و اعلم ان باطن هذه الفقرة ايضا انما يرجع الي مقام آلمحمد عليهم السلام فانهم اصل كل خير و من فروعهم كل بر و من البر التوحيد و الصلوة و الزكوة و غير ذلك كما في الخبر فباطن موسي (ع) هو موسي الاول محمد صلي الله عليه و آله حيث قال في تأويل قوله تعالي اولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين و حسن اولئك رفيقا اما النبيون فانا و اما الصديقون فاخي علي بن ابيطالب (ع) و اما الشهداء فعمي حمزة و اما الصالحون فابنتي فاطمة و اولادها الحسن و الحسين و قال (ص) ايضا في تأويلها الذين انعم الله عليهم من النبيين انا و الصديقين علي بن ابيطالب (ع) و الشهداء الحسن و الحسين و الصالحين حمزة و حسن اولئك رفيقا الائمة الاثناعشر بعدي و عن ابيعبدالله (ع) في حديث مع ابيبصير فرسول الله في الآية النبيين و نحن في هذا الموضع الصديقون و الشهداء و انتم الصالحون فتسموا بالصلاح كما سماكم الله عز و جل الحديث ، فاذا كان رسول الله صلي الله عليه و آله النبيين كلهم فاحدهم موسي و هو موسي الاول (ص) و قال (ص) لعلي عليه السلام [ص 240] انت مني بمنزلة هرون من موسي ، و التشبيه في كلام الله و كلامهم يحمل علي الحقيقة كما ثبت في محله و الجبل العظيم علي عليه السلام كما قال (ع) في خطبة البيان انا جانب الطور انا باطن الصور و قال في الطتنجية انا صاحب الطور انا ذلك النور الظاهر انا ذلك البرهان الباهر و انما كشف لموسي شقص من شقص الذر من المثقال و كل ذلك بعلم من الله ذي الجلال ، اقول و الجبال كلها الائمة صلوات الله عليهم فانهم نفس النبي و جبلته و فطرته و تهافتت بظهور نوره تعالي فافنوا انفسهم في ذات الله و استشهدوا بحسب الظاهر ايضا و لاسيما اميرالمؤمنين و الحسين عليهما السلام و النور الظاهر لهم هنا هو الاسم المكنون المخزون المودع في قلب النبي (ص) و لك ان تقول الائمة صلوات الله عليهم باطن موسي كما قال اميرالمؤمنين (ع) في الطتنجية انا ابرهيم الخليل حين القي في النار انا موسي انا مونس المؤمنين ، و من نحو ذلك كثير في خطبه صلوات الله عليه و النبي (ص) باطن ذلك النور المشرق من وجهه كما مر في الخبر و الانبياء و الاولياء تلك الجبال التي تهافتت عند ظهور نورهم و سلب عنهم الاختيار و الوجود و الانية و المؤمن كالجبل لاتحركه العواصف و لاتزيله القواصف و بالجملة ان عرفت مقاماتهم في السلسلة الطولية عرفت ان كل مؤثر باطن آثاره و لا حاجة الي التفصيل .
بقي شئ لا بد من الاشارة اليه لما نحتاج اليه في شرح الفقرة الآتية و هو انه لايخفي ان اصحاب موسي عليه السلام الذين حضروا معه كانوا منافقين كما في اخبار متكثرة و قد كانت لهم اعين لايبصرون بها و آذان لايسمعون بها و قلوب لايفقهون بها و مع بروز تلك الآيات الباهرة لما شاهدوها خرّوا امواتا و قد كان موسي (ع) جانب الطور و باطن الصور فجذب ارواحهم و اماتهم ثم نفخ فيه اخري و ردهم الي [ص 241] الدنيا فعادوا علي ما كانوا عليه من العتو و الاستكبار من قوله تعالي و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه فرجعوا علي ما كانوا منافقين مكذبين لموسي (ع) كأنهم لميروا شيئا و ذلك لحجبهم الآمال دونه من قوله (ع) انت غير محجوب عن خلقك الا ان تحجبهم الآمال دونك ، فلما حجبوا هؤلاء انفسهم عن مشاهدة ذلك النور فلميظهر لنواظرهم نوره تعالي و لا لنواظر غيرهم من ساير بنياسرائيل لما انكروا علي موسي (ع) و لميشهدوا له بعد رجوعهم معه اليهم و كذبوه بالجملة فالنور الذي ذكره صلي الله عليه و آله في اول الدعاء و اشار اليه بقوله : اللهم اني اسألك يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه ، لميظهر بعد و الي هذه المرتبة لغير الانبياء عليهم السلام و ان كان و لميظهر لهم ايضا بحقيقته و لكن ظهر لهم بشعاعه و شاهدوه بآثاره و اما لمن دونهم فلميظهر بعد و قد اراد سبحانه اظهار هذه الاسماء الثلثة في جميع عرصات الامكان لفاقة الخلق اليها فيعرفوا بها ربهم و خالقهم و يعبدوه من حيث امرهم و الي هذه المرتبة لميظهر لغير الائمة (ص) و الانبياء (ع) و لمتتم حجة الله عز و جل لساير الخلق و لمتبلغ الي جميعهم و لكن لله الحجة البالغة يبلغ الجاهل بجهله كما يبلغ العالم بعلمه فمن اجل ذلك عطف و ترحم و اتم و اكمل حجته عليهم بما
قال صلي الله عليه و آله : و اسألك بالاسم الذي فتقت به رتق عظيم جفون عيون الناظرين ( العيون للناظرين . خل ) الذي به تدبير ( تدبر . خل - تدبرت . خل ) حكمتك و شواهد حجج انبيائك يعرفونك بفطن ( بنظر . خل ) القلوب و انت في غوامض مسرات سريرات الغيوب ( سوائد القلوب . خل ) اسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي علي محمد و آلمحمد الدعاء .
و انا نقول الحمد لله الذي اتم علينا نعمته و اكمل لنا دينه و نسأله بحق [ص 242] محمد و آلمحمد صلواته عليهم كما ابتدأ بالنعم ان يختم لنا بمعرفة ذلك الاسم و دعوته تعالي من سبيله و التمسك بحبله بجاه محمد و آلمحمد عليهم السلام ، فاما معاني الفاظ هذه العبارة ففي الفرائد : « فتق الشئ فتقا كنصر شقه و الوصف كفاعل و محمد صلي الله عليه و آله الفاتق الراتق اي فاتق الجور و الباطل و ممزقه و راتق الخلل الذي وقع في الدين او فاتق الامور كفتقه تفتيقا للمبالغة ك ففتقناهما ، فتفتق و انفتق علي تفعل و انفعل للمطاوع و افتقوا افتاقا انفتق عنهم الغيم ، الي ان قال : و يقال الحت عليه الفتوق جمع فتق كفلوس و فلس و هي الآفات كالدين و الفقر و المرض و الفتق ايضا الصبح كالفتق كسبب و يقال خرج الي فتق و هو ما انفرج و اتسع و انفتق ايضا شق عصا الجماعة و وقوع الحرب بينهم ، الي ان قال : و قد يراد بالفتق نقض العهد ، الي ان قال : و في صفته صلي الله عليه و آله كان في خاصرتيه انفتاق من باب الانفعال اي اتساع و هو محمود في الرجال مذموم في النساء و فيه فمطروا حتي نبت العشب و سمنت الابل حتي تفتقت علي تفعل اي انتفخت خواصرها و اتسعت من كثرة ما رعت فسمي عام الفتق كسبب اي عام الخصب » ، و « الرتق كفلس ضد الفتق و قد رتق الفتق رتقا كنصر اذا سده فالفاعل راتق و كشداد للمبالغة و المفعول مرتوق و هي بهاء فارتتق علي افتعل للمطاوع اي التأم و الاسم الرتق ك كانتا رتقا ففتقناهما ، الي ان قال : في ث ، الي ان قال : و كانت السماء خضراء علي لون الماء الاخضر و كانت الارض غبراء علي لون الماء العذب و كانتا مرتوقتين ليس لهما ابواب ففتق السماء بالمطر و الارض بالنبات و ذلك قوله : اولمير الذين كفروا