فصل - و اما التكميل فهو يكون بين شيئين ثابتين كونا مشتركين في مطلق ظاهر بهما و هما يدا ذلك المطلق يحرك احديهما و يسكن الاخري يجعل احديهما فاعلة و الاخري منفعلة و الصفة الحادثة من امكانات المنفعلة كانت فيها بالقوة و هي في الفاعلة بالفعل فاذا اقترنتا تقوي المنفعلة و خرجت ما في قوتها الي الفعلية فالتأثير كما بينا ايجاد ما لم‌يكن و التكميل هو ابراز ما قد كمن و قد بسطنا القول في ذلك في كتابنا مرآت الحكمة في الفلسفة و هو كتاب لم‌اسبق بمثله فالمكمل هو الذي يكون الكمال المطلوب فيه بالفعل خارجا عن القوة الي الفعلية و المتكمل هو الذي يكون الكمال المطلوب فيه بالامكان و الصلوح و بالقوة فالمكمل يطرح نور كماله عليه و يقوي ضعف تلك القوة بالمشاكلة حتي تخرج الي الفعلية فاذا خرجت الي الفعلية علي نهج الكمال استقلت و تبقي مستقلة بنفسها سواء دام المكمل ام فني كالنار التي هي كاملة في الحرارة و اليبوسة و هما فيها بالفعل كاملتان و الحديد مركب من النار و اخواتها الا ان الحرارة و اليبوسة فيه ضعيفتان خفيتان صالحتان للظهور الي الفعلية فاذا قارنته النار قوتهما و اخرجتهما الي الفعلية فلما خرجتا [ص 29] كاملتين استقل بهما فبقي محميا احمر ● سواء دامت النار او انطفت كالسراج المشتعل المضيء بعد السراج المشتعل به لما قد تكمل بفضل ضياء السراج الاول و منه الخط المكتوب بالنسبة الي الكاتب فان المداد كان صالحا للتطور باطوار الحروف و كانت فيه بالقوة و لما صار ذلك الطور في اليد بالفعل قوت ما في المداد من الصلوح و اخرجته الي الوضوح و منه اثر الاقدام في التراب و البناء في الطين و امثال ذلك من تكميلات العلويات للسفليات و احداث المتولدات فلولا كمال الفاعل لم‌يفعل و لولا صلوح المنفعل لم‌ينفعل فكان الاثر الحادث بفاعل و قابل و ذلك سر الاختيار الربوبي في آثاره لتنذر من كان حيا ، انما انت منذر من يخشيها فافهم فهذا هو نحو التكميل علي نهج الاقتصار و الاختصار .

فصل - ان للتكميل مرتبتين بل ثلثا فان المكمل اما ان يبلغ تكميله في المتكمل الي ان يقوي نفس باعث الكمال الذي في المتكمل فيخرجه من القوة الي الفعلية كاملا بالذات او لايبلغ ذلك فيشفيه علي الخروج و يجعله بحيث يقاوم المانع في الجملة او لايشفيه علي الخروج و انما يقع ظل الكامل علي المتكمل فيظهر عليه كماله بالعرض فالاول مثل تكميل السراج دهنا آخر حتي يخرج ما فيه من النارية بالقوة الي الفعلية الكاملة فيجعله سراجا منيرا كاملا فهذا القسم تبقي الصفة فيه و لو فني المكمل فان باعث النور هو النار و قد خرجت الي الفعلية و الثاني مثل الجسم المتسخن بالنار فان النار التي كانت فيه قد اشفت علي الخروج و لماتخرج فيبقي الجسم بعد فناء النار زمانا ساخنا ثم يبرد و الثالث تحريك اليد للمفتاح فان الحركة من النار و النار [ص 30] كامنة في المفتاح و لماتشف علي الخروج و انما تحرك بفضل حركة اليد فلاتبقي حركة فيه بعد رفع اليد عنه و حركته ليست من مقتضي ذاته و غلبة حرارته و ان كان فيه صلوحها بل هي فيه بالعرض كتثقب الماء بالاصبع ما دام الاصبع فيه فاذا رفع الواضع يده التئم و هذا القسم اشبه شئ بالتأثير و اولي شئ بالتمثيل له فان الاثر لا بقاء له بعد فناء المؤثر او رفع يده عنه و مع ذلك هو من اقسام التكميل لان المفتاح ليس من خلقة اليد و قد كان معها مخلوقا من جنس مادتها و قد كان صالحا للحركة و لاجل ذلك الصلوح قبل الحركة و ليس تحركه اثر اليد ● الاتري ان اليد تسكن و المفتاح المرمي يتحرك غاية الامر ان مبدأ حركته و منتهاها في نوع السابق متساوقان .

