[ص 1]

رسالة السلسلة الطولية

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج محمدكريم خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الاحد الصمد الذي لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفوا احد الذي لا من شئ كان و لا من شئ كون ما قد كان فلا كيف لفعله كما لا كيف له و لايسأل عما يفعل و هم يسألون و الصلوة علي بديع فطرته و اول خلقته الكائن بكينونته و الناشئ علي صفته الذي لايسبقه سابق و لايلحقه لاحق و لايطمع في ادراكه طامع و علي آله الذين فطرهم الله من نوره و ذرأهم علي ارادته فهم ذرية بعضها من بعض و علي رهطه الذين كونهم من ظله و صورهم علي هيئته و صفته و لعنة الله علي اعدائهم الذين خلقهم من الظلمة و صبغهم في النقمة ابد الآبدين و دهر الداهرين .

اما بعد فيقول العبد الاثيم كريم بن ابرهيم انه قد وصل الي كتاب من صاحب الفطرة السليمة و السليقة المستقيمة العليم الفهيم المهتدي الملا مهدي بن الملا علي‌اصغر سلمه الله و ابقاه و من كل مكروه وقاه في السؤال عن مسئلة عويصة لم‌يسطر رسمها في كتاب و لم‌يجر ذكرها في خطاب و ليس له فيها علي وجه الارض الظاهر جواب و لو ضرب آباط الابل دهرا و سار في طلبه عمرا و قد ورد علي و انا مشغول في تصنيف اجوبة المسائل الواردة فسوفت في جوابه مدة لعلي اجيبه بفراغة البال علي ما هو في الخيال فرأيت ان الفراغ [ص 3] من المسائل الواردة غير ميسور لانها تردني تتري و اداء حق الكل لازم بقدر الميسور فعزمت علي جوابه في عرض اشتغالي بساير الاجوبة ايضا و لكني اعتذر اليه من بسط المقال علي ما في البال و اقتصر فيه بالاجمال و لعله اوفي لايضاح الحال لان بالاجمال يمكن ذكر كثير من المقدمات و المبادي و بالتفصيل يفوت الوقت قبل ان تتم مقدمة واحدة و اذكر اولا صورة كتابه فقرة فقرة لاعلق عليها جوابها و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

قال سلمه الله : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين اما بعد جعلت فداك و رزقني لقاك فاني كنت في اول امري و ريعان عمري تلمذت في خدمة العلماء الشيخية عن مطالبهم العلية شكر الله مساعيهم الجميلة حتي قرأت اكثر كتبهم و رسائلهم و تأملت في احتجاجاتهم و دلائلهم .

اقول يا اخي وفقك الله لمرضاته ان علوم الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه ليست في كتبه و ليست كتبه مشحونة باصطلاحاته الا رمزا و انما هو و اصحابه المقتدون اثره العالمون برطنه كتبوا كتبهم لتفهيم الناس الجهلة و ردع اصحاب الخناس الضالة عن الطريق فتكلموا بلغة القوم حقا كانت او باطلة مرضية كانت او مسخوطة فزعم المنقطعون اليهم المعرضون عن غيرهم ان هذه لغتهم و علمهم و اصطلاحهم و حاشاهم عن ذلك حاشاهم فمن اصطلاحات كتبهم اصطلاح الحكماء و اصطلاح الفلاسفة و اصطلاح الصوفية و اصطلاح الاصولية و اصطلاح اهل الحروف و الجفر و الرمل و غير ذلك و انهم لما ارادوا اظهار الحق لهم و تطبيق كل العالم علي مرادهم لفقوا هذه الاصطلاحات من العلوم ليعرفوا الناس مطابقة ما في ايديهم بجميع ما في العالم و ليس ذلك باصطلاح لهم يخصهم و ان زعم [ص 4] الغافلون عن ساير العلوم ان هذه اصطلاحات علم الشيخ و لغته و سبكه في علمه و حاشاه ان يصطلح في نفسه و عند من يعرف رطنه غير ما جري به الكتاب و السنة و كذلك قد رسم في كتبه من قشور علمه و ظواهره ما يمكنهم الاصغاء علي حذو قول الشاعر :

فعبرت عن قصدي بليلي و تارة بهند فما ليلي عنيت و لا هندا

و هو اعلي الله مقامه و السيد الاستاد اجل الله شأنه من بعده يناديان علي انفسهم بهذا الشعر في اكثر كتبهم و لقد سمعت من الاستاد اجل الله شأنه مرة انه قال اني مااتكلم بدليل الحكمة ابدا و انما اتكلم بالمجادلة و قليل من الموعظة فسألته عن دليل الحكمة فاخبرني بطريقه و قال مرة اخري ان هذا الذي تسمعون مني ليس باصطلاحي فسألته عن اصطلاحه في علومه قال انت تعلم و ماكنت اعلم ذلك اليوم و علمت بعده ببركات وجوده من غير مخاطبة و الحمد لله بالجملة اني اخبرك اتماما للحجة و ايضاحا للمحجة ان هذه الكتب جارية بقشور علومهم و بغير اصطلاحاتهم و من لم‌يتصب مع الصبيان فليس بحكيم و هم اتوا بعلم جديد لقوم جهال غافلين و اضطروا الي ان يداروهم و يخبروهم بقشوره و ظواهره ثم يكشفوا لهم شيئا بعد شئ و يبرزوا لهم بواطنه امرا بعد امر علي نظم الحكمة الاعتدالية التدبيرية و هذا هو طريق كل نبي و وصي و حكيم جاء قبلهم فاذا ابرزوا شيئا من الخوافي لهم تأويل في ما ابرزوه اول لاينافي ذلك الخافي بوجه كما روي في اخبار عديدة انا نتكلم بالكلمة و نريد منها سبعين وجها لنا من كلها المخرج و كما قال الصادق عليه السلام في رسالته الي زرارة لايضيقن صدرك من الذي امرك ابي عليه السلام و امرتك به و اتاك ابوبصير بخلاف الذي امرناك به فلا والله ماامرناك و لاامرناه الا بامر وسعنا [ص 5] و وسعكم الاخذ به و لكل ذلك عندنا تصاريف و معان توافق الحق و لو اذن لنا لعلمتم ان الحق في الذي امرناكم فردوا الينا الامر و سلموا لنا و اصبروا لاحكامنا و ارضوا بها و الذي فرق بينكم فهو راعيكم الذي استرعاه الله خلقه و هو اعرف بمصلحة غنمه في فساد امرها فان شاء فرق بينها لتسلم ثم يجمع بينها ليأمن فسادها و خوف عدوها في آثار ما يأذن الله و يأتيها بالامن من مأمنه و الفرج من عنده عليكم بالتسليم و الرد الينا و انتظار امرنا و امركم و فرجنا و فرجكم فلو قد قام قائمنا و تكلم متكلمنا ثم استأنف بكم تعليم القرآن و شرايع الدين و الاحكام و الفرايض كما انزله الله علي محمد صلي الله عليه و آله لانكر اهل البصاير منكم ذلك اليوم انكارا شديدا الخبر ، و هو شريف طويل تدبر فيه و اعلم ان الانبياء و الاوصياء و الحكماء يجيبون السائلين علي لغاتهم و علي حسب افهامهم فلما وقع في يد من هو اعلي من السائل الاول جمد عليه و زعمه غاية الحق في المسئلة فاذا اجابه عالم بخلاف ذلك ظاهرا و اوله الي كلامه سخطه ذلك السامع و زعمه قد خالف الطريقة و خاب عن نيل الحقيقة الم‌تسمع المشايخ يذكرون كثيرا هذه الابيات : اني لاكتم من علمي جواهره الابيات ، الم‌تسمعهم كثيرا يروون حديث اميرالمؤمنين عليه السلام ليس كل ما يعلم يقدر العالم ان يفسره لان من العلم ما يحتمل و منه ما لايحتمل و من الناس من يحتمل و من الناس من لايحتمل و حديث الصادق عليه السلام ما كل ما يعلم يقال و لا كل ما يقال حان وقته و لا كل ما حان وقته حضر اهله انتهي ، و لعمري ان المشايخ قد نادوا علي انفسهم ان ما نقول قشور العلم و ان له تحت القشور لبابا و لكن الغافلين اعينهم منه في عمي و آذانهم منه في صمم و قد اقتدوا بسيدهم الصادق عليه السلام حيث سئل عن اختلاف اقواله فقال انا نجيب [ص 6] بالزيادة و النقصان ، فهم ايضا يجيبون بالزيادة و النقصان و لكل ذلك تصاريف و معان توافق الحق عند اهله و قد قال ابوالحسن عليه السلام اختلاف اصحابي لكم رحمة و قال اذا كان ذلك جمعتكم علي امر واحد و قال الصادق عليه السلام انتم افقه الناس اذا عرفتم معاني كلامنا ان الكلمة لتنصرف علي وجوه فلو شاء انسان لصرف كلامه كيف شاء و لايكذب ، ذكرت ما ذكرت لك لتعلم ان لباب علم الشيخ ليست في ظواهر كتبه و ليس كتبه علي اصطلاحه و قد روي انا معاشر الانبياء نكلم الناس علي قدر عقولهم ، و هم قد تصبوا مع الصبيان فلو كبروا لخاطبوهم بغير هذا الخطاب و القوا اليهم بعد القشور لباب الصواب و عرفوهم عدم مخالفة القشور مع اللباب و لكنه لايوقف عليه الا بتنبيه منبه من اولي الالباب و ذكرت ما ذكرت لتعلم ان الجامدين علي القشور المقتصرين علي ظواهر كلامهم ليسوا عن مر الحق بمراح و لا مغدي و لذلك لايريهم البصير يقدرون علي اتمام كلمة واحدة من العلم و لايقدرون علي جمع كلامين مختلفين من كلامهم كل ذلك لاجل انهم لا لامر الله يعقلون و لا من اوليائه يقبلون سنة الله التي قد خلت من قبل و لن‌تجد لسنة الله تبديلا و كأني بناظر في كلامي هذا يظن ان فلانا فتح هذا الباب ليقول ما يشاء و يصرف كلام المشايخ اليه و يخالفهم فيما يريد

