و اعلم ان الحكماء اختلفوا في كلمة : لا اله الا الله ، ان الشريك له تعالي ان كان موجودا فكيف تنفيه و ان كان معدوما فاي حاجة الي النفي و المخلص منه ما ذكره مشايخنا اعلي الله مقامهم و خاصة سيدنا الاوحد رضوان الله عليه في شرحه علي آية الكرسي في قوله تعالي لا اله الا هو و حكاية عين عبارته اعلي الله مقامه يوجب التطويل الا اني ايضا اذكر في الجواب عن ذلك ما شاء الله من عين تلك العبارة او غيرها و لا قوة الا بالله و وصل الكلام ان شريك الباري عدم محض و ممتنع صرف و لا وجود له نفيا او اثباتا و امكانا او كونا او عينا و هو قوله تعالي اتنبئون الله بما لايعلم في السموات و لا في الارض و قوله ام تنبئونه بما لايعلم في الارض ام بظاهر من القول و بديهي انه تعالي لايجهل شيئا فلو كان له شريك و لو ممكنا منفيا لم‌يقل لايعلم الاتري ان الله تعالي يعلم اشياءا ممكنة ليس من حكمته خروجها من الامكان [ص 214] كما في الخبر اثبت ذلك و استدل بقوله تعالي و لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه انهم لايردون و لكن الله تعالي يعلم انهم لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه فلو كان علي المحال له شريك ممكنا الا انه لم‌يخرج من الامكان كان الله تعالي يعلمه علي ان الممكن لايشرك مع الواجب تعالي شأنه و هو ممتنع معه بالجملة فالحاصل ان لا شريك له تعالي ابدا و لكن الشيطان بعد ان اضل الناس امرهم باتخاذ اوثان من بعض ما خلق الله سبحانه من الخشب و الحجارة و الطين و امثالها و تسميتها بالارباب و الآلهة كذبا و افتراء و بظاهر القول من قوله ام بظاهر من القول و من قوله تعالي ان هي الا اسماء سميتموها انتم و آباؤكم ماانزل الله بها من سلطان ثم علي طبق الاصنام الموجودة في الخارج التي هي من صنع الله حقيقة و ان كانت علي خلاف محبة الله و لكن خلقها لهم علي حسب اختيارهم خذلانا لهم خلقوا في اذهانهم ايضا اصناما و سموها آلهة افكا و افتراءا و هي ايضا من خلق الله تعالي لهم في اذهانهم علي طبق ما صنعوه في الخارج بحسب اختيارهم و مسألتهم و ما اكثر من استعمال اسمائه تعالي في ساير الخلق ايضا لان الاسماء بانفسها مخلوقات حادثة لا استحالة عقلا في تسمية الخلق بها و ان كان بعض الاستعمالات ممنوعا و بعضها مجوزا و لكن الكل ممكنة الاتري ان الاله و الله و الرحمن مثلا اسماء خاصة بالله تعالي و معذلك يقول فرعون لموسي (ع) لئن اتخذت الها غيري لاجعلنك من المسجونين فنفس التسمية بالاله امر ممكن و ان كان شريك الباري ممتنعا حقيقة ثم لما تجرؤا علي الله عز و جل و تسموا بهذه الاسماء التي ماانزل الله بها من سلطان و اثار الشيطان من فعلهم غبارا دخل في اذهان كثيرين من ضعفاء المسلمين كما ان بني‌اسرائيل بعد دعوة [ص 215] موسي (ع) اياهم الي التوحيد و تحمله المشاق فيه و اظهاره الآيات لما خرجوا من البحر و رأوا جماعة يعبدون الاصنام قالوا لموسي (ع) اجعل لنا الها كما لهم آلهة و زجرهم و ردعهم (ع) و معذلك كان ذلك في اذهانهم حتي صنعوا العجل فمن اجل ذلك اراد تعالي شأنه تصفية اذهانهم و كنسها عن تلك الاغبرة المظلمة المضلة و لا شك انه لما كان من حكمته تعالي ان تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها و ابي الله ان يجري الاشياء الا باسبابها ففي كنس تلك الاغبرة ايضا انشأ سبحانه مكنسة بقوله شهد الله انه لا اله الا هو تناسب لكنس تلك الاغبرة الحادثة في اذهانهم حيث سموها آلهة كذبا و افتراءا فركب هذه الكلمة من النفي و الاثبات فنفي الالوهية عن تلك الاوهام الباطلة و اثبتها لنفسه تعالي فقط فليس ان شريك الباري حقيقة كان موجودا فنفاه تعالي او انه كان ممكنا حقيقة و معدوما فنفي عنه الوجود بل شريك الباري علي الحقيقة ممتنع خارجا و ذهنا و كونا و امكانا و لايحتاج الي النفي و لكنهم اتخذوا شيئا ممكنا مخلوقا في الخارج او في الذهن و سموه الها فنهاهم الله عن هذه التسمية التي ماانزل الله بها من سلطان و نفي الاسم عن موضوعاته التي توهموها لهذا الاسم و لايتعلق النفي بنفس تلك الموضوعات الاتري ان الالوهية تنفي عن الاصنام و هي اجسام موجودة في الخارج و ليست بآلهة و كذلك تنفي عن الاوهام و هي موجودة منتزعة عن الخارج و لاتليق بالالوهية و هنا اسرار كتمانها في الصدور اولي من نشرها في السطور بالجملة فالنفي انما يتعلق بهذه التسمية الكاذبة لا نفس وجود هذا الموهوم في الذهن او الصنم المصنوع في الخارج الم‌تر قوله تعالي كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئا و وجد الله عنده فسماه [ص 216] لاشيئا من حيث المائية التي زعمها بزعمه الباطل لا انه لاشئ مطلقا بل هو ارض قاع ملساء مستوية اضائت عليها الشمس فاستضائت و انعكس الضوء في الهواء المجاور له فاشتبه بالماء كلوح صورت عليه صورة الماء و ليس بماء و لايروّي احدا فمن حيث المائية تنفيه و تقول انه لاشئ الا انه شئ آخر فتدبر فهذا الوهم الفاسد من حيث انه سمي الها لاشئ الا انه شئ آخر و ليس باله فهذه الكلمة الطيبة المباركة المركبة من الاثبات و النفي انما انشأت في الظاهر بمناسبة حال الضعفاء لتكون مكنسة لغبار اوهامهم و اما الاقوياء الذين قطعوا العلايق و تجاوزوا عن تلك المراحل و سموا الي اعلي الدرجات لايرون غيره تعالي و لايتوهمون شيئا و هو احد معاني قوله (ع) التوحيد ان لاتتوهمه ، فانهم اذا توهموه مع ان لهم اوهاما اخر يزعمونها شركاء له فيحتاجون الي نفي الاوهام فهو تعالي لايتوهم و لايدرك و لايري لم‌تره العيون بمشاهدة العيان و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان و هم عند رؤيتهم لنوره تعالي