ان السموات و الارض كانتا رتقا ففتقناهما » ، و العظيم قد مرت معانيه ، و العظم كفلس معلوم و عظمة اللسان ما غلظ منه و من الساعد ما [ص 243] يلي المرفق و فيه العضلة ، اقول يحتمل ان يراد بعظيم الجفون محل فتقها و هو منبت الاشفار و وصف بالعظيم لغلظته و غضروفيته كعظم ليّن نحو مارن الانف و ما شابهه ، و الجفون جمع جفن « و هو من العين غطاؤها من اعلاها و اسفلها و من السيف غمده و غلافه ج جفون و اجفن كفلس و فلوس و افلس و اجفان كابعاض » ، و العيون جمع عين « تقع بالاشتراك علي اشياء مختلفة فمنها الباصرة مؤنثة و هما عينان ك و العين بالعين ، كي تقر عينها ، لاتمدن عينيك ، و عين الماء مؤنثة ايضا ك فيها عين جارية ، من عين آنية اي قد انتهي حرها و سخونتها ، و الطليعة و عين الشئ ايضا نفسه و ذاته مؤنثة ايضا و ذكرت في ث و منه اخذت مالي بعينه و هو هو عينا و هو هو بعينه و لا آخذ درهمي الا بعينه و منه الزيارة و عينه التي من عرفها يطمئن ، الي ان قال : و ذكر في ث و عين من عيون ايضا خاصة من خواص الله و ولي من اوليائه ، الي ان قال : و عين كل شئ شاهده و حاضره » ، و التدبير من « دبر الامر تدبيرا نظر في دُبُره كعنق و هو ما تؤل اليه عاقبته و آخره كتدبره و فيه علي تفعل ك يدبر الامر من السماء الي الارض اي يقدره ث العبد يدبر و الله يقدر و الواو للحال فهو مدبر كمحدث و هي بهاء ج بالالف و التاء ك و المدبرات امرا ، هي الملائكة تدبر امر العباد من السنة الي السنة عن علي (ع) و من الاخير ك افلايتدبرون القرآن ، الي ان قال : افلميدبروا القول اي افلميتفهموا ما خوطبوا به في القرآن و الاصل يتدبروا » ، و الحكمة من الحكم و هو « القضاء و اصله المنع ك فيها حكم الله ، ان الحكم الا لله ، الي ان قال : و من الاول اشتقاق الحكمة لانها تمنع صاحبها من اخلاق الارذال و قيل الحكمة العدل و العلم و الحكم و النبوة و علم الشريعة و العقل و الفهم و القرآن و الانجيل ، الي ان قال : ك يؤتي الحكمة [ص 244] من يشاء و من يؤت الحكمة فقد اوتي خيرا كثيرا ، هي المعرفة و التفقه و القرآن و الفقه و معرفة الامام و اجتناب الكباير كل ذلك ش ، الي ان قال : و احكمه احكاما اتقنه فاستحكم علي استفعل للمطاوع و المفعول محكم كمكرم ك احكمت آياته ثم فصلت اي احكمت بالامر و النهي ثم فصلت بالوعد و الوعيد او احكمت عبارتها بان حفظت من الاحتمال و الاشتباه و الحكيم العالم و صاحب الحكمة و المتقن للامور و هو من اسمائه تعالي و هو القاضي فعيل بمعني فاعل او هو الذي يحكم الاشياء و يتقنها فعيل بمعني مفعل او ذو الحكمة و يقال لمن يحسن دقايق الصناعات و يتقنها حكيم ك انك انت العليم الحكيم » ، و الشواهد من الشهادة « كسحابة ما يقابل الغيب ك الي عالم الغيب و الشهادة ، و قد تكررت فيه و الخبر القاطع و الشهادة ما قد كان و الغيب ما لميكن ش و اسم من شهد علي كذا كسمع شهادة ايضا اذا اطلع عليه و عاينه فهو شاهد ج شهّد و شهود ، الي ان قال : و هي شاهدة ج شاهدات بالالف و التاء و شواهد كفاصلة و فواصل ك فاكتبنا مع الشاهدين اي مع الانبياء او مع الائمة لانهم شهداء علي الناس » ، و الحجج جمع الحجة « كجبة البرهان و الدليل ك فلله الحجة البالغة ، و قد تكررت فيه ج حجج كجبة و جبب و الامام عليه السلام ج كذلك و قد تكررت في الزيارة و ث مفردة و مجموعة ، الي ان قال : ك و اذ يتحاجون ، و احتج عليه احتجاجا علي افتعل استدل و اقام الحجة ، الي ان قال : و في الدعاء ثبت حجتي في الدنيا و الآخرة كجبة اي قولي و ايماني و مثله اللهم لقني حجتي يوم القاك » ، و الانبياء جمع النبيء « المخبر عن الله تعالي و ابدال الهمزة و الادغام مختار كما في الذرية و البرية ج انبياء بالياء و انبئاء و نبـٔاء بهمزتين فيهما كنصيب و انصباء و حكيم و حكماء و نبيئون و نبيون بالقلب و الادغام بالواو و النون ، الي ان قال : و الاسم النبوة كرطوبة و تقلب الهمزة [ص 245] واوا و تدغم ك الحكم و النبوة ، الي ان قال : و نبأ كنفع و المصدر كفلس و سرور ارتفع و منه النبي (ص) لرفعته و علو مقامه علي ساير الخلق و اخباره عن الله تعالي ، يعرفونك من « عرفه كضرب و المصدر كرضوان و منزلة و عصمة ادركه بحاسة من الحواس ، الي ان قال : و بذنبه و له اقر و فلانا جازاه ، الي ان قال : و اعترف علي افتعل اقر ، الي ان قال : و فلانا سأله عن خير ليعرفه و فلان ذل و انقاد و اليه اخبر باسمه و شأنه و تعرف بما عنده علي تفعل تطلب حتي عرف و الله له و اليه ظهر و تجلي و منه الدعاء تعرفت لكل شئ فماجهلك شئ و انت الذي تعرفت الي في كل شئ فرأيتك ظاهرا في كل شئ فانت الظاهر لكل شئ » ، و الفطن جمع الفطنة « كسدرة و سدر الحذاقة و فطن فطانة كضخم ضخامة صارت الفطنة سجية له و الوصف ككتف و هو فطن بخصومة فلان ايضا عالم بوجوهه حاذق ، الي ان قال : و فطنه تفطينا فهمه تفهيما وزنا و معني » ، و الغوامض من الغمض و اغماض العين اطباق اجفانها و التجاوز و التسامح و التساهل « و الغمض من الارض المطمئن منها ج غموض كفلس و فلوس و اغماض كبعض و ابعاض كالغامض ج غوامض كفارس و فوارس و مكان مغمض شديد الغور ، الي ان قال : و غمض علي هذا الامر تغميضا مضي و هو يعلم ما فيه و الكلام ابهمه ، الي ان قال : ث اياكم و مغمضات الامور و في رواية المغمضات من الذنوب ، الي ان قال : و هي الذنوب الصغار سميت مغمضات لانها تدق و تخفي فيركبها الانسان بضرب من الشبهة و لايعلم انه مؤاخذ بارتكابها » ، و مسرات و سريرات من السرّ و هو ما يكتم و ضد العلانية « ك يوم تبلي السرائر جمع سريرة اي تختبر و هي ما كتم في القلوب و العقايد و النيات و ما اشبهها و ما خفي من الاعمال ، الي ان قال : و استسر علي استفعل استتر و خفي فهو مستسر بالكسر [ص 246] ث و سر مستسر ، و المستسر بالشئ المستخفي به ، الي ان قال : و ساره في اذنه مسارة و سرارا ككتاب علي فاعل ناجاه ث لاتسار احدا في مجلسك فتتهم و المسرة كمجن بهاء الآلة التي يسار فيها و هي شئ كالطومار احد طرفيه في فيك عند السرار و الآخر في اذن من تساره و تسار القوم علي تفاعل تناجوا » ، و سوائد علي ما في احدي النسخ من السواد و هو من القلب حبته كاسوده كاحمر و سودائه كحمراء و سويدائه كحميراء ، و تصلي من الصلوة « كفلاة في اللغة الدعاء و واحدة الصلوات المفروضة كقصبات و قيل الصلوة مشتركة بين الدعاء و التعظيم و الترحيم و التبريك و الاستغفار و حسن الثناء من الله عز و جل علي رسوله صلي الله عليه و آله