فهب اني اقول الصبح ليل ايعمي الناظرون عن الضياء

و كيف يحتمل ذلك و مانوه باسمهم غيري و لانشر حقهم سواي و لاعرفهم الناس دوني و لاحفظ ذكرهم عداي و مااحيي امرهم خلاي ان افتريته فعلي اجرامي و انا بريء مما تجرمون و علي ما يظنون انقطع الدنيا و انتهي الصعود و لا علم بعد الذي في ايديهم و لا حكمة الا ما يعرفون و لايعرفون والله كلمة واحدة بحقيقتها نعم [ص 7] تعلموا بعض الكلمات الناقصة الميتة التي لا ارواح لها فاذا سألتهم عن مسئلة يسردون سردا كلمات علمية لا معاني لها ابدا و لايعرفون ما يقولون و لايعرف من قيل له هكذا ابدا جهالا و ارجو الله سبحانه ان يثبتهم بالقول الثابت و يجمع كلمتهم علي امر واحد حفظا لاسم المشايخ و رسمهم انه قريب مجيب و ما علينا الا الشفقة و النصح لاخواننا فمن اهتدي فلنفسه و من عمي فعليها و السلام .

قال سلمه الله : فرأيت ان تحقق اكثر مطالب الجناب الشيخ اعلي الله درجته و رزقنا شفاعته موقوف باثبات السلسلة الطولية بالادلة العقلية و النقلية فاردت فهم هذه المسئلة بالبراهين كما قرره الشارع المبين في تحصيل دقايق علوم الدين فسألت عن كل من ادعي فهم هذه المطالب فرأيت ان اكثرهم عنها بجانب فبقيت حيرانا في فكرتي و مأيوسا عن ارتفاع شبهتي بعد اللتيا و اللتي .

اقول نعم ان هذه المسئلة من امهات مسائلنا و يتفرع عليه في الدين مسائل كثيرة بل هي باب يفتح منه الف باب و اني ايضا في ايام تلمذي علي جناب الاستاد اجل الله شأنه و انار برهانه تنبهت بهذا المقام و رأيت ان الفرق الكلي بيننا و بين غيرنا في التدين بهذه المسئلة و ان من سبقنا من العلماء كأنه لم‌يشذ عنهم شاذ قد ذهب الي ان ما سوي الله سبحانه من حقيقة واحدة و انما الاختلاف بين افراده في الصورة حتي ان الشيخ اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه بنفسه قال في الفائدة الرابعة‌عشر من ملحقات فوائده المشهورة ما هذا لفظه :

اعلم ان وجود الممكن ذهب فيه اكثر الحكماء و العلماء من اهل الملل و اهل النحل الي ان هذه الموجودات المتكثرة المتعددة المختلفة كلها من طينة واحدة و انما اختلف باختلاف معيناته و تغايرها و تكثر بتكثر مراتبه من جهة القرب الي المبدأ و البعد عنه كما تكثرت مراتب نور السراج الواحد من جهة قربه من [ص 8] السراج و بعده فاقربها نورا و حرارة ما كان اقرب الي السراج و اضعفها نورا و حرارة ما كان ابعد منه و ما بينهما بالنسبة فانه تعالي خلق الوجود لا غير و هو اول ما خلق الله عز و جل و هو الماء المذكور في القرآن و الاحاديث فخلق من صفوته نور محمد صلي الله عليه و آله و اهل بيته عليهم السلام ثم خلق من صفوة الباقي انوار المؤمنين من الانس ثم المؤمنين من الجن ثم الملائكة ثم الحيوانات ثم النباتات ثم المعادن ثم الجمادات و اما الكفار و الجن الكفار و الشياطين و المسوخ و النبات المر و الارض السبخة فمن عكوسات اولئك الانوار و اظلتهم و لهم علي وحدة طينة هؤلاء المتكثرين ظواهر الاخبار ، الي ان قال : حتي انه لايكاد يوجد قائل بخلاف هذا ، الي ان قال : و هذا غلط باطل و زبد مجتث زايل ، الي آخر كلامه اعلي الله مقامه .