لايرون نورا غيره و لايري فيها نور الا نوره و لايسمع فيها صوت الا صوته فاذ لا نور سوي نوره لايحتاج الي النفي فاذا بلغوا ذلك المقام خاطبهم تعالي بقوله قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون و بقوله قل هو الله احد الله الصمد و اما قوله لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفوا احد فهو ايضا برعاية حال جماعة جعلوا له من عباده جزءا فنفي بهذا القول عن نفسه الولد الذي اتخذوه ولدا كذبا و افتراءا و لم‌ينف اشخاصهم من نحو عيسي و عزير او ساير اليهود و لكن نفي كونهم ولدا و ولديتهم و امثال هذه الكلمات لما لا بد من انشائها في تلك العرصات التي امهل الله الشيطان حتي اوهم للناس هذه التوهمات الباطلة و اما في المقامات المختصة بآل‌محمد عليهم السلام الخالصين في التوحيد المصطفين الاطهار [ص 217] الذين اذهب الله عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا فلايحتاجون الي شئ من تلك السلوب و النفي و قوله تعالي سبحان ربك رب العزة عما يصفون ايضا انما يجري في مقام اثبت الناس بزعمهم الاوصاف فنزه سبحانه نفسه عن الاوصاف بالمرة تصفية لاذهان هؤلاء عن الاوصاف فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فلعلك تقف علي شئ من اسرار تلك الكلمات الشريفة اي قوله : فتراجعت القلوب الي الصدور عن البيان باخلاص الوحدانية و تحقيق الفردانية مقرة بالعبودية ، اي انهم لما رأوه في قلوبهم بحقايق الايمان و عرفوه بحق التوحيد و محضه و صرفه الذي لايشوبه شئ همّوا باظهار ما عرفوا من شدة حلاوة ما شربوا من كأس حب الله و معرفته و هذا مأخوذ من قول ابي‌محمد عليه السلام فيما كتب اليه روي لنا عن آبائكم عليهم السلام ان حديثكم صعب مستصعب لايحتمله ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن امتحن الله قلبه للايمان قال فجاء الجواب انما معناه ان الملك لايحتمله في جوفه حتي يخرجه الي ملك مثله و لايحتمله نبي حتي يخرجه الي نبي مثله و لايحتمله مؤمن حتي يخرجه الي مؤمن مثله انما معناه ان لايحتمله في قلبه من حلاوة ما هو في صدره حتي يخرجه الي غيره انتهي ، فهم صلوات الله عليهم ايضا من شدة حلاوة ما في قلوبهم يهمّون الي ان يخرجوه الي غيرهم لكنهم لما لايجدون مثلهم من يتحمل عنهم مثل ما تحملوا يكتمون سرهم و لايذيعونه : فتراجعت القلوب الي الصدور عن البيان باخلاص الوحدانية ، اي متصفا باخلاص الوحدانية او مصاحبا معه او بسببه : و تحقيق الفردانية مقرة بالعبودية ، و لعل المعني ان منتهي ما يظهرون لغيرهم هو الاقرار بالعبودية ليكون صفة استدلال عليه في الظاهر فقط لا صفة تكشف عنه و ان كانت تلك العبودية كنهها الربوبية و لكن كنهها هو الذي [ص 218] تراجع مع القلب و لم‌يبرز للناس و اما الاقرار باللسان فقد ظهر للناس فافهم ، ثم قوله (ص) : و انك انت الله انت الله انت الله ، و هذه الثلثة راجعة الي مراتبهم الكلية المختصة بهم من الفؤاد و العقل و النفس المتمحضة في توحيده عز و جل علي ما ينبغي لها و لهم و قوله : لا اله الا انت ، يرجع الي الظاهر الذي اقروا فيه بالعبودية كما شرحنا مفصلا و بعبارة اخري قوله : انت الله ، ثلثا انما يرجع الي مقاماتهم في مقام البيان و المعاني و الابواب كل بحسبه اي ان هذه الكلمة من شأن تلك المقامات و يليق بها لانه اثبات محض خالص يحكي عن الحق الثابت فقط و قوله : لا اله الا انت ، يرجع الي مقام الامامة في مقام انا بشر مثلكم و مقام ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه لما عرفت ان من دونهم لم‌يعرفوا من التوحيد الا هذا المقدار المركب من الاثبات و النفي فمن هنا يخاطبهم في هذا المقام بلسانهم فافهم و اني والله معترف علي نفسي بالجهل و القصور و النقصان الا ان بركات مشايخنا رضوان الله عليهم و بثهم لعلمهم عرفتنا بعض هذه الاسرار و لا قوة الا بالله و هذا الذي ذكرنا احد المعنيين و اظهرهما .

و اما الآخر فاعلم اولا انه قد ورد في تصفية القلب اخبار اروي بعضها ففي الكتاب المبين عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث جوعوا بطونكم و اظمأوا اكبادكم و اعروا اجسادكم و طهروا قلوبكم عساكم تجاوروا الملأ الاعلي و سمع ابوعبدالله (ع) يقول اذا تخلي المؤمن من الدنيا سما و وجد حلاوة حب الله و كان عند اهل الدنيا كأنه قد خولط و انما خالط القوم حلاوة حب الله فلم‌يشتغلوا بغيره قيل و سمعته يقول ان القلب اذا صفا ضاقت به الارض حتي يسمو ، اقول و هذا بديهي ان القلب اذا صفا يصعد الي حيث مبدئه الذي نزل منه ثم يشتعل بنور مؤثره كالدهن الغليظ اذا تبخر و تدخن [ص 219] و تلطف و قرب الي حيّز النار اشتعل بها و استضاء و اضاء علي ما سواه و عن الصادق (ع) قال اعراب القلوب علي اربعة انواع رفع و فتح و خفض و وقف فرفع القلب في ذكر الله تعالي و فتح القلب في الرضا عن الله تعالي و خفض القلب في الاشتغال بغير الله و وقف القلب في الغفلة عن الله سبحانه الاتري ان العبد اذا ذكر الله تعالي بالتعظيم خالصا ارتفع كل حجاب بينه و بين الله تعالي من قبل ذلك فاذا انقاد القلب لمورد قضاء الله تعالي بشرط الرضا عنه كيف ينفتح القلب بالسرور و الراحة و الروح و اذا اشتغل قلبه بشئ من اسباب الدنيا كيف يجده اذا ذكر الله تعالي بعد ذلك ● و اناب منخفضا مظلما كبيت خراب ليس فيه عمران و لا مونس فاذا غفل عن ذكر الله تعالي كيف يراه بعد ذلك موقوفا محجوبا قد قسي و اظلم منذ فارق نور التعظيم الحديث ، اقول فهكذا يرفع الي الله تعالي بذكره بالتعظيم و يرتفع كل حجاب بينه و بين الله تعالي حتي يسع نوره كما عن القدسي لم‌تسعني سمائي و لا