة و الكثافة و المطاوعة لفعل الفاعل و عدمها او قلتها و كثرتها علي حسب ما تري و كذلك حدث موادها بدوران افلاك عالم المادة و طبايعها بدوران افلاك عالم الطبيعة و نفوسها بدوران افلاك عالم النفوس و عقولها بدوران افلاك عالم العقول و افئدتها بدوران افلاك عالم الفؤاد علي حسب ما شرحنا و بينا و اوضحنا و كما ان البسايط في هذا العالم اي الافلاك و العناصر من تمام كون الجسم جسما كذلك هذه المواليد التي خلقت منها هي من تمام كون الجسم جسما و هي قواتها الخارجة الي الفعلية و هي من تمام كونه مخلوقا بنفسه فهكذا يكون الجسم مخلوقا بنفسه و كذلك الامر في كل رتبة لكن بحسبها ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و المواليد في هذا اللحاظ كلها موجودة في امكنة وجودها و اوقات شهودها اذ هي من تمام كون ذلك الاثر الاعظم اثرا و من تمام ذلك التجلي فهي بذلك اللحاظ سرمدية و انما الدهر هو نسبة الاسفل الي الاعلي و الزمان نسبة جزء من الاسفل بالنسبة الي جزء منه و اما السرمد فهو صفة الذات من حيث الذات فلا تدرج فيه فافهم ان كنت تفهم راشدا موفقا و لما كانت المواليد في كل رتبة من بسايط تلك الرتبة و تلك [ص 57] البسائط آثار مطلقها القائم عليها و الرتب كلها من مادة واحدة سارية و انما ترتبت للاجمال و التفصيل و اللطافة و الكثافة كمراتب نور السراج فلا اثرية و مؤثرية في شئ من هذه المولدات بحسب الكون علي معني الاحداث لا من شئ و ان كان بينها اثرية و مؤثرية علي معني التكميل فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان الموجودات كلا من حيث الامكان من سنخ واحد و نوع واحد و هو الامكان المطلق و كل حصة من المطلق صالحة لان تتصور بكل صورة الا ان كل حصة منها تصورت بصورة و تلك الصورة عليها بالفعل و باقي الصور فيها بالقوة ● فكل حصة منها صارت كاملة في تلك الفعلية مكملة لحصة اخري تلك الصورة فيها بالقوة فذلك المكمل يد الله سبحانه في ابراز ما في كيان حصة اخري من نوع ذلك المكمل الي العيان و سبب من الله المسبب الذي ابي ان يجري الاشياء الا باسبابها فلميخلق احد شيئا لا من شئ الا الله سبحانه و كل صانع شئ فمن شئ صنع فالله سبحانه خلق الامكان المطلق لا من شئ و كل صانع فيخرج ما في كيان ذلك الامكان الي العيان بالتكميل فهو صانع من شئ و هو الامكان فان اردت الشاهد علي ذلك فهذا كلام اميرالمؤمنين عليه [ص 58] السلام في خطبة له كل صانع شئ فمن شئ صنع و الله لا من شئ صنع ما خلق و ما رواه في البحار عن ابيعبدالله قال في الربوبية العظمي و الالهية الكبري لايكون الشئ لا من شئ الا الله و لاينقل الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله و لاينقل الشئ من الوجود الي العدم الا الله ،
و الدليل علي ان كل حصة من الامكان المطلق صالحة لكل شئ و الكل منه من قول الشيخ الاجل اعلي الله مقامه ما ذكره في الفائدة الخامسةعشرة بعد ان ذكر ان المشية مخلوقة بنفسها قال : كل ما يميز و يدرك مما سويها فبها كان و عنها صدر و لا اول لها في الامكان غيرها و مكانها الامكانات التي بها صدرت و وقتها السرمد و احدث سبحانه بها امكانات الاشياء علي وجه كلي لايتناهي في الامكان بمعني ان امكان زيد يمكن ان يكون عمرا و ان يكون منه عمرو و ان يكون نبيا او شيطانا و ان يكون منه نبي او شيطان و ان يكون سماءا و ارضا او بحرا او جبلا او حيوانا و ان يكون منه سماء او ارض او بحر او جبل او حيوان و هكذا الي غير النهاية ، الي آخر كلامه اعلي الله مقامه و رفع في الفردوس اعلامه .
فتبين ان حصة الامكان صالحة لان تكون نبيا و انسانا و حيوانا و نباتا و جمادا و آيته ما تشاهد من ان الجسم المطلق صالح لكل هذه و قد صنع منه كل هذه فكذلك ساير مراتبه الغيبية لغيوب هذه المواليد و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا بالجملة عدم الاثرية و المؤثرية بمعني الايجاد لا من شئ في مواليد كل مرتبة من مراتب الخلق من الامور البديهية المكشوفة لاصحاب البصيرة و ان جاوزت الاحداث لا من شئ فجاء الاحداث من شئ و ليس بين النفي و الاثبات منزلة و اذا جاء الاحداث من شئ كما قال سبحانه من الماء كل شئ حي [ص 59] و كما قال ابوجعفر عليه السلام في اول ما خلق الله لكنه كان اذ لا شئ غيره و خلق الشئ الذي جميع الاشياء منه و هو الماء الذي خلق الاشياء منه فجعل نسب كل شئ الي الماء و لميجعل للماء نسبا يضاف اليه الخبر ، و لفظة من في الخبر لبيان المادة كما هو معلوم فاذا جاء الاحداث بعد خلق الاطلاق الذي هو لا من شئ من شئ جاء التكميل فجميع الخلق بعده بالتكميل و اذا جاء التكميل ذهب التأثير بمعني الاحداث لا من شئ نعم في الخلق مؤثرات وصفية و آثار بمعني المكملات و المتكملات قال الله سبحانه و اذ تخلق من الطين كهيئة الطير باذني فتفهم عني راشدا موفقا و سيأتيك ان شاء الله ما يكشف الغطاء عن بصرك .