فرأيت ان هذه المسئلة من المهمات التي لايجوز التغافل عنها هذا و يترتب عليها كثير من المسائل في الفضائل و المعارف و السلوك و العمل و غيرها فاهتممت بتحقيق هذه المسئلة فسألته اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه ان يكتب في تحقيق هذه المسئلة العظيمة رسالة مشحونة بذكر الادلة من الكتاب و السنة و الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة و الامثال و الححت عليه في السؤال فلم‌يكتب لي و وعدني انه سوف يكتب فراجعته في ذلك مرة بعد اخري و كرة بعد اولي ما دمت في العراق ثم بعد ما رددت الي العجم كنت اراسله الكتب و استنجزه الجواب و كان يعدني بانجاز عدتي و اسعاف طلبتي و كأنه لم‌ير لي و لاهل الزمان استعدادا في فهم هذا المطلب او كان غرضه التعليم الباطني دون الظاهري خوفا من غير المستحقين بالجملة لم‌يجبني في هذه المسئلة الي ان قدم علي ربه زيد في اكرامه و كنت كثير التفكر في هذه المسئلة حتي فتح الله لي فيها ابوابا [ص 9] يفتح منها ابواب فانت مع طلبك العلم عن غير اهله لحري بان لاتنال الجواب و لاتفوز بالصواب و ان جميع اخواننا عن فهم هذه المسئلة كما قلت بجانب و عن فهمها لخائب لايعرفون منه قليلا و لا كثيرا الا سرد اسماء الرتب واحدة بعد واحدة فاني كان يمكن لك الفوز بالجواب و لم‌تطرق الباب و دونها الف حجاب و انت تعلم ان هذه المسئلة ايضا ليست بمذكورة في كتب الشيخ و لا في كتب السيد اعلي الله مقامهما مبرهنة مفصلة و كأنه لم‌يوفق احد بسؤالهما عنها او سألوا و لم‌يجابوا كما مااجابني السيد الاستاد اعلي الله مقامه و انما المذكور في كتبهما محض ادعاء ان ترتب هؤلاء بالطول و هناك سلسلة عرضية اخري و تشاهد ايضا في بعضها اختلافا في الظاهر بل اختلافا بين الاستادين اعلي الله مقامهما في الظاهر ايضا كما ستطلع عليه ان شاء الله و لايقدر علي رفع الخلاف من بينهما الا من شاء الله فترقب .

قال سلمه الله : الي ان وصل الي عن جنابكم الشريف بعض الرسائل في اجوبة المسائل فطالعتها بنظر الاعتبار و تأملت في معانيها عن طريق الاستبصار فرأيت مطالبها صفوة بلا غبار و مبينا من دون استتار فظننت بل علمت بحول الله و قوته ان يكون عندكم دواء علتي و بيان لرفع شبهتي و ارجو من الله سبحانه ان اكون لتحصيل مسائل الدين طالبا و ان لااكون في هذا السؤال خائبا .

اقول يا اخي انا و ان لم‌اكن قابلا لما ظننت و لكن الله عند ظن عبده ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا احسن الظن و لو بحجر يجعل الله مطلوبك فيه فارجو من الله سبحانه ان يلقي في روعي جواب مسألتك لما روي انه ما من عبد حبنا و زاد في حبنا و اخلص في معرفتنا و سئل عن مسئلة الا و نفثنا في روعه جوابا لتلك المسئلة ، و ارجو ان اكون من محبي محبيهم و موالي مواليهم و يشرق علي روعي ظل ما يشرق في روع اوليائهم و ان ربي قريب مجيب فلعله ببركات حسن ظنك يجعل [ص 10] الله مطلوبك في قلبي و يجريه علي قلمي و افوز انا ايضا مع الفائزين و الا فانا بنفسي محروم عن كل خير اسير في ايدي الشهوات مبتل بالعادات محروم عن نيل ما في ملكوت الارضين و السماوات ، فلا كل من حاز الجمال بيوسف و لا كل من ادعي العلم بعالم نعم عندنا حفنة من وقر و باقة من بيدر و فوق كل ذي علم عليم فروي من لم‌يكن في كلامه لاادري فهو مجنون .

قال ادام الله توفيقه : فاقول و بالله المستعان يا مولاي المأمول من جنابكم ان تبينوا لنا اولا بان هذه المسئلة العويصة هل هي من مسائل اصول الدين ام لا .

اقول لا شك و لا ريب ان في الدين اصولا و فروعا و هو مما اجمع العلماء من الملل و المذاهب عليه و اهل كل ملة قالوا في دينهم باصول و فروع فاصول كل مذهب ما به يمتاز عن غيره في عقايد اهله و لها كليات و جزئيات فلدين الاسلام اصلان كليان اولهما الاقرار بالله سبحانه و به يمتاز المسلمون عن الدهرية و المعطلة و منه التوحيد الذي به يمتازون عن المشركين بالله سبحانه و ثانيهما الاعتراف بمحمد صلي الله عليه و آله و به يمتازون عن اهل ساير الملل و اما المعاد الذي به يمتازون عن منكريه فهو من فروع النبوة فان من صدق النبي صلي الله عليه و آله يصدقه في كل ما يقول و منه المعاد فاهل الاسلام قاطبة مشتركون في هاتين الكليتين و يخص الشيعة بالاقرار بالامام المنصوص عليه و يخص الاثناعشرية زيادة علي ما سبق بالاقرار بالائمة الطاهرين الاثني‌عشر صلوات الله عليهم اجمعين و اما العدل فجميع عدلية الاسلام مشتركون في الاقرار به و يمتازون به عن الذين يقولون بالجبر فليس من خواص الشيعة الاثني‌عشرية و يشاركهم المعتزلة في ذلك و هو في الحقيقة من جزئيات الاقرار بالله سبحانه كالتوحيد فانه ايضا من جزئيات الاقرار بالله سبحانه فانهما صفتان من الصفات و هذه كليات [ص 11] الامر حتي انها شاعت و ذاعت بين كل من دخل المذهب عن بصيرة و لهذه الكليات جزئيات في الحقيقة كلها من الاصول و بها يمتاز كل قوم عن غيره و في ذلك تفرق فرق الاسلام الي ثلث و سبعين فرقة و تلك الجزئيات من اصول تلك المذاهب الا انها ليست من الكليات و الحق مع واحدة من تلك الفرق فان اثنتين و سبعين فرقة منها في النار و واحدة في الجنة و لو لم‌يكن لتلك الجزئيات مدخلية في النجاة لكان ساير الفرق ايضا في الجنة علي حسب اعتقاد المسلمين و من البين عدم اعتراف كل فرقة بنجاة غيرهم فكون الجزئيات ايضا من اسباب النجاة مجملا فمما اجمع المسلمون عليه فاذاً هي ايضا من الاصول الا انها ليست من الكليات و ذلك غير ضاير في كونها من الاصول .