ارضي و لا عرشي و لا كرسيي و انما وسعني قلب عبدي المؤمن و قال لايسعني ارضي و لا سمائي و لكن يسعني قلب عبدي المؤمن فانه يتقلب معي و في و بي و روي قلب المؤمن عرش الرحمن و من طرق العامة قلب المؤمن بيت الرحمن و قال ابوعبدالله (ع) قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الرحمن ، اقول و كل ذلك من باب ان المؤمن اذا اعرض عن ما سوي ربه و اطمأن بذكر الله ظهر نوره تعالي في قلبه بحيث لايري شيئا الا اياه و نسي نفسه بالمرة و لم‌يجدها شيئا فهو في الاول يصير جليسه كما في القدسي ايما عبد اطلعت علي قلبه فرأيت الغالب [ص 220] عليه التمسك بذكري توليت سياسته و كنت جليسه و محادثه و انيسه ، فهو في الاول اذا غلب عليه التمسك بذكر الله عز و جل يصير جليسه و محادثه و لكن اذا اخلص في ذكره حتي نسي نفسه وجد ربه بانه لا شئ غيره فلايجد لنفسه كونا و وجودا و اسما ابدا بل هو ح نور الله و وجه الله فقط و كل من عليها فان و يبقي وجه ربك ذو الجلال و الاكرام و هذا هو المقام المعبر عنه بالبيان و اروي هنا حديثا شريفا تقر به عينا فعن يونس بن ظبيان عن الصادق (ع) في حديث سأله عن وجه الله و يد الله و بعض ما قاله المخالفون فيه تعالي فرد عليهم و قال ان وجه الله انبياؤه و اولياؤه الي ان قال عليه السلام : ان اولي الالباب هم الذين عملوا بالفكرة حتي ورثوا منه حب الله فان حب الله اذا ورثه القلب و استضاء به لاسرع اليه اللطف فاذا نزل منزلة اللطف صار من اهل الفوايد فاذا صار من اهل الفوايد تكلم بالحكمة فاذا تكلم بالحكمة صار صاحب فطنة فاذا نزل منزلة الفطنة عمل بها في القدرة فاذا عمل في القدرة عرف الاطباق السبعة فاذا بلغ هذه المنزلة صار يتقلب في فكره بلطف و حكمة و بيان فاذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته و محبته في خالقه فاذا فعل ذلك نزل المنزلة الكبري فعاين ربه في قلبه و ورث الحكمة بغير ما ورثه الحكماء و ورث العلم بغير ما ورثه العلماء و ورث الصدق بغير ما ورثه الصديقون الحديث ، اقول لم‌نكن بصدد هذا البيان و انما الكلام في فضل آل‌محمد (ص) الا انا ذكرنا ما ذكرنا من باب المقدمة و الغرض ان آل‌محمد (ع) لما صعدوا عن حضيض المقامات الدانية و نزلوا المنزلة الكبري و عاينوا ربهم في قلوبهم حتي لم‌يجدوا غيره و لم‌يفرقوا بين الله و رسله كما تقرؤ في الدعاء بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك ، اقول انظر الي ضمير الجمع في قوله : الا انهم ، فانه يرجع الي مقام التكثر دون المقام [ص 221] الاول و المقامات ايضا و ان كانت جمعا و لكن لها درجات بعضها فوق بعض و اعلاها مقام البيان الفرد المتفرد فانه ورد عنهم (ع) ان البيان ان تعرف الله بانه ليس كمثله شئ و تعبده و لاتشرك به شيئا ، فكيف يجري فيه لفظ الجمع من حيث نفسه نعم الا من حيث ظهوره في القلوب المتكثرة و الا فهو في نفسه فرد متفرد بالجملة فاذا صعدوا الي ذلك المقام و اثبت في قلوبهم اي افئدتهم الاسم الذي اشار اليه في هذه الفقرة من الدعاء الذي كلامنا فيه فعاينوا ربهم في قلوبهم كما ورد في قوله تعالي ماكذب الفؤاد ما رأي في بعض اخبار المعراج انه (ص) غشي النور بصره فرأي عظمة ربه عز و جل بفؤاده و لم‌يرها بعينه و في حديث آخر و كان توفيقا من ربي عز و جل ان غمضت عيني و كل بصري و غشي عني النظر فجعلت ابصر بقلبي كما ابصر بعيني بل ابعد و ابلغ فذلك قوله عز و جل مازاغ البصر و ماطغي لقد رآي من آيات ربه الكبري ، و عن ابن‌عباس عن النبي (ص) فرأيته بقلبي و مارأيته بعيني و سئل ابوالحسن (ع) هل رأي رسول الله ربه عز و جل فقال نعم بقلبه رأي اماسمعت الله عز و جل يقول ماكذب الفؤاد ما رأي لم‌يره البصر و لكن يراه بالفؤاد ، و نحو ذلك اخبار اخر و يجري في آل‌محمد عليهم السلام ايضا علي حسب مقامهم و قيل لاميرالمؤمنين (ع) في حديث هل رأيت ربك فقال ويلك لم‌اكن بالذي اعبد ربا لم‌اره قيل فكيف رأيته صفه لنا قال ويلك لم‌تره العيون بمشاهدة الابصار و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان ، بالجملة ثم انهم (ص) بعد ان رأوا ربهم في قلوبهم و هو المعبر عنه بالبيان في قوله (ص) : فتراجعت القلوب الي الصدور عن البيان ، امروا بالرجوع الي الآثار كما نقلنا من دعاء الحسين (ع) الهي امرت بالرجوع الي الآثار فارجعني اليك بكسوة الانوار و هداية الاستبصار الدعاء ، فتراجعت القلوب الي الصدور [ص 222] و هي مقامها و وكرها امتثالا لامره تعالي بالرجوع فرجعوا باخلاص الوحدانية التي شاهدوها في افئدتهم بدليل الحكمة و تحقيق الفردانية التي اثبتوها في عقولهم الي الصدور بالموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن علي ما يليق بهم في تلك المراتب ثم اقروا بالعبودية بالسنتهم علي ما عرفت من قولهم انت الله في المراتب الثلثة العالية و قولهم لا اله الا انت في الظاهر بالجملة فبحسب الباطن الصافون الحافون حول العرش آل‌محمد عليهم السلام القائمون حول النبي (ص) عرش الله الاعظم و هذا المقام منهم صلوات الله عليهم في مقام العقل المرتفع الملحق بالفؤاد تارة و بالعقل اخري و هذا الاسم الاعظم المثبت في قلوبهم لم‌يخرج منهم الي غيرهم لما لم‌يتحملوه او خرج و لم‌يدركوه فهو خاص بهم صلوات الله عليهم و لا حاجة الي التفصيل بازيد من ذلك .

قال صلي الله عليه و آله : و اسألك بالاسماء التي تجليت بها للكليم علي الجبل العظيم فلما بدا شعاع نور الحجب من بهاء العظمة خرت الجبال متدكدكة لعظمتك و جلالك و هيبتك و خوفا من سطوتك راهبة منك فلا اله الا انت فلا اله الا انت فلا اله الا انت فلا اله الا انت الدعاء .