و بمعني الدين و سمي بها العبادة المعروفة لاشتمالها علي الدعاء و قيل ان اصلها في اللغة التعظيم و سميت العبادة المخصوصة لما فيها من تعظيم الرب و في ث ان الصلوة من الله عز و جل رحمة و من الملئكة تزكية و من الناس دعاء و فيه الصلوة لله اي الادعية التي يراد بها تعظيم الله هو مستحقها لاتليق باحد سواه ، الي ان قال : و استعينوا بالصبر و الصلوة ، هي المفروضة في الظاهر و في الباطن ولاية علي (ع) لقوله تعالي و انها لكبيرة الا علي الخاشعين و لقوله (ع) من اقام الصلوة فقد اقام ولايتي و مثله ما ورد في ث الصلوة عمود الدين ان قبلت قبل ما سواها و ان ردت رد ما سواها و هي اسم من صلي صلوة ايضا من التفعيل و لايقال تصلية كتربية و قد تكرر علي اختلاف صيغه في ك من ذلك لميصلوا فليصلوا معك ، ان الله و ملائكته يصلون علي النبي ، هو بمعني اظهار التشريف و حسن الثناء و الرحمة منه تعالي علي محمد صلي الله عليه و آله ، يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه ، امر بالتعظيم و الثناء و طلب الرحمة عليه فالفاعل المصلي كمحدث » ، و محمد [ص 247] (ص) من الحمد و هو « الثناء الجميل و الشكر كما ورد في ث و الجزاء و قضاء الحق ك الحمد لله رب العالمين ، و قد تكرر فيه كثيرا و نقيض الذم ك يحبون ان يحمدوا بما لميفعلوا ، و الرضا و لواء الحمد لواء يؤتي بها نبينا صلي الله عليه و آله يوم القيمة و علي عليه السلام حامله ش ، الي ان قال : و الله حميد و هو من اسمائه تعالي اي المحمود علي كل حال ، الي ان قال : و التحميد من التفعيل المبالغة في الحمد و هو حمد الله مرة بعد مرة و منه محمد كمعظم لنبينا صلي الله عليه و آله ، الي ان قال : ث و جعل اسمه محمدا لانه محمود في الارض و في جميع اهل القيمة في فصل القضاء لايشفع احد غيره و احمد كافضل اسمه صلي الله عليه و آله ايضا سماه الله به لانه محمود في اهل السماء ، الي ان قال : و محمود ايضا اسمه صلي الله عليه و آله لانه يحمده الخلق ك عسي ان يبعثك ربك مقاما محمودا اي مقاما يحمده فيه جميع الخلايق و قيل هو الشفاعة و المحمد ايضا الذي كثر خصاله المحمودة » .
اقول و معني العبارة بحسب الظاهر لا اشكال فيه كثيرا اي اسألك بالاسم الذي فتحت و شققت به رتق عظيم جفون اي كانت الجفون مطبقة مغمضة مرتوقة برتق عظيم ففتقتها و فتحتها بذلك الاسم بحيث تتهيأ العيون للنظر الذي به تدبير حكمتك او تدبر حكمتك اي لما كان من حكمتك ان خلقت الخلق ليعرفوك و كان ذلك لايتم الا بمشاهدة آياتك و كانت عيونهم محجوبة بحجب غليظة ففتحت عيونهم ليشاهدوا آياتك و شواهد حجج انبيائك حيث دعوا اليك بالبراهين من الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن فدبرت حكمتك و اتقنت امرك ان اعطيتهم عيونا يبصرون بها آياتك التي هي شواهد لحجج انبيائك من قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق ثم اوضح المراد من ذلك بقوله : يعرفونك بفطن القلوب ، اشعارا الي ما قالوا عليهم السلام لمتره [ص 248] العيون بمشاهدة العيان و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان ، و قوله : و انت ، اي و الحال انك : في غوامض مَسرَّات سريرات الغيوب ، اي الآلات المعدة للمسارة بسريرات الغيوب اي اسرارها و هذه العبارة اصح ظاهرا من سوائد القلوب بقرينة تكرر القلوب و المعني واحد و هو مأخوذ من قوله تعالي في القدسي ماوسعني ارضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن : اسألك بعزة ذلك الاسم ، كرره لطول الكلام : ان تصلي علي محمد و آلمحمد ، و اعلم ان افراد الاسم في هذه الفقرة و الاتيان بلفظ الجمع في الفقرة السابقة لما اشرنا اليه من كلية المقام السابق و جامعيته بالنسبة و جزئية هذا المقام و خصوصيته بالنسبة لما مر و يأتي من مزيد البيان ان شاء الله .
و اعلم ايضا ان الله سبحانه انما خلق كل شئ بل و كل ذرة من ذرات الكائنات من جواهرها و اعراضها و آثارها و اشباحها و افعالها و خواصها و اعمالها و كل ما لها و بها و منها باسم خاص من اسمائه تعالي و لاتنحصر الاسماء بالاسماء المعدودة المعينة بل و كلها بانفسها اسماؤه و صفاته من قوله (ع) ليس الا الله و فعله و نوره ، و قول الحكماء ليس الا الله و صفاته و اسماؤه ، فان نظرت اليها من حيث انياتها و مهياتها فهي هي و ان نظرت اليها من حيث نورانيتها و دلالتها علي الله سبحانه فهي اسماؤه و صفاته فان الاسم ما انبأ عن المسمي و الاسم صفة لموصوف فهي كلها اسماؤه و صفاته و انواره و آياته و قد خلق سبحانه و تعالي كل شئ في حده و مقامه باسم خاص يخصه و هو نفسه التي هي آيته سبحانه فانه قد ثبت في الحكمة ان كل شئ عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه و انما قيل عند مؤثره القريب لا لانه بالنسبة الي المؤثر البعيد مخلوق بغيره بدون واسطة نفسه حاشا فان المؤثر البعيد انما بعد و استعلي لشدة اطلاقه [ص 249] و تنزهه عن حدود هذا الداني و لايمكن صدور الداني الخاص المتعين المقيد عن المطلق الاعلي بدون واسطة لاشتراط اطلاقه بنفي ذلك و انما يتجلي المطلق الاعلي بالخاص المقيد بتجليه اولا بمطلق ادني منه به كالامكان الجايز بالنسبة الي الامكان الراجح ثم يتجلي بالامكان الجايز للاكوان الكلية كالعقل و الروح و النفس بها و هكذا ثم بكل من الاكوان لمراتب عالمه من سمواته و ارضه بها ثم يتركب مواليد ذلك العالم من عناصره و افلاكه علي ما شاء الله و اراد بانفس تلك المواليد و كل مرتبة من تلك المراتب بالنسبة الي هذا المولود الخاص مقام اطلاق و اجمال و لاتتم احديها في السببية له و لاتخرج هذه القوة الي عرصة الفعلية الا بنفس تلك الفعلية و تفهّم هذا البيان من قوله تعالي انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون حيث ان مرجع ضمير له و فاعل كان و فاعل يكون ثلاثتها واحد من غير تعدد فالتخصيص بالقريب في قول مشايخنا اعلي الله مقامهم ان كل شئ عند مؤثره القريب مخلوق بنفسه لبيان انه لا واسطة بينه و بين مؤثره القريب و لا سبب لوجوده الا نفسه كما قال (ع) خلق الله المشية بنفسها ، و اذا نسب الشئ الي المؤثرات البعيدة كانت الوسائط من باب تقريب الاسباب لا انها بانفسها علة تامة يوجد الشئ بوجودها و يعدم بعدمها لاشتراط المناسبة التامة بين العلة التامة و معلولها و الوسائط كما عرفت مطلقات بالنسبة الي المقيد الخاص البتة فلاتكون علة تامة لوجوده و انك ان عرفت ما ذكرنا علي نحو الحقيقة عرفت سر القدر و المنزلة