بقي هنا شئ و هو ان الجزئيات علي قسمين ضرورية و نظرية فما كان منها ضرورية يجب علي من انتحل تلك الكليات الاقرار و الديانة بها و يحرم عليه التخلف عنها فان من اعترف بها ناج باعتقادهم و من جحدها هالك فانه يؤدي الي انكار الكليات و ما كان منها نظرية فان استبد به برأيه و هواه فان اصاب لم‌يوجر و ان اخطأ هلك لما روي عن النبي صلي الله عليه و آله ستفترق امتي علي ثلث و سبعين فرقة فرقة منها ناجية و الباقون هالكون و الناجون الذين يتمسكون بولايتكم و يقتبسون من علمكم و لايعملون برأيهم فاولئك ما عليهم من سبيل و عن الصادق عليه السلام القضاة اربعة ثلثة في النار و واحد في الجنة رجل قضي بجور و هو يعلم فهو في النار و رجل قضي بالجور و هو لايعلم فهو في النار و رجل قضي بالحق و هو لايعلم فهو في النار و رجل قضي بالحق و هو يعلم فهو في الجنة انتهي ، و سئل عن قول الله عز و جل و من اضل ممن اتبع هواه بغير هدي من الله قال يعني من اتخذ رأيه دينا و روي ادني الشرك ان يبتدع الرجل رأيا فيحب [ص 12] عليه و يبغض و روي ادني الشرك ان تقول للنواة حصاة و تدين الله به ، الي غير ذلك من الاخبار المتواترة التي رويناها في فصل الخطاب و ان لم‌يستبد فيها برأيه و نظره و راجع الكتاب و السنة و اخطأ الحق فان ذلك لايكفره كما روي فانه اراد تصديق الكليات الا انه لم‌يظفر بالحق لقصر نظره فلاجل ذلك لم‌يكفر علماؤنا المحققون الصالحون غيرهم ممن اخطأ في جزئيات الاصول النظرية و هم راجعون الي الاخبار مستنبطون منها بالجملة جزئيات الاصول الكلية من الاصول و ليست من الفروع المعروفة و هذه المسئلة المسؤل عنها من اصول المذهب بل الدين باعتبار بلا شك الا انها من الجزئيات النظرية و لا بد فيها من النظر لانها من جزئيات معرفة الله سبحانه في افعاله و صنعه و من جزئيات معرفة النبي صلي الله عليه و آله و رتبته في الخلق و فضيلته و انواره و صفة تجلياته و من جزئيات معرفة الائمة عليهم السلام و الانبياء سلام الله عليهم و كيفية ظهوراتهم و تجلياتهم و انوارهم و ليست هذه المسئلة بنفسها من ضروريات الدين و ان كانت تنتهي عند العارف الي الضروريات فان شأن كل دليل ان ينتهي الي الضروريات اذ ليس ترتيب المقدمات الضروريات بحيث تنتج مسئلة من الضروريات فافهم .

قال سلمه الله : و علي الاول هل تثبت بدليل العقل خاصة ام تحتاج بدليل النقل ايضا .

اقول ليس من شروط اصول الدين و المذهب ان تثبت جميعها بدليل العقل و ليس من شروط النجاة اثبات كلها بدليل العقل المحض بل اللازم اثبات محض وجود صانع بدليل العقل المحض الخالي عن النقل اولا ثم اثبات لزوم وجود نبي حاكم علي الخلق مبعوث من لدن الصانع مصدّق من الله سبحانه فاذا اثبت هذين [ص 13] الاصلين بدليل العقل المحض يعرف الشخص الخاص بتصديق الله سبحانه اياه و تقريره له بعدم اظهار امر منه يخالف النبوة و هذا اعظم ادلة اثبات كل حق كما حققناه في ساير كتبنا و رسائلنا و مباحثاتنا و يشهد بذلك استدلال كل نبي به علي حقيته و القرآن مشحون بهذا الاستدلال لكل نبي و يعرف تصديق الله سبحانه للشخص الخاص بالمشاهدة و بالاخبار المتواترة الموجبة للقطع بتصديق الله سبحانه اياها ايضا فاذا عرف الشخص الخاص يصدقه في كل ما قال في حق الله سبحانه و صفاته و اسمائه و افعاله و في مراضيه و مساخطه من الاحكام و الحلال و الحرام و في اخباره عما سيأتي من احوال الرجعة و يوم القيام و في تعيينه بعده الامام ثم يصدق الامام في كل ما اخبر به مما ذكر سواء اخبر به النبي السابق او لم‌يخبر و سواء وافق النبي السابق في اخباره ظاهرا ام خالف فانه بنفسه مصدق عن السابق و يعرف اخبارهما علي اليقين بالسماع و بالاخبار المتواترة المورثة للقطع و بالاخبار المحفوفة بالقراين القطعية و باخبار الثقات المأمور بالاخذ بها فان اخبار الثقات يوجب القطع العادي و الا فليسوا بثقات اذ لاتثق باخبارهم النفس و كل هذه الانواع مصدق من الله سبحانه و يحصل العلم بها بتصديق الله سبحانه اذ لايغري بالباطل و قد امر بالاخذ بها فلو علم بطلانها لاظهر امرا يوجب العدول عنها فافهم و ما سوي ذلك لايصح صدوره عنهم و لايجوز التمسك به شرعا كما شرحناه في ساير كتبنا و مباحثاتنا سواء حصل بها الظن ام لم‌يحصل فاذا حصل العلم العادي باخبارهما وجب الاخذ بها و بضميمة تصديق الله سبحانه يصير العلم عقليا قطعيا فيصير دليلا عقليا و ان كان مأخوذا من النقل فان الدليل العقلي اما يؤلف مقدماته من الآيات الآفاقية و الانفسية او مما يستنبط منها و اما تؤلف من الآيات التدوينية [ص 14] و لا فرق بينهما و لايقدر عقل علي تأليف دليل ما لم‌يحصل مقدماته من محسوساته و لا فرق بين المحسوس بالعين و المحسوس بالاذن و العقل عقلان عقل مطبوع و عقل مسموع و لاينفع مطبوع اذا لم‌يك مسموع ، بالحكمة يستخرج غور العقل و بالعقل يستخرج غور الحكمة فالحواس تدرك بالعقل لان امدادها منه و العقل يستكمل بالحواس لان احساسه المحسوسات بالحواس قال الله سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال اولم‌ينظروا في ملكوت السماوات و الارض و ان عسي ان يكون قد اقترب اجلهم فباي حديث بعده يؤمنون و قال افرأيتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و قال الرضا عليه السلام قد علم اولوا الالباب ان الاستدلال علي ما هنالك لايعلم الا بما هيهنا و قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية الخبر ، فتبين و ظهر لمن نظر و ابصر ان العقل لايقدر علي الاستدلال علي الغيب الا بما يدركه في الشهادة و المدركات الشهادية مرئي و مسموع و مذوق و مشموم و ملموس فالاخبار الصحيحة الصدور عن اناس هم قطعيوا الحقية و قطعيوا الصدق احدي الآيات التي يستدل بها العقل علي عالم الغيب كالآيات الآفاقية و الانفسية و لما كان الآيات الآفاقية و الانفسية محكمة ظاهرة الدلالة علي الغيوب الكلية يمكن التمسك بها فيها و اما الجزئيات فيشتبه دلالتها عليها و ليس شأن كل عقل الاستنباط منها البتة فيستعان في الاستدلال بها بالآيات التدوينية السمعية فانها اصرح دلالة فاذا احس العقل هذه الآيات التكوينية و التدوينية تيقن بالامر فلا دليل الا الدليل العقلي و الشرع عقل منطوق كما ان العالم عقل مشهود فنحن لانعرف فرقا بين الدليل العقلي و النقلي ابدا اللهم الا ان يقول قائل ان النقلي ظني و نحن لانقول به و لانعرف حجة في الظنيات في جميع [ص 15] امور الديانات سواء كانت اصولية او فروعية نعم فيهما فرق اصطلاحي لبعض طبقات الناس حيث لايعرفون حقيقة مسموع و سره و يصدقون به من محض جهة السماع عن الصادق و ربما يعرفون حقيقة بعض الاشياء من جهة الآيات التكوينية و الاستدلال بها فيسمون الاول عقليا و الثاني نقليا و هو محض اصطلاح فان الانسان اذا انحط عن درجة الكشف و الرؤية يكون مداره بالاستدلال و للاستدلال اسباب منها الآيات التكوينية و منها الآيات التدوينية و كلتاهما تحتاجان الي نظر العقل و لايحصل اليقين بمسموع الا بالعقل كما لايحصل اليقين بمشهود الا من جهة العقل فلا بد من العقل في كل من المسموع و المشهود و كلا السببين غير العقل بلا تفاوت و كلا السببين ظهور العقل بلا تفاوت فلا فرق حقيقة بين الدليل العقلي و الدليل النقلي الا بحسب الاصطلاح فهذه المسئلة و جميع المسائل تحتاج الي العقل و استدلاله و كل مسئلة لها مستنبط في الآفاق و الانفس و الكتاب و السنة و الحكيم يستنبط كل مسئلة منها جميعا و لايحصل اليقين الخالص الكامل الا بها جميعا و الجاهل الذي لم‌يقرأ حروف الكتاب التكويني لايقدر علي الاستدلال بها علي الاشياء الجزئية و يحتاج الي التنبيه بالقول و السمع فهذه المسئلة تثبت بدليل الآفاق و الانفس و بدليل الكتاب و السنة معا و ان من شئ الا و فيه كتاب او سنة و قال سبحانه و لقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل و قال تبيانا لكل شئ الا ان من المسائل يوجد في ظاهره و منها يوجد في تأويله و منها في باطنه و هكذا ظاهر ظاهره و باطن تأويله و تأويل باطنه و باطن باطنه و لو كان كل مسئلة في ظاهر القرآن لعرف جميع العلم كل من عرف العربية الظاهرة و فهم الفاظ القرآن و لما لم‌يعرف الناس معني كون كل شئ في القرآن شكوا في ذلك او نسبوا من لم‌يستدل بالظاهر [ص 16] الي عدم الاطلاع علي علم الكتاب و متي خلج في قلبك شئ تفكر في معني كل شئ في باء بسم الله حتي تطمئن .