تجليت من الجلاء في الفرايد : « جلا العروس كدعا جلوة كعصمة و ضربة و جلاء ككساء نظر اليها ، الي ان قال : و العروس علي بعلها و المصدر كضربة و غرفة و عصمة و كساء عرضها عليه مجلوة كاجتلاها علي افتعل و العروس زوجها وصيفة او غيرها اعطاها اياها في ذلك الوقت ، الي ان قال : و النحل جلاء كسماء دخّن عليها ليشتار العسل و السيف و المرآت و المصدر كجسم و كساء صقلهما و كشف صداءهما و كذلك بصره بالكحل و الاسم الجلاء ايضا و منه ث القرآن جلاء للقلب اي يذهب الشكوك و الشبهات عنه و قد تكرر فيه بهذا المعني و الهمّ عنه اذهبه و فلانا الامر و عنه كشفه عنه كجلاه الامر تجلية ، الي ان قال : و تجلي علي [ص 223] تفعل من الثاني للمطاوع و بثوبه رمي به ، الي ان قال : و تجلي مكان كذا علي تفعل علاه و الشئ نظر اليه مشرفا و الشئ انكشف و ظهر ك و النهار اذا تجلي ، فلما تجلي ربه للجبل اي ظهر بآياته التي احدثها في الجبل و قيل تجلي امر ربه للجبل و منه ث في الكسوف حتي تجلت الشمس اي انكشفت و خرجت من الكسوف و انجلت علي انفعل بمعناه » ، و الكليم المراد منه موسي بن عمران عليه السلام علي ان في نسخة للكليم موسي و هو من الكلام « كسحاب في اللغة عبارة عن اصوات متتابعة بمعني مفهوم و في اصطلاح النحاة اسم لما تركب من مسند و مسند اليه و قيل اسم جنس يقع علي القليل و الكثير و اسم من كلمه تكليما ، الي ان قال : و قد تكرر في ك فعلا علي اختلاف صيغه و اسما و مصدرا من ذلك و كلم الله موسي تكليما اي بالوحي اليه ، و كلمه ربه ، و لاتكلمون سقطت ياء المتكلم لكسرة النون ، و لايكلمهم الله ، تعريض بحرمانهم حال اهل الجنة في تكريم الله اياهم بكلماته و تزكيتهم بالثناء عليهم و قيل نفي الكلام عبارة عن غضبه عليهم كمن غضب علي صاحبه فاعرض عنه و قطع كلامه و قيل لايكلمهم بما يحبون و لكن بنحو قوله اخسؤا فيها و لاتكلمون » ، و الجبل في اللغة « خلاف السهل م ، ج اجبال كسبب و اسباب و جبال كسهام و اجبل كافلس و قيل لايكون جبلا الا اذا كان مستطيلا و قيل هو كل وتد للارض عظم و طال فان انفرد فاكمة او قنة بالقاف و النون كجبة و قد تكرر في ك مفردا و جمعا من ذلك سآوي الي جبل ، و لكن انظر الي الجبل ، ثم اجعل علي كل جبل ، لتزول منه الجبال ، و تري الجبال ث المؤمن كالجبل يعني في الرزانة و الثبات و فيه ايضا في السهل ينبت الزرع لا في الجبل هو استعارة يعني في القلب الخاضع اللين ينبت زرع العلم و الحكمة لا في القلب القسي المتكبر المعرض ، الي [ص 224] ان قال : و الجبل ايضا سيد القوم و عالمهم و الساحة و كجسم و قفل الكبير من كل شئ و كقفل الامة و الجماعة من الناس كالجبل كعنق و فلس و عتل و سجل و منه ك و لقد اضل منكم جبلا كثيرا و قري بالجميع و كعصمة و غرفة و ضربة و رقبة الخلقة و الطبيعة كالجبلة كسجل بهاء ك و الجبلة الاولين ج الجبلات بالالف و التاء و شئ جبليّ منسوب الي جبلة كسجل بهاء كما يقال طبيعي منسوب الي الطبيعة و جبلهم الله كنصر خلقهم و فلانا علي كذا فطره و طبعه كاجبله اجبالا و المفعول مجبول » ، و « بدا كدعا بدوا و بدوّا كفلس و سمو و بداء كسماء و بداوة بهاء ظهر ك بدت لهما سؤاتهما اي ظهرت » ، و « البهاء كسماء الحسن و الجمال ، الي ان قال : و منه الدعاء و كل بهائك بهي و البهاء ايضا حسن الهيأة و من الله عظمته و لمعان رغوة اللبن » ، و خرّت كفرت خرا و خرورا كمد و سرور سقط اي من علو الي سفل ك فخروا له سجدا اي سقطوا علي وجوههم و كان ذلك تحيتهم في ذلك الوقت و انما سجدوا هؤلاء لله عز و جل ، و يخرون للاذقان يبكون اي لله سبحانه ، و خر موسي صعقا اي سقط علي وجهه مغشيا عليه ، و متدكدكة من « دك دكا كمد مدا فرقه و البناء ضربه فكسره و هدمه حتي سواه بالارض و الارض سوي صعودها و هبوطها ، الي ان قال : فلما تجلي ربه للجبل جعله دكا اي دقه و جعله مسوي مع الارض او فعل بمعني مفعول اي جعله مدكوكا ، الي ان قال : و تدكدكت الجبال علي تفعلل تهدمت و صارت مسواة علي الارض » ، و الهيبة من « هابه يهابه كنال و يهيبه كباع و المصدر كبيت و صيحة و مقالة خافه و حذره و اتقاه و اجله و عظمه كتهيّبه و اهتابه علي تفعل و افتعل في الجميع و الاسم كصيحة » ، و « الخوف كقول م قيل الفرق بينه و بين الحزن انه من المتوقع و الحزن علي الواقع و المخافة كمقالة و الخيفة كصيغة [ص 225] بمعناه مصادر من خافه يخافه و اسم النوع كصيغة ايضا » ، و السطوة من « سطا عليه و به كدعا سطوا كفلس و سطوة قهره و اذله و هو البطش بشدة ك يكادون يسطون اي يتداولونهم بالمكروه و يبطشون بهم من شدة الغيظ و السطوة المرة الواحدة » ، و راهبة من الرهبة من « رهب رهبا كفرح فرحا و كسمع و المصدر كفلس و قفل و برهان و ضربة و رمضان خاف ك يدعوننا رغبا و رهبا ، الي ان قال : و الرهبة في الدعاء كضربة ان تلقي كفيك فترفعهما الي الوجه ش فهو راهب من الله و الله مرهوب » .

