[ص 82] فصل - اعلم ان القابلية في الكون من نفس المادة بل هي نفسها من حيث هي فاذا اوجدها الفاعل تنوجد اي تصير هي هي علي ما جعلها و اما في الشرع فليست الماهية من نفس الوجود بل جميع الوجود الكوني و الماهية الكونية معا و هما قائمان بالموجد الكوني دون الموجد الشرعي كالموجد الشرعي ماهية و وجودها مثال الموجد الشرعي و شبحه الملقي علي ذلك الموجود الكوني و صورته من هيئة ذلك الموجود الكوني فلما وقع المثال علي ذلك القابل حدث بينهما حالتان اخريان فانهما لما اقترنا عمل المثال في الموجود القابل و احاله عما كان عليه من الكدورة و الكثافة الي شكله فحدث له حالة ثانية و عمل القابل في المثال الفاعل و صبغه بصبْغه و احاله الي طبعه فحدث له حالة ثانية له فالمثال المستحيل هو الوجود الشرعي و القابل المستحيل هو الصورة الشرعية و اختص ذلك المثال المستحيل بتلك الصورة و اختصت تلك الصورة بذلك المثال و اما المثال قبل الاستحالة فلا اختصاص له بذلك الشخص و ليس بمادة لوجوده الشرعي و كذلك القابل قبل الاستحالة هو وجود كوني صالح للايمان و الكفر و ليس بصورة مؤمن و لا كافر فالوجود الشرعي يتولد من بين المثال و الكون و هذا الوجود هو اثر العالي و شعاعه و نوره نسبته اليه نسبة الواحد الي السبعين و هذا الوجود الشرعي ليس مادته من نوع مادة المؤثر و لا صورته من نوع صورته فانا قد بينا سابقا ان اثر الشئ غير نفسه و هو ظهوره بفعلية من فعلياته التي كانت كامنة فيه بالقوة و هو قوله عليه السلام القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، فالمثال هو آية الاحد التي قد كمنت فيك فظهر افعاله عنك بعد ما انصبغ فيك بصبغك و تلك الافعال كمالات ذلك المثال لا فرق بينها و بينه ظهورا و وجودا و انما الفرق في الجمعية و الكلية [ص 83] لا بمعني ان المثال كلها او جميعها نعوذ بالله بل بمعني عدم الاثر بمادته و صورته بل بذكره في ذات ذي المثال فاذا لا شئ الا هو و كون الاثر في رتبته له مادة محدودة بحدودها مصورة بصورها لازمتان مقرهما و صقعهما لاتتجاوزان حدهما فلايكون الاثر عين المؤثر فان الاثر مركب من اجزائه و المؤثر مبرؤ عن كثراته و لايكون الاثر كما يزعمون درجة من درجات وجود المؤثر و منزلة من منازله بان يكون اعلي تلك الدرجات درجة المؤثر بنفسه و اسفلها درجة الاثر نعوذ بالله فان ذلك تجزية له و تحديد له بنحو حدود الاثر و قد اخلي منه مكان و اشغل به مكان او جزّي و حصص و ليس المؤثر صرفا و الاثر شوبه بشئ آخر عدمي كما يزعمه قوم فان ذلك يقتضي تغيره و اقترانه ان سامحناهم و الا فالشوب بالاعدام مما لا معني له و كذا لايعقل شوبه بشئ وجودي فان ذلك تغيير و ليس الاثر و المؤثر فردين من صنف او نوع او جنسين فيكون ذلك الكلي مقسما و يكون كل واحد منهما قسما منه مع مميز خاص فان القسمين من مقسم واحد مبهم لايعقل ان يكون احدهما موجدا للآخر و يكون احدهما فرعا تابعا لوجود الآخر و كذلك ليس النسبة بين الاثر و المؤثر التشكيك بان يكونا من مقسم واحد الا ان احدهما اشد لعين ما مر و لايعقل ان يكون المؤثر كمال الاثر و حقيقته و تأصله فان جميع ما يضاف الي الاثر محدود بالاضافة و ما لايضاف فليس منه و المؤثر ايضا احدي لايعقل فيه كونه كمال شئ فان ذلك تركيب و تكثر بالجملة الاثر معدوم في رتبة ذات المؤثر بالكلية و ذات المؤثر ممتنعة في رتبة الاثر بالكلية نعم الاثر مذكور في رأس من رؤس الفعل الخاص من المؤثر المتعلق بذلك الاثر فانه علي هيئته و هيئته مذكورة فيه كذكر الالف في حركة يد الكاتب و لكن الشأن في معرفة هذا القول المجمل و الاشارة اليه [ص 84] ان كل اثر عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه و هو من حيث التعيين رأس من رؤس مشية العالي التي هي هو من حيث الابهام الصالح لكل تعين فالاثر من حيث التعيين مذكور في حده و مقامه من حيث انه رأس من رؤس المشية الكلية له فلايشابه الا نفسه و لايذكر الا في حده و ذات المؤثر و ظهورها الابهامي الكلي بريئان عن المشابهة به بالجملة مادة الاثر مخترعة في مقامه ليست من مادة المؤثر و صورته مبتدعة ليست من صورة المؤثر يعني من ذاته لا من وصفه المؤثر فانه في رتبة الاثر لاتحاد حروف اصولهما كما بيناه في علم الاشتقاق فمثال الشمس الذي هو الممثل به في هذا المقام هو اثر ذات الشمس و فعل من افعالها و كمال من كمالاتها اخترعه الله سبحانه بها لا من شئ و ابتدعه لا علي احتذاء شئ و هو قائم بها قيام صدور من امرها لازم لرتبته و هو امرها الذي اوجدته بنفسه ليس بينه و بينها ارتباط و لا نسبة و هذا الذي تري عليها احد مُثُلها المقارن لوقتك تراه بما يقارنه من مثال عينك فاذا القته و اثبتته في عرصة الدهر و جاوزت انت ايضا الموضع المقارن له و طرحت ما كان يقارنه من مثالك لاتراه الآن بعينك التي لاتقارنه و انما تدركه بمشاعرك المثالية البرزخية و الفرض ان ما سمعت مشايخنا يقولون ان نور الشمس اثر الشمس فمرادهم من النور ذلك المثال و هو نور الشمس و ظهوره و الشمس بذلك المثال شمس مستنيرة منيرة اذ لولا صورة زيد الخاصة لميكن زيد زيدا و اما هذا النور المستطير في الجو بالنسبة الي القرص فليست النسبة بينهما اثرية و مؤثرية و انما هي علي نحو التكميل كما مر آنفا نعم نسبة هذا النور الي القرص اشبه شئ بالمعني المقصود للتمثيل فالذي يري في المرآة شيئان تأثير و تكميل بالجملة غرضنا في هذا الفصل ان الاثر و المؤثر لايشتركان في الرتبة و في المادة و الصورة و ليس الاثر [ص 85] مذكورا في رتبة ذات المؤثر و ان قلت انك قلت سابقا ان الذي خلق لا من شئ هو الماء الاول ثم كل شئ منه و هنا تقول ان الاثر من المؤثر لا من شئ فكيف الجمع بين هذين