فصل - اعلم انه بعد ما عمر الديار بظهور الجبار علي ما وصفنا و وجد التجلي الاول الاطلاقي في جميع مراتبه الست و ظهر كل واحدة من تلك المراتب بفعلياتها و تجلياتها الكلية التي هي سماواتها و اراضيها و دارت افلاكها علي اراضيها و حصل من بينهما المتولدات و حصل افئدة مولدة بين سماوات الفؤاد و اراضيه و عقول جزئية بين سماوات العقول و اراضيها و نفوس جزئية بين سماوات النفوس و اراضيها و هكذا في كل رتبة اختلف انواع الخلق بحسب اختلاف تلك المولدات و صار كل نوع اعلي من النوع الذي يليه و كان كل نوع من آثار تلك الحقيقة الكلية الاطلاقية الوحدانية المهيمنة عليها يعني ان الافئدة الجزئية آثار الفؤاد الكلي و فعلياته و العقول الجزئية آثار العقل الكلي و فعلياته و هكذا في جميع المراتب كما بينا و شرحنا في ساير كتبنا و ان قلنا ان العقول الجزئية آثار الفؤاد الكلي فنريد به انها آثار تنزله لا آثار نفسه في المقام الاعلي و كذلك ساير المراتب كلها آثارها بعد تنزلها في المراتب التنزلية كما ان الرؤية فعل [ص 60] الروح بعد تنزله في العين و السمع فعله بعد تنزله في الاذن و الفعل الذي يصدر منه بصرافته لايختص بسمع و بصر و لايتعين بهما فاثر الروح قبل تنزله اثر اطلاقي و الآثار المعينة بعد تعينه في المعينات و كذلك اذا قلنا ان النفوس الجزئية آثار العقل فهو بعد تنزله و تلبسه بلباس النفس الكلية فان النفوس الجزئية متعينة بالنفسانية و العقل الكلي معنوي كلي و لا بد و ان يطابق الاثر صفة مؤثره فلايعقل صدورها من العقل الكلي المعنوي افهم ما اقول لك بل اقول ان الافراد الجزئية لايكاد يعقل صدورها من النفس الكلية فانها كلية و الكلي اثره كلي كما بينا في الروح قبل تنزله في السمع و البصر بل النفوس الجزئية مثلا لا بد و ان يكون لها مبادي جزئية تطابقها و تلك المبادي هي انفسها من حيث الفعلية للنفس الكلية فهي عندها مخلوقة بانفسها و لا مبدأ اوفق بالشئ من نفس الشئ من حيث الفعلية و الاضمحلال عند العالي فهي آثار انفسها من حيث الفعلية بل اقول لايعقل ان يصدر الجزئيات و لو علي ما قلنا من الكلي اول مرة و لا بد فيها من التدرج الحكمي فالصادر عن الكلي اولا امور كلية هي البسايط التي هي اول فعليات الكلي العالي و هي السماوات التي هي تجلي الكلي من حيث الفعلية و الارض التي هي تجلي الكلي من حيث المفعولية فاذا ظهرت السماوات و الارض تدور السماوات علي الارض علي ما بينا و شرحنا و يحدث من بينهما الجزئيات التكملية فخصوصية جزئيتها اي كينونتها الوصفية الجزئية آثار السماوات الا انك قطعت النظر عن الكينونة الوصفية و لاحظت ذاتيتها قلت انها آثار النفس الكلية مثلا فذوات الجزئيات آثار النفس الكلية و صفاتها آثار السماوات افهم ما اقول لك و علي اي حال جزئيات كل رتبة ليست من آثار نفس اطلاق الرتبة العليا بل آثار تنزلها باطلاق الرتبة الدنيا و ليس من [ص 61] آثار نفس اطلاق الرتبة الدنيا ايضا بل من آثار آثارها و فعلياتها الا ان الوسائط دائما مستهلكة عند العالي فتنسب الآثار الي العالي و ان كانت مطابقة مع السبب المقارن لا العالي و لذلك قال علي عليه السلام القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، فنسب الافعال الظاهرة اليه لا اليها قل الله خالق كل شئ .
فاذا تبين و ظهر كيفية صدور افراد الرتبة الدنيا عن الرتبة العلياء اقول ان افراد كل رتبة جميع ما لها من المراتب كلها من عرض واحد ليس بينها اثرية و مؤثرية كما مر و يأتي فالنفوس الجزئية سواء كانت نفس محمد و آلمحمد عليهم السلام او نفوس الانبياء او الاوصياء او الاناسي ليس بينها اثرية و مؤثرية ذاتية اذ كلها آثار وصفية لسماواتها و ذاتية للنفس الكلية و كلها في عرض واحد و كذلك ما لها من فؤاد هو اول اذكارها او عقل او روح ملكوتية لان جميع ما اوتيت منها يكون علي حسب استعدادها فكما انه لا ترتب بين نفوسها لا ترتب بين افئدتها و عقولها و ارواحها بوجه من الوجوه كما مر و يأتي و ليس لها من افراد الفؤاد الكلي حصة و لا من افراد العقل الكلي و لا من افراد الروح الكلية بل الفؤاد الذي لها ظل ظل ظل الفؤاد الكلي و العقل الذي لها ظل ظل العقل الكلي و الروح الذي لها ظل الروح الكلية و كلها مشترك في هذه الظلال ليس بينها ترتب و امثل لك من عالم الاجسام مثالا هو اقرب اليك اعلم ان عالم الاجسام هو ما تري من عرش و كرسي و افلاك و عناصر و تولد فيه المواليد الجسمانية و هي اجسام الجماد و النبات و الحيوان و الانسان و الانبياء و الحجج عليهم السلام و كل هذه الاجسام من عرض واحد ليس بينها ترتب اثرية و مؤثرية و يمكن استحالة بعضها الي بعض كما بينا و شرحنا و يأتيك و لهذه الاجسام حصص من الافلاك و العناصر ففؤادها حيث كونها جسما مكشوف السبحات [ص 62] منفي الصفات و عقلها ما لها من العرش و نفسها ما لها من الكرسي و طبعها ما لها من الشمس و مثالها ما لها من الافلاك و جسمها ما لها من العناصر فجميع تلك الافراد مشتركة في هذه الحصص اذا صار فيها بالفعل و يمكن بينها البرازخ و الاستحالة و الانقلاب و الترقي و التنزل ليس في شئ منها اثرية و لا مؤثرية لانها في عرض واحد ففؤاد النبي البشري و فؤاد الرعية و عقلهما و نفسهما و ساير مراتبهما كلها في عرض واحد و انما الذي بينه و بين الاجسام اثرية و مؤثرية المثال الكلي المتنزل الي الجسم الكلي و ذلك المثال ليس من مقتضي هذه الاجسام المقارن لها و كذا المادة الكلية و الطبع الكلي و هكذا النفس و الروح و العقل و الفؤاد الكلية اذ ليس شئ منها من مقتضيات هذه الاجسام المقارنة فافهم ذلك من كلام الشيخ الاستاد اعلي الله مقامه حيث يقول في الفوائد و شرحه في الفائدة الخامسة و نحن نذكر المتن فراجعه و راجع شرحه لتعرف المراد ،
قال اعلي الله مقامه : و الحق في المسئلة ان ما كان من شئ واحد منها كالحصص المتخذة من الذات الواحدة ، الي ان قال : و ما كان من شيئين مع ما كان من شئ واحد اجتمعا في الرتبة الجامعة كالانسان و الفرس يجتمعان في الحصة الحيوانية الفلكية الحساسية و يتفارقان فيما فوقها فالانسان فيه من الحيوانية حصتان ذاتية و عرضية و في الفرس حصة واحدة ذاتية لها هي عرضية للانسان و الحصة الذاتية للانسان هي حصة من الناطقة القدسية ، الي ان قال : و المعصوم فيه ثلث حصص عرضيتان و هما ما في الانسان و لكنهما فيه قرتا و اطمأنتا فلايخرجان عن حكم الثالثة ، الي ان قال : فالحصة الحيوانية الفلكية مركب للناطقة القدسية و اثر لها خلقت من فاضلها و الناطقة القدسية اثر للملكوتية خلقت من فاضلها فلاتجمع هذه الثلث حقيقة واحدة ، الي آخر [ص 63] كلامه اعلي الله في جنان الخلد اعلامه .