قال وفقه الله : و علي الثاني هل يكتفي في ثبوتها بالآحاد كالفروع بناء علي حجيتها فيها ام لا بد لها من التواتر و اليقينيات لان اصول الدين لا بد فيها من الاطمينان و اليقين و لايجوز امثال هذه الاصول بالاستحسان و التخمين .

اقول اعلم انا قد اسلفنا هنا مجملا و في ساير كتبنا و مباحثاتنا مفصلا انه لا فرق في الحجية و افادة العلم بين اخبار الآحاد و المتواتر الا في تأكد العلم و اليقين فان لليقين درجات و اما محض حصول العلم فيكون باخبار الآحاد كما يكون بالمتواترات و ذلك انا لانعمل بالآحاد الا اذا كانت محفوفة بالقرائن القطعية او مأخوذة عن ثقة تثق النفس باخباره و هما مصدقتان بتصديق الله سبحانه مقررتان بتقريره فاذا كانتا كذلك فهما ايضا كالمتواتر في افادة العلم العادي و حصول اليقين العقلي بالنتيجة فيجوز الاستدلال بهما ايضا في العقايد و الاصول و ليس كلما ليس بمتواتر استحسانا نعوذ بالله و تخمينا بل يكون ما اخذ من اخبار آل‌محمد الصحيحة عليهم السلام علما قطعيا اذا ضم اليها دليل التقرير الذي هو بصر كل ضرير و لاينبؤك مثل خبير و نحن قد كتبنا في هذا الدليل رسالة منفردة و شرحناه في ساير كتبنا و مباحثاتنا مفصلا و لا اقبال لي الآن ان ابسط القول فيه هذا و لم‌يقع السؤال عنه و لو زدتم في السؤال حرفا واحدا فيه لزدنا في الجواب فتمسك بالآثار المعصومية المقررة في جميع امور عقايدك و افعالك مطمئن القلب ثلج الفؤاد .

قال ايده الله : ثم انا اذا لاحظنا الاخبار و الآيات نجد فيها نصوصا و اشارات بعلية الحقيقة المحمدية صلوات الله عليها لساير المخلوقات و ان كانت في [ص 17] الظاهر معارضة لظواهر بعض الآيات كالآية المباركة الشريفة قل انما انا بشر مثلكم و وجه التعارض هو ان التماثل الاتحاد في النوع كما قال سيدنا العلامة اعلي الله مقامه و هو مناف للعلية و المعلولية و لكن لايكاد يوجد لنا دليل في آية و لا في خبر بعلية حقايق الانبياء عليهم السلام للانسان و علية الانسان للجن و علية الجن للملك و هكذا الي آخر سلسلة الطول و اذ لم‌نثبت هذا الاصل بالادلة المقررة في الشرع كيف يجوز ابتناء القواعد عليها و ان كنا ان شاء الله معتقدين بحقية هذه المسئلة اقتضاء للفطرة و اقتداء لما قاله الجناب الشيخ و الجناب السيد رضوان الله عليهما و لكن في مقام الفهم و الاطمينان لا بد للانسان من الدليل و البرهان فالالتماس من جنابكم ان تبينوا لنا في هذه المسئلة بيانا وافيا و توضيحا كافيا شافيا فنرجو ان شاء الله ان لاتردوني خائبا من بابكم و ان لاتجبهوني ممنوعا عن جنابكم ادام الله ايام افاضتكم و اوصلني بحضرة خدمتكم .

اقول هذه آخر كتابه الي و هذه المسئلة من عمدة المسائل و معظمها و لم‌يكشف الي الآن لثامها و لم‌يفض حتي الحين ختامها و لم‌يسألني عنها الي الآن احد فحري ان ابسط القول فيه عسي ان ينفعني الله سبحانه و ساير اخواننا المؤمنين بها فاعزم و لا قوة الا بالله علي بسط القول فيه بقدر الميسور و علي الله التكلان في الامور فيحتاج القول فيه الي رسم ابواب :

الباب الاول

في تحقيق معني التأثير و الفرق بينه و بين التكميل و قد خفي ذلك علي جل من منتحلي الحكمة و ما لم‌يحقق ذلك لايمكن الخوض في هذه المسئلة و ما يشاركها في طريق الاثبات ففي هذا الباب فصول :

فصل - في معني التأثير و هو معني خفي علي الكثيرين و قد اتفق لي في ايام تحصيلي العلم في الحضرة الحسينية علي مشرفها السلام ان قد اجتمعت ليلا [ص 18] مع احد من ابناء العلم الذي كان يدعي يدا طويلة في الحكمة علي طريقة الاشراقيين و كان رئيسا في ذلك الفن فسألته عن هذه المسئلة و اوردت السؤال في طلب كيفية صدور نور السراج عن السراج فقال هو شعاعه قلت مقصودي فهم معني الشعاع و كيفية صدوره عنه قال هو ظله قلت هذا لفظ آخر مجهول و منه مسألتي قال هو فيضه فقلت له ما قلت اول قال هو ظهوره فقلت له ما قلت اول فكرر علي امثال هذه الالفاظ التي معناها واحد و لم‌يقدر الي آخر مكالمتنا علي اتيان معني لبيان الكيفية و لازال يكرر عليّ امثال هذه الالفاظ و لااذكر الآن ترتيب الفاظه المكررة الا اني اذكر انه كرر علي امثال هذه الالفاظ و لم‌يكن جناب السيد الاستاد انار الله برهانه تلك الليلة حاضرا فحضر اجل الله شأنه في ليلة اخري فقصصت عليه القصة ثم سألته عنه فقال بلا كيف فقلت له انتم علمتمونا التوحيد و لا كيف له فعلمونا هذه المسئلة ايضا ببسط و بيان حتي نقف عليها فلم‌يزدني علي ذلك لحكمة رآها فلا بد لنا الآن ان نذكر في هذه المسئلة ما رزقنا الله منها .