المتناقضين قلت ان الله سبحانه خلق الامكان بنفسه و من نفسه و علي هيئة نفسه و لااعني نفس الذات بل نفس الامكان ثم خلق من هذا الامكان كل كاين و ليس معني ذلك تحصيص الامكان فان الامكان لايقارنه شئ غيره يقطعه بل كل شئ منه و اليه و فيه بل المراد ان جميع الاكوان بمادتها و صورتها قائمة بالغير فاذا نظرت اليها بالنظر الابهامي الجمعي تري كلها علي معني واحد فكل كون في هذا اللحاظ ينعدم كونه و يصلح ان يكون غيره هذا معني ان الله سبحانه خلق الامكان ثم خلق منه الاكوان و لكن مطالب الحكمة دقيقة و لايمكن شرح كلها في مكان واحد فاذا سمع الجاهل شيئا منها توهم ما يخالف الواقع فيفرع عليه حتي انه لو سمعنا نقول ان الله خلق بحر الامكان اول ثم خلق منه الاكوان يتوهم بحرا اول ثم يزعم انه اغترف منه غرفة لكل موجود و البست صورة خاصة و لعل شطر منها بقي علي بحريته لميغترف الي الآن و سيغترف و نحن لانعني به ذلك بل لميكن امكان بلا كون و لا كون بلا امكان و لا امكان الا في الكون و لا كون الا في الامكان و مثلهما كمثقال مداد كتبته كتابا فلا مداد لك الا في ضمن الحروف و لا حروف الا من ذلك المداد و ذلك المداد الذي ليس شئ غيره اذا نظرت اليه بنظر المداد لاتري غيره و هو صالح لهذا الكتاب و لغيره و ان نظرت اليه بنظر الكتاب فهو كون خاص و بامكانه صالح لان يمحي و يجمع مداده و يكتب به غيره افهم ما اقوله لك فان شئت قلت ما سوي الله اكوان و ان شئت قلت امكان و لكن الاكوان صالحة لان تمحي و تكتب بامكانها غيرها بالجملة ان الله سبحانه خلق الشمس و خلق [ص 86] بالشمس نورها و بنورها نور نورها و جميع ذلك اذا نظرت اليها بنظر الامكان امكان لا تمايز بينها فيه و كل ذرة منه صالحة لان يكون اثرا و مؤثرا فخلق الشمس نورها لا من شئ يعني به لا من كون و مادة مكونة و لايعني به انه غير ممكن و الامكان لايكون مادة لشئ و ليست المادة بحصة من الامكان ضم بها غيرها فليس الامكان مادة لشئ ابدا فان المادة ما يضم بها صورة و هي غيرها و لا شئ غير الامكان فالامكان مادة الكل و صورة الكل و الكل و لا شئ غيره ففي اللحاظ الامكاني لا اثر و لا مؤثر و في اللحاظ الكوني خلق المؤثر اثره لا من شئ و ان قلت كيف يعقل ان يخلق بعض الامكان بعضا و هو في صقعه قلت ان الامكان امكانان امكان مطلق و ليس فيه بعض و بعض و انما هو احدي بالنسبة الي ساير الامكانات و امكان مقيد و هو نفس الاكوان كما عرفت فكما انه خلق كون بكون خلق امكان بامكان و لا ضير و لايجتمعان الا في صحة اطلاق المطلق و هو يعم الكل و هناك لا اثر و لا مؤثر و قربه الي الاثر كقربه من المؤثر فافهم و لو اردنا ان نشرح جميع مقامات الاشكال لفني العمر قبل ان يفني المقال .
فصل - اغلب ما ذكرنا في هذا الباب كان في شرح معني الطول الشرعي و كيفية صدور الاثر من المؤثر و في دون ما ذكرت كانت كفاية و بلاغ الا اني بسطت القول لخفاء هذه المسائل و بعد الاذهان عنها و لانه لميسألني احد قبل السائل ايده الله و لمتكن في كتب المشايخ مبسوطة فدعاني جميع ذلك الي بسط القول و قد وفيت به و الحمد لله فلنشر الآن علي نحو الاجمال المحض الي السلسلة العرضية لانه غير محل السؤال و لكن به تمام المقصود فان الاشياء تعرف باضدادها .
اعلم ان الاثر اذا صدر من المؤثر صدر و هو كامل فيما هو به هو غير فاقد لشئ مما يجب في كونه هو فان المؤثر اوجده لا من شئ و هو [ص 87] قائم بمؤثره مستغن به عن غيره فهو كامل فيما هو به هو و له في كونه اثراً مبدأ و منتهي فانه محدود عند مؤثره و له من مبدئه الي منتهاه مراتب مختلفة في الرقة و الغلظة و القوة و الضعف و ساير الاضداد فهذه المراتب الذاتية المختلفة للشئ هي السلسلة العرضية عندنا و قد شرحنا قبل ذلك في هذا الكتاب شطرا مما ينبغي الرجوع اليه فهذه المراتب كلها من مادة واحدة نوعا الا ان لها مراتب عديدة في اللطافة و الكثافة فليس مادة العقل و مادة النفس سواء في اللطافة و الكثافة بل مادة العقل لطيفة بحيث انها تصور بالمعنوية و الكلية و مادة النفس كثيفة بحيث انها تصور بالصورية و الجزئية و الصور علي حسب المواد فلا كل صورة تلبس علي كل مادة و تدرج هذه المراتب كتدرج نور السراج فالحصة البعيدة منه اكثف و ابرد و اظلم من الحصة القريبة فلو اخذ حصة من القريب لاتلبس ما ينبغي ان يلبس علي البعيد و لو اخذ حصة من البعيد لاتلبس ما ينبغي ان يلبس علي القريب بل يلبس كل منها ما يناسبه و هذه الكثرات في الاثر لانها امكاناته الذاتية و يقتضي الحكمة اظهار جميع ما في الكيان الي العيان الا ما يقتضي عدم خروجه ابدا لان به اختلال النظام و فساد التدبير فهذه الكثرات في امكان الاثر تكون بالقوة و لا بد و ان تظهر و ظهرت و الفرق بينها و بين آثارها هو الفرق بين الاحد و الواحد و الجوهر و العرض و يمثل له بصورة وجهك المتصلة به و اشباحها في المرايا و لكن هذا المثال فيه خفاء كما مر و ينبغي لك التدبر فيه فالشخص في آثاره كالاحد في الاعداد فنسبة العدد الي الاحد طولية و نسبة الاحد في نفسه عرضية فالاحد ما لميتم لميظهر بالاعداد و ان كان و لميكن ابدا بلا اعداد و لميكن ابدا اعداد بلا احد و ان كان هذه الاعداد هي وجود الاحد الظهوري الا ان حقيقة الاحد فوق هذه الاعداد رتبة [ص 88] و كذلك ما لميتم خلقة الشئ في نفسه لميحدث منه الآثار و تمامه في نفسه بالسلسلة العرضية و مراتبها من تمام ما به الشئ شئ و لولا رتبة من رتبها لميكن باقي الرتب موجودا ابدا آه آه لايمكن للعالم شرح جميع ما يعلمه فان من العلم ما يحتمل و من العلم ما لايحتمل و ما يمكن ان يقال لايمكن شرح جميعه في كتاب واحد او يوم واحد في مجلس واحد فالمستعان بالله و لا قوة الا بالله .