بين المنزلتين التي هي اوسع مما بين السماء و الارض و لا قوة الا بالله و الحاصل ان كل شئ اذا كان مخلوقا بنفسه مع انه لا شك انه لا فاعل في الوجود الا الله و لايغير الشئ من جوهريته الي جوهر آخر الا الله [ص 250] فلا جرم نفس كل شئ و حقيقته انما هي اسمه تعالي و آيته و نوره الذي اقامه تعالي به في حدّه و مقامه و لولاه لميوجد هذا الشئ فاسماؤه تعالي حقيقة انما هي بعدد ذرات الكاينات و لا نهاية لها و ليس لصفته حد محدود و لا نعت موجود و لا اجل ممدود انظر الي الدعاء المعروف بالاسماء الحسني المروي في بلد الامين عن النبي صلي الله عليه و آله و نقل كثير منه في الكتاب المبين في باب ان الله خلق كل شئ باسم خاص من اسمائه و نحن ننقل قليلا منه حذرا من الاطناب فمنه و اسألك و ادعوك باسمك الذي انشأت به ما شئت من مشيتك يا الله و اسألك و ادعوك باسمك الذي تقطع به العروق من العظام ثم تنبت عليها اللحم بمشيتك فلاتنقص منها مثقال ذرة بعظيم ذلك الاسم بقدرتك يا الله و اسألك باسمك الذي تعلم به ما في السماء و ما في الارض و ما في الارحام و لايعلم ذلك احد غيرك يا الله و اسألك باسمك الذي تنفخ به الارواح في الاجساد فيدخل بعظيم ذلك الاسم كل روح الي جسدها و لايعلم بتلك الارواح التي صورت في جسدها المسمي في ظلمات الاحشاء الا انت يا الله و اسألك باسمك الذي تعلم به ما في القبور و تحصل به ما في الصدور يا الله و اسألك باسمك الذي انبتت به اللحوم علي العظام فتنبت عليها بذلك الاسم يا الله و اسألك باسمك القادر بك علي كل شئ يا الله و اسألك باسمك الذي خلقت به الحيوة من مشيتك العظمي الي اجل مسمي يا الله و اسألك باسمك الذي خلقت به الموت و اجريته في الخلق عند انقطاع آجالهم و فراغ اعمالهم يا الله و اسألك باسمك الذي طيبت به نفوس عبادك فطابت لهم اسماؤك الحسني ● [ص 251] و آلاؤك الكبري يا الله و اسألك باسمك المصور الماجد الواحد الذي خشعت له الجبال و ما فيها يا الله و اسألك باسمك الذي تقول به للشئ كن فيكون بقدرتك يا الله و اسألك باسمك العظيم الذي تجليت به لعظمة سلطانك يا الله و اسألك باسمك الكبير الشأن يا عظيم السلطان يا الله ، الي آخر الدعاء و كلها من هذا القبيل و اخص و اعم و ادني و اعظم علي اختلاف الموجودات حتي انه كما اشتقت الموجودات بعضها من بعض اشتقت الاسماء المتعلقة بها ايضا بعضها من بعض كما ورد في دعاء بعد صلوة جعفر اسألك باسمك الذي شققته من عظمتك و اسألك بعظمتك التي شققتها من كبريائك و اسألك بكبريائك التي شققتها من كينونتك و اسألك بكينونتك التي شققتها من جودك و اسألك بجودك الذي شققته من عزك و اسألك بعزك الذي شققته من كرمك و اسألك بكرمك الذي شققته من رحمتك و اسألك برحمتك التي شققتها من رأفتك و اسألك برأفتك التي شققتها من حلمك و اسألك بحلمك الذي شققته من قدرتك و اسألك بقدرتك التي شققتها من سلطانك و اسألك باسمائك كلها و اسألك باسمك المهيمن العزيز القدير علي ما تشاء من امرك ، بالجملة فالغرض ان كل شئ مخلوق لله باسم خاص منه تعالي و هو كما عرفت نفس ذلك الشئ من حيث الآئية و النورانية لله تعالي فان كان الشئ كليا كان الاسم المتعلق به كليا و ان كان جزئيا فجزئيا و ان كان الجزئي من اسمائه تعالي عظيما كبيرا كما تقرأ في دعاء السحر في شهر رمضان و كل فصوله يفيد هذا المعني فمن اسمائه عز و جل الاسم الذي فتق به رتق عظيم جفون عيون الناظرين و هو من نحو ما وجدت في دعاء الاسماء الحسني : و اسألك باسمك الذي طيبت به نفوس عبادك فطابت لهم اسماؤك [ص 252] الحسني و آلاؤك الكبري يا الله ، فله تعالي اسم به فتق رتق الجفون و لتعلم ان معاني تلك العبارات و ان جرت في كل مقام و في كل عالم بحسبه و لكن المقصد الاسني اعلي و اولي بارادة الحكيم لا محالة فلاتزعم ان المراد من تلك الكلمات تلك العيون الظاهرة و اجفانها و اطباقها و فتحها و ان كانت جارية في عالم الاعراض ايضا و لكن المراد الحقيقي فوق ذلك علي ان قرينة المراد موجودة في ظاهر العبارة ايضا في قوله صلي الله عليه و آله : يعرفونك بفطن القلوب و انت في غوامض مسرات سريرات الغيوب ، كما سنبينه ان شاء الله تعالي و لا بد في بيانه علي المعني الظاهر من مقدمة و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين . فاعلم ان الله سبحانه لما خلق الخلق في عالم الذر خلقهم في صورة واحدة كالهباء و الذر و جعل فيهم من العقل و الفهم ما اذا سألهم اجابوا ثم ارسل اليهم الرسل و اخذ عليهم الميثاق بربوبيته تعالي و ميز الرسل و الانبياء و الاوصياء و امر الخلق بطاعتهم فاقر من اقر و انكر من انكر ثم اعادهم الي الطين و مزج بين طينهم ثم خلقهم ثانيا في عالم الزمان و لنذكر بعض الاخبار هنا ثم نرجع الي البيان فمن ذلك ما روي عن ابيعبدالله عن آبائه عليهم السلام عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال ان الله حين شاء تقدير الخليقة و ذرء البرية و ابداع المبدعات نصب الخلق في صور كالهباء قبل دحو الارض و رفع السماء و هو في انفراد ملكوته و توحد جبروته الي ان قال : ثم اخذ الله سبحانه الشهادة للربوبية و الاخلاص بالوحدانية فبعد اخذ ما اخذ من ذلك شاء ببصائر الخلق انتخاب محمد (ص) و اراهم ان الهداية معه و النور له و الامامة في اهله تقديما لسنة العدل و ليكون الاعذار متقدما ثم اخفي الله الخليقة في غيبة و غيبها في [ص 253] مكنون علمه ثم نصب العوالم و بسط الزمان و مزج الماء و اثار الزبد و اهاج الدخان الحديث ، و في جوابه لابن الكوا في تكليم الله الخلق قبل موسي (ع) فقال له كيف كان ذلك يا اميرالمؤمنين فقال له اوماتقرأ كتاب الله اذ يقول لنبيك و اذ اخذ ربك الآية ، فاسمعهم كلامه و ردوا عليه الجواب كما تسمع في قول الله يا بن الكوا قالوا بلي فقال اني انا الله لا اله الا انا و انا الرحمن فاقروا له بالطاعة و الربوبية و ميز الرسل و الانبياء و الاوصياء و امر الخلق بطاعتهم فاقروا بذلك في الميثاق فقالت الملائكة شهدنا عليكم يا بني آدم ان تقولوا يوم القيمة انا كنا عن هذا غافلين و عن ابيعبدالله عليه السلام في قوله و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي انفسهم الست بربكم قالوا بلي قيل معاينة كان هذا قال نعم فثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه و لولا ذلك لميدر احد من خالقه و رازقه فمنهم من اقر بلسانه في الذر و لميؤمن بقلبه فقال الله و ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ، و