فصل - غاية الاشكال في معرفة السراج و نوره المستطير المنبث في الفضا فقد اشكلت علي كثير من الحكماء و المحصلين و نحن نشرحه هيهنا و لا قوة الا بالله فان هنا موضع شرحه فاعلم ان الدهن مولود من المواليد من العناصر السفلية فيه اجزاء ستة فكأنه مركب من جزئين من الحرارة النارية و جزئين من الرطوبة و جزء من اليبوسة و جزء من البرودة و قلنا كأنه لاختلاف حالات الادهان في الغلظة و الرقة و الحرارة و البرودة فلما كان فيه الرطوبة غالبة سال و لما كان فيه الحرارة غالبة تعلق به النار للمجانسة فلو قلت حرارته لماتعلق به النار كما يشاهد في سيالات لاتحترق فعملت حرارته في رطوبته و يبوسته فحلت اليبوسة في الرطوبة و عقدت الرطوبة في اليبوسة حتي صارت لزجة فصار دهنا فلما قرب منه النار الخارجية بواسطة الحجب الموضوعة [ص 31] لها من فحم او غيره و كانت كاملة في الحرارة انتشرت عنها الحرارة اليابسة و داخلت حرارتها الدهن و قوت بالمجانسة الحرارة الكامنة في الدهن المستورة بحجب البرودة و اليبوسة المستورة تحت حجاب الرطوبة بالمشاكلة كيفا فتقوتا حتي خرجتا من القوة الي الفعلية و ضعفت البرودة و الرطوبة اللتين فيه بالمضادة فادخلتهما من الفعلية الي القوة فاظهرت عليه الحرارة و اليبوسة و اخفت فيه البرودة و الرطوبة فلا جرم تفرق اجزاؤه و اسود لغلبة اليبس فصار دخانا مكلسا و ادامت النار الخارجية التقوية للحرارة و اليبوسة و التضعيف للبرودة و الرطوبة حتي اظهرت النارية الكامنة فيه و لما كانت ناريته من جنس ارضيته في الجسمانية تفاعلتا فعملت الارضية في النارية فغلظتها و كثفتها حتي جعلتها نارا حائلة و عملت النارية في الارضية حتي جعلتها ارضا سائلة صاعدة لطيفة فحدثت بين ذلك نار غليظة مرئية لها مادة من النارية و صورة من الارضية فظهرت علي هيئة تلك الارضية من الصفاء و الكدورة و اللون فلاجل ذلك تكون الشعلات علي حسب اختلاف الادهان فبعضها اشد صفاء لصفاء دهنه و بعضها اكدر لكدورة دهنه و بعضها اشد بياضا و بعضها اقل و بعضها اصفر و بعضها احمر و بعضها اخضر و هكذا علي حسب اختلاف الوان الادهان و كلما كان الدهن اشد صفاء يكون النار المرئية اي الشعلة اشد بريقا و كلما كان اكثر كدورة تكون اشد كدورة و من ذلك عدم شدة بريق الحديدة المحماة و الجمرة فان الحديدة و الفحم فيهما بمنزلة الدهن في الشعلة و انما الفرق في الصفاء و الكدورة و لما كان ذلك الدخان المكلس في بدء التكليس باقية الرطوبة تكون الشعلة متصلة الاجزاء الاتري انك اذا ادخلت شيئا في الشعلة تدهن و في منتهي التكليس في عرض الشعلة تفني الدهانة و الرطوبة فتتفرق اجزاء الدهن عند غاية رأس الشعلة [ص 32] فتفني الشعلة و يصعد الدخان المكلس المتفرق الاجزاء توتجا و لذلك اذا احميت التوتج صارت كالفحمة المحمية و ليس فيها بريق و اتصال اجزاء فتبين ان للدخان الصاعد عن الدهن بعدُ رطوبة رابطة بين الاجزاء الجاعلة اياها كالمرآة و لما كان تلك الرطوبة في مبدء تكون الدخان و هي فويق الدهن كثيرة لاتكون الشعلة كثيرة الضوء و تميل الي الخضرة لسواد الدخان و الصفرة الحاصلة من حمرة النار و بياض الرطوبة فيظهر عليها لون اخضر فاذا صعد شويئا قلت الرطوبة قليلا و ظهر لون البياض لوجود الرطوبة و ضوء النار فاذا صعد شويئا قلت الرطوبة ايضا و مازجتها حمرة النار فظهرت صفراء فاذا صعد شويئا قلت الرطوبة اكثر و غلب حمرة النار عليها فظهرت حمراء و هو سبب حمرة الجمرة و الحديدة المحماة فاذا صعد عن ذلك المقام فنيت الرطوبة فتفرقت الاجزاء و ضربها برد الهواء فانطفئت النار و ظهرت الارضية سوداء فحصلت التوتج و تميز هذه الالوان يقل في الادهان اللطيفة التي ادخنتها لطيفة و يكثر في الادهان التي هي كثيفة و ادخنتها كثيفة و تكون الشعلة علي هيئة المخروط لكثرة الدخان عند اول التكون و كثافته و قلته كلما يصعد و لطافته و صارت تصعد لوجود النار الصاعدة الغالبة و يكون عمود المخروط اغلظ و ابين و احجب لما وراءه لغلبة الدخان هناك و يكون اطرافه ارق و اقل حجبا لما وراءه لممازجة الدخان مع الهواء و رقته في اطراف الشعلة و تكون في الليل اشد ظهورا و حجبا لما وراءها لظهورها بسبب الضوء و خفاء ورائها بسبب الظلمة و تكون في النهار اقل ظهورا و حجبا لما وراءها لوجود نور الشمس الغالب في الفضاء فكذلك تتكون الشعلة و تظهر و ضوؤها و بيانها هو لون الدخان المتبرق بصفاء النار فهو حقيقة الضوء في كل ضيئ و لما كان ذلك الدخان المحمي المشتعل من جنس [ص 33] الهواء لانه جسم كالدخان و هو ممازج للدخان صار يعمل فيه كما يعمل في الدهن الذي يليه فيسخن الهواء المجاور له المتصل بالمخالط له كما كان يسخن الدهن و كذلك يسخن ذلك الهواء الهواء المجاور له و هكذا فلو كان بدل الهواء دخان مشاكل لاشتعل حتي يصير هواء البيت شعلة واحدة فلما كان الهواء غير ماسك لحرارته و لطيفا صار يسخن بالتكميل و كلما كان اقرب من السراج يكون اشد سخونة و كلما يبعد يكون اقل سخونة فسخونة الهواء تكميلية الاتري انك اذا اذهبت الشعلة بقيت السخونة في الهواء زمانا و لاتذهب مع الشعلة و لكن لاتبلغ سخونة الهواء حد التكميل الكامل باخراج ناريته الكامنة الي الفعلية بالكلية و لكنه ناقص من القسم الثاني و لذا تبقي بعد الشعلة زمانا معتدا به البتة و اما الضوء الذي في الهواء فليس هو من غلبة سخونة الهواء و الجدران فانها لو احميت هذا المبلغ لاحرقت ما يجاورها و لكنه لون براق محض قد حدث في الهواء و الجدران بتكمل الوانها في الجملة تكملا ناقصا كتحريك اليد المفتاح عند فتح القفل فانه يتحرك ما دام يتحرك يدك و يسكن اذا سكنت و لو شددت التكميل يتحرك ايضا بعد رفع يدك كما تدير الاطفال الدوامة مثلا فالنور المنبث لون براق قد حدث في الهواء بتكميل لون الشعلة لون الهواء تكميلا ناقصا فاذا رفعت السراج فني ذلك اللون الحادث و ليس انه يذهب مع السراج بل يفني عن الهواء و الذي يذهب مع السراج هو مثاله و فعله و اثره الذي هو تكميله القائم علي المتكملات و هو من عالم المثال الاتري انك اذا حجبت بين السراج و الجدار اظطلم الجدار و فني نوره و لو كمل تكميلا كاملا لبقي الضوء بعد رفع السراج كالسراج المشتعل من سراج آخر و الذي يشهد بان النور المنبث ليس باثر السراج انك [ص 34] تدركه بعين تدرك بها الشعلة بلا تفاوت و لو اردت مشاهدة ذلك فانصب سراجا بين مرآتين فيحدث في كل مرآت سرجٌ لا نهاية لها و ذلك من تعاكس الانوار فيهما فتري تلك السرج في المرآتين بعين واحدة ينطبع كل شعلة فيهما في عينك كما ينطبع سابقه بلا تفاوت و بلا وساطة سابقها و منشائها كما تري حركة المفتاح بعين تري بها حركة اليد ثم اعظم شاهد علي ذلك وجود جميع تلك الشعلات في مرآة واحدة و لو كانت هي علي التأثر لماكان محل الاثر صالحا لمكانية اثر الاثر و هكذا الي الف الف مرتبة و في دون ما ذكرنا كفاية و بلاغ ، ثم هذا النور المنبث كل ما كان اقرب من السراج يكون اقوي لانه في بدو الانتشار و لم‌يخالطه ظلمة تراكم الاهوية التي لا بريق لها و كلما بعد صار اضعف لمخالطته مع ظلمة الاهوية المتراكمة و الاهبية المنبثة الكثيفة غير المشفة و انفعال النور عن هذه الظلمات دليل آخر علي انه ليس باثر للسراج صادر منه فان اثر شئ لايتأثر عن غير مؤثره البتة و كذلك حره المنبث ينكسر سورته بممازجة برد الهواء فليست الحرارة ايضا اثر الشعلة كالنور و ليس شئ الا انفعال الاجسام الكثيفة و تكملها من مثال الشعلة و صفة روحانية الشعلة المنبثة فيري ضوؤها الحاصل لها من امثال الشعلة بالعين و حرارتها النارية باللمس فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر و انصف فاعتبر ان السراج اي الشعلة المرئية بنفسه مركب من مادة و صورة مادته استضاءته الحاصلة له من مثال النار الغيبية التي هي ركن وجودها و ليس فيها لون و لا بريق و لا هيئة فتعلقت بالدخان المكلس فتهيئت بهيأته من المخروطية و انصبغت بصبغه من الصفرة و الحمرة و غيرهما و التمعت بسبب صفائه و ارتباط اجزائه فصارت شعلة فاذا ظهرت بهذه الهيئة و اتصلت بالجسم الذي يليها انتشرت النار فيه فسخنته فان شأن النار [ص 35] مفارقة الكثائف و العروج الي كرتها ما لم‌تكن حائلة فتنتشر في الهواء او غيره مايلةً الي مركزها كما تفارق نفس الشعلة ان لم‌يصلها مدد و لو ادامت علي الجسم الذي يليها لَاَحْمَته كنفسها بلا تفاوت و لما كان مثال الشعلة علي حسبها مصبوغا و قد انتشر بالتكميل في اجزاء الهواء المقارنة ثم تكميلها لما يليها و هكذا انتشر منصبغا بصبغ ذلك الدخان و تكمل لون ما قابله به و لما كان الهواء كريا متوجها الي الشعلة من كل جهة استنار كله بها و قد شاب ذلك النور بظلمته فبدا ضعيفا و اذا قابلت مرآة بها و سطحها مستو ظهرت فيها الشعلة و اطرافها بقدر سطح المرآة علي تفصيل ليس هيهنا محل بيانه بالجملة ليس النور المنبث اي استنارة الكثائف الا من جنس النور الذي في الشعلة و ليس بفعل منها و احداث منها لا من شئ و لذلك تري المستنير بظل كل منير علي صفته في الحرارة و البرودة و الصبغ و الكمية و تريهما بعين واحدة و تدركهما بمدرك واحد فما ذكره مشايخنا من ذلك و مثلوا به للاثر و المؤثر محض تمثيل اذا اريد بالاثر الصادر لا من شئ و ان اريد به الاثر اللغوي فالنور المنبث اثر المنير و الحرارة المنبثة اثر الشعلة و لا شك في ذلك .