فاقول ان الاثر في اللغة بقية الشئ و اثر فيه تأثيرا اي ترك فيه اثرا و الآثار الاعلام فبهذا المعني يقال لكل بقية عن شئ يدل عليه الاثر و من هذا الباب يكون ما يبقي في التراب من هيئة القدم اثرها و الكتابة اثر الكاتب و البناء اثر البناء و الحرقة اثر النار و هكذا و لايفرقون في اللغة بين التأثير و التكميل و اما في الحكمة فلا بد من الفرق بين اقسامه فاصطلحنا علي بعضها التأثير و علي بعضها التكميل فنقول الشيئان اما ان يشتركا في نوع المادة و يختلفا في الشخصية و اما ان يختلفا في نوع المادة ايضا فلم‌يخلق احدهما من نوع مادة الآخر فما يحدث ما خلق من مادة عليا في ما خلق من مادة سفلي هو التأثير و هذا الاثر له مادة و صورة من غير نوع المادة العليا التي هي مادة المؤثر [ص 19] و من غير نوع صورتها ، و اذا كانا من نوع مادة واحدة فما يتركه احدهما في الآخر هو التكميل و سيأتي ان شاء الله شرحه فتبين ان بين القسمين فرقا عظيما ليسا من نوع واحد و الكلام في هذا الفصل علي معني التأثير و لاتكاد تعرف ذلك الا ببيان معني المطلق و الكلي و معني الجنس و النوع و الشخص و المادة و الصورة فنبسط هذه المعاني هيهنا في الجملة فان التفصيل التام فيها يحتاج الي رسالة مستقلة و قد بسطنا القول فيها في مباحثاتنا و حفظه المستحفظون منا .

فاقول المطلق و نريد به هنا المجرد عن القيود حتي الاطلاق لا المقيد به هو الذي لم‌يخصص و لم‌يقيد في كينونته بقيد من القيود و حد من الحدود نفيا و اثباتا فليس بمقيد بمكان جزئي و لا زمان و لا كم و لا كيف و لا جهة و لا رتبة و لا وضع و لا اجل و لا كتاب من الحدود الجزئية و الكلية و لا بنفيهما فلاجل عدم تقيده بتلك القيود الجزئية و الكلية يكون مستعليا عليها فهو في كل مكان و كل زمان و كل كم و كل كيف و كل جهة و رتبة و وضع و اجل و كتاب و كل مكان وجودي من الجزئيات و الكليات كما تري من حال الجسم المطلق و الاجسام المشهودة فهو حين كونه في الارض يكون في السماء و حين كونه محدودا بحد يكون محدودا بخلافه و لايمنعه كونه في حد عن كونه في حد آخر و ليس كونه فيها بالتناوب بل بالجمع و الافراد فهو فيها كالاحد في الاعداد يصدق علي كلها الاحد بالجمع و الافراد فلاجل ذلك تقول العرش جسم و الكرسي جسم و الافلاك جسم و العناصر جسم و المواليد جسم و كانت قبل ذلك باعوام جسم و الآن جسم و في ما سيأتي جسم و هي جسم سواء كانت متحركة او ساكنة و في اي كم كانت و في اي كيف كانت و في اي وضع كانت و هكذا هي جسم علي كل حال و مع ذلك الجسم غير العرش فلو كان عين [ص 20] العرش بجزئيته لم‌يك ليصدق علي الكرسي كما لايصدق عليه العرش و كذا هو غير الكرسي و غير الافلاك و العناصر و المواليد و الا لم‌يك ليصدق علي كل جزئي جزئي كما لايصدق جزئي علي جزئي فهذا هو المطلق في اصطلاحنا علي طريق الاجمال و هو غير الكلي عندنا الاتري انه لايصدق علي العرش انه جسم كلي و يصدق عليه انه جسم بقول مطلق و ان قلت كما لايصدق عليه انه جسم كلي كذلك لايصدق عليه انه جسم مطلق قلت مرادي بالمطلق اظهار عدم قيد لا كونه قيدا و ذلك ان المعري عن النفي و الاثبات لاينافي النفي و الاثبات و لكن النفي ينافي الاثبات و الاثبات ينافي النفي و الجسم بقول مطلق لاينافي الاطلاق الذي هو النفي و التقييد الذي هو الاثبات و اما الاطلاق فينافي التقييد و الكل نفي الجزء مطلق عن قيده و هما معا ظهوران للمعري عنهما الذي نعبر عنه في التشريع بالحق فالعرش جسم بقول مطلق و ليس بجسم كلي و لا مطلق فالكلي غير المطلق بداهة و الكلي هو جسم مقيد بالكلية و الكل مجموع الافراد فالجسم المقيد بالمجموعية هو الجسم الكلي و قول المنطقيين مختلط في ذلك فانهم يعرفون الكلي بعدم امتناع فرض صدقه علي كثيرين و هو يقع علي المطلق الذي هو كما عرفت غير الكلي ثم يعدون من اقسامه الجنس و النوع و يقولون ان النوع حصة من الجنس مع صورة فصلية و الشخص حصة من النوع مع صورة شخصية و التي تتحصص ليست باحدية و لاينبغي ان تصدق علي كل فرد بكلها كما ان الموج حصة من البحر مع صورة خاصة و لايصدق عليه البحر لان البحر تجزي و جزء منه في الموج الخاص نعم يصدق عليه انه جزء من البحر و كذا يصدق علي البحر انه مجمع الامواج فالبحر المتحصص هو الكلي و هو مجمع الافراد و هو غير [ص 21] الماء و هو ظهور من ظهورات الماء كما ان الموج ظهور منها و لذا يصدق علي البحر انه ماء و علي الموج انه ماء ففرق ثبتك الله بينهما و الماء هو المطلق المعري عن قيد الكلية و الجزئية و النفي و الاثبات و الكلية قيد كما ان الجزئية قيد و الكلي ظهور من المطلق كما ان الجزئي ظهور منه و الجزئي ليس بحصة من المطلق و الا لماصدق عليه تمامه فالانسان الصادق علي كل شخص هو المطلق لا الكلي و من شاء ان يسمي مراتب المطلقات بالجنس و النوع سماها لكن لايقولن ان الداني حصة من العالي مع قيد نعم زيد حصة من مجموع الاناسي و مجموع الافراد و هو واحد من الالف الف و ليس كل الاعداد عين الاحد الاتري ان الاثنين احد و ليس الاثنان بكل الاعداد و لكنه بعض من الاعداد و مادته حصة من المادة الكلية المتحصصة في الاعداد و في ما ذكرنا كفاية و بلاغ و عبرة لمن يعتبر .