عنه (ع) قال ان الله عز و جل لما اراد ان يخلق آدم عليه السلام ارسل الماء علي الطين ثم قبض قبضة فعركها ثم فرقها فرقتين بيده ثم ذرأهم فاذا هم يدبون ثم رفع لهم نارا فامر اهل الشمال ان يدخلوها فذهبوا اليها فهابوها و لميدخلوها ثم امر اهل اليمين ان يدخلوها فذهبوا فدخلوها فامر الله عز و جل النار فكانت عليهم بردا و سلاما فلما رأي ذلك اهل الشمال قالوا ربنا اقلنا فاقالهم ثم قال لهم ادخلوها فذهبوا فقاموا عليها و لميدخلوها فاعادهم طينا و خلق منها آدم (ع) و قال ابوعبدالله (ع) فلنيستطيع هؤلاء ان يكونوا من هؤلاء و لا هؤلاء ان يكونوا من هؤلاء قال فيرون ان رسول الله صلي الله عليه و آله اول من دخل تلك النار فلذلك قوله عز و جل قل ان كان للرحمن الآية ، و عن ابيبصير [ص 254] قال قلت له كيف اجابوا و هم ذر قال جعل فيهم ما اذا سألهم اجابوه يعني في الميثاق و عنهما عليهما السلام ان الله خلق الخلق و هي اظلة فارسل رسوله محمدا (ص) فمنهم من آمن به و منهم من كذبه ثم بعثه في الخلق الآخر فآمن به من كان آمن به في الاظلة و جحد من جحد به يومئذ فقال ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل ، اقول و هنا خبران طويلان في بيان خلط طينة المؤمن و الكافر مرويان في الكتاب المبين و هما ايضا في بيان ذلك فاعلم ان المراد من تلك الاخبار غير ما يتبادر الي اذهان العامة فيتصورون زمانا قبل ذلك يحددونه بالفي عام كما في بعض اخبار الذر ثم يستشكل لهم بانهم كيف يوجدون بغير ابدان جسمانية و ليس الامر علي ما زعموا و انما هو سبق دهري رتبي خلقوا في عرصة نفوسهم اول مرة بالفي عام قبل ابدانهم و ابدانهم خلقت من دون ذلك في عالم الزمان و مع تقدم النفوس علي الابدان لميمر زمان من نحو هذا الزمان علي نفوسهم و انما وجد الروح و البدن معا كل في مقامه و رتبته و قد اخذ الله سبحانه في عالم الذر منهم المواثيق و العهود و ميز الطيب و الخبيث في علمه الدهري قبل عالم الزمان ثم ردهم الي الطين و هو عبارة عن مقامهم في عالم الطبيعة و المادة و المثال و تلك العوالم شهادية و هي من اعالي عالم الزمان اي البرزخ بين الزمان و الدهر و كما انهم في خلقهم الاول في عرصة الدهر صاروا اولا في صور كالهباء في صورة واحدة ثم ميز بينهم باخذ الميثاق كذلك في عرصة الشهادة لما ردوا من عرصة النفوس الي طين عالم الشهادة و هو مقامهم في الطبيعة و المادة و المثال صاروا اولا في صور كالهباء في صورة واحدة ثم ميز بينهم في عالم الزمان ايضا باخذ الميثاق منهم علي السنة الانبياء سلام الله عليهم و هو [ص 255] قوله تعالي كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين فانه يجري في الخلق الاول و الخلق الثاني كل علي ما يليق به و الامة الواحدة هي في كونهم كالهباء في الدهر مرة و في الزمان اخري و بعثت الانبياء في المقامين لاخذ الميثاق بل و يجري في الزمان المحض ايضا كما ورد في عدة اخبار في تفسير قوله تعالي كان الناس امة واحدة الآية ، ان ذلك كان قبل نوح (ع) امة ضلال فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و في بعض الاخبار كانوا علي فطرة الله التي فطرهم عليها لا تبديل لخلق الله و لميكونوا ليهتدوا حتي يهديهم الله و كذلك يجري ذلك في كل زمان فترة بين نبيين او امامين حتي يظهر امر النبي او الامام الاخير و فسر بذلك قولهم (ع) حقيق علي الله ان يدخل الضلال الجنة و يجري في كل احد في زمن صباه حتي يبلغ و يكلف بالتكاليف الشرعية و الحاصل ان هذا جار في كل مقام علي حسبه و اصل كلامنا في المولود الانساني في خلقه الاول في الملكوت ثم في خلقه الثاني في الملك اي عرصة الزمان من اعلاه الي اسفله فهو في خلقه الاول اولا كان كالذر و الهباء لا تمايز له عند الخروج من قوة المادة الي عرصة الفعلية اي لافرادها فعلية نوعية و هي الفطرة الكونية التي فطر الله الناس عليها ثم تتميز و تتعين بالايمان او الكفر او النفاق الشرعي علي طبق ما يشاهد في ظاهر الحيوة الدنيا و لكن تميزها هنالك لايظهر لها و لمن في عرضها من ابناء جنسها في الدنيا الا بالامتحان و الافتتان علي ما جري عليه التقدير من العزيز الخبير و انما ذلك لما ردوا الي الطين و الي عرصة المواد الشهادية و دخولهم في عرصة القوة و الرتق الظلي البرزخي ثانيا بعد الفتق الغيبي الملكوتي و هو قولهم عليهم السلام ثبتت المعرفة و نسوا [ص 256] الموقف و سيذكرونه يوما ما ، فنسوا المواثيق الماخوذة عنهم في الملكوت و سيذكرونه يوما ما في عرصة الشهادة بالتدبير الذي جعله الله و قدره في حكمته و عدله علي ما يقتضيه عالم الشهادة و سيذكرونه علي نحو الحقيقة ايضا في عودهم الي الملكوت و هو قوله تعالي كما بدأكم تعودون فالمراد من العيون في هذه الفقرة من الدعاء المبارك نفوسهم التي اراها الله سبحانه نفسه و آيته و وجهه في الملكوت معاينة و اتم عليهم حججه بالاعذار و الانذار فآمن به من آمن و كفر من كفر ثم المواد و الاظلة جفونهم التي غطت تلك العيون فنسيت ما عاينت سابقا ثم السبب الذي اوجده سبحانه لفتق ذلك الرتق العظيم و فتح تلك الجفون هو الاسم العزيز الذي به يفعل ما يشاء في هذا المقام و يهدي من يشاء الي صراط مستقيم فيعرفونه بفطن القلوب اي بتلك النفوس اذا خرجت من القوة الي الفعلية و المعرفة انما هي الرؤية الثانية فلما رأوه في هذا المقام بعد ما رأوه اولا عند اخذ الميثاق عرفوه بفطن القلوب و هو قوله (ع) لمتره العيون بمشاهدة العيان و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان ، و قوله صلي الله عليه و آله : و انت في غوامض مسرات سريرات الغيوب ، ليس علي نحو التحديد و التمكن ان يكون سبحانه قد تمكن و حلّ في غوامض مسرات سريرات الغيوب فتعرفه القلوب بفراستها في تلك المقامات فانه سبحانه لايحويه مكان ابدا و بنوره ايضا احاط بكل شئ فما معني قوله (ص) انت في تلك المقامات و ما معني قوله تعالي ماوسعني ارضي و لا سمائي و لكن وسعني قلب عبدي المؤمن ، و يتضح المراد من ذلك بما بينا سابقا انه سبحانه قد تجلي لكل احد بنوره في نفسه و جعلها آيته و سبيل تعريفه و تعرفه كما قالوا عليهم السلام من عرف نفسه فقد عرف ربه ، و قال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي [ص 257] يتبين لهم انه الحق و مراتب الموجودات باجمعها و ان كانت مظاهر انواره تعالي و هي كلها آياته و لكن الآية العليا في مراتب الانسان مثلا نفسه لا محالة و ساير مراتبه بالنسبة الي نفسه سبحات