في نتيجة الابواب السابقة و تسمية كل مرتبة من مراتب السلسلة الطولية و شرحها و اقامة البرهان عليها مما يلهمنا الله سبحانه اياه و يعرفنا و لا قوة الا بالله و في هذا الباب فصول :
فصل - اعلم ان من تدبر فيما ذكرنا من الابواب و الفصول و فتح الله عين بصيرته عرف بلا غبار ان المواليد التي في ملك الله سبحانه في رتبة واحدة كونا ليس بينها اثرية و مؤثرية لانها كلها من مادة واحدة و هي جواهر هذا العالم و ارواحها ايضا من مادة واحدة و هي جوهر غيب هذا العالم و غيب جوهر هذا العالم و انه لكل دان منها ان يلحق بالعالي و كلها من ظهورات مشية الله سبحانه الظاهرة بمطلق تلك الرتبة و فعلياتها كما مر و ليس بينها بالنسبة اليها ترتب و نسبة المشية الي ادني الخلق كنسبتها الي اعلي الخلق بلا تفاوت و كلها مخلوقة بنفسها لديها و قد مر قليل في ذلك و بسطنا القول فيه في الفطرة السليمة و اما الترتب فهو عند ملاحظة بعضها الي بعض و هذه هي التشريع في اصطلاحنا فلا ترتب في افراد الرتبة الواحدة الا في الوجودات الشرعية ففي التشريع للافراد مبدأ و منتهي و اوساط و بعضها اقرب الي المبدأ و بعضها ابعد و ليس الله سبحانه بمبدأ [ص 89] للخلق و ليس بينه و بين خلقه نسبة حتي يكون بعضها اقرب اليه من بعض و بعضها اشبه به من بعض نعوذ بالله و كذلك مشيته اذ خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية هذا اذا اخذ المشية الظهور الاعظم الاطلاقي في كل رتبة و ان اخذ المشية مبدأ الافراد فهي المشية التشريعية و هي اول الافراد و بينها و بين ساير الافراد ترتب فالمشية مشيتان كونية و شرعية فلاتغفل فبالمشية الشرعية يخلق الوجودات الشرعية و بالمشية الكونية يخلق الوجودات الكونية علي نسبة واحدة فالاكوان ظهور المشية الكونية ظهرت لها بها و الوجودات الشرعية ظهور المشية الشرعية ظهرت لها بها و السلسلة الطولية الشرعية هيهنا لا في الاكوان فتدبر و انصف و اترك الاستيناس بما سمعت ممن لايعرف ما يقول .
فصل - قد اجمع المسلمون علي ان محمد بن عبدالله صلي الله عليه و آله اشرف الكاينات و اكمل الموجودات كونا و شرعا و نطق بذلك الكتاب حيث يقول امرت ان اكون اول المسلمين و انا اول العابدين و تواتر بذلك الاخبار انه لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع و لااظن لذلك منكرا ينكره فهو اول الخلق و مبدؤه كونا و شرعا فهو المشية الكونية كونا و الشرعية شرعا و جميع الخلق بعده يقاس به فمنهم قريب منه و منهم بعيد عنه و لذلك روي في حديث طارق بن شهاب الامام قدرة الرب و مشيته و في حديث علي بن الحسين عليه السلام و اما المعاني فنحن معانيه و جنبه ، الي ان قال : و امره و حكمه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريده و في قنوت الحسين عليه السلام جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك و جعلت عقولهم مناصب اوامرك و نواهيك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من اسرارهم كوامن ما ابطنت فيهم و ابدأت من ارادتك علي السنتهم ما افهمتهم به عنك في [ص 90] عقودهم الدعاء ، فاذا كان محمد صلي الله عليه و آله اول الخلق بالكتاب و السنة و الاجماع كونا و شرعا فهو المبدء الذي يقاس به الكل و قد عرفت انه لايضر بالمقام كونه ظاهرا بشرا و لما كان اشرف الخلق و اول الخلق لا بد و ان يكون الطف الخلق كينونة و اشرفهم سجية و اعدلهم طبيعة و اشدهم روحانية لانه بها صعد الي مدارج الكون حتي صار اوله فاذا كان كذلك كان اعظم الخلق نورا و اقويهم بهاء و ظهورا و لو شئت ان ابين لك مقدار شرافته و لطافته و روحانيته و اعتداله و اعطيت بقدر جميع الخلق لسانا و عمرت عمر الدهر ماقدرت علي عشر من معشاره فانه فوق مداركنا و مشاعرنا في الصفاء و البهاء و الضياء و الاعتدال و هو بشر في مقام القطبية مثلنا الاتري ان الهواء جسم مثل التراب و انت لاتدركه بعينك بل البلورة حجر كساير الاحجار و انت لاتريها و الافلاك جسم كساير الاجسام و انت لاتحسها فكون شئ مثل شئ في النوع و الجنس في الوجود العرضي لايوجب ان يكون مثله في الذاتية و لا في الشخصية ثم من المخاطب بكم و لا شك انك تقول كل الامة او البشر فان عممت المثلية فقل نعوذ بالله انه مثلهم في الجهل و الاعمال القبيحة و ان قلت لا في الاخلاق بل في الوجود الجسماني اقول اذا عممت المثلية فقل انه كان مبتلي بجميع الامراض الجسمية و ان قلت لا في الاعراض و الامراض بل نفس الجسم اقول فقل كان اسود كالزنج مثلا و قبيح المنظر نعوذ بالله و ان قلت لا بل في نفس كونه انسانا بشريا يصدق عليه انه بشر اقول فلذلك درجات و مراتب و اعلاه ما ذكرنا كما ان للجسم درجات و مراتب و اعلاه جسم العرش فالعرش يقول للعناصر انا بشر مثلكم الا انه يوحي الي كذا و كذا من الامر و النهي بالجملة هو الطف من كل الخلق في كينونته الاصلية و ان لبس لباس الاعراض التي يخلعها عن وشيك و قد خلع فلما كان [ص 91] كذلك كان اشد نورا و قوة و قدرة و علما و احاطة من كل الخلق حتي انه لايحجب انيته و هويته ما وراءها من كمالات الله سبحانه و قدرته و مشيته و ارادته مقدار ذرة فقد افني نفسه بالكلية و اظهر ربه بالكلية و لو كانت لهذه الافواه الفاغرة اوكية او كانت لهذه الصدور سعة لكنت ارخي عنان القلم شيئا ليستريح بالجولان في اكناف هذا الميدان و لكن همّ التحمل اهون عندي من همّ الحملات فلنقبض العنان و