و بقي شئ و هو ان هذا النور المنبث و الحرارة المنبثة تابعان للشعلة لا للنار المكلسة اياها المكملة لها فان النار الغيبية ليس فيها صبغ و لا لها هيئة و ليست حرارتها بهذه الكيفية و انما هذه الخصال من الشعلة بدأت و اليها تعود و ليست تعود الي النار الغيبية و لاتدل عليها و ليس بينها و بينها ارتباط و ليست تعود الي فعلها الذي هو الاحراق و التكليس فان فعلها ايضا من حيث هو ليس فيه صبغ و لا هيئة و انما هما من الشعلة كما ان الخلق لم‌يبدأ من الذات الغيبية و لايعود اليها و لم‌يبدأ من فعلها و لايعود اليه [ص 36] و انما يعود الي صفة فعلها و الي مبدء الخلق الذي هو النفس كما روي ظهرت الموجودات من باء بسم الله الرحمن الرحيم ، انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله ، و ما يري من مطابقة هيئة الكتابة لحركة اليد فلاينافي ذلك لان اليد في مقام الشعلة و تحركها اشتعالها و هيئة الكتابة كالنور المنبث و المداد كالهواء و تحرك اليد بفعل النفس البسيط الذي لايماثله شئ و هو كمثال النار القائم علي الشعلة و لذلك نقول ان ضرب في اعلي مقامات الضرب و الفعل المطلق البسيط الذي هو ظهور النفس الكلي لو كان ضرب لم‌تقدر علي النصر ابدا فضرب ضرب في بطن الضرب و لذا يقع تأكيدا عنه و تري حروف اصولها مطابقة فليس الضرب اثر ضرب و انما هو تنزله و اثر زيد احدثه بفعله المطلق و ان شئت قلت اثر فعله فانه ليس من مادة الفعل و لا من صورته و انما هو من مادة محدثة لم‌تكن قبل ذلك كما ان النور محدث لم‌يكن في ذات النار و لا في فعلها و انما هو من الشعلة و الي الشعلة و لكن هنا ليست الشعلة اثر فعل النار لان النار لم‌تخلق الدهن و انما الدهن جسم كالنار غاية الامر انها كملته حتي كلسته دخانا بفعلها و مسها و ابرزت النار الكامنة فيه حتي اشتعلت بالدخان كما تري فهي مثال في عرصتنا ضربه الله لصفة احداثه و لصفة ذاته و لصفة فعله لا لعين ذاته و لعين فعله فان المثل ما لم‌يطابق لايكون مثلا و مطابقة عين الذات ممتنعة و مطابقة عين الفعل محالة فالامثلة مطابقة لصفاتهما و هي صفاتهما في رتبتها فالنار الغيبية هنا مثل ذات زيد مثلا و الاحراق مثل فعله المطلق و ضوء الشعلة مثل ضرب و المثال الواقع منه علي الجدران مثل ضربا المشتق منه المطابق له في الحروف الاصلية و لم‌يحدث ضربا من شئ فانه مشتق من ضرب و حروف اصوله من عكس حروف اصوله و الجدران مثل المفعول به [ص 37] فافهم و اذا عرفت السراج بكله فاعلم ان للسراج امثلة يتركها في امكنة وجودها و اوقات شهودها و حدود ظهورها كما يكون لساير الموجودات و هي ما كتب منه في اللوح المحفوظ لايحول و لايزول و هي صورة علمه سبحانه المتعلق به و هي فعليات السراج الدهري الخارجة من قوته الي الفعلية و تلك الامثلة موجودة في الحال عندك و في الازمنة السابقة و تلك الامثلة دهرية مكتوبة في لوح الدهر بعد ما اثبتت في كل وقت في الزمان و هي مفعوله المطلق فالسراج الدهري يترك ما تراه منه من ظهوره في لوح هذا المكان و هذا الزمان و يتجاوز عنهما الي مكان جديد و زمان جديد و ذلك المثال باق ابدا دهريا في ذلك المكان و الزمان ثم تدركه بمشاعرك البرزخية مهما التفتت اليه و هي اثر السراج حقيقة و فعله الذي به كمل ساير الاجسام فذلك الاثر احداثه ليس من مادته و لا من صورته بل احدثها بها و اما الاجسام المتكملة فهي من عرصة السراج مصاقعة له كما علمت و لا بد و ان نعنون لهذا الاصل ايضا فصلا حتي يتبين فتدبر فيه .