و اما المادة و الصورة فهما متضايفتان كالزوج و الزوجة و الاب و الابن فكما ان الاب ليس باب ما لم‌يكن له ابن و الزوجة ليست بزوجة ما لم‌يكن لها زوج كذلك المادة ليست بمادة ما لم‌يكن لها صورة و الصورة ليست بصورة ما لم‌يكن لها مادة فتلك المادة قبل التلبس بالصورة طبيعة صالحة لان تلبس صورة زيد و تصير مادة زيد و لان تلبس صورة عمرو و تصير مادة عمرو و قبل التلبس ليست بمادة لاحد و عند التلبس تصير مادة فمادة الموج الشخصية مادة له في صورته و قبل التلبس ليست حصة معينة و ليست بمادة و انما هي حصة من البحر بتحصص ابهامي و انما تتحصص بالتحصص التعيني في صورة الموج فتكون مادة ذلك الموج فلايشترك موج و موج في المادة الشخصية ابدا و انما يشتركان في صدق الحقيقة الاطلاقية التي فوقهما و هو الماء اي كلاهما ظهوران من الماء و لايشتركان في المادة و لا في الحصة الابهامية من البحر فان الحصة التي تلبست [ص 22] بصورة موج معين غير الحصة التي تلبست بصورة اخري و لو قبل التلبس فكل شيئين كانا ظهورين لمطلق لايمكن ان يكون احدهما موجد الآخر بمادته و صورته فان مادة الآخر ليست بظهور له و انما هي ظهور المطلق المهيمن كما ان ذلك الآخر ظهوره فليس العرش بموجد للكرسي بمادته و صورته فان الكرسي ظهور الجسم كما ان العرش ظهوره و الاثر لا بد و ان يكون ظهور المؤثر بمادته و صورته فافهم ما اذكره لك و اتقنه حتي لاتتيه فيما بعد و اما اذا كان شيئان احدهما ظهور الآخر بمادته و صورته يعني ان مادة الآخر باحداث الآخر و ايجاده فهو اثره و حينئذ لايشتركان في اطلاق ملاصق قريب ظاهر فيهما باول ظهور فكل مقيد اثر المطلق بفعله و ظهوره و لايجوز ان يكون ظهور مقيد في صقعه .

فصل - اعلم ان كل اثر قائم بمؤثره مستغن بمؤثره عن غيره لانه اوجده بمادته و صورته لا من شئ و جعله هو اياه تاما فيما به هو هو مستمسك بمؤثره فليس لغيره ان يفنيه او يغيره عما هو عليه ما لم‌يشأ مؤثره افناءه و تغييره كما ان نور السراج قائم بالسراج فلايقدر غير ذلك السراج ان يحركه و لا ان يفنيه و لا ان يجعله اضعف و لا اقوي فان النور قائم بالمنير مستمسك به باق بابقائه و مؤثره ماسك اياه بظله الذي افاضه و هو دائم الافاضة له نعم للمؤثر ان يفني اثره و ان يغيره كيف شاء و ما تري من ان شيئا يغير شيئا و يبطله و هو في عرضه كما تري ان النار مثلا تجفف الماء و تبخره و الماء يطفي النار و يبطلها و غير ذلك من التغييرات الحادثة في العالم فاعلم ان المؤثر العالي عليهما هو المغير الا انه يغير ظهورا بظهور فيغلب احدهما و يجعل الآخر مغلوبا به و يحرك احدهما و يسكن الآخر و هما يدان له يجعل احديهما فاعلا و الاخري منفعلا كما انك [ص 23] تجر احدي يديك بالاخري فان لم‌تفعل احدي اليدين جارةً و الاخري مجرورةً و تغلّب احديهما علي الاخري لم‌تقدر يد علي جر يد فانهما عضوان قائمان بك و بك يفعل الفاعل و ينفعل المنفعل و يجر الجار و ينجر المنجر فقد حكم المؤثر في آثاره ان لايجري فعل احدها في الآخر الا بقبوله و باذنه الفعل من الفاعل و القبول من القابل فهو الفاعل باحدي يديه و القابل باخري و هنا مقام هذه الكلمة لا ما ذكره فيه القاشاني قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا ، و الله خلقكم و ما تعملون و الانفعال عمل و ما من شئ في الارض و لا في السماء الا بسبعة الخبر ، و ما في الارض انفعالات و ما في السماء افعال ما قطعتم من لينة او تركتموها قائمة علي اصولها فباذن الله فليس شئ من الآثار مؤثرا في صاحبه و الكل اثر للمؤثر العالي الا ان بعض الآثار آلة له في اجراء فعله في بعض آخر و لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع و بيع الآية ، و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها فافهم و تدبر فيما اذكره جدا جدا .

فصل - كل شيئين يدركان بمشعر واحد بكيفية واحدة فلايعقل ان يكون احدهما مؤثرا و الآخر اثرا فانه ما لم‌يكن المشعر مصاقعا لما يدركه لايدركه كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ، فان كان المشعر من جنس الاثر و من صقعه فلايشعر بالمؤثر ابدا فان شيئا لايتجاوز ما وراء مبدئه اذ ليس له ذكر فوق مبدئه فاذ لا ذكر له فوق مبدئه لايقدر ان يشعر ما ليس له ذكر مصاقع معه و ان كان المشعر من جنس المؤثر و لا تعدد هناك و المؤثر احدي فهو هو فلايعقل ان يشعر الاثر بنحو ما يشعر به المؤثر نعم يدركه بالاحاطة و الاحداث و شعوره للمؤثر بالاتحاد لعدم التعدد في المؤثر و لايعقل توارد مؤثرين ممتازين علي اثر واحد مشاكل لصفة مؤثره فكل شيئين [ص 24] ادركا بمشعر واحد بكيفية واحدة لايمكن ان يكون احدهما مؤثرا و الآخر اثرا و كذلك كل شيئين تصاقعا في صقع واحد و حواهما مكان واحد نوعي و زمان واحد و كم واحد و كيف واحد و جهة واحدة و رتبة واحدة نوعية فانهما حينئذ ظهوران لمؤثر واحد و شأنان من شئون فعل مؤثر واحد و ان كان احدهما الطف و اقوي و الآخر اكثف و اضعف و ان جري باحدهما في الآخر تصريفات و تغييرات .

فصل ـ كل شئ يبقي بعد فناء شئ ليس باثره فان الاثر قائم بمؤثره باق بابقائه و الابقاء فعل الموجود الثابت فما بقي بعد فناء الآخر فليس باثره كصعود الحجر بعد موت الرامي و بقاء الاثر في التراب بعد موت الماشي و بقاء الخط بعد موت الكاتب و بقاء الصداء بعد موت المتكلم و بقاء الحرارة في البيت بعد انطفاء النار و امثال ذلك فهذه و اشباهها مما يمثل به الحكماء للاثر و المؤثر احيانا فلتفهيم المبتدي و يحسبها الجاهل مطابقة من كل جهة فيبقي في ذهنه انها آثار حقيقة ثم يفرع عليها فروعا و يخطي و انما اراد بذلك الحكماء محض المشابهة لهيئة فعل الفاعل فان الكتابة علي هيئة حركة اليد مثلا و يمثلون بذلك لمشابهة هيئة الاثر لهيئة فعل المؤثر حسب و لايريدون غير ذلك كيف و يد الكاتب جسم كما ان الكتابة جسم و هما مصاقعان مدركان بمشعر واحد بالانطباع علي نهج واحد و لم‌يوجد اليد المداد الذي هو مادة الالف و لا صورتها فان الكاتب يموت و اليد تسكن و تتحرك بحركات اخر و الالف باقية علي ما كتبت لاتزول فاذا سمعت هذه الامثال فاعلم انها امثال لجهة خاصة يريدون بها محض تقريب الاذهان و انما ذلك كله من باب التكميل كما يأتي ان شاء الله و اثر زيد نفس حركته الباقية ببقائه الفانية بفنائه او سكونه و الكتابة الظاهرة دليل علي حركة اليد و مثال لها كما يأتيك ان شاء الله .