نتكلم بظاهر البيان فهذا الوجود الشريف لاجل ذلك صار عند مشية الله سبحانه في مقام القطبية كالحديدة المحماة فاشرق في عرصات الاكوان و القوابل كاشراق الشمس في الدنيا و لذلك سماه الله سبحانه السراج المنير و الشمس و ذلك ايضا قد تواتر به الاخبار ان الله سبحانه خلقهم اول ثم خلق من نورهم ما سويهم من الطيبات بحيث لايحتاج الي بيان لانها قد ملأت الاصقاع و طرقت الاسماع و المراد من خلق ما سواهم من الطيبين بهم خلقهم التشريعي و هو خلقهم الثاني في الرفرف الاخضر تحت ورقة الآس حين قال لهم بذلك النور المستطير الست بربكم فمن قال بلي خلق خلقا ثانيا فاذاً لهذا الخلق ماء من ذلك السؤال و هو الماء العذب و طين من الاجابة فخلقهم خلقا شرعيا بعد ان كانوا ذراً يدبون مكونين مميزين فهذا الوجود الشريف في مقام القطبية هو اول خلق و اول رتبة من السلسلة الطولية النورية فاحفظه و كن من الشاكرين و اما خلفاؤه و آله المعصومون صلوات الله عليهم اجمعين فقد قام الاجماع من الاثنيعشرية انهم من طينته و نوره و روحه و نفسه و تواترت بذلك اخبارهم و نطق بذلك الكتاب في آية المباهلة و غيرها فلما كانوا منه و هو منهم كانوا في رتبته و درجته و كانوا جميعا مبادي للخلق يجتمعون في الحقيقة و يتفرقون في الظهور و يجري علي آخرهم ما يجري علي اولهم و لذلك كان لاحقهم خليفة [ص 92] سابقهم و لايحتاج الاثناعشري في ذلك الي دليل ازيد من ذلك فهم في اللطافة و الحكاية سواء و جميعهم في رتبة واحدة من السلسلة الطولية و هي الاولي فتدبر .
فصل - ثم لا شك و لا ريب ان الانبياء سلام الله عليهم حجج الله علي خلقه و خلفاؤه في عباده و القائمون مقام الله في اداء اوامره و نواهيه في بلاده و مهابط وحي الله و مختلف ملائكته و جميع ذلك من الضروريات و نطق به الكتاب و السنة و قام عليه الاجماع و لا شك انهم كانوا حجج الله علي ساير العباد و العباد محجوجون بهم يجب عليهم متابعتهم و قد اعطوا من القوة و القدرة ما يقيمون به الحجة عليهم بالمعجزات الباهرات و الآيات البينات التي هي من آثار مشية الله سبحانه فقد جعلوا اوكار مشية الله في اظهار خوارق العادات و مخازن علم الله لابلاغ اوامر الله سبحانه و نواهيه و تعليم مصالح الخلق و هم ادلاء عليه سبحانه اما رسلهم فلا شك في كونهم علي الصفات المذكورة و اما ساير الانبياء فان لميكونوا رسل الله في ايصال امر او نهي و لكن كانوا حملة المعارف للتعليم و حملة الامر و النهي لانفسهم و هذا ايضا مما لا شك فيه فحقايقهم و كينوناتهم علي خلاف حقايق الرعية و كينوناتهم لان الرعية لاينزل عليهم الوحي بتة لا تأسيسا و لا تأكيدا و غاية علومهم الرواية عن الحجة و ان ترقوا بالمجاهدات ينكشف لهم الحقايق فيعرفونها معاينة و يثبتون عليها بالموازنة بالكتاب و السنة و الاجماع فاصل نوع الانبياء تشريعا و تكوينا غير نوع الرعية و ان كانوا في مقام القطبية بشرا كساير الرعية كما عرفت الاتري انه قد قام الاجماع من الاثنيعشرية علي كونهم معصومين و لميقل قائل بعصمة غيرهم من الرعية ابدا فنوع المعصوم غير نوع غير المعصوم بتة و الدليل علي عصمتهم من الكتاب قوله سبحانه [ص 93] اولئك الذين هدي الله فبهديهم اقتده و لايعقل ان يأمر الله سبحانه نبيه المعصوم بالاقتداء بغير المعصومين و يقول الله سبحانه ان الله لايهدي القوم الظالمين فثبتت الهداية للعادلين فالانبياء عادلون و قال لاينال عهدي الظالمين فلما ثبت انهم عادلون فقد نالهم عهد الامامة و هم ائمة الخلق الذين امروا بالاقتداء بهم و الدليل علي انهم من نوع واحد قوله سبحانه ما اوتي النبيون من ربهم لانفرق بين احد منهم و قوله سبحانه قل آمنا بالله و ما انزل علينا و ما انزل علي ابرهيم الي قوله و ما اوتي موسي و عيسي و النبيون من ربهم لانفرق بين احد منهم فهم سلام الله عليهم من نوع واحد لايجوز لاحد التفريق بينهم سلام الله عليهم و لا التفريق بينهم و بين ربهم كما قال ان الذين يكفرون بالله و رسله و يريدون ان يفرقوا بين الله و رسله الآية ، فهم علي ما ذكرنا اشرف الخلق بعد محمد و آلمحمد عليهم السلام معصومون مطهرون مهديون يجب الايمان بهم بجميعهم فاذا صاروا كذلك فهم في الدرجة الثانية من السلسلة الطولية و ليس لاحد في نوعهم نصيب و الا كان نبيا فكل من ليس بنبي لايشارك النبي في نوعه بداهة و لايأتي بعد خاتم النبيين صلوات الله و سلامه عليه و عليهم احد يكون نبيا لايقا للعصمة و المعجزة و الوحي فمن تدبر فيما ذكرنا عرف انهم اقرب الخلق الي المبدأ و لذلك سماهم الخلق الاول في خبر الكروبيين انهم قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش ، فلما كانوا كذلك استناروا بنور المبدأ قبل جميع الخلق و لميشاركهم في نوع تلك الاستنارة غيرهم فحكوا باعتدال طبايعهم و صفاء سجيتهم انوار المبدأ و انتشر منهم في عرصات الامكان نورهم فمنهم من استنار بنورهم و منهم من لميستنر فمن استنار بنورهم و آمن بهم خلق له وجود ثانوي مركب من مادة هي مثالهم الملقي في هوياتهم و صورة هي امتثالهم و اجابتهم و ان [ص 94] شئت تفصيل هذين الخلقين فراجع الفوايد و شرحه و شرح المشاعر فان فيها كفاية و بلاغ فالذي منهم من شعاع محمد و آلمحمد عليهم السلام في مقام القطبية وجودهم الشرعي و هو النبوة لا اكوانهم البشرية التي يشاركون فيها معهم في القطبية نعم اكوانهم شعاع الحقيقة المحمدية كما مر فتدبر .