و قال في شرح العرشية في شرح قول المصنف قاعدة في ان باطن هذا الانسان المخلوق من العناصر و الاركان انسانا نفسانيا الخ ، قال اعلي الله مقامه : بل الوصف الحق الحقيق بالتحقيق ما امليه عليك مما يتلي علي بهم عليهم السلام هو ان هذا الانسان الحسي البشري هذا هو الانسان النباتي النامي و في جوفه الانسان الحيواني الحسي الفلكي اهبطه الله علي الانسان النباتي من الافلاك من نفوسها و ابن آدم يشارك في هاتين النفسين النباتية و الحيوانية الحسية جميع الحيوانات و في هذين الانسانين النباتي و الحسي الفلكي انسان برزخي صوري مثالي ، الي آخر كلامه زيد في اكرامه فراجعه تجده مفصلا .
فتبين و ظهر ان الانسان الجسماني و الحيوان الجسماني و النبات و الجماد ليس بينها اثرية و مؤثرية و كذلك ليس بين مراتبها الي افئدتها اثرية و مؤثرية اذ هذه المراتب كلها جسمانية و كلها في عرض واحد و اثر الجسم الكلي اي المطلق نعم جميع الاجسام اثر المثال الكلي المتنزل و جميع الامثلة و الاجسام آثار المادة الكلية المتنزلة برتبة و رتبتين و جميع المواد و الامثلة و الاجسام آثار للطبع الكلي المتنزل بثلث رتب و رتبتين و رتبة و هكذا الي ان جميع الافراد العقلية فما دونها آثار الفؤاد الكلي المتنزلة برتبة و اما الافئدة فهي آثار الفؤاد الكلي قبل التنزل الي العقل فافهم ما كررته لك لتفوز مع الفائزين فهذه السلسلة هي السلسلة الطولية الكونية التي لميفصلها المشايخ مفصلا مبرهنا و انما هي في اشارات كلماتهم و الذي صرحوا و اكثروا فيه القول هي السلسلة الطولية الشرعية النورية و الظلمانية كما يأتي ان شاء الله و لما لميكن هذه السلسلة الكونية موضع السؤال لمنفصله هنا كل التفصيل .
[ص 64] فصل - اعلم ان الافئدة الجزئية لشدة بساطتها لمتتعدد كل التعدد بل هي متحدة مع بسايطها و بسايطها متحدة مع الفؤاد الكلي اذ هو ابسط ما يمكن في الامكان فان هو الا فؤاد واحد كلي اطلاقي فهو الحقيقة المحمدية الاطلاقية الوحدانية بلحاظ و عالم الامر بلحاظ و الوجود الحق بلحاظ و هو ذاتي تلك الحقيقة و حقيقتها و عينها اي هي هو و هو هي و ساير المراتب لها بالعرض يشاركون من دونهم فيها بلا ترتب و اما العقول الجزئية فهي ذاتية المسمين بالانبياء و حقايقهم و هي الكروبيون و الخلق الاول القائمون خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم فهي هم و هم هي و ساير المراتب لهم بالعرض يشاركون من دونهم فيها بلا ترتب و اما النفوس الجزئية فهي ذاتية الاناسي و حقايقهم و هم هي و هي هم و ساير المراتب لهم بالعرض يشاركون من دونهم فيها بلا ترتب و اما الطبايع الجزئية فهي ذاتية الجن و حقايقهم و هم هي و هي هم و ساير المراتب لهم بالعرض يشاركون من دونهم فيها بلا ترتب و اما المواد الجزئية فهي حقايق صنف من الملائكة و اما الامثلة الجزئية فهي حقايق الحيوانات و اما الاجسام الفلكية فهي حقايق النباتات و الاجسام العنصرية هي حقايق الجمادات علي تفصيل ذكرنا ، و هذه المراتب هي الافراد المميزة الكونية و ليس فيها سعادة و لا شقاوة و لا كفر و لا ايمان و لا نور و لا ظلمة و لا حسن و لا قبح و جميع ذلك في التشريع ففي هذه السلسلة لايقال ان الافراد الدانية آثار الافراد العالية بل الافراد الدانية آثار حقيقة الافراد العالية فافراد المسمين بالانبياء آثار الحقيقة المحمدية و افراد الاناسي آثار حقيقة المسمين [ص 65] بالانبياء و افراد الجن آثار حقيقة الاناسي و هكذا و ليس كل فرد من الداني اثر فرد من العالي او افراد من الادني اثر فرد من العالي و المؤثر في كل رتبة حقيقة تلك الرتبة اذا تنزلت الي حقيقة الرتبة الدانية فتدبر في مطاوي هذه الكلمات حتي تجد حقيقة الحق .
و اعلم ان كل نوع من هذه المواليد الكونية في مقامه و حده الذاتي مستجمع لجميع المراتب الثمانية المعروفة العرضية علي حسب رتبته فله فؤاد و عقل و روح و نفس و طبع و مادة و مثال و جسم علي ما يناسب رتبته ليس يشاركه فيها من دونه بمادة و لا صورة و ليس لمن دونه فيها نصيب و لما تنزل الي المرتبة الدانية تلبس بلباس من جنس الداني و ذلك اللباس هو مقام قطبيته للرتبة الدانية و هو بشر مثلهم و ذلك اللباس له عرضي و ذاتيه ما يخصه في رتبته و نسبة افراد الرتبة العالية الي افراد الرتبة الثانية نسبة علمك الذي هو فعل نفسك و اثرها الي قيامك الذي هو فعل جسدك و اثره نعم قيامك اثر نفسك بعد ما تنزل الي الجسد و كلاهما فعل نفسك الا ان العلم فعل نفسك بصرافتها و القيام فعل نفسك بعد تنزلها و الجسد حقيقة هو نفس ظاهرة كما ان النفس هي جسد باطن فهو هو النفس و الفعل فعلها فليس قيامك و علمك في عرض واحد لان مادة العلم الطف من مادة القيام و صورته الطف من صورته نعم فعل النفس غيب فعل الجسد غياب الزبد في اللبن كما ان النفس في غيب الجسد غياب الزبد في اللبن و لذلك يستخرج من الالبسة القطبية تلك الحقايق العلية و يستخرج من البدن الحيواني البدن الانساني و من البدن الانسان البدن النبوي و من البدن النبوي البدن الخاتمي الجامعي بتربية الله سبحانه و بذلك يتعلق بالابدان العرضية النفوس العالية و ان ما ذكرناه هنا مشكل جدا و لما كان هذه المسئلة غير موضع السؤال لمنفصله كل التفصيل [ص 66] و ذكرنا منها بقدر ما عسي ان نحتاج اليه فيما سيأتي من موضع السؤال .