[ص 25] فصل - اعلم ان للمؤثر في آثاره فعلين فعل تكوين و فعل تصريف و تغيير و نسمي الثاني بالتشريع يعني ان المؤثر يوجد الآثار اكوانها اول بتجليه و ظهوره كما يأتي بلا سبب و لا علة فان السبب و العلة من آثاره ثم بعد تكوينها يتصرف في بعض ببعض فيحرك شيئا بشئ و يسكن شيئا بشئ و يغير شيئا بشئ و يصعد شيئا بشئ و ينزل شيئا بشئ و هكذا فما جري من افعاله في آثاره بآثاره هي التشريعية و ما جري من افعاله في آثاره بغير آلة هي التكوينية مثلا ان الله سبحانه عمر العالم بسماواته و ارضه ثم ادار السماوات و القي شعلات نجومها علي الارض فقلب بها العناصر و حرك و سكن و قلب و حل و عقد و مزج و ركب و اولد ما شاء كيف شاء فتعمير العالم بتكوينه بلا آلة و ساير افعاله الجارية في البعض بالبعض باسباب كما تشاهد فتكوينه للاشياء تأثير و احداث لا من شئ و لا بشئ و لا لشئ و لا علي شئ و تصريفاته و تغييراته للاكوان كلها بشئ و لشئ و من شئ و علي شئ الاتسمع ان الله سبحانه يقول الله خلق كل دابة من ماء و يقول خلق الانسان من عجل اي من طين و خلق من الماء بشرا و من الماء كل شئ حي و قال مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون مع انك تقرء انه سبحانه لا من شئ كان و لا من شئ كون ما كان فتبين ان لله سبحانه خلقين خلقا لا من شئ و هو التكوين و خلقا من شئ و هو التشريع و هذا هو الذي يقول فيه كل يوم هو في شأن فروي فيها في احداث بديع لم‌يكن و روي ان يغفر ذنبا و يفرج كربا و يرفع قوما و يضع آخرين ، و الا فانت تعلم انه جف القلم بما هو كائن و انما هو في التكوين و اما في التشريع فكل يوم هو في شأن يغير و يبدل و يمحو و يثبت كيف يشاء بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء و مرادنا بالتكوين نسبة الاثر الي المؤثر فقد كون الكل و لا تغير [ص 26] بالنسبة اليه و مرادنا بالتشريع نسبة البعض الي البعض فهو الذي يتجدد فيه امور في كل يوم و يظهر له سبحانه فيه شأن بعد شأن فافهم فانه دقيق دقيق فكل فعل في التشريع بعال مستقر في دان ثابت فهو بالفعل و الانفعال من المنفعل الذي كان قبل الفعل مع الفاعل و كل فعل في التكوين بنفس المكون بالفتح و بفعل و انفعال من منفعل لم‌يكن قبل الفعل و بينهما فرق واضح جلي فالافعال التكوينية تأثير و احداث لا من شئ و الافعال التشريعية تكميل و احداث من شئ فتدبر في اشارات ما ذكرناه تغتنم ان شاء الله فانك لاتجد هذه التحقيقات في كتاب و لاتسمعها من خطاب .

فصل - و اذ قد تبين لك مقام التأثير فاعلم ان الفعل عن الذات ليس بحركة منها بعد سكون و لا بنطق بعد سكوت و لا بعلة سابقة و لا لغاية لاحقة و لا من مادة متقدمة و لا علي صورة مستقرة و لا باجالة ضمير و لا بفكر و تدبير ليس بينهما فصل بمكان ممهد و لا بوقت ممتد و لم‌يكن منه بفعل سابق و لا بانفعال لاحق اذ جميع ذلك غير الذات البحت البات و كلما هو غير الذات اثرها فجميع ذلك اثرها و النظر في جملة الاثر بالنسبة الي المؤثر فلا كيف له كما لا كيف له لايسأل عما يفعل و هم يسألون فاحدثه بنفسه و امسكه بظله ، به اخترعه لا من شئ و به ابتدعه لا علي احتذاء شئ لم‌يترقب لاحداثه وقتا و لم‌يرتد لايجاده مكانا فاذا هو ازلي ابدي في حده و مقامه و لا حد و لا مقام و ليس بينه و بين ذات المؤثر نسبة و لا ارتباط و لا علاقة و لا اوساط بل هو ظل مستقر و نور مستطير من مليك مقتدر و هو كمال قديم ازلي و ظل قويم ابدي و وصف دائم و نور قائم لم‌ينته الي مؤثره و لم‌ينته مؤثره اليه اذ المؤثر احد و الاثر هو وصف الاحدية و لم‌يكن المؤثر منتهيا اليه بوجه من الوجوه و حيث من الحيوث فهو اذ ذاك [ص 27] مؤثر احدي لا ذكر لغيره معه فلا غير ابدا و الاثر اذ ذاك اثر و ليس بمؤثر ابدا فان رأيت الذات فلا شئ الا الذات البحت البات و ان رأيت الصفات فلا شئ فيها الا الصفات و ليس فوق هذا البيان الا الكشف و التصريح و قد منعنا عن التوضيح الا بالتلويح فليس فوق هذا البيان الا العيان

فمن كان ذا فهم يشاهد ما قلنا و ان لم‌يكن فهم فيأخذه عنا

و قد بسطنا القول في ذلك في الجملة في بعض كتبنا كالفوايد و الفطرة السليمة و غيرهما و ان شئت ازيد من ذلك فاطلبها و هذا المختصر لايسع اكثر من ذلك لاسيما و فرعون علا في الارض و جعل اهلها شيعا يستضعف طائفة منهم و ان وفق الله لللقاء عساك ان تسمع منا شفاها ما تصل به الي مرادك ان شاء الله فالاثر هو كمال الكامل و لم‌يكن المؤثر الا و هو كامل لانه احد غير محدود فلاينتهي الي كينونته و لا امكان الاثر و لا الي كونه و لا الي عينه و لا الي ذاته و لا الي صفته و لا الي عكوساته و اشباحه نافذ باحديته في جميع امكنة وجودية اثره طاو بوحدانيته لجميع كينونته و حالاته نفوذا و طيا لا نهاية لهما و لا غاية علي معني امتناع الاثر معه و امتناعه مع الاثر و هو معه اينما كان معية لا نهاية لها و هي ذلك الطي المشار اليه فليس بكل خلقه و لا كل خلقه اياه لامتناع احدهما في الآخر و ليس بحال في اثره و لا اثره حالاً فيه و ليس بمتحد مع اثره و لا اثره متحدا معه اذ جميع ذلك يقتضي ذكر احدهما في الآخر و ماعرف الاحد من ذكر معه حدا نعوذ بالله فماعرف الله من قرنه و لا حقيقته اصاب من ذكر معه غيره لا بمعني انه يكون معه غيره و لاينبغي النظر اليه نعوذ بالله بل بمعني امتناع الغير معه ذهنا و خارجا فلنقبض العنان فللحيطان آذان و هذا هو معني الاثر و صفة التأثير ففي الحقيقة بالنسبة الي الذات لا اثر و لا تأثير و انما هو محض تعبير و الاسم [ص 28] صفة و الصفة رسم و حد و ليس لصفته حد محدود و لا نعت موجود و لا اجل ممدود اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم و لا بيان عما لا كيف له الا بالتنزيه و انما الاثر حقيقة يقع علي ما يحدثه الذات بفعلها بالنسبة الي فعلها فهي مؤثرة بفعلها و ينتهي الاثر الي فعلها و يشابه هيئته كما يأتي فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم و من تجاوز ما قلناه ثلم في توحيده ثلمة لايسدها شئ و وقع في التشبيه و حرم التنزيه و كمال توحيده نفي الصفات عنه .