فصل - اعلم ان الله سبحانه ذات احدية كاملة لايترقب لذاته حدوث كمال لم‌يكن له فلايمكن ان يحدث له كمال لم‌يكن له فجميع كمالاته اللانهاية حاصل له بالفعل ازلا ابدا و هي كينونته الازلية الاحدية و هي من حيث حضورها لديه علمه الذي هو منه كماله كما روي و كيدك منك ثم خلق المشية بنفسها و هي لا بدء لها و لا غاية و تلك الكمالات الفعلية من ورائها فاظهر فيها بها منها ما شاء كما شاء و لا نهاية لما شاء فان ما لم‌يشأ منها وجوده في الاكوان فقد شاء وجوده في الامكان و لا غاية لذلك و لا نهاية و هو قوله القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، فظهرت تلك الكمالات اللانهاية بها في عرصات الامكان [ص 38] و الاكوان علي حسب ما يقتضيه كماله و قد تعين ظهور تلك الكمالات الكينونية الازلية الاحدية في هوية المشية المطلقة و انصبغت بصبغها فظهرت سرمدية بعد ان كانت ازلية قبل الظهور فيها ثم وقع ظهور تلك الكمالات علي القوابل الامكانية بعد ان سألته جل شأنه ان يسألها فسألها بها بقوله الست بربكم فاجاب ما في الاكوان بالسنة كونية و ما في الامكان بالسنة امكانية و تلك القوابل لم‌تكن قبل ذلك السؤال و انما كانا مساوقين بل كانت القوابل من نفس ذلك السؤال فانه لذلك السؤال كان جهتان ناشئتان من جهتي تلك المشية جهة ذلك المثال الملقي في هويتها و هو نفسها التي خلقت بها و جهة هويتها و ان كانتا علي ابسط ما يمكن في الامكان و تلك الاسولة الصادرة من مشيته سبحانه لما كانت صفة ذلك المثال غير المتناهي كانت لاتتناهي و كانت كاملة بالفعل و استجنت في تلك القوابل و الهويات فظهرت من ورائها علي حسبها و تعين بتعيناتها و انصبغت باصباغها و تكثرت في الجملة بتكثراتها فحدث من تدرجها اللازم لتكثرها الامتداد الدهري فصارت تلك الكمالات الظاهرة عنها دهرية و بالفعل بعد ما صارت فيها بالقوة و صارت اسولة دهرية عن القوابل الدهرية التي هي من انفس تلك الاسولة علي حسب ما عرفت ان عرفت فاجابت فحدثت الوجودات الكونية الدهرية الفعلية فاستجنت تلك الاسولة ثانية في تلك القوابل و صارت امثلة ملقاة في هويتها ثم ظهرت عنها علي حسبها منصبغة باصباغها متكثرة بتكثراتها متدرجة علي مقتضي تكثراتها فحدثت عنها الوجودات الفعلية الزمانية فبذلك عمرت الديار و ظهر الجبار لا اله الا هو الملك القهار لايري فيها نور الا نوره و لايسمع فيها صوت الا صوته و لا شئ فيها الا كماله و ظهوره و قد بسطنا القول في هذا السر المبهم في كتابنا المبسوط الفطرة السليمة و الغرض [ص 39] هنا ان كمال الازل اللايتناهي اقتضي ان يكون لكل ظهور من ظهوراته مثال و نور هو فعلية ذلك الظهور و كماله و لا غاية لتلك الامثلة و لا نهاية فان من شئ الا و له مثال حتي ان للمثال مثالا و لمثال المثال مثالا الي ما لا نهاية له لان تلك الامثلة كماله سبحانه في درجات الامكان و لا غاية له و لا نهاية و المثال فعلية ذي المثال و صفته و نوره و كماله و اثره له مادة من ظل ذي المثال و عكسه و شبحه صادر منه قائم به قيام صدور و ليست مادته من مادة ذي المثال و لا صورته من صورته و لايصاقعان ابدا ابدا فان ذا المثال نافذ في جميع اقطار المثال الوجودية باحديته النسبية فاذا هو ذو المثال و لا مثال ان رأيت ذا المثال و هو المثال و لا ذو المثال ان رأيت المثال و انما هو وجود ذي المثال و كينونته الظاهرة ان قطعت النظر عن المثالية فهو هو اثباتا و وجودا و عيانا و ليس هو هو كلا و لا جمعا و لا احاطة و لا نفوذا فهو في ذي المثال ممتنع لاحديته الطاوية و ذو المثال فيه ممتنع لتكثره و تركبه اللازمة و هذا المثال لكل شئ هو اثره و ظهوره و نوره الذي لايشاركه في مادته و لا صورته و انما يوجد به لا من شئ مطابقا للشبح المتصل بذي المثال في غير الذات القديمة جل شأنها فانها لا شبح لها و لا نسبة بينها و بين شئ فالسراج المذكور في الفصل السابق بنوره و حرارته له مثال ملقي في قابلية الامكنة و الاوقات و هو اثره لا النور المنبث و الحرارة المنبثة و انما يمثل بهما لذلك المثال و الجاهل يشتبه عليه الحال فلاتكونن من الجاهلين و كذلك للنار مثال و هو الحرارة و اليبوسة العرضيتان و هما مثالان للحرارة و اليبوسة الجوهريتين و هما اثرهما لا الشعلة و هي تتكمل بفعل النار و مثالها فافهم .

[ص 40] الباب الثاني

في مجمل من بيان تكون المواليد في هذا العالم علي نهج الاختصار و قد تكفل بتفصيل ذلك ساير كتبنا كمرآة الحكمة في الفلسفة و حقايق الطب و غيرهما و نكتفي هنا بقدر الحاجة و فيه فصول :