فصل - ثم لا شك و لا ريب ان بعد النبيين سلام الله عليهم اشرف الخلق هو الانسان و قد قام بذلك اجماع العقلاء فضلا عن المسلمين و الشيعة و لميشك حكيم في ان نوع الانسان غير نوع الحيوان و النبات و الجماد و هم اشرف المواليد و خواصهم من العلم و الحلم و الذكر و الفكر و النباهة و النزاهة و الحكمة و النطق لاتخفي علي عاقل و ليست تلك الخصال في غيرهم و كذا كون خلقة ساير المواليد لمنافع الانسان مسخرة لهم فقال المتروا ان الله سخر لكم ما في السموات و ما في الارض و اسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة الآية ، و قال خلق لكم ما في الارض جميعا فالانسان نوع خاص اشرف من ساير الانواع حتي الملائكة و اما المؤمنون منهم فقد روي ان الملئكة لخدامنا و خدام محبينا ، فاذا كانوا اشرف الانواع بالكتاب و السنة و اجماع العقلاء لايشاركهم في نوعهم و فصلهم مولود غيرهم و قد قال الله و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا و الكثير الذي فضلوا عليه الملئكة و الجن و الحيوان و النبات و الجماد بالبداهة و قال خلقنا الانسان في احسن تقويم و قال علي عليه السلام الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه الخبر ، فاذا كانوا كذا كانوا في الرتبة الثالثة من الوجود و السلسلة الطولية فاستناروا بنور الانبياء قبل جميع المواليد ليس لاحد في مثل استنارتهم نصيب الاتري ان الجن لايدخلون جنان الاناسي و انما يدخلون [ص 95] الحظاير التي هي ظل جنان الاناسي و الحيوانات لايصلون الي درجتهم في المحشر و لايبقون بقائهم فهذه و امثالها ادلة علي انه لايشاركهم في رتبتهم غيرهم فلما انتشر نور الانبياء في القوابل الامكانية استنار منه المؤمنون المجيبون و حصل لهم وجود ثانوي شرعي لهم مادة من شعاع الانبياء و ظلهم و صورة من اجابتهم فهم في خلقهم الثانوي شعاع الانبياء و في خلقهم الاولي الكوني شعاع حقيقتهم فتدبر .
فصل - ثم لا شك و لا ريب ان بعد الانسان اشرف المواليد الحيوان و سيأتيك القول في الجن و الملئكة بعد فراغنا عن امر المواليد الظاهرة فترقب فقد اتفق العقلاء علي ان الحيوان اشرف من النبات و الجماد و فيهم روح شاعر لهم بصر و سمع و شم و ذوق و لمس و رضاء و غضب و حركات ارادية انتقالية و روح اصلها الافلاك و خلق لمنافعهم النبات و الجماد و سخر لهم لايشك في ذلك عاقل فضلا عن متدين و قد قال الله سبحانه و الارض بعد ذلك دحاها اخرج منها ماءها و مرعيها و الجبال ارسيها متاعا لكم و لانعامكم و حديث كميل و الاعرابي يكشفان عن ان للحيوان درجة ليس للنبات لان النفس النباتية من الطبايع و نفس الحيوان من الافلاك فنوعها غير نوع النبات و اشرف و اعلي لايشاركها فيه غيرها من النبات و الجماد و يقول الله سبحانه و لايستوي الاحياء و لا الاموات و النبات ميت عن الحيوة الحيوانية بداهة فلايستويان في الاستنارة فاذا كانت كذلك كانت في الدرجة الرابعة من الوجود و الرتبة الرابعة من السلسلة الطولية و لانعني بالطولية الا ان يكون الداني غير مشارك مع العالي في النوع فاذا لميكن روح الحيوان في النبات لايشاركه النبات في روحه فليس له مادة روحه و لا صورته و نعني بروح الحيوان وجوده الشرعي فالحيوان الطيب من شعاع [ص 96] المؤمنين بعد ما اشرق نورهم في عرصات القوابل و لميستنر نبات و لا جماد مثل استنارته و لو استنار شئ كذلك لكان حيوانا طيبا و له مادة من فضل نور المؤمنين و صورة من اجابته و هما خلقه الثاني الوجودي الشرعي و ان كان في الوجود الكوني يشاركهم في العرضية و اما اكوان الحيوانات فهي من شعاع حقيقة الانسان كما مر فتدبر فيما ذكرت سابقا و لاحقا حتي تصل الي كنه ما اقول لك ان شاء الله .
فصل - ثم لا شك ان بعد الحيوان النبات اشرف و فيه من النفس النباتية ما ليس في الجماد بداهة و له قوي و خواص من الجاذبة و الهاضمة و الدافعة و الماسكة و المربية و الزيادة و النقصان ما ليس فيما دونه و من البين ان نوعه غير نوع الجماد و عليه اجماع العقلاء و هو الطف و اشرف و اعدل و احكي لما ورائه بداهة و يستنير من العالي عليه ما لايستنير الجماد فهو في الدرجة الخامسة من درجات الوجود و الرتبة الخامسة من مراتب السلسلة الطولية و اشرفية النبات علي الجماد مما لاتخفي علي ذي مسكة و حديث الكميل و الاعرابي عن علي عليه السلام شاهدان علي ان له نفسا و هي النفس الاولي و ليس للجماد نفس و لو كان له نفس لعده اول قبل النبات و قوله سبحانه انظر الي آثار رحمة الله كيف يحيي الارض بعد موتها و امثالها من الآيات كاشفة عن ان النبات حي بحيوة طبيعية و الجماد ميت و يقول الله سبحانه و مايستوي الاحياء و لا الاموات فاذ لميستويا يكون الاحياء اعلي من الاموات و لايستويان في الاستناره فالنباتات الطيبة شعاع الحيوانات الطيبة شرعا في الخلق الثانوي و خلقها الكوني من شعاع حقيقة الحيوانات كما مر فتدبر .