اقول و لنرو اولا بعض الاخبار مما يتعلق بظهور نوره تعالي في الطور لموسي بن عمران (ع) ثم نذيلها بما شاء الله و عرفنا من البيان و لا قوة الا بالله ففي البرهان في تفسير قوله تعالي و لما جاء موسي لميقاتنا الآية ، بسنده عن علي بن محمد بن الجهم قال حضرت مجلس المأمون و عنده الرضا (ع) فقال له المأمون يا بن رسول الله اليس من قولك ان الانبياء معصومون قال بلي فسأله عن آيات من القرآن في الانبياء فكان فيما سأله ان قال فما معني قول الله عز و جل و لما جاء موسي لميقاتنا و كلمه ربه قال رب ارني انظر اليك قال لن‌تراني و لكن انظر الي الجبل كيف يجوز ان يكون كليم الله موسي بن عمران لايعلم ان الله تعالي ذكره لايجوز عليه رؤية حتي يسأله عن هذا السؤال فقال (ع) ان كليم الله علم ان الله منزه عن ان يري بالابصار و لكنه لما كلمه الله عز و جل و قربه نجيا رجع الي قومه فاخبرهم ان الله كلمه و قربه و ناجاه فقالوا لن‌نؤمن لك حتي نسمع كلامه كما سمعته و كان القوم سبعمأة‌الف فاختار منهم سبعين‌الفا ثم اختار منهم سبعة‌آلاف ثم اختار منهم سبعمأة ثم اختار منهم سبعين رجلا لميقات ربه فخرج بهم الي طور سيناء فاقامهم في سفح الجبل و صعد موسي الي الطور و سأل الله [ص 226] عز و جل ان يكلمه و يسمعهم كلامه و كلمه الله و سمعوا كلامه من فوق و اسفل و يمين و شمال و وراء و امام لان الله احدثه في الشجرة ثم جعله منبعثا منها حتي سمعوه من جميع الوجوه فقالوا لن‌نؤمن بان هذا الذي سمعناه كلام الله حتي نري الله جهرة فلما قالوا هذا القول العظيم و استكبروا و عتوا بعث الله عليهم صاعقة فاخذتهم الصاعقة بظلمهم فماتوا فقال موسي يا رب ما اقول لبني‌اسرائيل اذا رجعت اليهم و قالوا انك ذهبت بهم و قتلتهم لانك لم‌تكن صادقا فيما ادعيت من مناجاة الله تعالي اياك فاحياهم و بعثهم معه فقالوا انك لو سألت الله عز و جل ان يريك لننظر اليه لاجابك فتخبرنا كيف هو و نعرفه حق معرفته فقال موسي يا قوم ان الله لايُري بالابصار و لا كيفية له و انما يعرف بآياته و يعلم باعلامه فقالوا لن‌نؤمن لك حتي تسأله فقال موسي يا رب انك قد سمعت مقالة بني‌اسرائيل و انت اعلم بصلاحهم فاوحي الله اليه يا موسي سلني ما سألوك فلن‌اؤاخذك بجهلهم فعند ذلك قال موسي رب ارني انظر اليك قال لن‌تراني و لكن انظر الي الجبل فان استقر مكانه و هو يهوي فسوف تراني فلما تجلي ربه للجبل بآية من آياته جعل ( جعله خ‌ل ) دكاً و خر موسي صَعقا فلما افاق قال سبحانك اني تبت اليك يقول رجعت الي معرفتي بك عن جهل قومي و انا اول المؤمنين منهم بانك لاتري فقال المأمون لله درك يا اباالحسن و عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام في حديث و قوله لموسي لن‌تراني و لكن انظر الي الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلي ربه للجبل جعله دكا و خر موسي صعقا و انما طلع من نوره علي الجبل كضوء يخرج من سم الخياط فدكدكت الارض و صعقت الجبال و خر موسي صعقا اي ميتا فلما افاق و رد عليه روحه قال سبحانك تبت اليك من قول [ص 227] من زعم انك تري و رجعت الي معرفتي بك ان الابصار لاتدركك و انا اول المؤمنين بانك تري و لاتري و انت بالمنظر الاعلي الحديث ، و عن ابي‌عبدالله (ع) ان الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم ثم قال ان موسي (ع) لما سأل ربه ما سأل امر واحدا من الكروبيين تجلي للجبل فجعله دكا و عن ابي‌جعفر و ابي‌عبدالله (ع) قال لما سأل موسي ربه تبارك و تعالي قال رب ارني انظر اليك قال لن‌تراني و لكن انظر الي الجبل فان استقر مكانه فسوف تراني قال فلما صعد موسي علي الجبل فتحت ابواب السماء و اقبلت الملائكة افواجا في ايديهم العمد و في رأسها النور يمرون به فوجا بعد فوج يقولون يا بن عمران اثبت فقد سألت عظيما قال فلم‌يزل موسي واقفا حتي تجلي ربنا جل جلاله فجعل الجبل دكا و خر موسي صعقا فلما ان رد الله عليه روحه افاق قال سبحانك تبت اليك و انا اول المؤمنين و سمع ابوعبدالله (ع) يقول ان موسي بن عمران لما سأل ربه النظر اليه و وعده الله ان يقعد في موضع ثم امر الملائكة ان تمر عليه موكبا موكبا بالبرق و الرعد و الصواعق فكلما مر به موكب من المواكب ارتعدت فرائصه فيرفع رأسه فيسأل ايتكم ربي فيجاب هو آت و قد سألت عظيما يا بن عمران و سمع (ع) في قوله تعالي فلما تجلي ربه للجبل جعله دكا و خر موسي صعقا قال ساخ الجبل في البحر و يهوي حتي هذه الساعة و في الكتاب المبين عن موسي بن جعفر الكاظم (ع) قال ان الله تبارك و تعالي خلق نور محمد صلي الله عليه و آله من نور اخترعه من نور عظمته و جلاله و هو نور لاهوتية الذي ابتدء من لاه اي من الالهية من انيته الذي ابتدء منه و تجلي لموسي بن عمران (ع) به في طور سيناء فمااستقر له و لااطاق [ص 228] موسي لرؤيته و لاثبت له حتي خر صاعقا مغشيا عليه و كان ذلك النور نور محمد صلي الله عليه و آله الحديث ، اقول و الله المامول في الايراد و القبول ان هذا المقام في هذه الفقرة من الدعاء هو مقام الاسم الثاني من الاسماء الثلثة الظاهرة لفاقة الخلق علي ما مر في حديث حدوث الاسماء في المقدمة و مقامه في قلوب الصافين الحافين هو مقام الاسم الاول من الثلثة الظاهرة و الفقرة الآتية مقام الاسم الثالث و قد عبر عن الاسم المكنون و الاسم الاول من الثلثة الظاهرة بكل اسم للدلالة علي الكلية و الجامعية لجميع الاسماء في كلا المقامين الا ان الاسم المكنون في مقام الكلية في الغيب و الاسم المثبت في الكتاب و قلوب الصافين الحافين حول العرش و هم آل‌محمد عليهم السلام في مقام الكلية في الشهادة بالنسبة فالاسم المكنون في مقام العرش و هذا الاسم في مقام الكرسي بالنسبة اليه و هما من اكبر ابواب الغيوب كما في الخبر الا ان العرش هو الباب الباطن و الكرسي هو الباب الظاهر و كلاهما في مقام الكلية التي لايشذ عنها شاذ و لايخرج من تحتها خارج من اسمائه تعالي و هم الاسماء الحسني علي معني الاستغراق و اما هذا المقام الذي كلامنا فيه و هو في مقام الانبياء سلام الله عليهم فليس في الكلية علي حذو ما سبق و لا في الجزئية علي ما سيأتي فمن هنا قال صلي الله عليه و آله : و اسألك بالاسماء التي تجليت بها للكليم ، بلفظ الجمع في الاسماء مع الاضافة الي الكليم للدلالة علي الجامعية في الجملة لا