فصل - اعلم ان الله سبحانه لما عمر العالم و خلق بسايطه من السماوات و الجواهر الاربعة اتخذ السماوات للطافتها و عدم حجبها لما ورائها يدا له في اجراء ما اراد من افعاله في الارضين و المنتهيات الحاجبة لما ورائها لكثافتها فغلب علي السماوات القوة الفعالة و علي الارضين القوة المنفعلة لكون الكمالات في السماوات بالفعل و غلبة لطايفها علي انياتها و كونها في الارضين بالقوة و غلبة انياتها علي لطايفها فادار الله سبحانه السماوات علي الارضين و وقع انوارها و اشباحها علي الارضين فخالَطَتْها فقوت ما فيها من اللطايف و ضعفت ما فيها من غلائظ الانيات فحركت العناصر بعضها الي بعض فتداخلت فعمل ثانيا كل واحد منها في صاحبه فغلظ الكثيف اللطيف و رقق اللطيف الكثيف و سخن الحار البارد و برد البارد الحار و رطب الرطب اليابس و يبس اليابس الرطب فصار كل منها يدا ثانية سفلية لله سبحانه في تغيير صاحبه فغير كل واحد كل واحد بتقوية آثار السماوات اياها في الفعل حتي تشاكلت فتداخلت فتمازجت فتركبت فتوحدت فصار مولودا من المواليد ، فاذا كان التأثير ضعيفا و المتأثر كثيفا قليل المطاوعة لتأثير المؤثر يحدث بينهما الجمادات فاذا كان المؤثر اقوي و المتأثر اطوع يحدث بينهما المعادن و السبب في اختلاف احوال المؤثر هنا اختلاف اوضاع الكواكب و قراناتها التي هي المؤثرة في السفليات تأثيرا وصفيا تكميليا و اختلاف قوي الكواكب فاذا كان المؤثر اقوي و المتأثر اطوع و انعم و اعدل يحدث بينهما [ص 41] النبات و اذا كان المؤثر اقوي و المتأثر اطوع و انعم و الطف يحدث بينهما الحيوان و يشتد فيه المشاكلة لظاهر المؤثر كالولد الذكر الذي يشتد فيه مشابهة الاب فالجماد انثي و النبات خنثي انثي و الحيوان خنثي ذكر فاذا كان المؤثر اقوي و اشد و اجمع و المتأثر اطوع و انعم و الطف و اعدل و احكي لظاهر المبدأ حدث من بينهما الانسان و هو الولد الذكر فاذا كان المؤثر اقوي و اشد و اجمع من ذلك و اعلي و المتأثر اطوع و انعم و الطف و اعدل و احكي للمبدأ و باطنه حدث من بينهما انسان نبي او رسول فاذا كان المؤثر في غاية الكمال و الجامعية و المتأثر في غاية الاعتدال و الحكاية لباطن باطن المبدأ حدث من بينهما بدن النبي و ابدان اوصيائه عليهم السلام علي اختلاف مراتبهم و جميع هذه المواليد الدنياوية الظاهرية يوجدون بين هذه السماوات الفعالة و هذه الارضين المنفعلة و كلهم يخلقون من هذه الجواهر الاربعة بتصريف السماوات العالية و الفرق بينهم في فعلية الصفاء و الكدورة و في كل مولود قوة الصفاء و الكدورة حتي يترقي الي اعلي منه و ينزل الي اسفل منه الاتري ان النبي صلي الله عليه و آله يأكل من جماد هذا العالم و نباته و حيوانه و يصير غذاء له و جزءا لبدنه و يعتدل و ينطق بالحكمة و يصير قابلا للوحي و النبوة و يشرب دم النبي صلي الله عليه و آله ابوطيبة الحجام و بوله ام‌سلمة و لعاب فيه العجوز فيصير ذلك الدم او البول او اللعاب جزء بدن غير النبي و يستحيل الي الانسانية فينقلب غير قابل للوحي و النبوة و الحكمة و يأكل انسان من الجماد و النبات و الحيوان فيستحيل ذلك فيه انسانا ناطقا و هكذا يأكل حيوان الانسان و من النبات و الجماد فتستحيل فيه حيوانا غير ناطق و يظهر منه آثار الحيوانية و هكذا يمص النبات الجماد فيستحيل فيه [ص 42] نباتا و يظهر منه آثار النباتية و يموت النبات و الحيوان و الانسان و النبي فتنقلب جمادا و الي العناصر ثم يكون منها غيرها فمن نظر في هذه الامور بعين الاعتبار عرف بلا غبار ان جميع هذه المواليد الظاهرة الدنياوية من جنس واحد و سنخ واحد يستحيل بعضها الي بعض البتة و ليس بين هذه المواليد المرئية و الاجسام المشهودة ترتب الا علي نهج مراتب التشكيك و كل واحد هو هو بالفعل و في قوته الانقلاب الي الغير بلا شك و لا ريب فكيف يمكن ان يكون مشايخنا الذين شقوا الشعر في الحكمة خفي عليهم ذلك او يكون مرادهم من السلسلة الطولية ترتب هذه الابدان و الاجسام حاشاهم ان يخفي عليهم هذا الامر الواضح الجلي غير الخفي علي من له ادني مسكة فافحص عن مرادهم تنل ما قدر لك من فهمه فهذا المقام هو المقام الذي قال النبي صلي الله عليه و آله امتثالا لامر ربه انا بشر مثلكم و قال سبحانه لقد جاءكم رسول من انفسكم و ما وصل اليك من امثال ذلك من الاخبار في ان شيعتهم من طينتهم و من جنسهم و امثال ذلك .

فصل - ان الاجسام قوالب للارواح و قوابل لها و السنة داعية من ربها ارواحها فكل جسد يشاكل روحه فانه لم‌يسأل الا بحسب قابليته و لم‌يعط الا علي حسب دعائه فكما ان هذه الاجسام من سنخ واحد و من جواهر واحدة تكون ارواحها التي في رتبة واحدة ايضا من سنخ واحد و جواهر روحانية واحدة البتة و كما ان كل جسم هو هو بالفعل و يكون انقلابه الي غيره بالقوة و يمكن انقلابه الي غيره كما شاهدت لا بد و ان يكون ارواحها ايضا كذلك فكل روح هو هو بالفعل و يمكن انقلابه الي درجة اعلي بتصعيده و تلطيفه و طرح قشوره و استخلاص الجوهر الصافي الذي فيه بالقوة و ان لم‌يقع كما كان يمكن تصعيد [ص 43] الجسم الادني و ترقيته الي جسم اعلي كما ذكرنا و ان لم‌يقع فكما ان الاجسام في هذا العالم من امكان واحد كذلك ارواحها من امكان واحد و ليس تفاوتها الا في اللطافة و الكثافة و وجود الاعراض و عدمها فليس بين ارواحها ترتب البتة و من الشاهد علي ذلك ما تري من البرازخ بين الاجسام كالاملاح البرزخية بين الجمادات و المعادن و كالمرجان البرزخ بين المعادن و النبات و البورايخ البرزخ بين النبات و الحيوان فانه نبات ينبت من الارض و ثمره كالغزال و هو متصل باصله في الارض من سرته و تطول تلك السرة و يكبر ذلك الغزال و يرعي اطرافه و له جلد و شعر يصنع منه القلانس و يذبح و له لحم و دم ابيض و النساء النابتات من اشجار جزيرة الواقواق و امثال ذلك و كالصدف الذي انه حيوان في الاول ثم يغوص في البحر و يتوحل في الطين و يصير نباتا له اصل ثم يصير جمادا و كالنخل البرزخ بين النبات و الحيوان و كالقرد و الدب و النسناس البرزخ بين الحيوان و الانسان و كالنقباء البرزخ بين الانسان و الانبياء و اولي العزم البرزخ بين الانبياء و المعصومين عليهم السلام و محمد صلي الله عليه و آله البرزخ بين المعصومين و امر الله سبحانه فحقيقته قد تحسب من عالم الامر و قد تحسب من عالم الوجود المقيد فانا اذا شاهدنا وجود هذه البرازخ و عرفنا ان لها ارواحا مقارنة فارواحها ايضا برزخ بين الداني و العالي البتة و يصدق ذلك من لايستبد بفهمه كلام المشايخ اعلي الله مقامهم و حاشاهم ان يقولوا غير ذلك فكما ان اجسام هذه الدنيا برمتها من هذه البسايط و يمكن استحالة بعضها الي بعض و كل شئ منها هو هو بالفعل و يمكن انقلابه الي غيره و بينها برازخ كذلك ارواح هذه الاجسام ايضا من ارواح هذه البسايط و يمكن استحالة بعضها الي بعض و كل واحد منها هو هو بالفعل و في قوته الانقلاب الي غيره قد علم اولوا [ص 44] الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا ، و العبودية جوهرة كنهها الربوبية الخبر ، فلا ترتب بين هذه المواليد و ارواحها المتعلقة بها الا ترتب التشكيك و الذي قاله المشايخ من ترتب الاثرية و المؤثرية بينها هو علي غير هذه المعاني و سيجيئك شرح اقوالهم ان شاء الله .