فصل - ثم بعد ذلك كله الجماد و تسفله عن السوابق بديهي فهو في الدرجة السافلة من الدرجات و الرتبة الاخيرة من مراتب السلسلة الطولية فهو آخر [ص 97] المراتب ، فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و انصف فاعتبر ان كل مرتبة من هذه المراتب لها نوعية و روحانية ليس لما دونها و ان كانت في ما دونها بالقوة و بها يمكن في القدرة ان يبلغ الله الداني الي درجة العالي و قد يرقي صاحب المعجز الداني الي العالي فينطق الجماد و النبات و الحيوان و انما ذلك لما في قوة الداني من الوصول الي رتبة العالي كما بينا سابقا و لكن كون شئ في شئ بالقوة لايصير سبب لحوقه بمن فيه ذلك الشئ بالفعل و اختلاف الدرجات في الاشياء بسبب الفعلية و القوة فروح العصمة الكامل الكلي الالهي الذي هو روح القدس في محمد و آله عليهم السلام بالفعل و في غيره بالقوة و هو حقيقتهم منه بدأوا و اليه يعودون و ما دون ذلك لهم عرضي و روح النبوة و العصمة الجزئية في الانبياء بالفعل و في غيرهم بالقوة فهم واجدون ما لايجده غيرهم منه بدأوا و اليه يعودون و هو حقيقتهم و ما دونها لهم بالعرض و النفس الناطقة القدسية في الانسان بالفعل و هي حقيقتهم و ما دونها فيهم بالعرض منها بدأوا و اليها يعودون و انما هي في غيرهم بالقوة و لاتكون القوة منشأ اثر و فعل و النفس الحيوانية الفلكية في الحيوان بالفعل منها بدأ و اليها يعود و ما دونها له بالعرض و هي في غيره بالقوة و لايترتب عليها اثر و لا فعل و النفس النباتية الطبيعية في النبات بالفعل و في دونه بالقوة و لاتكون منشأ اثر و منها بدأ النبات و اليها يعود و هي حقيقته و ما دونها له بالعرض و الجماد ليس لها نفس و جميع النفوس فيه بالقوة و لاتكون منشأ اثر فبذلك اختلفت درجات الخلق و هذه الدرجات درجات شرعية نسبية اذا لوحظ فيها النور و الظلمة و اذا لوحظ اكوانها فهي كونية كما بينا و شرحنا و اوضحنا لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد .
فصل - ان كل طبقة من هذه الطبقات ذاتيتها ما اشرنا اليه آنفا و لها عرضية [ص 98] من الطبقات الدانية و تفصيل ذلك ان كل عال له وجود وحداني بالنسبة الي الداني و الوجودات الدانية هي شؤنات ظهوره و كل موجود منها حاك لشأن من شؤن ظهوره و جهة من جهات نوره و لما كانت متكثرة كانت اكثرها منحرفة عن الاعتدال التام في تلك الرتبة و الانحراف حجاب بين الداني و العالي يمنعه عن حكاية نوره فيحتاج كل متكثر الي قطب معتدل غير محجوب عن العالي فيكون محل نظر العالي يأخذ عنه بلغته و يترجم للمنحرفين بلغاتهم المختلفة و ذلك سر سار في كل رتبة و آية ذلك بدنك حيث ان الروح الغيبي بالنسبة الي اجزاء البدن وحداني مستعل عليها غايب عن حواسها لاتتمكن اجزاء البدن لانحرافها علي التلقي عن الروح اوامره و نواهيه و احتاجت الي قطب يكون اعدلها و اوحدها و اشبهها بالروح حتي يأخذ عن الروح الوحداني الغيبي بلغة الغيب و يترجم لكل عضو بلغته و هو الروح البخاري الذي هو الطف اجزاء البدن و اعدلها و اصفاها فهو محل عناية الروح الغيبي و عرش استوائه تجلي له فاشرق و طالعه فتلألأ فالقي في هويته مثاله فاظهر عنه افعاله و احكامه و اوامره و نواهيه و اقامه مقامه في ساير عوالم البدن في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لانحرافها عن صفته و ذلك سر سار في جميع المراتب و ذلك القطب هو بدن عرضي للعالي في رتبة الداني يلبسه للاداء و ذاتيته هي ما له في رتبته التي لايشاركه فيها احد من الاداني .
فالحقيقة المحمدية هي ما يخص محمدا صلي الله عليه و آله و آله عليهم السلام في البحبوحة العليا لايشاركهم فيها احد و لهم سلام الله عليهم ابدان في رتبة الانبياء هي اعدل من حقايق جميع الانبياء و نقطة قطب تلك الابدان هي بدن محمد صلي الله عليه و آله و لهم و للانبياء عليهم السلام ابدان في رتبة الاناسي هي اعدلهم و اعدل [ص 99] تلك الابدان بدن محمد صلي الله عليه و آله ثم ابدان آله ثم ابدان اولي العزم ثم المرسلين ثم الانبياء ثم حقايق النقباء ثم النجباء ثم العلماء ثم الصالحين ثم ساير الاناسي علي اختلاف حالاتهم و للجميع ابدان في رتبة الحيوان و اعدلها بدن محمد صلي الله عليه و آله ثم ابدان آله عليهم السلام ثم ابدان الانبياء ثم ابدان الاناسي علي الترتيب المذكور ثم حقايق الحيوانات علي اختلاف حالاتها و للجميع ابدان في رتبة النبات اعدلها بدن محمد صلي الله عليه و آله ثم ابدان المذكورين علي الترتيب المذكور ثم حقايق النباتات علي اختلاف حالاتها و للجميع ابدان في عالم الجمادات اعدلها بدن محمد صلي الله عليه و آله ثم للباقي علي الترتيب المذكور و في كل رتبة محل عناية العالي ذلك الاعدل الاكمل و هو المعبر عن العالي المترجم للبواقي بلغاتهم و هو المستعمل لغير المعتدلين في طاعة العالي و هو الفاعل الحق في كل رتبة و ساير الاعضاء خوادم متحركة بامره متصرفة فيما يريد و ذلك القطب هو المؤثر في الدرجة الثانية لا الاعضاء فليس معني قولنا ان مؤمني الاناسي آثار الانبياء ان كل طائفة من الانسان اثر نبي او الحيوان اثر الانسان ان كل طائفة من الحيوان اثر انسان معين و هكذا او جميع الانبياء مشتركون في الكل فعلي كل معلول علل عديدة و هكذا في البواقي بل المؤثر في كل مرتبة هو ذلك القطب و الباقي آلاته و ادواته و متممات وجوده كما ان الشخص في الحقيقة هو القلب و جميع الاعضاء مسخرة له متممة لوجوده فمنها حفظته و حرسته و منها وزيره و منها جيشه و منها خادمه و منها دابته و منها آلات صنايعه و منها عيونه و جواسيسه و الكل ليقوم القلب سالما حيا الي اجل مكتوب و لا قوام له بدون ذلك و هو الناظر من عينه السامع من اذنه الذايق بفمه الشام بانفه اللامس باعضائه الفاعل بيده الماشي برجله [ص 100] و هكذا فالفاعل هو و الاعضاء متحركة بتحريكه و ان كان المحرك الحق هو الروح البخاري و لكنه المتحرك بالروح الغيبي المحرك لما دونه فافهم و لو شاء انسان ان يكتب جميع اطراف المسئلة الواحدة لادي ذلك الي حل جميع العلم و المسائل و لفني العمر قبل حل الكل فلنكتف بما يسد حاجتك في المسئلة ان شاء الله .