الجلال عنده و لا بد له من كشفها في مشاهدة الحقيقة فهو تعالي بتجليه الاعظم في مراتب الانسان في غوامض مسرات سريرات الغيوب و المراد منها نفوسهم و افئدتهم فمع احاطة نوره تعالي بكل شئ بحيث لايري فيها نور الا نوره احكي مقام لنوره تعالي في مراتب الانسان نفسه كما ان في المثل و لله المثل الاعلي نور الشمس ملأ الفضاء و ظهر في جميع الارضيات و لكن المرآت الصافية حكت النور احسن و اكمل من جميع الارضيات بحيث ان ما تشاهد منها كأنه هو الشمس بعينها بخلاف ساير الارضيات فتدبر فالحاصل ان الانسان اذا انفتحت عين بصيرته التي هي نفسه و صارت بالفعل بعد ما كانت بالقوة تشاهد الغيب و تعرف ربه بفراسته التي اشير اليها في قولهم عليهم السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله الذي خلق منه ، و السبب الذي يوجب انفتاق رتق جفونه هو اسمه تعالي اذ لايحدث شئ في الملك الا باسم من اسمائه تعالي كما عرفت و باطن هذا الاسم الاعظم و حقيقته علي الوجه الاتم معلوم انه يرجع الي النبي صلي الله عليه و آله و عترته الهادين المهديين صلوات الله عليهم و لا اشكال فيه و لكن الكلام في ان السبب القريب لكل امر من الامور بداهة انما هو السبب المناسب المباشر لهذا الامر و اما الاسباب العالية و ان كانت صالحة لكل امر و لايخرج من تحت سلطانها خارج و لكن المسبب الجزئي الخاص لاينفعل بفعل السبب المطلق العالي الاتري في الصناعات غالبا انها تصنع بالآلات الحديدية و لكن الصنعة الخاصة مثلا في قطع قطعة من الخشب لا بد فيه [ص 258] من منشار خاص او سكين خاص حتي تنفعل تلك القطعة الخاصة من الخشب بفعله و اثره و لو اقتصرت علي الحديد المطلق ايا كان لمتتقطع الخشبة فمن هنا تبصر امرك فمحمد و آلمحمد عليهم السلام و ان كانوا اسماءه تعالي و صفاته و تجري الامور كلها علي ايديهم و لكنهم كليون البتة و ليسوا منال ايدي الجزئيين حتي ينفعلوا بفعلهم و يتاثروا منهم و يهتدوا بهداهم بل لايعرفونهم و لايدركونهم بل و لايطمعون في ادراكهم و الناس لما وجدوا في الدنيا ابدانا منسوبة اليهم مسمين باسمائهم معروفين بسماتهم زعموا انهم عرفوهم و اهتدوا بهداهم و لميعرفوهم مع انها ايضا كانت دون حقايقهم كما لايخفي ثم اخذتهم الحمية و العصبية و العزة ان يرجعوا الي من دونهم من ابوابهم و سبلهم و هم ايضا غابوا عن اعينهم فحرموا عن معرفتهم (ص) بالمرة و انقلبوا صاغرين خاسرين و قد قال عز و جل في محكم كتابه و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين انظر الي التاكيد الاكيد و التقدير الشديد في هذه الآية المباركة و راجع الي اخبار اهل البيت سلام الله عليهم في تأويلها و انصف من نفسك انه اذا جعل عز و جل سبيلا الي تلك القري المباركة و قدر فيها السير اليها هل يمكن المسير اليها من غير هذا السبيل و هل يقدر احد علي امر بغير تقديره عز و جل و لعل بعض الجهلة زعموا ان ذلك من قبيل الجعل و التقدير الشرعي الظاهري مثلا كما انه لايحل مال الا من وجه احله الله فالحلية الشرعية لاتحصل الا بتحصيل المال من ذلك الوجه و لكن قد يتمكن الانسان من التصرف فيه بغير ذلك الوجه كغصب و نهب مثلا فالمتحرج عن الحرام الشرعي لايكتسب المال الا من وجه احله الله [ص 259] و لكن الذي غرضه صرف اكل المال باي وجه كان لايبالي بالعصيان فتزعم ان فيما نحن فيه ايضا الامر كذلك و ليس كما زعمت فانه لايمكن السير الي القري المباركة الا من سبيل القري الظاهرة فقط و هم الابواب منا اليهم و منهم الينا الاتري الشمس ان سبيلنا اليها نورها و سبيلها الينا نورها و لايمكن السير الي الشمس و الاستفاضة منها الا من سبيل نورها و من المحال ان تستفيض منها بغير هذا الوجه فاذا كان شيعتهم منهم كشعاع الشمس من الشمس و انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورهم كيف يمكن السير اليهم و الاستفاضة منهم الا من سبيل نورهم و شيعتهم قال الصادق (ع) شيعتنا جزء منا خلقوا من فضل طينتنا يسوؤهم ما يسوؤنا و يسرهم ما يسرنا فاذا ارادنا احد فليقصدهم فانهم الذين يوصل منهم الينا ، و الاخبار في انهم ابواب الائمة و نوابهم صلوات الله عليهم اكثر من ان تحصي في هذه العجالة و قد مر بعضها و عن ابيعبدالله (ع) قال من دان الله بغير سماع من عالم صادق الزمه الله التيه الي الفناء و من ادعي سماعا من غير الباب الذي فتحه الله لخلقه فهو مشرك و ذلك الباب هو الامين المأمون علي سر الله المكنون و عنه عليه السلام في صفة الامام فاذا كان الامر يصل الي الامام اللاحق اعانه الله بثلثمأة و ثلثةعشر ملكا بعدد اهل بدر و كانوا معه و معهم سبعون رجلا و اثناعشر نقيبا و اما السبعون فيبعثهم الي الآفاق يدعون الناس الي ما دعوا اليه اولا ● و يجعل الله في كل موضع مصباحا يبصر به اعمالهم و من تفسير الامام (ع) قال علي بن محمد عليهما السلام لولا من يبقي بعد غيبة قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين اليه و الدالين عليه و الذابين [ص 260] عن دينه بحجج الله و المنقذين لضعفاء عباد الله من شباك ابليس و مردته و من فخاخ النواصب لمابقي احد الا ارتد عن دين الله و لكنهم الذين يمسكون ازمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها اولئك هم الافضلون عند الله عز و جل ، اقول و الاخبار بهذه المعاني اكثر من ان تحصي و المسألة عند اصحابنا مفروغ عنها و الحمد لله فاذا كان هداية الخلق و فتح عيونهم و فتق رتقهم من شأن هؤلاء رضوان الله عليهم فاسم الله عز و جل الذي فتق به رتق عيون الناظرين انما هو هم و الاخبار الدالة علي ما ذكرنا كثيرة نكتفي بواحد منها ففيما كتب ابوعبدالله عليه السلام الي عبدالله النجاشي حدثني ابي عن آبائه عن علي عليه السلام عن النبي صلي الله عليه و آله قال نزل علي جبرئيل فقال يا محمد ان الله يقرأ عليك السلام و يقول اشتققت للمؤمن اسما من اسمائي سميته مؤمنا فالمؤمن مني و انا منه من استهان مؤمنا فقد استقبلني بالمحاربة يا عبدالله الخبر ، فهذا المؤمن الذي يهدينا الي سبيل الله و يؤمن علي الله فيجيز الله امانه هو ذلك الاسم العظيم الذي تسأله به و هم الشواهد لحجج الانبياء عليهم السلام و الشهود علي تبليغهم ففي حديث عن الكاظم عن آبائه عن علي عليهم السلام في مكالمته مع حبر من احبار يهود الشام فيما فضل الله به محمدا صلي الله عليه و آله علي الانبياء قال اليهودي فاخبرني بما فضل الله به امته علي ساير الامم قال علي (ع) لقد فضل الله امته علي ساير