في بيان مراتب السلسلة الطولية المسؤل عنها و بيان مقامها فاعرني لبك و سمعك و بصرك حتي اسمعك تغريد الورقاء علي الافنان بفنون الالحان بحول الله و قوته اذ لا حول و لا قوة الا به و تفصيل ذلك يقتضي رسم فصول :
فصل - اعلم ان لكل مكون وجودين وجودا كونيا و وجودا شرعيا
اما الوجود الكوني فهو الشئ بمادته التي بها يشارك ما في عرضه من شئ آخر و صورته التي بها يمتاز عن غيره فالاشياء في هذا الوجود دانوا لله سبحانه بالعبودية و اقروا له بالوحدانية و شهدوا له بالربوبية و ان من شئ الا يسبح بحمده ، كل قد علم صلوته و تسبيحه ، و له من في السماوات و الارض و من عنده لايستكبرون عن عبادته و لايستحسرون يسبحون الليل و النهار لايفترون و هي بمشيته دون قوله مؤتمرة و بارادته دون نهيه منزجرة كلهم آئلون الي حكمه راجعون الي امره عاملون برضاه فاعلون لمحبته لايوجد في جميع عرصات ملكه ذرة تخالف حكمه و امره و رضاه فكلهم معصومون مطهرون بعصمة مَلَكيّة لايوجد فيهم كافر علي معني امتناع وجوده فانه خلق ما خلق كيف ما شاء و احب و لايعقل ان يكون قد امر شيئا بقوله كن و لميأتمر و لميكن و لميعقل ان يسبقه سابق فيكون من غير امره ام حسب الذين اجترحوا السيئات ان يسبقونا ساء ما يحكمون فلميكن في جميع عرصات ملكه عاص و لا مخالف و لا كافر فان شئت قلت كلهم مطيعون مؤمنون مسلمون معصومون علي معني الانقياد للامر الكوني و ان شئت قلت هناك لا ايمان و لا كفر و لا طاعة و لا عصيان و لا عليون و لا سجين و لا جنة و لا نار و لا نعيم و لا عذاب علي معني الانقياد للاوامر الشرعية فان الشارع [ص 67] و الشرع و المتشرع كلها من المكونات فهناك لا سعادة و لا شقاوة و لا مؤمن و لا كافر بل كلهم يعبدونه عبادة لايستحسرون عنها و لايفترون طرفة عين و الا لفنوا و عدموا فهناك سجد له سواد الليل و ضياء النهار و يعبده الكافر الشرعي بكفره كما يعبده المؤمن الشرعي بايمانه فكل شئ من ذات او صفة او جوهر او عرض او خير او شر او نور او ظلمة او حسنة او سيئة او كفر او ايمان عباد له داخرون ساجدون منقادون لامره و حكمه و من آياته ان تقوم السماء و الارض بامره موادهم تابعة لمادة مشيته و صورهم لصورة مشيته فبذلك كانوا كما احب و شاء و كيف لا و قد خلقهم بهم و صورهم علي حسب ما هم عليه فكان كل شئ هو هو كما شاء ان يكون هو فهذا الوجود هو نسبة الاشياء الي خالقهم فلميعص الخالق شئ ابدا ابدا و لايعصيه شئ ابدا ابدا في رتبة من المراتب و حيث من الحيوث و اعتبار من الاعتبارات و لحاظ من اللحاظات من بدء الايجاد الي ختمه في جميع العرصات .
و اما الوجود الشرعي فهو نسبة بعض الخلق الي بعض و نسبة الداني الي العالي و المنتهيات الي المبدأ ففي هذه النسبة اختلفت الكاينات فمنهم مقبل الي المبدأ و منهم مدبر عنه و منهم مطيع له و منهم عاص و منهم مؤمن به و منهم كافر و منهم سعيد بطاعته و منهم شقي و منهم من يستحق اكرامه و نعيمه بطاعته له و اقباله اليه و منهم من يستحق اذلاله و عذابه بعصيانه له و ادباره عنه و لما كان ذلك المبدأ في التشريع القائم مقام الله في الاداء في ساير العوالم صار طاعته طاعة الله و معصيته معصية الله و الايمان به الايمان بالله و الكفر به الكفر بالله و صار منعه منع الله و عطاؤه عطاء الله و انعامه انعام الله و عذابه عذاب [ص 68] الله و هكذا و الا فلايعقل بالنسبة الي نفس الله سبحانه شئ من ذلك اذ لميقع بالنسبة اليه شئ من ذلك و لايستحقون منه شيئا من ذلك افهم ما اقول لك فان فيه اسرارا جمة و كم من خبايا في زوايا كلامي اذا عرفته و لما كان الوجود التشريعي هو نسبة بعض الخلق الي بعض فمن اقبل الي المبدأ بصفاء سريرته و اعتدال سجيته تجلي المبدأ له فاشرق و طالعه فتلألأ فالقي في هويته مثاله فاظهر عنه افعاله يا ابن آدم انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون ، فاذا توجه الي ذلك المبدأ فظهر عليه ظله و نوره حصل له مادة تشريعية و هي ذلك المثال و صورة تشريعية و هي صفة اقباله و كيفيته فذلك المثال هو حينئذ جهته الي ربه و ذلك الاقبال و هويته جهته الي نفسه و هنا مقام هاتين الجهتين الجاريتين علي السنة اصحابنا يلوكونها بين لهواتهم و لايشعرونها و اما في الكون فكما ان المادة جهة الرب الصورة ايضا جهته بلا تفاوت ابدا ابدا و كما ان المادة صفة تعريفه و تعرفه الصورة ايضا صفة تعريفه و تعرفه و ليست المادة باطوع له و اعبد من الصورة و ليست الصورة بابعد عنه من المادة و كلتاهما تدلان عليه علي نهج واحد و كيفية واحدة و كلتاهما اسمه و صفته بلا تفاوت و ليست المادة هناك جهة الخير و النور و الصورة جهة الشر و الظلمة بل كلتاهما نوران لله سبحانه قد تجلي الله سبحانه بهما عبدان داخران لله قريبتان منه بقرب واحد بعيدتان عنه ببعد واحد ، و لايحدث للشئ جهتان الا بالنسبة الي شئ واقف محدود في جهة الاتري ان السماء ليست باقرب الي الجسم المطلق من الارض ابدا و قربهما منه و بعدهما عنه علي نهج واحد و المتتفكر ان القرب و البعد في المسافة و هما معقولان بين شيئين متصاقعين و لايتوجه شئ الي شئ الا بعد ان يكون ذلك الجاه امامه دون وراءه فان كان شئ [ص 69] امامك كما يكون وراءك و وراءك كما يكون امامك لايصدق عليك انك اقبلت اليه الا و يصدق انك ادبرت عنه و لايصدق ادبرت الا و يصدق اقبلت فكم اصرح بهذا و اشباهه و الناس عنه لاهون و غافلون بالجملة علي نحت القوافي من مواقعها فليس للاكوان جهتان بل هي جهة واحدة و لا جهة و انما يحدث لها جهتان بالنسبة الي شئ واقع في صقعهم فهناك يكون لهم جهتان جهة الي ذلك الشئ و جهة الي انفسهم فافهم ما اقول لك و هذان المقامان هما اللذان اشار اليهما الشيخ الرباني بالوجود و الماهية بالمعني الاول و بالمعني الثاني في شرح العرشية و المشاعر و غيرهما من كتبه فاذا لميعرف السامعون كلامه فما ذنبي فاتقن معاني ما ذكرته في هذا الفصل حتي تفوز مع الفايزين .