فصل - و اما الجن و الملائكة اللتان قد اسقطناهما عند التعداد فاعلم ان لي قولا في هذا المقام و هو ان الوجودات منها تامة و منها ناقصة اعني بها ان بعضها كلمة تامة يمكن فيه بالقوة جميع ما في عرصته بحيث يمكن ان يربي و يكمل و يلطف و يرقق و يدبر حتي يخرج تلك القوة من قوته الي الفعلية محفوظة المادة كما ان الكلب اذا وقع في المملحة يصير ملحا و تلك الحصة هي هي الا انها دبرت حتي استحالت فالكلمة التامة هي ما كان هكذا سواء كانت كلمة عليا او دنيا ففي تلك الكلمة قبضات عشرة تسعة من افلاكها و واحدة من ارضها و ان كان بعضها بالقوة او علي حسبها بالفعل و لا مانع و بعضها ناقص ليس يصلح لان يصير غيره محفوظ الحصة كاليمين مثلا فانه شئ موجود الا انه ناقص لايصلح لان يكون يسارا محفوظ الحصة و اللون لايصلح ان يكون كماً محفوظ الحصة اللهم الا ان يرجع الي الامكان ثم يصاغ خلق جديد فليس حينئذ بمستحيل تلك الحصة و ذلك ان اليمين عرض لا جوهر و الاستحالات تقع علي الجواهر بان يخلع منها صورة و يلبس عليها صورة اخري و حصة الجوهر محفوظة بحالها و اما نفس الصورة فلايعقل استحالتها الي غيرها فان اليمين اذا صار يسارا ليس بيمين صاير يسارا و انما هو يسار خلق ابتداء من الامكان و لو كان المخلوق من الامكان استحالة غيره لكان كل شئ استحالة كل شئ و لايقول به احد عاقل فاليمين و الشمال و جميع الحدود و الصور اعراض لاتقبل الاستحالة [ص 101] و ليس في قوتها الوجودية غيرها حتي يستحيل اليها فامثال هذه الجهات وجودات ناقصة لايستكملون مدي الملك فاليمين يمين في اول الخلق و الآن و في الآخر ابدا لايتغير و لايتحول و لايستكمل فلو جزّيت الوجود لرأيت ان جميع ذراته في حده و مكانه و تعينه هو هو لايستكمل و لايتغير و الذي يتغير هو الجوهر و تغيره قبوله صورة غير صورته الاولي فبلحاظ جميع ما يدرك و يميز و لو بادق المشاعر كلها هكذا وجودات ناقصة و حدود خاصة غير منتقلة فهذا القسم من الوجود وجود و لكن ناقص و يختلف هذا القسم في مراتبه فانك لو نسبت شيئا الي شئ لوجدته ناقصا لايستكمل حتي يصير مثله و لو قسته الي ادني منه فلعله له مادة تتغير و تتبدل كالحركة مثلا بالنسبة الي ذات زيد ناقصة و بالنسبة الي ما في عرضها تامة فالحركة لاتصير ذات زيد و لاتصير سكونا و لكن بالنسبة الي السرعة و البطؤ لها جوهرية قد تكون بطيئة و قد تكون سريعة و تنتقل فيهما و في الاستقامة و الاعوجاج و الاستدارة و غيرها فاذا تبينت ذلك عرفت ان الموجودات علي قسمين قسم منها كلمات تامة جامعة و قسم منها حروف و حدود و اطراف اما الكلمات التامات فتنزل الي جميع المراتب كلمة تامة قابلة للاستكمالات و اما الحروف و الاطراف فهي لازمة لمراتبها و امثل لك مثالا ان فؤاد زيد كلمة تامة جامعة ينزل الي عقل زيد و ينزل عقله الي روحه و هو كلمة تامة و هو الي نفسه و هي كلمة تامة و هكذا الي ان ينزل مثاله الي جسمه و هو كلمة تامة قد القي فيه مثال تلك الكلمات التامات و اما معنوية العقل فلاتنزل الي عالم الاجسام و كذا روحانية الروح و تجرد النفس و نفسانيتها و هكذا مميزات كل رتبة من تلك المراتب و انما النازل الظاهر في هذا العالم هو اصل الحقيقة التي تتقلب في الصور بظهوراتها في كل رتبة فالذي نزل الي العقل و الي الروح و الي [ص 102] النفس و الي الجسم هو الحقيقة و نزولها ظهورها بها فيها و مميزات هذه المراتب لاتنزل بل هي لازمة مقامها و لذلك نقول ان العقل اذا نزل الي النفس مثلا لميخل مكانه بل هو في مكانه و انما نزل بظهوره و كذلك كل عال ليس يخلي مكانه و كذلك انت لو نزلت من سطح الدار الي صحنها لمينزل ظهورك علي السطح و هو لازم مكانه متي توجهت اليه تجده هناك و انما ينزل حقيقتك بظهور آخر في اسفل الدار و لذلك اذا توجهت الي جميع حالاتك من اول عمرك الي حينك تجد كل حالة منك ثابتا في مكانه لايزول و لايحول فالمتقلب المتغير المتحول هو الحقيقة التي هي الكلمة الواحدة التامة الكاملة و اما اطراف ظهوراته فكلها لازمة مكانها فلاجل ذلك انحصر المواليد التي تكون في الملك تامةً باتفاق الحكماء بالحيوان و النبات و الجماد زعما منهم ان الانسان من جنس الحيوان و قد صرح مشايخنا في غير مقام ان المواليد اربعة الانسان و الحيوان و النبات و الجماد و عدوا الثلثة الاخيرة من حدود القوابل و الانسان المقبول و قد صرحوا في غير كتاب ان كل شئ لا بد و ان يدور ثلث دورات لاستكمال قابليته و دورة لاستكمال مقبوله و الدورات الثلث دورة للجمادية و دورة للنباتية و دورة للحيوانية و الدورة الواحدة دورة الانسان و وجهه ايضا ظاهر فان اثر المؤثر ان لميؤثر الا في ظاهر الشئ يحدث منه التركيب الجمادي و ان اثر في طبيعيته حسب يحدث منه النبات و ان اثر في فلكيته ايضا يحدث منه الحيوان فان تمت المراتب و اعتدلت ظهر عليها الانسان و هو المقبول و لو كان الجن و الملائكة من هذه الكلمات التامات لماانحصر المواليد و القوابل و المقبول فيها و لكان لهم وجود خارجي جسماني في عالم الاجسام و لكن الامر ليس كذلك و الوجودات التامة ما عددناه عليك و الذي اعرف من لحن الاخبار و صحيح الاعتبار ما اذكره لك في فصلين مستقلين .