فصل - ان لنا كليات حكمة استفدناها من المشاهدة و العيان و من كتاب الله جل شأنه و من سنة النبي و الائمة سلام الله عليهم فما لم‌يطابق من المسائل الجزئية تلك الكليات هي باطلة و الادلة الكلية العقلية لاتقبل التخصيص و النسخ فمنها ان لنا حواس ظاهرة ندرك بها صور هذا العالم الجسماني المشهود و هي كلها من سنخ واحد و الا لماادركته حواسنا الظاهرة بكيفية واحدة و هي الانطباع و انما تشير الآلات الي نظائرها و انت تدرك بها ظواهر جميع اصناف الخلق الظاهر و لنا حواس باطنة ندرك بها الصور المثالية الملكوتية فكل ما ادركنا بها من امثلة هذه المخلوقات كلها من سنخ واحد و عرض واحد و الا لماادركناها بمشاعرنا الباطنة بكيفية واحدة و هي الانطباع و لنا نفس ملكوتية مدركة لصور مجردة عن المواد العنصرية الجسمانية و المدد الزمانية فكلما ادركنا بها من الصور العلمية كلها من سنخ واحد و الا لماادركناها بنفس واحدة و لنا عقل جبروتي ندرك به المعاني الكلية فكلما ادركنا به من المعاني كلها من سنخ واحد و عرض واحد و الا لماادركناه بعقل واحد بل العقل لايدرك الا معني واحدا كليا و المعاني المتعددة التي لها كلية اضافية تدرك بالعاقلة و هي صورية لا معنوية و بالصورة تتعدد الاشياء و لنا فؤاد لاهوتي ندرك به حقيقة احدية مجردة عن الكلية و الجزئية و المعنوية و الصورية و هو حقيقة واحدة احدية و ليس لنا مدرك فوق ذلك اذ نحن معدومون وراءه و لا ذكر لنا فوقه بل لاندرك [ص 45] له وراءً و فوقاً ابدا ابدا و لو علي نحو الاحتمال و الاشارة و الفرض و خائنة الادراك فباي مشعر يمكن ان يثبت الانسان فوق فؤاده مؤثرا له مباينا معه و هذا كلام الشيخ الاجل الاوحد اعلي الله مقامه كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و هذا كلام امامه الامير عليه السلام كلما ميزتموه باوهامكم في ادق معانيه فهو مخلوق مثلكم مردود اليكم ، و انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله ، فلايمكن لنا ان ندرك فوق فؤادنا البتة و ان قلت فباي مدرك ندرك ان لنا ربا و له مشية و قد خلقنا بها قلت هذا ايضا موضع الاشكال و لا بد و ان نشرح لك في ذلك شرحا تعرف به الحق و الصواب و قد كثر بذلك السؤال مني و لم‌اجبهم عن ذلك الا من جراب النورة فاذكر الجواب الشافي الكافي هنا لعل اهل الجواب منهم يظفرون به فلنعنون لذلك فصلا خاصا به ليمتاز عن غيره .

فصل - اعلم ان الله سبحانه احد ليس ينتهي الي غيره فيحد فيثني فلاينتهي الي امكانات الاشياء فان المنتهي الي الامكان هو مادة الامكان المنتهية الي مسمي الامكان و هو الصلوح و به سميت بالامكان و لاينتهي الي الاكوان فان المنتهي الي الاكوان هو حصة من الامكان قد انتهت الي الحدود الكونية و بها سميت كونا و لاينتهي الي الاعيان فان المنتهي الي الاعيان هو الاكوان فانها انتهت الي الاعيان و بها تشخصت و تعينت و لاينتهي الي افعالها فان المنتهي الي الافعال موادها و لاينتهي الي الاشباح و اشباح الاشباح و هكذا فان المنتهي اليها موادها بالجملة كل ما انتهي الي شئ فقد تحدد به و المتحدد بشئ مادته حتي ان المنتهي الي المادة هو حصة من ظهور النوع و المنتهي الي النوع هو حصة من ظهور الجنس و هكذا الي ما لا نهاية له فان الله سبحانه فوق ما لايتناهي بما لايتناهي فكذلك هو سبحانه احد لايثني فلاينتهي [ص 46] الي شئ من خلقه و لو كان هو سبحانه فوق السرمد حسب لكان عالم الخلق خلوا منه و لو كان هو فوق عالم الجبروت لكان سرمديا و عالم الجبروت خلوا منه و لو كان هو فوق الملكوت لكان جبروتيا و الملكوت خلوا منه و لو كان هو فوق الملك لكان ملكوتيا و الملك خلوا منه تعالي الجبار ان يكون خلوا من ملكه او ملكه خلوا منه كما روي في الخطبة ماكان خلوا من الملك قبل انشائه و لايكون خلوا منه بعد فنائه و ما روي ان الله خلو من ملكه و ملكه خلو منه ، هو معني امتناع الازل في الحدث و الحدث في الازل فهو سبحانه داخل في الاشياء لا كدخول شئ في شئ فان كل داخل في شئ غيره محدود به مثني و خارج عن الاشياء لا كخروج شئ عن شئ فان كل خارج عن شئ غيره يخلو منه ذلك الشئ و يكون الخارج محدودا مثني و الله سبحانه لايخلو منه مكان و لايحويه مكان فهو طاو لكل خلقه طي الامتناع حيث هو اذ هو احد و ليس بكل خلقه فان الموصوف بالكل هو مادة الكل قد تعينت بصورة الكلية و ليس بحال في خلقه فان الحال محدود بالمحل و ذات المحل تخلو من الحال و ليس بمتحد مع خلقه فان المتحد بالخلق موصوف بالخلقية بل هو حيث هو يمتنع غيره امتناعا لا وجود له و لا عنوان و الخلق حيث الخلق يمتنع معه الحق فمن عرف هذا السر المبهم و الرمز المنمنم عرف انه سبحانه احد و لايعرفه حق معرفته الا هو فمعرفة الحق بالحق حق فهو هو لايحتاج الي معرفة نفسه اذ هو احد اعرفوا الله بالله ، و اما معرفة الخلق بالحق خلق دليله آياته و وجوده اثباته فمن عرف نفسه عرف ربه و ذلك انه سبحانه جعل نفس الانسان آيته و عنوانه و وصفه الفهواني فمن وصل الي معرفة النفس التي هي صفته مع قطع النظر عن انها نفسه و حقيقته و فؤاده فقد بلغ قرار المعرفة و ليس للمخلوق معرفة ازيد من معرفة [ص 47] الوصف ● فنحن هكذا نعرف ربنا جل شأنه و له الحمد و له المن بما خصنا به من هذه المعرفة التامة الكاملة التي عجز عنها افهام الحكماء و اوهام العلماء فمن انحط عن هذه الدرجة فسبيله الاستدلال و ليس من اهل هذا المقال و لايمكنني ازيد من ذلك في هذه الحال خوفا من اهل البغي و الجهال فلو جاء وقته و نحن احياء لرأيت من تفصيل ذلك ما يحيي به كل بال و ان فات بنا المقدور قبل ذلك فلكل نبأ مستقر فسوف [ص 48] تعلمون و ان اردت شطرا من هذا البيان فعليك بكتابنا الفوايد في فائدة البيان فلنرجع الي ما كنا فيه من التفريع علي تلك الكلية السابقة و لنعد فصلا .

فصل - فاذا عرفت ان فؤادنا آية الاحد جل شأنه ● بحيث من عرفه فقد عرف ربه و ليس لنا فوق ذلك ذكر و دونه مرتبة العقل فباي مدرك تثبت مؤثرات عديدة فوقك و اين آية المؤثرات العديدة في فؤادك الاحدي الذي هو آية الاحد و من اين لك اثبات الكثرات فوقك و لاتجد في فؤادك الاحدي الذي تعرف به ربك الاحد لها آيات و علي فرض ان يكون فيك آيات لها هل تلك الآيات فيك علي الاثرية و المؤثرية فانت مركب من مؤثرات و آثار او هي فيك من عرض واحد فتخالف الآيات ما تعرفه بها و ان قلت فعلي ذلك نرد القول عليك في آية الحق هل هي حق فانت قديم او خلق فيخالف ذا الآية قلت ان آية الحق آية الحق و ليست بحق قديم و انما هي صفة استدلال عليه لا صفة تكشف عنه و اما معرفة الحق فهي خاصة بالحق لايعرف الحق بالحق الا الحق و اما معرفتنا بمشيته سبحانه فغاية معرفتنا معرفة رأسها الخاص المتعلق بنا من حيث التعلق فان الاثر يشابه صفة المؤثر القريب و هو صفة المؤثر القريب بل هو منه مخلوق بنفسه فيعرفها به و يعرف ربه اذا كشف جميع السبحات و هتك جميع الاستار حتي يصل الي آية الجبار و اما اليه سبحانه فلا و ابيك فان الشئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و لايدركه .