فصل - فلما عرفت معني هذين الوجودين فاعلم ان للاكوان المخلوقة في رتبة واحدة مراتب عديدة و ان كانت كلها مصاقعة امكانا و في عرض واحد و لا تفاوت هناك بين النبي و الشيطان و الكافر و المؤمن و الانسان و الحيوان و النبات و الجماد اذ كلها من الماء الذي خلق اول مرة و خلقت الاشياء كلها منه و الله خلق كل دابة من ماء فمع ذلك لها مراتب اذا قست بعضها الي بعض فمنها لطيف و منها كثيف و منها عال و منها دان و منها حار و منها بارد و منها رطب و منها يابس و هكذا لها صفات عديدة بها امتازت في تكثرها و لولا تلك الاختلافات لماتمايزت و ان كان جميع ذلك من كمالات الكامل و فعلياته اذا قستها بالنسبة اليه و لكن اذا قست بعضها بالنسبة الي بعض تجد فيها هذه الاختلافات فمنها عالم و منها جاهل و منها حكيم و منها سفيه و منها قوي و منها ضعيف و منها قادر و منها عاجز و هكذا ساير الصفات و لا بد في هذه المتعددات من واحد يكون هو اعدل من الكل و اقوي و اقهر و اعلم و احكم و افضل [ص 70] و هكذا فذلك الواحد من وضع الحكمة في الكل اذ الكل علي نهج الحكمة و الصواب و قد فصلنا ذلك في ساير كتبنا فلا بد في هذه الكثرات من قطب وحداني يكون اكمل من الكل في جميع الخصال و اقدر و هو في هذه الرتبة القادر القاهر المقتدر الرؤف الرحيم العليم الكريم و هكذا و لولا خوفي من فرعون و ملائه لذكرت له ما تقشعر منه جلود و تشمئز منه قلوب و لكن اين و كيف فالاصوب ان احبس لساني و اطلق لسانهم و اتكلم بما لايستوحش منه اكثرهم فاقول لما كان هذه الموجودات المتصاقعة في رتبة واحدة ظهور الواحد الحق وجب في الحكمة ان يكون علي نهج الارتباط و الائتلاف و حكمة الارتباط تقتضي ان يكون فيها دليل و مدلول عليه و علة و معلول و سبب و مسبب و قوي و ضعيف و عال و دان و يكون مرجع الكل الي واحد و يكون الخلق علي الترتب في القوة و الضعف و الصفاء و الكدورة و التوحد و التكثر فلاجل ذلك و اشباهه وجب ان يكون فيها واحد الطف و اصفي و انور و اقوي و ازهر و ابهي من الكل فيكون هو الاول و الآخر و الظاهر و الباطن و هو بكل شئ عليم و علي كل شئ قدير يقدر علي تقليب ما يشاء كيف يشاء و علي تصريف ما يريد كيف يريد بالجملة كلما سمعت من الكمال او تسمع او لمتسمع او لنتسمع لايتجاوز هذا الواحد و هذا هو المبدأ فيقاس الباقي اليه فكل من هو اشبه به اقرب اليه و كل من هو اقل شبها به ابعد عنه و كل من لايشبهه فهو في غاية البعد عنه فلما كان ذلك الواحد هو هكذا اتخذه الله عينه و يده و لسانه و جنبه و القائم مقامه و جعل امره امره و نهيه نهيه و طاعته طاعته و عصيانه عصيانه و هكذا جعل جميع ما يضاف اليه ما يضاف اليه و جميع ما يضاف اليه ما يضاف اليه و لا تنافي بين ان نفينا التأثير عن غير الله سبحانه و بين ان قلنا ان هذا المبدأ [ص 71] قادر علي تقليب ما يشاء و تصريفه فان تقليبه تقليب تكميل كاحراق النار للخشب مثلا و قد عرفت انه بالتكميل فالمبدأ الواحد جل شأنه يقدر ان يجعل السماء ارضا و الارض سماء و الدنيا آخرة و الآخرة دنيا و الغيب شهادة و الشهادة غيبا و كل شئ كل شئ بما جعل فيه من القدرة و القوة و الهيمنة و الكمال لانه اعظم اسماء الله المتعال و هو قدرة ذي الجلال فذلك المبدأ هو اول ما خلق الله سبحانه في تلك الرتبة و انورها و اشرفها اتخذه الله ضياءه المشرق و نوره المتألق فاشرق نوره في جميع اصقاع الاكوان كما ان الشمس جسم كساير الاجسام الا انها ضيئة يشرق نورها في جميع الآفاق فكل موجود في العالم كان اصفي قابلية و الطف و اعدل استشرق بنوره اكثر من غيره كما ان نور السراج مشرق في جميع البيت و هو جسم كساير الحيطان و الاواني و البسط و غيرها فاذا كان في البيت بلورة تستشرق من نور السراج اكثر من غيرها فاذا استشرقت تلك القابلية سطع منها نور و استشرق بذلك النور قابلية كانت دونها في الصفاء و اللطافة و الاعتدال و القابلية الثانية ليست من خلق الاولي كونا و لكنها مستشرقة بها كبلورة وضعتها علي السراج فاستشرقت به ثم وضعت علي تلك البلورة بلورة اخري و ليست الثانية من خلق الاولي و لكنها مستشرقة بالاولي و هكذا كلما وضعت بلورة تستشرق اللاحقة بالسابقة و ليست من خلقها البتة و جميع البلورات كونا من نوع مادة واحدة و ان تفاوتت في الكبر و الصغر و الصفاء و الكدورة و البعد و القرب فيحدث في كل بلورة مثال نور من السابق و يظهر علي حسب صبغها و عدمه و اعتدال هيئتها و اعوجاجها فهذا الوجود المركب من هذا المثال و هذه القابلية هو الوجود الشرعي و السلسلة الطولية في هذا المقام و في هذا الوجود لا نفس البلورات المتسمع [ص 72] المشايخ اعلي الله مقامهم يقولون ان الانبياء خلقوا من شعاع نبينا صلي الله عليه و آله و لميقولوا ان موسي و عيسي خلقوا من شعاع محمد صلي الله عليه و آله و كذا يقولون ان مؤمني الانس خلقوا من شعاع الانبياء و لميقولوا ان الانس خلقوا من شعاع الانبياء ثم قالوا ان مؤمني الجن خلقوا من شعاع مؤمني الانس و لميقولوا ان الجن خلقوا من شعاع الانس و هكذا قالوا الحيوانات المحللة الطاهرة من شعاع مؤمني الجن و النباتات النافعة الطيبة من شعاع الحيوانات الطاهرة و الجمادات الطيبة من شعاع النباتات الطيبة و لميقولوا ان الجماد من شعاع النبات و النبات من شعاع الحيوان و الحيوان من شعاع الجن علي التعبير الكوني و انما ذكروا وصفهم الشرعي الايمان و مفهوم الوصف هنا حجة كقوله سبحانه لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة و لميقل عن الذين بايعوك تحت الشجرة و كذلك قالوا في سلسلة الظلمة فقيدوا في كل رتبة الكفار و الاخابيث و لميطلقوا فتبين ان مرادهم ذلك الوجود الشرعي فسحرة آل فرعون حين اصبحوا كافرين كانوا من حيث كفرهم من شعاع فرعون و شيعته فاذا امسوا مؤمنين صاروا من حيث ايمانهم من شعاع موسي علي نبينا و آله و عليه السلام و لو ارتدوا غدا لعادوا الي كونهم من شعاع فرعون و ذلك ان وجودهم الكوني ليس من شعاع فرعون و لا من شعاع موسي و الكل من نوع واحد كوني فلما آمنوا وقع علي مرآة قابليتهم شعاع موسي فاستشرقوا به علي حسب قابليتهم فصار ذلك الوجود الشرعي الذي هو ذلك المثال في تلك الهيئة شعاع موسي و هم اتصفوا به و هو روحهم الايماني الذي ايدوا به و ايمانهم الذي كتب في قلوبهم فالمؤمنون اي تلك الامثلة الواقعة في قلوبهم علي حسبها من شعاع موسي و اذا كفروا وقع [ص 73] في مرآة قلوبهم المنكوسة ظل فرعون علي حسبها فصار الكافرون اي تلك الاظلال الواقعة في قلوبهم علي حسبها من ظل فرعون افهم ما اقول لك فانه دقيق