علي نحو الكلية اعتبر مما روي ان ابرهيم عليه السلام لما بني الكعبة و دعا الناس الي الحج قال عليه السلام هلم الي الحج فشمل النداء الحاضرين و الغائبين حتي من في الاصلاب و الارحام من كل من يأتي و يحج و لو قال هلموا لم‌يشمل الا الحاضرين ، فاسم الجنس و خاصة مع لفظ الكل [ص 229] يشمل كل اسم لعدم قيد له و اما الاسماء التي تجلي الله سبحانه بها للكليم فهي مختصة بما هو من شأنه (ع) و لكن معذلك له جامعية نسبية و لاسيما مع كونه (ع) من اولي العزم فهو بالنسبة الي آل‌محمد (ع) جزئي و بالنسبة الي من دونه كلي في الجملة لا علي نحو الحقيقة كما في آل‌محمد عليهم السلام اعتبر مما روي من تعلم موسي (ع) من الخضر (ع) مع انه كان اعلم منه و من قول الصياد لهما ان علمكما عند علم آل‌محمد (ص) كهذه القطرة في فم الطير من هذا البحر ففي اي درجة كانوا لايبلغون مقام آل‌محمد عليهم السلام و لا معشار العشر من شأنهم الاتري اميرالمؤمنين عليه السلام ينسب اليه كل نبي و وصي و يقول انا فلان انا فلان و الاتري الحجة عجل الله فرجه يعدّهم جميعا و يقول انا اولي بهم و كل ذلك من جهة جامعيتهم صلوات الله عليهم لمقامات الانبياء جميعا و قد روي عنهم (ع) ان الله تبارك و تعالي قد جمع في الامام منا ما فرقه في جميع المؤمنين ، ثم ان المؤمنين بالنسبة الي الانبياء ايضا في مقام الجزئية و الاثرية و لايجمعون ما جمع في الانبياء علي حقيقته فان في السلسلة الطولية آل‌محمد عليهم السلام في مقام الكلية مؤثر للانبياء و الانبياء آثارهم ثم الانبياء في مقام الكلية اي النبوة المطلقة مؤثرون للمؤمنين و المؤمنون آثارهم ثم المؤمنون في مقام الكلية مؤثرون لمؤمني الجن و هكذا و نسبة الاثر الي المؤثر نسبة الواحد الي السبعين و هو من باب بيان التكثير لا التعيين بالجملة ففي المقام الآتي يقول صلي الله عليه و آله : و اسألك بالاسم الذي فتقت به ، الدعاء ، فافرده و اضافه للدلالة علي غاية التخصيص بالنسبة كما سيأتي ان شاء الله و اعلم ايضا ان تلك الاسماء التي تجلي الله سبحانه بها للكليم هنا علي الجبل العظيم انما هي اسماء [ص 230] اظهرها سبحانه عند مسألة قومه و اجتماعهم في سفح الجبل و حضوره (ع) معهم علي الجبل في مقام انا بشر مثلكم و ما اصابه (ع) مما اصابهم من السقوط و الصعقة بل الموت لمقام الاشتراك في البشرية و عدم تحمل اعباء النبوة في الظاهر كالغشية التي كانت تعرض للنبي صلي الله عليه و آله عند نزول الوحي عليه بلا واسطة الملك في مقام البشرية فانه ان كانت تلك الغشية له (ص) في قلبه ماكان يحس بالوحي و لايدركه و لكن الغشية له في ظاهر الحيوة الدنيا لعدم تحمل اعباء المقامات العالية في الظاهر فقط كما وجدت في الخبر قوله (ص) و كان توفيقا من ربي عز و جل ان غمضت عيني و كل بصري و غشي عني النظر فجعلت ابصر بقلبي كما ابصر بعيني بل ابعد و ابلغ ، فقلبه (ص) بذاته لم‌يصبه الغشية و كان يبصر به ابعد و ابلغ مما يبصر بعينه الظاهرة ففي مقام موسي عليه السلام الامر كذلك و هو في مقامه الذاتي كان متحملا لتلك الاسماء و الانوار اذ كان عارفا بربه في قلبه و هو بذاته من اهل عالم الروح دون العقل و فوق النفس الملكوتي و هذا المقام الذي تجلي ربه له علي الجبل في مقام النفس الملكوتي علي جبل الطبيعة لاجتماع اصحابه معه في دون هذا المقام و هم لم‌يبلغوا مقام الروح لاختصاصه بالانبياء و اصحابه لم‌يكونوا انبياء بل و لا مؤمنين كما يظهر من الاخبار و لذا اقامهم في سفح الجبل اي اسفله حيث يسفح الماء و هو مضطجعه و اصله و صعد بنفسه علي الجبل و ذلك لان القوم كانوا مبتلين بالطبيعة مخلدين اليها من قوله تعالي و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه و هو (ع) صعد عليه و سما الي ما يرتقيه لتخلصه عن شوائب الطبيعة بالجملة و الغرض ان الانوار الظاهرة هنا انما اوجبت الصعقة لموسي عليه السلام لوقوعه في مقام البشرية و اما هو في ذاته فهو ذلك [ص 231] النور المشار اليه او صاحبه الم‌تسمع ما روينا ان الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم ، ثم قال : ان موسي (ع) لما سأل ربه ما سأل امر واحدا من الكروبيين تجلي للجبل فجعله دكا ، اقول هؤلاء الكروبيون الذين هم قوم من شيعة آل‌محمد عليهم السلام انما هم حقايق الانبياء عليهم السلام الذين خلقوا من نور آل‌محمد عليهم السلام و شعاع نورهم كما روي انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا ، و ورد في طينة الانبياء سلام الله عليهم انها من نور آل‌محمد عليهم السلام و فاضل طينتهم و من عرق جبين النبي صلي الله عليه و آله و غيرها مما يفيد هذا المعني و كفي قوله تعالي ان من شيعته لابرهيم و ان كان بحسب الظاهر يرجع الضمير الي نوح عليه السلام و لكن ورد في اخبار آل‌محمد عليهم السلام ان المراد ان ابرهيم (ع) من شيعة علي عليه السلام فهؤلاء الكروبيون هم حقايق الانبياء سلام الله عليهم جعلهم الله خلف العرش اي دون مقام آل‌محمد عليهم السلام و من خلفهم فانهم عرش الله الاعظم و كل واحد منهم و لاسيما اولو العزم منهم لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم فلو اهتدي اهل الارض في زمان موسي (ع) بنوره و هدايته لكفاهم كما يكفي نور الشمس جميع اهل الارض و اما النور الواقع في صقع خاص في عرض ساير الناس فلايكفيهم و لاينيرهم جميعا الا ان ينير حواليه فلما سأل ربه علي حسب مسألة قومه كما مر في الخبر ان يريهم نفسه التي اشار اليها تعالي في قوله خطابا الي موسي (ع) و اصطنعتك لنفسي اذهب انت و اخوك بآياتي و لاتنيا في ذكري فسأله تعالي ان يريهم نفسه فامر واحدا من الكروبيين و هو نفس موسي (ع) ان يتجلي للجبل فتجلي و جعله [ص 232] دكا لان الجبل مقام الطبيعة و هي علي خلاف روح الكينونة كما قال تعالي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي ، فالطبيعة لما كانت علي خلاف روح الكينونة فلا محالة ظهور الروح يوجب اندكاك الطبيعة كما ان ظهور النار في الدهن يوجب اندكاك اجزاء الدهن و تكلسها و تفرقها و تبددها و كذلك فيما نحن فيه و الطبيعة اذا تفرقت تسيخ في البحر و البحر هو بحر المادة الشخصية علي ما ثبت في الحكمة فهي تسيخ في البحر و لانها اذا تفرقت تشخصت و تعينت فتسيخ في بحر المواد الشخصية الي الامثلة التي دون ذلك