الامم باشياء كثيرة انا اذكر لك منها قليلا من كثير من ذلك قول الله تبارك و تعالي كنتم خير امة اخرجت للناس و من ذلك انه اذا كان يوم القيمة و جمع الله الخلق في صعيد واحد يسأل الله عز و جل النبيين هل بلغتم فيقولون نعم فيسأل الامم فيقولون ماجاءنا من بشير [ص 261] و لا نذير فيقول الله جل ثناؤه و هو اعلم بذلك للنبيين من شهداؤكم اليوم فيقولون محمد و امته فتشهد لهم امة محمد صلي الله عليه و آله بالتبليغ و تصدق شهادتهم و شهادة محمد فيؤمنون عند ذلك و ذلك قول الله عز و جل و تكونوا شهداء علي الناس و يكون الرسول عليكم شهيدا انكم قد بلغتم الرسالة و عن يوسف بن ابيسعيد قال كنت عند ابيعبدالله عليه السلام ذات يوم فقال لي اذا كان يوم القيمة و جمع الله تبارك و تعالي الخلايق كان نوح عليه السلام اول من يدعي به فيقال له هل بلغت فيقول نعم فيقال له من يشهد لك فيقول محمد بن عبدالله صلي الله عليه و آله قال فيخرج نوح عليه السلام فيتخطي الناس حتي يجيئ الي محمد صلي الله عليه و آله و هو علي كثيب المسك و معه علي عليه السلام و هو قول الله عز و جل فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا فيقول نوح عليه السلام لمحمد صلي الله عليه و آله يا محمد ان الله تبارك و تعالي سألني هل بلغت فقلت نعم فقال من يشهد لك فقلت محمد فيقول يا جعفر و يا حمزة اذهبا و اشهدا له انه قد بلغ فقال ابوعبدالله عليه السلام فجعفر و حمزة هما الشاهدان للانبياء عليهم السلام بما بلغوا فقلت جعلت فداك فعلي عليه السلام اين هو فقال هو اعظم منزلة من ذلك ، اقول و اعجب من ذلك شهادتهم للنبي و الائمة عليهم السلام كما في حديث عن ضريس عن ابيجعفر (ع) في تفسير قوله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم فاول من يدعي من ولد آدم للمسائلة محمد بن عبدالله فيدنيه الله حتي لايكون خلق اقرب الي الله يومئذ منه فيقول الله يا محمد هل بلغك جبرئيل ما اوحيت اليك و ارسلته به اليك من كتابي و حكمتي و علمي و هل اوحي ذلك اليك فيقول رسول الله صلي الله عليه و آله نعم يا رب قد بلغني جبرئيل جميع [ص 262] ما اوحيته اليه و ارسلته به من كتابك و حكمتك و علمك و اوحاه الي فيقول الله لمحمد هل بلغت امتك ما بلغك جبرئيل من كتابي و حكمتي و علمي فيقول رسول الله صلي الله عليه و آله نعم يا رب قد بلغت امتي ما اوحيت الي من كتابك و حكمتك و علمك و جاهدت في سبيلك فيقول الله لمحمد فمن يشهد لك بذلك فيقول محمد يا رب انت الشاهد لي بتبليغ الرسالة و ملئكتك و الابرار من امتي و كفي بك شهيدا فيدعي بالملئكة فيشهدون لمحمد بتبليغ الرسالة ثم يدعي بامة محمد فيسألون هل بلغكم محمد رسالاتي و كتابي و حكمتي و علمي و علمكم ذلك فيشهدون لمحمد بتبليغ الرسالة و الحكمة و العلم الحديث ، و في حديث عن ابيعبدالله عليه السلام ثم يجاء بمحمد صلي الله عليه و آله في اهل زمانه فيقال له يا محمد بلغت رسالتي و احتججت علي القوم بما امرتك ان تحدثهم به فيقول نعم يا رب فيسأل القوم هل بلغكم و احتج عليكم فيقول قوم لا فيسأل محمد صلي الله عليه و آله فيقول نعم يا رب و قد علم الله تبارك و تعالي انه قد فعل ذلك يعيد ذلك ثلث مرات فيصدق محمدا و يكذب القوم ثم يساقون الي نار جهنم ثم يجاء بعلي في اهل زمانه فيقال له كما قيل لمحمد صلي الله عليه و آله و يكذبه قوم و يصدقه الله و يكذبهم يعيد ذلك ثلث مرات ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين و هو اقلهم اصحابا كان اصحابه ابوخالد الكابلي و يحيي بن امالطويل و سعيد بن المسيب و عامر بن واثلة و جابر بن عبدالله الانصاري و هؤلاء شهود له علي ما احتج به ثم يؤتي بأبي يعني محمد بن علي علي مثل ذلك ثم يؤتي بي و بكم فاسأل و تسألوني فانظروا ما انتم صانعون الخبر ، اقول فانظر الي ان الشيعة هم [ص 263] الشهداء علي النبي و الائمة عليهم السلام و علي النبيين و المرسلين (ع) علي تبليغهم ما امروا بتبليغه و علي ما احتجوا به من الحجج علي توحيده عز و جل و علي رسالتهم من عنده و خلافتهم عنه في ارضه و اخبارهم عن الغيب من امور القيمة و الجنة و النار و الرجعة و غيرها مما اخبروا به و اقاموا حججهم عليه و اعظم الحجج و الشواهد لامثال هذه الامور ارائة آثارها و علائمها انظر الي كلام اميرالمؤمنين عليه السلام في وصيته لابنه الحسن عليه السلام و اعلم يا بني ان احدا لمينبئ عن الله كما انبأ عنه الرسول صلي الله عليه و آله فارض به رائدا و الي النجاة قائدا فاني لمآلك نصيحة و انك لمتبلغ في النظر لنفسك و ان اجتهدت مبلغ نظري لك و اعلم يا بني انه لو كان لربك شريك لاتتك رسله و لرأيت آثار ملكه و سلطانه و لعرفت افعاله و صفاته و لكنه الله واحد كما وصف نفسه لايضاده في ملكه احد و لايزول ابدا ، اقول اعظم الادلة و اشرفها و اعلاها ما يستدل به اميرالمؤمنين عليه السلام لابنه الحسن عليه السلام بلا شبهة فتفهم من ذلك ان اشرف الادلة و اعلاها علي وحدة الباري تعالي شأنه رسله و حججه صلوات الله عليهم فانه اذا كان تعالي اخترعهم من نور ذاته و فوض اليهم امور عباده كما في اخبارهم عليهم السلام و كما يشاهد منهم آثاره و افعاله و صفاته فبالبداهة لا دليل علي المنير اعظم من نوره و هو الدليل الكاشف عنه و اما ساير الادلة فمنتهي دلالتها الاستدلال كالبعرة علي البعير و اثر القدم علي المسير كما في الخبر انظر الي انه ان اخبرك الف شاهد عدول ثقات امناء عن اتيان السراج او طلوع الشمس مثلا هل يساوي اخبارهم مع ظهور نور السراج او الشمس في عينك و مشاهدتهما عيانا ام لا ؟ لايساوي البتة فان ظهور النور دليل يكشف عن المدلول عيانا [ص 264] و شهودا بل وجودا و اما اقوال المخبرين فهي ملزمة لك بالتصديق من غير ظهور و وضوح للمدلول عندك نعم اذا كانت عينك ضعيفة لاتبصر النور لا بد لك من الاكتفاء باخبار المخبرين فالانبياء و الرسل (ص) يدعون الي الله تعالي طبقات الامم علي حسب مقاماتهم فمنهم من يدعي بالمجادلة بالتي هي احسن و الادلة الملزمة التي لاتنفع شيئا للبصير و لايقنع بها و منهم من يدعي بالموعظة الحسنة و هي ايضا الزام آخر و ان اوجب اليقين بالنجاة و لكن لايكشف عن الواقع و منهم من يدعي بدليل الحكمة و هي ما نحن فيه و هو من اعلي الحكمة قال اميرالمؤمنين عليه السلام لسلمان و ابيذر انه لايستكمل احد الايمان حتي يعرفني كنه معرفتي بالنورانية فاذا عرفني بهذه المعرفة فقد امتحن الله قلبه للايمان و شرح صدره للاسلام و صار عارفا مستبصرا و من قصر عن معرفة ذلك فهو شاك مرتاب يا سلمان و يا جندب قالا لبيك يا اميرالمؤمنين قال عليه السلام معرفتي بالنورانية معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل معرفتي بالنورانية و هو الدين الخالص قال الله تعالي و ماامروا الا ليعبدوا الله الآية ، فمعرفتهم عليهم السلام بالنورانية هي بعينها معرفة الله و لا معرفة خالصة لله تعالي الا بهذه المعرفة و المدعون للمعرفة دونهم شاكون مرتابون عندهم و ان ظنوا انفسهم موقنين ثم انه كما لايعرف الله حق معرفته الا بمعرفتهم بالنورانية كذلك لايعرفون سلام الله عليهم بحق المعرفة الا بمعرفة الرسل و الانبياء عليهم السلام بالنورانية فان نورهم من نور الله و نور الانبياء من نورهم (ع) كما ثبت في السلسلة الطولية ثم ان الانبياء عليهم السلام لايعرفون بحق المعرفة الا بمعرفة الاولياء بالنورانية لما ثبت ايضا في السلسلة الطولية فمعرفة الله سبحانه و معرفة محمد و آلمحمد عليهم السلام و معرفة الانبياء [ص 265] و الرسل سلام الله عليهم علي الحقيقة لايحصل ابدا الا بمعرفة الاولياء من شيعة آلمحمد عليهم السلام بالنورانية و لا سبيل لها الا هم فقط ، سلمان باب الله في الارض من عرفه كان مؤمنا و من انكره كان كافرا ، فشواهد حجج الانبياء كلها انما هي هم علي الحقيقة و اما ساير الشواهد فانما هي ادلة اقناعية الزامية لاتزيل الشك و الريب بلا شك و لا ريب و من هنا تري الذين يدخلون البيوت من غير الابواب دائما في الشك و الارتياب و لاينفعهم شيئا و لايؤثر فيهم آثار التقوي و العمل و الطاعة لله عز و جل و الزهد في الدنيا و الرغبة الي الآخرة و يزعمون الديانة من قبيل الامور الظاهرة السياسية المجعولة لنظم المدن فقط و لا اصل لها و لا واقعية و انما هي من قبيل الايهامات المخيفة المجعولة للاطفال حتي يهابوا و يسكنوا و يناموا و لايهلكون انفسهم و العياذ بالله و لاندري انه لو كان الامر علي ما زعموا فلم لانهلك انفسنا و نلبث في هذه الدنيا الدنية و نبتلي بتلك البلايا و الامراض و المخاوف و نصبر علي هؤلاء الاعداء بالجملة فالدليل الكشفي العياني في معرفة الرسل و الائمة صلوات الله عليهم و معرفة الله سبحانه و الامور الغيبية التي اخبروا عنها انما هو معرفة تلك الابواب فقط و من هنا تري انه اذا عُصي الله عز و جل حتي غضب علي الخلق و العياذ بالله و غيب عنهم امامهم (ص) غيب هؤلاء ايضا لئلايجدوا اليه سبيلا و هم اسمه الذي ان عرفوه اذاعوه و ان عرفوا المكان دلوا عليه و الا فالاسماء الحرفية كتمانها و اذاعتها علي السواء و اي ضرر يتوجه علي الامام عليه السلام في غيبته ان عرفوا اسمه الظاهر و في الناس الوف يسمون بذلك الاسم و هو (ع) مشهور في السنة الشيعة بهذا الاسم و لايدلهم عليه صلوات الله عليه و من هنا ورد عن محمد بن سنان عن المفضل بن عمر قال [ص 266] سمعت الصادق عليه السلام ان الله جعل الامامة بعد الرسالة في اميرالمؤمنين صلوات الله عليه و احدعشر شخصا من ولده و جعلهم الحجة في اهل ملكه و القوام بامره و نهيه و معادنا (كذا) لعلمه و سره و جعل لهم اثنيعشر بابا لكل امام باب يكون يدخل المؤمنون منه الي علمه فمن جحد بابا فقد جحد اماما و يأبي الله ان يقبل لجاحد الباب صرفا و لا عدلا يظهر الاحدعشر بابا فيظهر الاحدعشر امام و يغيب الباب الثانيعشر بغيبة الامام الثانيعشر الخبر ، بالجملة فالاسم الذي ينبأ عن المسمي و هو صفة لموصوف و لا بد من كتمانه هو هذا و قد غيبه الله عن ابصارنا و بصائرنا رزقنا الله معرفتهم و وفقنا علي طاعتهم بحقهم و حرمتهم صلوات الله عليهم ثم انه لعله يستشكل عند بعض ان شهادة الاولياء و المؤمنين الابرار علي الانبياء و الائمة الاطهار و النبي المختار صلوات الله عليهم في القيمة كيف تجوز و هم في مراتب السلسلة دونهم قلت نور الشمس دون الشمس البتة و هو شاهد علي الشمس بالاضائة و الاحراق فان طالبها الله سبحانه بالشهود علي الاضاءة و الاحراق كما امرها سبحانه فقالت انواري تشهد لي و سهل الارض و جبلها و البحار و الانهار المستضيئة بنوري المسخنة بحرارتي تشهد لي فقد صدقت و برّت و هي تشهد لها و تقبل منها البتة و كذلك فيما نحن فيه بعينها حرفا بحرف ، و مثال آخر لو اعطيت الزارع بذرا يزرع لك في ارضك ثم طالبته بالشهود علي الزراعة فقد يقول ان الشاهد لي من جعلته قيما علي فاسأله و قد يقول ان هذه ارضك و هذا بذرك المزروع و قد نبت و اخضر و اثمر مثلا فكلاهما يشهد علي الزارع بالزراعة و الامانة بداهة فاذا سأل الله نبيه صلي الله عليه و آله او الائمة عليهم السلام او [ص 267] الانبياء (ع) انكم هل بلغتم ما امرتم به من الكتاب و العلم و الحكمة فاعظم شاهد لهم هو تعالي القيم عليهم و كفي به شهيدا و كل عال بالنسبة الي دانيه شهيد لا محالة و يوم نبعث من كل امة بشهيد و جئنا بك علي هؤلاء شهيدا و يكون الرسول عليكم شهيدا و تكونوا شهداء علي الناس و هو واضح معلوم و لكن المؤمنين الذين يُرُون في انفسهم آثار ذلك الكتاب و الحكمة و العلوم ايضا شهود عدول ثقات علي تبليغ الانبياء و الائمة سلام الله عليهم لا محالة اليس انه اذا كان لك اطفال لايميزون شيئا و قد ارسلتهم الي معلم مكتّب يعلمهم و يكتبهم ثم طالبته بعد ذلك باداء الخدمة فاستشهد عندك بالاطفال فاحضرهم و قال سلهم عن المسائل و مرهم بالكتابة لتري في انفسهم آثار تعليمي و خدمتي فان اجابوا هؤلاء الاطفال عما سألتهم علي النهج الحق علمت صدق دعوي المعلم البتة فكذلك الامر فيما نحن فيه فان آثار دعوة الانبياء كلها انما تظهر في هؤلاء البالغين الكاملين و هم شهود عليهم علي اداء الرسالة و التبليغ البتة و هم البينة العادلة التي لاترد في القيمة فان الشاهد في الدنيا كثيرا ما يتفق ان يكون شاهد زور و يكون كاذبا في شهادته و ان كان المشهود عليه صادقا في دعواه و بناء عالم الاعراض علي قبول الشهادة ان لميتجاهر الشاهد بالفسق و ان كان عند الله من الكاذبين كما في قوله تعالي اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله و الله يعلم انك لرسوله و الله يشهد ان المنافقين لكاذبون يشهدون علي خلاف ما اعتقدوا و لكن في القيمة لايمكن الكذب في الشهادة فانها موقع ذلك الاعتقاد القلبي و لايقدرون علي الشهادة بخلافه كيف و تشهد عليهم ايديهم و السنتهم و قلوبهم بعين ذلك العمل و الاعتقاد القلبي و لايقدرون علي الانكار بل و في [ص 268] الدنيا ايضا المنافق لعله يشهد كاذبا و لكن لايخفي كذبه علي الخبير و