فيا اخي صحح اعتقادك بما اقول و لاتستوحش منه ان سمعت ما لم‌تسمعه فان اسرار الله سبحانه كثيرة و تبدو شيئا بعد شئ و ليست المطالب منحصرة بما القي الي اصحابك و عرفوه و كم من سر لله سبحانه و لمايظهر فاذا جائهم تأويله جحدوه و قالوا ماسمعنا بهذا في الملة الآخرة ان هذا الا اختلاق ءانزل عليه الذكر من بيننا بل هو رجل كذاب و لو ان الناس اذا جهلوا وقفوا [ص 49] و لم‌يجحدوا لم‌يكفروا فاعرف الله بالله و المشية بالمشية كما تعرف الحمرة بالحمرة و الصفرة بالصفرة و لله المثل الاعلي فمن رام معرفة الحمرة بالصفرة و الصفرة بالحمرة لايكاد يصل اليها ابدا و كذلك اعرف الرسول بالرسالة و الانبياء بالنبوة و اولي الامر بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر و هي صفاتهم الشرعية التي تجلوا بها لمن دونهم و اقاموا بها الحجج علي ما سواهم الاتسمعه قال و الرسول بالرسالة .

الباب الثالث

في بيان مراتب الخلق و الاشارة الي كيفية تحقق هذه المراتب المتكثرة و العوالم العديدة علي سبيل الاختصار تكلانا علي بصيرة اولي الابصار و فيه فصول :

فصل - اعلم ان الله سبحانه كان اذ لا كان فاول ما تجلي به و لا تجلي و لا فعل و لا حركة و لا نطق كينونته الازلية الاحدية الحقة المبراة عن الكثرات [ص 50] المعراة عن الاختلافات المنزهة عن النسب و الاشارات ثم تجلت كينونته جل شأنه بصفتها للقوابل الاطلاقية الصلوحية الامكانية التي لم‌تكن قبل ذلك التجلي و انما كانت بنفس ذلك التجلي بلا كيف و لا اشارة و لم‌يكن ذلك التجلي بعد مدد ممددة و لا امكنة ممهدة بل كان ذلك التجلي في مقامه الذي لا غاية له و لا نهاية ابدا فان قسته بها فهو ازلي و ان قسته به و نسبته به فهو سرمدي افهم ما اقول لك فان الكلام دقيق دقيق و بالتدبر فيه عن تؤدة حقيق حقيق فكان هذا التجلي غير محدود بها و لم‌تكن تلك الكينونة محدودة به بل كانت نافذة في مكانه الوجودي الوحداني الاطلاقي بلا كيف طاوية له يعني لا شئ الا تلك الكينونة اذ هي و لا شئ الا ذلك التجلي اذ هو ثم هذا التجلي لغاية قربه منها و وحدانيته و انبساطه الوجودي قد تجلي في جميع مرايا القوابل الكونية التقييدية التي لم‌تكن قبل ظهوره بل هي بظهوره و هذا التجلي ايضا في مقامه و حده ابدي ان قسته بها فهو ازلي او بالاطلاق فهو سرمدي او بنفسه فهو مقيد خلقي فهذا التجلي هو حقيقة عالم الخلق و ظله و فؤاده و نفسه التي بها وصف الله نفسه بها و هي الكلية الالهية التي من عرفها لم‌يشق و من جهلها ضل و غوي و هي اكبر حجة الله علي خلقه و هي الكتاب الذي كتبه بيده و هي اللوح المحفوظ و هي مجموع صور العالمين و هي حبل الله المتين و كتابه المبين و صراطه الممدود و وصفه المشهود و شجرة طوبي و سدرة المنتهي الي غير ذلك من الاسماء و هي صفة التجلي الاعظم و ظهوره بحيث اذ هو ليس الا هو و اذ هي ليس الا هي و لما كان الظهور تمام البطون و الفعل تمام القوة و ما لم‌يكن كليات الحكمة تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و لا بد للشئ الكامل ان يكون ظاهرا في جميع عرصات الغيوب و الشهود مالئا لجميع اقطار الوجود [ص 51] و يكون جميع قواته بالفعل ظهرت في عالم الشهود ايضا كما كانت في الغيوب و لما كانت الشهادة علي طبق الغيوب و ماتري في خلق الرحمن من تفاوت و قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما خفي في الربوبية اصيب في العبودية صار نظم عالم الشهادة ايضا علي طبق عالم الغيب بلا تفاوت الا في الغياب و الشهود و اللطافة و الكثافة فبدت في عالم الشهادة ايضا اولا كينونة شهادية حقيقية ثم ظهر منها تجل شهادي كلي معنوي ثم تفصل ذلك الكلي بنفس كلية شهادية فعمرت الديار و تجلي الجبار و تبصر الابرار فتم الظهور و كمل النور و قامت الحجة علي الابرار و الفجار و كمل توصيف الواحد القهار و هذه المراتب هي العلامات و المقامات التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفه بها من عرفه لا فرق بينه و بينها الا انها عباده و خلقه فتقها و رتقها بيده بدؤها منه و عودها اليه فلم‌يبق لاحد حجة و لا لخلق كلام ان يقولوا انا كنا عن هذا غافلين او يقولوا انما اشرك آباؤنا من قبل و كنا ذرية من بعدهم ضعفاء افتهلكنا بما فعل المبطلون فعمر بذلك جميع العوالم الكلية و كل مرتبة منها اذ قستها بما دونها فهي حق ما دونها مرة و اطلاقه اخري و نفسه تارة لان الانظار تختلف علي حسب اختلاف الواقع فان نظرت الي احديته بالنسبة الي ما دونه مع قطع النظر عن جميع ما دونه اي ما سواه بالكلية علي معني الامتناع الحقيقي في النظر فهو حقه النافذ الطاوي ليس الا هو حيث هو هو

فما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات

و ان نظرت اليه من حيث انه موجود كاين فهو الكينونة الازلية الرتبية في الواقع و يقل نفوذه و ان كان ليس الا هي حيث هي و ان نظرت اليه من [ص 52] حيث الاطلاق و عدم اشتراط كونه بشئ دونه و صلوح تجليه بجميع ما دونه فهو الاطلاق الرتبي في تلك الرتبة و ان نظرت اليه من حيث انه حقيقة تلك منها بدأت الاشياء و اليها تعود فهو النفس الكلية الالهية الرتبية التي من عرفها لم‌يشق و من جهلها ضل و غوي و كل هذه الحيوث حيوث واقعية خارجية الا انها نسبية و ترق النسبة كلما تصعد صاعدة الي ان تصل الي الحقيقية و تغلظ النسبة كلما تنزل نازلة فهذه تمام كليات العوالم و هذا العالم اي عالم الجسم اي حقيقة الجسم منتهاها و غايتها و هو كما تري فارجع البصر هل تري من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب اليك البصر خاسئا و هو حسير .