البحر في مقام الاظلة حتي تخرج من عالم الزمان بالجملة فالحاصل انه لما ظهر نور نفس موسي (ع) و هو واحد من الكروبيين اوجب اندكاك الجبل و لاينافي ذلك ما روينا اخيرا ان ذلك النور نور محمد صلي الله عليه و آله فان موسي (ع) بنفسه خلق من نور محمد صلي الله عليه و آله و شعاعه و ليست الاضافة في قوله نور محمد اضافة بيانية ان يكون ذلك النور هو محمد (ص) بل اضافته اضافة تمليك نحو غلام زيد و نحو نور الشمس اي شعاعها و ضوؤها فنور محمد (ص) المتجلي للجبل شعاعه لا ذاته صلوات الله عليه و آله و هو نفس موسي (ع) فاندك جبل انيته و طبيعته و يصرح بذلك قوله صلي الله عليه و آله في هذا الدعاء : فلما بدا شعاع نور الحجب من بهاء العظمة خرت الجبال الخ ، و ذلك اشارة الي ما ذكره صدر الدعاء : اني اسألك يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه ، فشعاع نوره تعالي في ذلك المقام هو حجابه و هو قولهم عليهم السلام هو المحتجب و نحن حجبه ، و هو مقام العقل المرتفع كما بينا سابقا ثم بدا من شعاع نور الحجب و النور هنا نفس موسي (ع) في مقامه الاصلي لانه خلق من نورهم (ص) و شعاع ذلك [ص 233] النور ظهوره و تجليه في مقام النفس و هو قوله (ص) : من بهاء العظمة ، فان بهاء العظمة اي حسنها او هو ايضا بمعني العظمة كما مر و الاضافة بيانية و ظهور العظمة في مقام النفس كما قدمنا مكررا و احب ان استدل هنا بكلام عن النبي صلي الله عليه و آله في هذا المعني لتعرف ان جزئيات علوم مشايخنا (اع) مأخوذة من اخبار آل‌محمد (ع) و لا رأي في الدين انما الدين من الرب امره و نهيه ففي حديث المعراج في بيان صلوته صلي الله عليه و آله بعد ان امره الله تعالي بقراءة سورة التوحيد كما انزلت قال فانها نسبتي و نعتي ثم طأطأ يديك و اجعلهما علي ركبتيك فانظر الي عرشي قال رسول الله (ص) فنظرت الي عظمة ذهبت لها نفسي فغشي علي فالهمت ان قلت سبحان ربي العظيم و بحمده لعظم ما رأيت فلما قلت ذلك تجلي الغشي عني حتي قلتها سبعا الهم ذلك فرجعت الي نفسي كما كانت فمن اجل ذلك صار في الركوع سبحان ربي العظيم و بحمده فقال ارفع رأسك فرفعت رأسي فنظرت الي شئ ذهب منه عقلي فاستقبلت الارض بوجهي و يدي فالهمت ان قلت سبحان ربي الاعلي و بحمده لعلو ما رأيت فقلتها سبعا فرجعت الي نفسي كلما قلت واحدة منها تجلي عني الغشية فقعدت فصار السجود فيه سبحان ربي الاعلي و بحمده و صارت القعدة بين السجدتين استراحة من الغشي و علو ما رأيت ( و عودا الي ما رأيت خ‌ل ) فالهمني ربي عز و جل و طالبتني نفسي ان ارفع رأسي فرفعت فنظرت الي ذلك العلو فغشي علي فخررت لوجهي و استقبلت الارض بوجهي و يدي و قلت سبحان ربي الاعلي و بحمده فقلتها سبعا ثم رفعت رأسي فقعدت قبل القيام لاثني النظر في العلو الحديث ، اقول انظر كيف صرح صلي الله عليه و آله في مقام النظر الي العظمة ذهبت لها نفسي [ص 234] الي ان قال (ص) فرجعت الي نفسي ، و انما ذلك لظهور العظمة في مقام النفس ثم عند مشاهدة العلو يقول (ص) ذهب منه عقلي ، و العقل فوق النفس و قوله (ص) ثانيا فرجعت الي نفسي ، يمكن تفسيره بذلك العقل و يمكن ان يكون المراد النفس الملكوتي بقرينة قوله (ص) تجلي عني الغشية فقعدت فان القعود بعد السجود انما هو من باب رجوعه من مقام العقل الي مقام النفس فتدبر بالجملة و الغرض انه (ص) صرح في مقام ظهور العظمة قال ذهبت لها نفسي و في مقام ظهور العلو قال ذهب لها عقلي فمقام النفس كلية مقام ظهور العظمة و ان كانت تستعمل في الظاهر الادني و في الباطن الاعلي ايضا و لكن لها خصوصية بمقام النفس و من هنا قال صلي الله عليه و آله في هذا الدعاء : فلما بدا شعاع نور الحجب من بهاء العظمة ، اشعارا الي ان ذلك كان في مقام النفس ثم يؤيد هذا الذي ذكرنا قوله صلي الله عليه و آله : خرت الجبال متدكدكة لعظمتك و جلالك و هيبتك و خوفا من سطوتك راهبة منك ، اما اولا فلما اشرنا اليه ان الجبال مقام الطبايع و الطبيعة عالم دون عالم النفس متصل به و هي النار التي قال الشيطان خلقتني من نار و خلقته من طين و هي النار الحاصلة من الشجرة التي نبتت من ارض عالم النفس و لم‌يصب الملعون القياس حيث زعم ان هذه النار و التراب من عرض واحد و النار معذلك اشرف و الطف و لم‌يدر ان هذه النار مخلوقة من الشجرة النابتة من تراب عالم النفس الذي هو طين آدم (ع) في مقام النفس الملكوتي اي طين جسد آدم (ع) في هذا العالم فانظر الي الفرق بينه و بينه فان ذلك الطين بنفسه مقدم علي اعلي درجة نار الطبيعة و هو معذلك في مقام جسد آدم (ع) و روحه من فوق ذلك من عالم الروح فتدبر و اما ثانيا فلان من مقتضيات النفس خاصة [ص 235] الخوف و الخشية و لذا اختص بالعلماء اولي النفوس كما قال تعالي انما يخشي الله من عباده العلماء و في الدعاء لا علم الا خشيتك ، فالخشية من ارض العلم اي عالم النفس كما ثبت في محله و العلم من اعظم قوي النفس القدسية كما في كلام اميرالمؤمنين (ع) و قال تعالي و اما من خاف مقام ربه و نهي النفس عن الهوي فان الجنة هي المأوي بالجملة فالخوف صفة النفس و ذلك لان النفس صورية و عرصتها عرصة الكثرة و الاختلاف و التشقق و التخالف و التضاد بخلاف العقل فانه معنوي مادي و عرصته عرصة الوحدة و التؤالف و المؤانسة و قد ضرب الله مثلهما في قوله ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون و رجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل اكثرهم لايعلمون و من هنا صار الرجاء من مقتضيات العقل و الخوف من مقتضيات النفس انظر الي ما روي عن الصادق (ع) في مصباح الشريعة قال (ع) نجوي العارفين تدور علي ثلثة اصول الخوف و الرجاء و الحب فالخوف فرع العلم و الرجاء فرع اليقين و الحب فرع المعرفة فدليل الخوف الهرب و دليل الرجاء الطلب و دليل الحب ايثار المحبوب علي ما سواه و اذا تحقق العلم في الصدر خاف و اذا صح الخوف هرب و اذا هرب نجا و اذا اشرق نور اليقين في القلب شاهد الفضل و اذا تمكن من رؤية الفضل رجا و اذا وجد حلاوة الرجا طلب و اذا وفق للطلب وجد و اذا تجلي ضياء المعرفة في الفؤاد هاج ريح المحبة و اذا هاج ريح المحبة استأنس في ظلال المحبوب و آثر المحبوب علي ما سواه و باشر اوامره و اجتنب نواهيه و اختارهما علي كل شئ غيرهما الحديث ، و قال (ع) الخوف رقيب القلب و الرجاء شفيع النفس