[ص 103] فصل - اما الملئكة فلها اطلاقات فمرة تطلق و يراد منها الوجودات المستقلة التامة كالملئكة العالين فانهم الاربعةعشر سلام الله عليهم و الكروبين فانهم الانبياء سلام الله عليهم و قد يطلق علي المؤمنين العلماء كقوله تعالي و ماجعلنا اصحاب النار الا ملئكة فقد روي ان النار القائم و الملئكة هم الذين يملكون علم آلمحمد عليهم السلام و كذا روي في قوله تعالي تنزل الملئكة و الروح ان الروح فاطمة عليها السلام و الملئكة المؤمنون الذين يملكون علم آلمحمد عليهم السلام و قد يطلق الملئكة و يراد بها ذرات الوجود و الحدود و هم الذين في هذا اللحاظ لهم شأن واحد فمنهم ركوع لايسجدون و منهم سجود لايركعون و منهم قعود لاينتصبون و لكل واحد منهم شأن خاص لايقدر علي التحول عنه فهم بهذا اللحاظ ناقصون لايستكملون كما روي فهم من اول الخلق الي آخره علي حال واحدة يعبد الله كل واحد منهم بما جعل عليه ، فهذين الاطلاقين لايعقل جعلهم درجة واحدة خاصة من السلسلة الطولية و كذا قد يطلق الملك و يراد به الرابطة بين الفعل و المفعول الآخذ عن الفعل المؤدي الي المفعول و ليست تلك الرابطة الا محل المشية و هو الحقيقة من حيث الاعلي فبهذا الاطلاق ايضا يعم المراتب و لايخص بمرتبة خاصة و لاينافي ذلك كون الملك شخصا حيا له اجنحة يطير بها و يمتثل امر ربه فان جميع ما ذكرنا احياء و لهم اجنحة بعدد شؤنهم و علي حسب كبرهم و صغرهم يطيرون بها الي جهة خدمتهم يمتثلون امر ربهم و ذلك مما لا شك فيه و لاينافي ذلك ظهور جبرئيل بصورة دحية او الاعرابي فان ذلك بمعجزة صاحب المعجز يتخذ له مرآة من الاجزاء العنصرية علي اي هيئة يريد و يظهر فيه ذلك الملك الذي يريد و يستنطقه و لايمكنني [ص 104] الآن اكثر من هذا البيان خوفا من اهل الطغيان بالجملة الملئكة موجودون في جميع مراتب السلسلة الطولية المتسمع ما روي ان من الملئكة لمن باقة بقل خير منه ، لكنهم في المقام الاول و الثاني و الثالث مضمحلون متلاشون لغلبة المالكية و حيث الرب و الفعل فيهم و في مقام المواد الدهرية التي هي جهة الرب الشهودي متعينون متميزون متشخصون يظهر آثارهم و اعمالهم المتسمع ما روي ان الملئكة لايدركون ما في نفس المؤمن من الذكر و ان المؤمنين اذا اجتمعوا و تذاكروا سرا من فضائل آلمحمد عليهم السلام يتفرق الملائكة عنهم لعدم قابليتهم لاستماع سرهم بالجملة مقام تبينهم المادة و لذلك عدوا بعد الجن الذي رتبتهم الطبايع فافهم ان كنت تفهم فليس لهم خصوصية في السلسلة الطولية و عد المشايخ الملئكة فيها لاظهار هذا السر بالسر ثم لما حصحص الحق و اسفر عن محياه اظهر السيد الاستاذ اجل الله شأنه علي ما بلغني ان الملئكة لا خصوصية لهم في السلسلة الطولية و انما هو لذكر درجة اختيارهم و هو ما ذكرناه فتدبر و انصف .
فصل - و اما الجن فعلي ما يظهر لي انهم ايضا من الوجودات الناقصة الا انهم اتم و اكمل من الملائكة و فيهم صلوح الترقي و التنزل و لذلك كلفوا و ارسل اليهم الرسل الا انهم ليسوا بصلوح المواليد المذكورة و انما هم حقايقهم من جهات الطبيعة المتحصصة في المواد المتميزة بالامثلة فهم ارواح برزخية مثالية و هم برازخ بين الانسان و الحيوان و لاجل ذلك صورهم مشوهة بين الانسان و الحيوان فهم لاجل نقصانهم بقوا في عالم الارواح كالحدود الروحانية علي ما شرحنا آنفا و ليس لهم وجود تام كالانسان حتي ينزلوا الي اقصي مراتب القابلية و الماهية و انما هم حدود الاوساط فبقوا في عالم المثال و لايرون [ص 105] بالعين الجسماني الا بالحس المشترك و الخيال فمنهم سكان مثال الارض و منهم يطيرون مع الملئكة الي مُثُلِ السماوات و ذلك مؤمنوهم و اما كفارهم فليس لهم تلك القوة و منهم متوسطون يسكنون في مثال الهواء بالجملة هم ارواح غيبية ناقصة ليس لها التنزل الي اقصي الماهية فلاجل ذلك ليس لهم ابدان و ما روي ان الاكراد قوم من الجن تجسموا ، معناه ان ارواحهم لضعفها و نقصانها النسبي و صفاتها علي طبع الجن و كذلك الكلب البهيم من الجن بهذا المعني و الا فهم ارواح لايتجسمون الا بمعجز ذي معجز يتخذ لهم ابدانا و يظهرهم فيها كسليمان علي نبينا و آله و عليهم السلام و الذين يرونهم من المصروعين و المبتلين بشرهم فانما يرونهم بحسهم المشترك الاتري ان غيرهم لايرونهم بالجملة هم ارواح ناقصة بالنسبة الي الانسان و اجمع من الملئكة خلقوا من نار الطبيعة التي هي من شجرة النفس النابتة من ارض الدهر العليا التي خلق من ترابها الانسان فهم اظلال شؤن الانسان نعم رتبتهم فوق الملئكة و الحيوان فان لاحظنا نقصان حقايقهم و عدم تمامية كلمتهم لمنعدهم من السلسلة الطولية فانهم ليسوا بكلمة و ان لاحظنا انهم اجمع من الملئكة و فيهم قوة الترقي في الجملة عددناهم فيها و كونهم ادني من الانسان بديهي لانهم خلقوا من نار ناشئة من الشجرة و الشجرة من التراب و الانسان خلق من ذلك التراب و لذلك يسكنون الحظاير و لايدخلون الجنان الاصل و انما يساكنهم المجانون لنقصان ارواحهم عن الاستنارة كالانسان من الانبياء فيبقون في عالم المثال مع الجن و المثال ظل النفس و كذا ولد الزنا لخبث طينه المانع عن الاستنارة كالطيبين و كذا الطفل الذي ليس له شافع فان هؤلاء الثلث لميحدث فيهم النفس الناطقة القدسية و ليس لهم الوجود الشرعي الانساني و انما هم انسان كوني و الوجود الانساني الجسماني [ص 106] لايصعد عن الطبايع ، و اما السلسلة الظلمانية فهي بعكس ما ذكرنا في السلسلة النورانية و ترتبها ايضا في الوجودات الشرعية علي حسب ما ذكرنا حرفا بحرف فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .
و اذ قد اتينا علي بعض ما اردنا و ضاق الوقت لاشراف الحامل للكتاب علي السفر و لميبق وقت يمكن لي ان افصل ازيد من ذلك فلنختم الكتاب هنا و ان شئت اكثر من ذلك فراجع ساير كتبنا فان فيها متفرقا ما يكتفي به المكتفي .
و قد وقع الفراغ من هذه الرسالة البديعة في قرية لنجر بعد الظهر من يوم الاثنين لاثنيعشر خلت من شهر الله الاصب رجب المرجب من شهور سنة ثمان و ستين بعد المأتين و الالف الهجرية حامدا مصليا مستغفرا . تمت .