فصل - هذه المراتب ليست بالاثرية و المؤثرية بل هي كلها مراتب التجلي الواحد و الظهور الواحد لانها من تمام الاثر الواحد و كونه اثرا تاما فان اثر الاحد المستقل لايكون الا تاما مستقلا و لايكون الشئ تاما الا بمقبول و قابل و هما في الشئ كالمثلثين المتداخلين رأس كل واحد علي قاعدة الآخر و وتراها منطبقان اي احدهما منطبق علي الآخر و يحدث من تداخل القابل و المقبول غيب و هو من قاعدة المقبول الي الوسط لانه بغلبة المقبول يكون اغيب مما يليه و هو من الوسط الي قاعدة القابل و هو لغلبة القابل عليه يكون اظهر مما فوقه لغلبة الكثافة اللازمة للبرد اللازم للانية المخالفة لكينونة الفاعل و غلبة اللطافة اللازمة للحرارة اللازمة لجهة الفاعل فالاعلي غيب بالنسبة الي الادني و الادني شهادة بالنسبة الي الاعلي و لكل من الغيب و الشهادة اعلي و هو غاية اجماله و وحدانيته و منتهي و هو غاية تفصيله و تكثره و مقام بينهما برزخي مرتبط من حيث الاعلي بالاعلي و شبيه به و من حيث الاسفل بالاسفل و شبيه به فيمثل لها بهذه الهيئات الثلث فيحدث للاثر [ص 53] من مبدئه الي منتهاه ست مراتب و هي الست المذكورة آنفا و هي من تمام كون الاثر اثرا و هو الصادر الاول عن الازل جل شأنه و هو في غاية البساطة الامكانية كل مرتبة منه ابسط ما يمكن في تلك المرتبة منزهة عن كثراتها مبراة عن اختلافاتها لانها آية الحق جل شأنه في تلك الرتبة فقد عمر جميع مراتب الامكان بذلك الصادر بحيث

ما في الديار سواه لابس مغفر و هو الحمي و الحي و الفلوات

انظر في النشأة الاولي و تذكر النشأة الاخري هل تجد فيها شيئا غير الجسم فكما ان هنا ليس شئ الا الجسم كذلك في عالم المواد ليس شئ الا المادة الكلية و لا في عالم الطبايع غير الطبيعة الكلية و لا في عالم النفوس الا النفس المطلقة و لا في عالم العقل غير العقل المطلق و لا في عالم الفؤاد الا الفؤاد المطلق فلا شئ في جميع اصقاع الامكان الا المطلق و هو اول صادر عن الحق جل شأنه و هذه مراتبه التي بها يكون اثرا تاما و هذا معني الصادر الاول لا ما كان يفهمه الجهال من كلمات المشايخ و كل مرتبة من هذه المراتب شرط وجود المرتبة الاخري في الخارج و ليس الامر في هذا المقام ايضا كما فهمه الجهال ان القابل شرط ظهور المقبول لا شرط وجوده فان وجوده صادر عن الفاعل و انما ظهوره موقوف بالقابل فان هذا القول يتمشي في المقبول و القابل المتباينين كنور الشمس و المرآة و اما اذا كان القابل هو انفعال نفس المقبول فلايكون المقبول موجودا ما لم‌يكن القابل لان الكسر لايوجد الا بالانكسار و ليس لولا الانكسار كان الكسر موجودا و لم‌يكن ظاهرا الم‌تسمع امامك يقول ان الله سبحانه لم‌يخلق شيئا فردا قائما بذاته ، و الم‌تسمع ربك يقول قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعائكم فكل مرتبة من هذه المراتب شرط وجود الشئ في الخارج فالصادر الاول [ص 54] لايصدر الا تام المراتب كامل المقامات و هكذا صفة تمامها فلا فؤاد الا و العقل معه و هو شرط وجوده في الخارج و لايكونان الا بنفس و هي شرط وجودهما و لاتكون الا بطبع و لاتكون الا بمادة و لاتكون الا بجسم فالمطلق الذي هو التجلي الاعظم و الظهور الاكرم له هذه المراتب و بها عمر تمام العالم و لايكون الآن و لاكان شئ غيره حين اذ هو هكذا ينبغي ان يعرف كلمات المشايخ العظام اجل الله شأنهم و انار برهانهم فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .

فصل - فاذا عمرت الديار بظهور الجبار كان كل مرتبة منها في حدها مخلوقة لله سبحانه بنفسها لان الكل مخلوق بنفسه فالمخلوقية بالنفس فيها تظهر في فعلياتها و آثارها علي حسبها من الرقة و الغلظة و الكثافة و اللطافة علي حسب تلك المراتب فكل ما يقرب منها الي المبدأ يكون اوحد و ابسط و كل ما يبعد يكون اشد تكثرا و تركيبا الا انها في كل مرتبة مخلوقة بنفسها فكل ما يبعد عن المبدأ يشتد تمايز فعلياتها و كلما يقرب يضعف لشدة البساطة و التشاكل فبدا في عالم الجسم الذي هو ابعد مراتبه اولا حيثان متمايزان جسمانيان حيث فعلية و بدا فيه الحركة و غلب فيه الاستدارة و البساطة و التشاكل فكان منه السماوات و حيث مفعولية و بدا فيه السكون و غلب عليه ساير الهيئات و الكثرة و التخالف بين الاجزاء فكان منه الارض و مرادنا بالارض الجواهر الاربعة كملا اي النار و الهواء و الماء و التراب ثم تفصل حيث الفعل الذي هو حيث غيبه النسبي الي ثلث مراتب اجمال و تفصيل و بين بين و هي العرش و الافلاك و الكرسي و حدث لارضه ايضا ثلث مراتب نار و تراب و برزخ بينهما رابط اعلاه يشاكل النار في الحرارة و اسفله يشاكل التراب في البرودة و هو جسم رطب رابط بين العالي اليابس المستقر في ظل مبدئه و الداني اليابس في [ص 55] انيته و نفسانيته و هذه المراتب آثار الجسم المطلق و فعلياته و بهذه المراتب صار عالم الجسم جسما و لولا احدي هذه المراتب لم‌يكن الجسم جسما مخلوقا بنفسه و ليس ان الجسم المطلق كان و لا سماء و لا ارض بل كان اذ كان و هكذا كان و هي من تمام كون الجسم جسما مخلوقا بنفسه و هذا معني قولنا ان المطلق موجود بالفعل بنفس وجود المقيدات لا من حيث انها مقيدات و كذلك الامر في كل رتبة من المراتب ففيها سماوات و ارضون الا انها اقل تمايزا و اشد تشاكلا حتي انها في رتبة الفؤاد التي هي اعلي المراتب الخلقية احدية نسبية سماؤها عين ارضها و ارضها عين سمائها و قلنا ذلك فيها لان ما خفي في الربوبية اصيب في العبودية فكذلك وجد المطلق في كل مرتبة قبل جميع المذروءات و المبروءات بالف الف دهر و هذه القبلية قبلية رتبية لا وقتية فافهم هذه التحقيقات الانيقات التي لاتسمعها الا مني و لا قوة الا بالله العلي العظيم و هذا مراد المشايخ رضوان الله عليهم الا انه خفي علي اكثر المتخذين عنهم بزعمهم .