من كان بالله عارفا كان من الله خائفا و اليه راجيا و هما جناحا الايمان يطير بهما العبد المحقق الي رضوان الله و عينا [ص 236] عقله يبصر بهما الي وعد الله تعالي و وعيده و الخوف ناظر عدل الله ناهي وعيده و الرجاء واعي فضل الله و هو يحيي القلب و الخوف يميت النفس قال النبي صلي الله عليه و آله المؤمن بين خوفين خوف ما مضي و خوف ما بقي و بموت النفس يكون حيوة القلب و بحيوة القلب البلوغ الي الاستقامة و من عبد الله علي ميزان الخوف و الرجاء لايضل و يصل الي مأموله الحديث ، اقول انظر الي علوم مشايخنا اعلي الله مقامهم فانها كلها مأخوذة من اخبار آل‌محمد عليهم السلام و قوله (ع) الخوف رقيب القلب و الرجاء شفيع النفس ، لايدل علي خلاف ما قلنا بل هو عين ما قلنا فان الخوف و الرجاء جناحا المؤمن و لا بد من تعادلهما و توازنهما لان لايخرجا عن الاستقامة فالخوف الناشئ من النفس يراقب القلب و هو العقل لئلايخرج برجائه عن الاستقامة فيتجرأ علي المعاصي و الرجاء الناشئ عن العقل يشفع للنفس حتي لاتخرج عن الاستقامة فتيأس و بالجملة لا شك ان النفس لاجتماع الاضداد و الانداد و التخالف عندها يشتد خوفها من الله تعالي اذا كانت مطمئنة علي الايمان كالذي وقع بين اعداء كثيرين كل يعاديه و يؤذيه و يريد اهلاكه فبالبداهة يشتد خوفه و الذي وقع بين اخوان موافقين مؤالفين لايريدون الا نصرته و اعانته يتقوي رجاؤه و يحسن ظنه بالنجاة لا محالة و المؤمن اذا وقع بين اضداد مختلفين و يري كلهم ايادي ربه عز و جل يعمل بايتها ما شاء يشتد خوفه من الله تعالي و اذا وقع بين اخوان موافقين ايضا كلهم ايادي ربه عز و جل يعطي بايتها ما شاء يشتد رجاؤه بالله تعالي بالجملة و الحاصل ان في مقام النفس لما كانت موقع ظهور جلاله و عظمته اللذين يلزمان الدفع و المنع و الطرد و يوجبان الهيبة و السطوة فلا محالة تورث الخوف و الرهبة من الله تعالي للعبد المؤمن [ص 237] العارف بانها من آيات ربه تعالي و اياديه و زبانيته الموكلين بالدفع و المنع و الطرد اعاذنا الله منهم بحق محمد و آله صلواته عليهم فجبال الطبيعة هنا اذا كانت ناظرة الي نور الله خاضعة ذليلة مسلمة لامره تعالي تتقطع و تخر و تنهدم و تصير هباءا منثورا لاتبقي لها انية عند ظهور النور علي الطور فح تتوب النفس بعد تخلصها من اثقال الطبيعة و الآصار و الاغلال التي كانت عليها و الحرج الذي كانت تجد في نفسها من ابتلائها و اخلادها الي الطبيعة فتطير في فضاء عالمه الي حيث مبدئه من قوله (ع) ان القلب اذا صفا ضاقت به الارض حتي يسمو ، فيتوب الي ربه و يرجع الي معرفته به بانه لايري كما وجدت في قول الرضا (ع) في جواب المامون (لع) فيوحده ح بقوله في اربع مراتبه فؤاده و عقله و روحه و نفسه و يقول فلا اله الا انت فلا اله الا انت فلا اله الا انت فلا اله الا انت و في نسخة كان التهليل ثلثة و لكن الاربعة اوفق بما مر في الفقرة السابقة و قد علمت مما قدمنا ان هذه الكلمة المباركة مما ركبت و انشأت بمناسبة حال الخلق من دون درجة آل‌محمد عليهم السلام فانهم صلوات الله عليهم خالصون في التوحيد علي اعلي ما يمكن في الخلق و لكن من دونهم ليسوا بهذه المثابة بل في الحقيقة توحيد ساير الخلق بالنسبة الي توحيدهم شرك و هو قوله تعالي و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون و ان كان تكليف كل احد بمقتضي مقامه و لايؤاخذون بشركهم هذا الا ان يبلغ مبلغا يتخذ مع الله سبحانه الها آخر مثلا و لكن الغرض ان من دون آل‌محمد عليهم السلام بالنسبة اليهم ليسوا في خلوصهم في التوحيد نحوهم و من دون الانبياء سلام الله عليهم و ان كانوا مؤمنين ليسوا كالانبياء في خلوصهم و هكذا الي آخر الدرجات و من هنا وجدت في العبارة السابقة من الدعاء [ص 238] المأولة بآل‌محمد عليهم السلام انه اختير في توحيدهم في ثلث مراتب هي مختصة بهم بكلمة : انت الله ، فقط و اما في المرتبة الرابعة الراجعة الي مقام انا بشر مثلكم اختير كلمة : لا اله الا الله ، مركبة من الاثبات و النفي علي ما قدمنا من البيان و هذا المقام الاخير منهم يساوي حقايق الانبياء سلام الله عليهم لانه ثبت عندنا في السلسلة الطولية ان الله عز و جل خلق الانبياء (ع) من نور آل‌محمد (ع) ثم خلق من نور الانبياء ساير الاولياء و هو قول رسول الله صلي الله عليه و آله لما سأله جابر بن عبدالله قال قلت له (ص) اول شئ خلق الله تعالي ما هو فقال نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير ، الي ان قال : ثم نظر اليه بعين الهيبة فرشح ذلك النور و قطرت منه مأة‌الف و اربعة و عشرون‌الف قطرة فخلق الله من كل قطرة روح نبي و رسول ثم نفست ارواح الانبياء فخلق الله من انفاسها ارواح الاولياء و الشهداء و الصالحين ، فالانبياء (س) في السلسلة الطولية خلقوا من نور آل‌محمد عليهم السلام و رشحات طينتهم و لايخفي ان الاثر لايصدر عن مؤثره الا بعد تمام مراتب المؤثر في نفسه فيصدر من ادني درجة من مقاماته المختصة الاتري الشعلة مهما لم‌تستضئ في نفسها لايصدر منها النور و بعد استضائتها في جميع مراتبها يصدر النور من الزيت الذي هو اسفل مراتب الشعلة الاتري قوله تعالي يكاد زيتها يضيئ و لو لم‌تمسسه نار حيث نسب الاضائة الي الزيت مع انه من حيث نفسه مظلم و نوره من النار و لكن لاتضيئ النار للخارج الا بعد بروزها في الزيت فالمؤثر ايضا لايؤثر في الخارج الا بعد تمام مراتبه في نفسه ثم يظهر الاثر من اسفل مقاماته علي صفة مؤثره فاذا بعد ما وحّد المؤثر ربه بقوله لا اله الا انت في مقام بشريته كان توحيد الآثار ايضا بهذه الكلمة المركبة من الاثبات و النفي [ص 239] علي ما قدمنا فمن اجل ذلك لما تاب موسي (ع) الي معرفته بربه بعد ما افاق و قال سبحانك اني تبت اليك و انا اول المؤمنين اي المؤمنين بانك لاتري يوحده ايضا بقوله فلا اله الا انت في ذاته و لا اله الا انت في مقام عقله و لا اله الا انت في مقام نفسه و لا اله الا انت في مقام جسمه اي بشريته و هذه البشرية تساوي حقايق الاولياء كما عرفت من نسبة حقايق الانبياء الي ابدان آل‌محمد (ع) و بشريتهم فافهم ذلك ففي كل هذه المقامات الاربعة يوحد الله تعالي بقوله لا اله الا انت الا انه في كل مقام علي حسب ما يسع ذلك المقام و علي حسب معرفته و لايبلغ الداني مقام العالي كما لايخفي .