و ان اردت الشاهد علي ذلك من كلام الشيخ اعلي الله مقامه فهو قوله في شرح المشاعر حيث يقول : خلق الله المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته كما قال جعفر بن محمد عليهما السلام و لميخلق المنافق من نوره نعم خلقه من شئ من الظلمة شبيه بالنور و لو فرض ان المنافق آمن خلق من النور حين آمن و هذا الذي اشير اليه خفي جدا قد انحطت عن نيله افهام العلماء و الحكماء و لايعرفه الا ائمة الهدي عليهم السلام و انما اوقفوني عليه و ان كتب لك اوقفوك عليه ، الي ان قال اعلي الله مقامه : و الاشارة الي ذلك الامر الخفي الذي هو من سر القدر ان افراد نوع كل رتبة تؤخذ لهم مادة معراة عن حكمي السعادة و الشقاوة و تكون حصصا كل حصة قابلة للسعادة و الشقاوة و اذا دعاهم خلقوا من طينة اجابتهم او انكارهم و هذا الخلق الثاني فيه يخلق الله المؤمن المجيب من نوره و المنافق المنكر من الظلمة و هو الخلق الصوري الذي تنقلب فيه الحقايق الصورية ، الي آخر كلماته .
و تفهم ان الله سبحانه خلق الاناسي مميزين كقوم في بلدة او قرية معروفين مميزين عاقلين مختارين في مكاسبهم و اعمالهم مشغولين و ليسوا بمؤمنين و لا كافرين و ليسوا من شعاع مبادي الحق و لا من ظل مبادي الشر كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين الآية ، فاذا بعث اليهم الرسول و اشرق نوره و ظهر امره فمن لبي دعوته استشرق قلبه بمثاله و هو روحه الايماني اوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدري ما الكتاب و لا الايمان و هو كان موجودا فاذا آمنوا صاروا مؤمنين و المؤمنون من شعاع الرسول و اذا كفروا صاروا كافرين و صاروا من ظل الجهل و الشقي الاول و هذا هو سر القدر و لو كان الاكوان بعضها ظل [ص 74] بعض كونا و عينا لاستحال تخلفها عما كونت عليه و لكانت الدعوة و ارسال الرسل و التحذير و الترغيب لغوا محضا اذا كان المؤمنون كينونتهم من النور و الكافرون كينونتهم من الظلمة و لاستحال ان يؤمن هؤلاء و يكفر هؤلاء نعوذ بالله من هذا القول بل الله سبحانه خلقهم مختارين فكانوا مخلوقين مميزين زيدا و عمرا و بكرا ثم ارسل اليهم الرسل فمنهم من آمن و منهم من كفر يعني منهم من استشرق بنور الايمان و منهم من استظلم بظلمة الكفر فصار المؤمن و هو وصف زيد و وجوده الشرعي من شعاع الرسل و صار الكافر و هو وصف عمرو و وجوده الشرعي من ظل المنافقين افهم ما ذكرت لك و اتقنه فانك لاتسمع ذلك اليوم من غيري و لا قوة الا بالله و لميعرف مطالب المشايخ الا القليل و الحمد لله علي ما من به علينا من معرفة الحقايق و الاطلاع علي الدقايق .
فصل - و اذ قد عرفت ان مراد المشايخ من السلسلة الطولية النورانية و الظلمانية ترتب مراتب الوجود في الوجود الشرعي دون الكوني و ان الاكوان المتصاقعة كلها من امكان رتبتها و من الماء الاول الذي منه كل شئ حي في تلك الرتبة و انما السلسلة الطولية التي ذكروها في الاوصاف الشرعية و الوجودات الثانية فاعلم ان انوار الاشياء علي حسب صفاء قابليتها و كدورتها ظهورا و خفاء و ان للادراك حدا معينا فاذا كانت القابلية الطف من قابلية الادراك يزداد النور خفاء عن هذا الادراك من جهة الاستعلاء و اللطافة فلايدركه هذا الادراك لانحطاطه عن درجته كما انك لاتدرك النار لصفاء قابليتها و هي اشد ضوء من الجمرة بسبعين درجة و لكن لطافتها اخفتها عن عينك و اذا كانت القابلية مساوية للادراك او مقاربة ادركها كما انك تدرك السراج و الجمرة و اذا ازدادت كثافة القابلية بحيث بلغت حد تغطية النور خفي النور ايضا عن الادراك لاستتاره بحجب [ص 75] غليظة حاجبة اياه عنه فافراد كل رتبة و ان كانت من ماء واحد نوعي او جنسي الا ان لها درجات و مراتب كما ان هذا العالم كلها من جنس الجسم الا انه منها عرش و منها كرسي و منها افلاك و منها عناصر و يختلف مادة الكرسي مع مادة العرش في اللطافة و الكثافة البتة فمادة الكرسي اكثف و لذا البست صورة اكثف و ما لمتتناسب المادة و الصورة لميمكن اقترانهما كما ثبت في الفلسفة و كذلك مواد الافلاك اكثف من مادة الكرسي و لذا البست صورة اكثف و كذلك مواد العناصر و كذلك مراتب الخلق في رتبة واحدة فمنهم الخلق الاول اي محمد و آلمحمد عليهم السلام فهم الطف و اشرف من كل الخلق ثم بعدهم نوح و ابرهيم و موسي و عيسي و من في درجتهم سلام الله علي نبينا و آله و عليهم ثم بعدهم الاناسي ثم بعدهم الحيوانات ثم بعدهم النباتات ثم بعدهم المعادن ثم بعدهم الجمادات و اهل كل مرتبة في صفاء المدارك و المشاعر و كدورتها و قوتها و ضعفها علي حسب رتبتهم لامحة و كذلك نور اهل كل رتبة علي حسب لطافة قابليتهم و كثافتها فنور محمد و آلمحمد عليهم السلام لشدة صفاء قابليتهم المقاربة للغيب لطيف في غاية اللطافة الامكانية فلايدركه كل ادراك لضعف مداركهم و صفاء ذلك النور فلايدركه الا الانبياء فان مشاعرهم الطف جميع من دونهم و تناسب انوار آلمحمد عليهم السلام و اشعتهم فهم يستنيرون بنورهم دون العالمين فاذا وصل المثال اليهم و غلظ في قابليتهم و اشرق لميدركه الا اعين المؤمنين لانه يناسبهم و اعين من سويهم مرمودة عن درك هذا الشعاع فاذا وقع ذلك الشعاع في مرايا قوابلهم و اشرق مغلظا بغلظتها ادركه اعين الحيوانات الطيبة لانه يناسبهم و الخلق بالتدرج و اعين من دونهم منحطة عن درك هذا الشعاع فاذا اشرق في قلوبهم و ظهر [ص 76] عنهم ادركته اعين النباتات فاذا اشرق في قلوبهم و ظهر عنهم ادركته اعين المعادن و الجمادات كل ذلك لما عرفت ان النور يختلف بحسب القوابل و ان المدارك لاتدرك الا ما يشاكلها فلاجل ذلك لميكن شعاع الحقيقة المحمدية الا وجودا شرعيا للانبياء لميشاركهم فيه احد و لميكن شعاع الانبياء الا المؤمنون و لميكن لاحد في مثل الذي خلق وجودهم الشرعي الوصفي منه نصيب و لميكن شعاع المؤمنين الا الحيوانات الطيبة و لميجعل الله في ما وصل اليهم من ذلك الشعاع نصيبا لاحد و لميكن شعاع الحيوانات الطيبة الا النباتات الطيبة و لميشاركها فيه شئ و لميكن شعاع النباتات الطيبة الا الجمادات الطيبة انظر في الكلام الحق كيف ينسبك من اوله الي آخره بلا اختلاف و كيف يصدق بعضه بعضا و يوافق بعضه بعضا و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .
فصل - انظر الي الشمس فانها جسم له طول و عرض و عمق و كم و كيف و جهة و رتبة و وقت و مكان كساير الاجسام السفلية فانها ايضا جسم مثلها الا ان الشمس لصفاء هويتها و غلبة روحانيتها مشرقة لامعة و الاجسام السفلية لكدورة هويتها و انيتها و ضعف روحانيتها كثيفة مظلمة فاذا اشرقت الشمس عليها اضائتها و حصل لها صفة اخري فصارت نيرة بفضل نور الشمس المنيرة و هذه الاستنارة لها وجود ثان وصفي توصف بها و تسمي مستنيرة و ما ليس منها مقابلة للشمس ليست تسمي مستنيرة بل مظلمة و هما جسمان بحسب الكينونة و جسمهما صالح للاستنارة و الاظطلام و انما يستنير مستنيرهما بفضل نور الشمس و يظطلم مظطلمهما بالاحتجاب عن الشمس و يوصف كل واحد منهما بصفته التي حدثت لهما ثانيا فالجسم للشمس و لهما وجود كوني تشترك فيه و تفترق بالوجود الشرعي الذي هو الاستنارة و الاظطلام فالوجود الشرعي للمستنير ايضا له مادة و صورة [ص 77] مادته من مثال الشمس الملقي في هويته و صورته من قابلية المستنير التي هي مادته الكونية و صورته و المستنير صفة شرعية و شخص شرعي و اسم شرعي و هو من شعاع الشمس و نورها و اثرها من حيث المادة لا من حيث القبول و الصورة لان مثال الشمس المطروح علي القوابل صفة الشمس و هي غير ذاتها و هي منها كقيامك منك و كلامك و قعودك و ساير اعمالك لاتستغني هذه الصفات عنك و هي امثلتك المطروحة في غيب الامكنة و الاوقات و هي فعلك كما ان المشية فعل الله سبحانه و هي منك كيدك منك و قد مر ما يفيدك صفتها ان تفطنت و هذا النور المنبث من الشمس مثال يضرب لذلك للتفهيم فصفة المستنير اثر الشمس لا كون المستنير الذي هو الجسم المشارك فيه مع الشمس المتسمع المشايخ اعلي الله مقامهم يقولون ان المؤمن اثر الانبياء و الكافر ظل رؤساء الضلالة و لميقولوا ان الاناسي ظل الانبياء و لو كان بعض الاناسي بكينونتهم من نور الانبياء و بعضهم بكينونتهم من ظل الضلال لكانت الدعوة و الوعد و الوعيد لغوا و الحال ان الله سبحانه ابتلي خلقه بالدعوات الشرعية و الامر و النهي و الوعد و الوعيد و جعل لكل عمل جزاء خاصا فالاناسي من حيث الكينونة صالحون للايمان و الكفر و يمكن لكل واحد ان يكون مؤمنا و ان يكون كافرا قال سبحانه انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا و قال يهديهم ربهم بايمانهم و قال بكفرهم لعناهم و استتاب الكافرين و المنافقين فاذا آمن انسان صار بعد ايمانه بايمانه من شعاع الانبياء فوصف المؤمن الحادث له من شعاع الانبياء و اذا كفر انسان صار بعد كفره بكفره من شعاع رؤساء الضلالة فوصف الكافر الحادث له من شعاع رؤساء الضلالة نعم اذا آمن انسان انقلب مادته الكونية في بطن وصف المؤمن الي الطهارة و الطيب فصار طاهرا طيبا لطيفا [ص 78] و لذلك يجوز ان يدخل الجنة و يترقي في درجاتها ككلب وقع في المملحة فصار ملحا طاهرا بمادته و صورته فيأكله الانبياء و المؤمنون و يصير جزء بدنهم و يصير مهبط الانوار و ينطق بالحكمة و اذا كفر انسان انقلب مادته الكونية في بطن وصف الكافر الي الخبث و الكثافة و لذا يجوز ان يدخل النار و يتنزل في دركاتها كلحم طيب اكله الكلب فصار نجسا رجسا يتنزه من مسه الانبياء و المؤمنون فالانسان من حيث هو انسان ليس بشعاع الانبياء و لا بشعاع رؤساء الضلالة و انما المؤمن من شعاع الانبياء و الكافر من شعاع رؤساء الضلالة و كذلك الحيوانات و النباتات و الجمادات علي هذا النسق حرفا بحرف و كذلك النبي فان وصف النبوة ايضا وجود شرعي يجوز ان يسلخ عن شخصه فلايكون نبيا و لو شئنا لنذهبن بالذي اوحينا اليك و ليس بمحض تخويف و غير ممكن فالانبياء من شعاع خاتم الانبياء و خاتم الانبياء ايضا وصف فافهم و تبصر فقد والله القيت اليك مر الحق ان عرفته .
فصل - اذا عرفت ان الوجودات الشرعية بعضها نور بعض علي حسب ما ذكرنا آنفا فلنذكر الآن ان وجود الداني الشرعي له مادة و صورة كما كان لوجوده الكوني مادة و صورة فمادة وجوده الشرعي نورٌ فَضَل من لطيفة العالي و مثال منه القي في هوية الداني بعد ان تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت و ذلك المثال بالنسبة الي العالي كنور الشمس و شبحها في المرآة و لكن هنا مطلب دقيق بالتحقيق حقيق و هو ان الله سبحانه بعد ان خلق الماء الاول لا من شئ بلا سبب خلق كل شئ من ذلك الماء بسبب و حكم في هذه العرصة بحكم عدله الربوبي ان لايجري فعل من سبب علي مسبب الا بقبول ذلك المسبب و علي حسب قبوله فالسبب و ان كان كاملا قويا لايظهر اثره الا اذا [ص 79] قبل القابل و كيفما قبل و ذلك حكم العدل الساري من الدرة الي الذرة انظر الي الشمس في قوة انارتها ليس يظهر لها نور ما لميكن كثيف و ليس يظهر نورها علي الجدار مثل ما يظهر علي الماء و ذلك ان الفاعل و القابل يدان للرب لا فضل لاحدهما علي الآخر بالنسبة الي الرب و ان كان بينهما فضل بالنسبة التي بينهما افهم ما اقول فالفاعل يحدث منه الاثر صدورا علي حسب صفة الفاعل و لكن يظهر ظهورا علي حسب قبول القابل فان قبل ظهر و الا لميظهر و ان كمل قبوله كمل ظهوره و ان نقص نقص و ان طابق القابلية صفة الفاعل وافق الظهور الصدور و ان خالفت خالف و ان اسرعت الاجابة قارن الظهور الصدور و ان ابطأ تراخي عنه بالجملة لايوجد في عرصة التشريع موجود الا بفاعل و قابل كما عرفت .
فاذا عرفت هذه المقدمة السديدة نقول انا قد بينا سابقا ان درجات الاكوان متفاوتة و ان كان كلها من ماء واحد و ذلك لاجل انها فعليات صلوحات ذلك الماء و لا بد و ان يظهر فان تمام البطون الظهور و الحكمة تقتضي ظهور ما في الامكان في الاكوان و كون ما في الاكوان في الامكان و تلك الدرجات منها متقاربة متشاكلة و منها متباعدة متباينة و منها سريع المطاوعة و منها بطيء المطاوعة و من البين ان كل شئ الي الانقلاب الي مقاربه اقرب من الانقلاب الي مباعده و الرقيق اللطيف اسرع مطاوعة من الغليظ الكثيف و الشئ اطوع لما يشاكله و اعصي لما يخالفه فاذا كان الامر كذلك اختلف ظهور آثار الاسباب في المسببات علي حسب ما ذكرنا فلا كل متكمل يتكمل بفعل مكمل حتي يصير مثله مستقلا بعده و لا كل قابلية يطاوع فعل كل فاعل و انما الاشياء مايلة الي اشكالها نافرة عن اضدادها و لا كل مطاوع يطاوع كمال المطاوعة فبقدر تنافر القابل للفاعل يختلف المطاوعة اللهم الا ان يكون القابل موافقا للفاعل من كل جهة فحينئذ [ص 80] يطاوعه حتي يصير مثله يعمل مثل عمله و لو فهمت ما اقول لصار عجبك بهذه المطالب اعظم من عجبك بفهمك و قل :
قد يطرب القمري اسماعنا و نحن لانعرف الحانه
بالجملة اذا صدر النور عن العالي الكامل و انبث في عرصات القوابل فمنها ما لميدرك ذلك النور للطافته و كثافة مشعره حتي يطاوع ام لا و منها ما ادرك و لميطاوع لمنافرته للفاعل و ادباره عنه و منها ما ادرك و طاوع و منعه كثافة انيته في الجملة و منافرته في الجملة ان يطاوعه حق المطاوعة كما شاء و اراد و هم في ذلك متدرجون و منها ما ادرك و طاوع حق المطاوعة حتي تكمل و صار مثله قائما مقامه و ذلك مثل نور الصادر الاول حيث اشرق علي القوابل فلميدرك نوره احد غير الانبياء لعلوه عن مشاعرهم و اما الانبياء فقد ادركوا و طاوعوا علي حسب تفاوت مراتبهم و لميدعهم غلظة الانية ان يطاوعوا حق المطاوعة حتي يصيروا مثله و اما اخوانه و الذين هم منه فقد طاوعوا حتي صاروا مثله و لذا قال اميرالمؤمنين عليه السلام انا من محمد كالضوء من الضوء ، و اما رؤساء الضلالة فقد ادركوا و ادبروا فلميطاوعوا و كذلك نور الخلق الثاني بعد ما اشرق فلميدركه اعين ما سوي الانسان لارتفاعه عن مداركهم و اما الانسان فقد ادرك لصفاء ادراكه و رقته و لكن منهم من لميطاوع كاتباع المنافقين و منهم من طاوع كالمؤمنين علي اختلاف درجاتهم و لما كانت قابلياتهم غليظة بالنسبة كثيفة لميطاوعوا حق المطاوعة فلميصيروا مثلهم و اما اوصياؤهم فقد طاوعوا حق المطاوعة حتي صاروا منهم كالضوء من الضوء و قاموا مقامهم و هكذا كل مرتبة بعد مرتبة و مثال ذلك السراج المشرق علي دهن آخر و المرآة و الجدار فان الدهن يتكمل منه شيئا فشيئا بالمشاكلة و الصلوح حتي يشتعل فيصير سراجا كالسراج الاول و يقوم [ص 81] مقامه و اما المرآة فتدرك السراج و تستنير به و لاتشتعل فاذا غاب السراج ذهب نورها بالكلية فانها لبعد قابليتها عن السراج لمتخرج ناريتها الكامنة من القوة الي الفعلية و اما الحائط فليس يحكي نور السراج كما ينبغي و ان كان محجوبا عن السراج يكون مظطلما هذا و الفاعل في الكل هو السراج و ليس الاختلاف في اشراقه و انما الاختلاف في قبول القوابل افهم ما اذكره لك و لو شاء الله ان يقلب القوابل كلها و يجعلها صالحة للانفعال كالدهن لفعل لان فيها الصلوح و كلها من العناصر و لكن جري تقديره علي نهج التدبير انظر الي ما ذكره القمي في تفسير قوله تعالي و لو شاء الله مااشركوا قال و لو شاء الله ان يجعلهم كلهم مؤمنين معصومين حتي كان لايعصيه احد لفعل و لكن امرهم و نهيهم و امتحنهم و اعطيهم ما له عليهم به الحجة من الآلة و الاستطاعة ليستحقوا الثواب و العقاب و ليصدق ما قال الله من التفضيل و المغفرة و الرحمة و العفو و الصفح انتهي ، و انما ذلك لان الفاعل و القابل يدان منه يقلبهما كيف يشاء و لكن اقتضي الحكمة ظهور جميع فعليات المطلق و جميع انواع الخلق و اصنافه من الفعليات و لا بد و ان تظهر فلما كان التدبير كذلك و اشرق المشرق قبل كل قابلية علي حسبه و لميقبل المدبر المعرض فلاجل ذلك اختلف مراتب الخلق في الاستنارة من المنير و عدمها و ترتبت علي نحو الطول و العرض فكل خلق دان لميطاوع العالي كل المطاوعة لكدورة قابليته صار استنارته كاستنارة الجدار من السراج فما دام السراج مشرقا عليه يكون مستنيرا فاذا رفع اشراقه فنيت استنارته و لميكن له من نفسه نور فهذا الداني بالنسبة الي العالي عليه طولي شرعي و هو اثره من حيث الاستنارة التي هي الوجود الشرعي و له مادة هي مثال العالي الصادر منه و صورة من نفس قابليته فافهم و تبصر .