بالجملة ثم ان في بيان الباطن نحتاج الي مقدمة و ان كان يخطر ببالي انه سبق منها شئ و لكن نعيدها اجمالا لان اظهار بعض الاسرار مع غفلة الناظر عن المقدمات كثيرا ما يورث الوحشة و الاضطراب فنقول [ص 183] لايخفي ان الله سبحانه اقام محمدا و آل‌محمد صلوات الله عليهم في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار فقاموا بحق العبودية و حقيقتها في مقام الامتثال و الدلالة علي الله المتعال علي ما يليق به عز و جل في مقام الربوبية العظمي و الالهية الكبري و بهم صلوات الله عليهم في مقام العبودية لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا و من البين انه لما ارسلهم الله سبحانه الي كافة الناس بشيرا و نذيرا و لا بد ان يكون الرسول من جنس المرسل اليه لينتفع منه و يعرف لسانه قاموا في عرصات المدعوين بالسنتهم و بشرا مثلهم و ان كانوا في كل مقام معصومين مطهرين عما يخالف رضاه سبحانه و لكن لم‌يخرجوا بذلك عن عرصة البشر لانهم لو خرجوا عن عرصة البشر لم‌يعرفهم احد و لم‌يدرك كلامهم و دعوتهم و لزم من ذلك اللغو و العبث و لم‌يرد الله عز و جل منهم الا ذلك كما قال ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه و قال و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليهم ما يلبسون ثم ان لهم صلوات الله عليهم مقاما في انفسهم حيث يختص الداعي و المدعو بانفسهم لايشركهم في ذلك المقام غيرهم و في هذا المقام كلهم نور واحد و طينة واحدة و اشهد ان ارواحكم و نوركم و طينتكم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض و هم معذلك عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و بالنسبة الي النبي صلي الله عليه و آله خاصة نقول ماينطق عن الهوي ان هو الا وحي يوحي و لا شك انه (ص) هنالك لا واسطة بينه و بين ربه تعالي لانه بضرورة الاسلام اول ما خلق الله و آل‌محمد عليهم السلام من طينته و ملحقون به بضرورة الشيعة و الاخبار من طريق الخاصة و العامة [ص 184] نادية به و لا حاجة الي التطويل بذكرها فالحاصل انه لا واسطة بين النبي (ص) و بين الله تعالي و الله تعالي حق و هو صلي الله عليه و آله خلق و اول الخلق ، و حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما و لايخفي ان الخلق مع مخلوقيته لايطلع علي كلام الرب و لايسمعه بل و لايدرك الرب و لايعرفه فانه تعالي احد يمتنع معه ما سواه فكيف يفرض ان يقوم الخلق بازاء الرب جل شأنه و يدنو منه فيخاطبه و يوحي اليه و يعرف مراده و رضاه و سخطه فان هذا من المحال و ليس في محال القول حجة و لا في المسألة عنه جواب بل نقول ان ذاته سبحانه لا رضاء له في ذاته و لا سخط و لا ارادة و لا قول و لا كلام فان كل ذلك ان كان هو الذات من غير تعدد و تكثر فهو هو وحده وحده و ان كانت غيرها فكيف اجتمعت معها و تثنت و تركبت و ليس هذا من التوحيد بمراح و لا مغدي فكلما قيل او يقال في معرفته و اوصافه و نعوته و اسمائه و امره و نهيه و رضاه و سخطه تعالي شأنه او غير ذلك من كلما يذكر فانما هي من مقامات تجلياته و ظهوراته التي عرف بها نفسه و اخبر الخلق عن نفسه و النبي (ص) في مقامات الخلق اول ما خلق الله كما عرفت لايسبقه سابق و لايفوقه فائق و لايلحقه لاحق بل و لايطمع في ادراكه طامع و لا خلق آخر معه هناك و هو قوله صلي الله عليه و آله وصلت الي مقام وجدت جميع الخلق قد ماتوا ، و في مقام الامر بناءا علي الفرق بينه و بين الخلق كما جري عليه قوله تعالي له الخلق و الامر قد يقال انهم صلوات الله عليهم اكمام مشيته و اوكار ارادته كما عن الحجة (ع) و كما في الدعاء جعلت قلوب اوليائك مسكنا لمشيتك و ممكنا لارادتك فانت اذا شئت ما تشاء حركت من بواطنهم كوامن ما ابطنت فيهم الدعاء ، و هو راجع الي مقامهم في اول الخلق و امره سبحانه ظاهر فيهم كظهور النار في الزيت [ص 185] و هو قوله سبحانه يكاد زيتها يضيئ و لو لم‌تمسسه نار فمن كمال قربه و شباهته لامره تعالي صار ممسوسا في نار مشيته و استضاء بها و اضاء علي ما سواه و هو واضح و لكن قد يقال انهم (ص) بانفسهم امره سبحانه و هو قول اميرالمؤمنين (ع) في صفة الامام انه قدرة الرب و مشيته و قولهم (ع) اما المعاني فنحن معانيه و نحن امره و يده و لسانه و علمه و حقه اذا شئنا شاء الله و يريد الله ما نريد ، فهم صلوات الله عليهم في ذلك المقام امره و له الخلق و الامر و في كل مقام من هذين المقامين قاموا بحق العبودية و اظهروا و حققوا عبوديتهم كما شاء الله و اراد و قال سبحانه له (ص) قل ان كان للرحمن ولد فانا اول العابدين و لكن لايخفي انه سبحانه اذا كان ارسله (ص) للاداء عنه و تعريفه و الشهادة بتوحيده ففي دون هذا المقام و ان كان لايؤدي هذا النحو ايضا و لكنه لعدم احتمال الخلق و لا كلام فيه هنا و اما في هذين المقامين ايضا فلايؤدي الا بلسان خلقي او امري اذ لايسع الخلق و الامر الا ذلك و لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و لم‌يؤتهما الله سبحانه الا ما هما عليه و ليس ذلك باعلي درجة التعريف بداهة و ان كان لايطمع في ادراكه احد ممن دونه فاختار سبحانه لنفسه فوق مقام الامر مقاما و آية جعلهم فيه نفسه و عينه التي تقرأ في الزيارة السلام علي نفس الله القائمة فيه بالسنن و عينه التي من عرفها يطمئن ، و هذا المقام لايعرف و لايدرك بخلقية و لا امرية و ان كان في الواقع مخلوقا لله تعالي و لكنه ان عرف و ادرك بالمخلوقية كانت دلالته عليه سبحانه انه مخلوق مرزوق الم‌تر ما ذكرنا من قول الصادق (ع) في تفسير قوله تعالي و يحذركم الله نفسه و انما حذركم ان تجعلوا محمدا صلي الله عليه و آله مصنوعا و الا لكان الذات محدثا مصنوعا و هذا [ص 186] هو الكفر الصراح ، فهذا المقام و ان كان خلقا و لكن لايدرك بالمخلوقية فانه آية الذات فان وجدت منه المخلوقية دلّك علي مخلوقية الذات و في مقام التمثيل انك تكتب بالقلم « الاحد القديم » و تقرؤه انت و كل عارف بالخط الاحد القديم حتي انك لو اريته من يقرؤه و قلت انه حادث مركب كذّبك البتة و قال انه الاحد القديم مع انه بلا شك حادث مركب و لكنه جعل آية دالة علي الاحد القديم فهكذا فيما نحن فيه و يجمع ما ذكرنا قوله (ع) في الدعاء بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك ، فهو مع مخلوقيته لايدرك بمخلوقية و من هنا صار آية تعريفه و تعرفه و لا فرق بينه و بينه اذ لم‌يتجل و لم‌يظهر سبحانه و لم‌يعرف الا بذلك الظهور فكيف يفرق بينه و بينه الاتري النور الساطع من الشمس في اول صدورها انه آية تعريفها و لا نور لها هنا سواه حتي تعرف به فاذا لا فرق بينه و بينها اذ لم‌نجد شمسا من سواه فكيف يفرق بينه و بينها و لكن هذا بحسب الوجدان و انت تعلم انه وجودا في الخارج ليس بحقيقة الشمس و انما هو نوره و ظهوره فتدبر في ذلك و قد ورد عنهم عليهم السلام يصدر نورنا من نور ربنا كما يصدر نور الشمس من الشمس ، فهكذا لا فرق بينه و بينها و ان كان كل تلك الامثال و العبارات مما جري منهم (ص) بلسان قومهم و حقيقة الامر فوق ذلك بالجملة فهم (ص) هنا مقاماته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان و لا آية لله اعلي و اعظم منهم (ص) كما قال اميرالمؤمنين (ع) اي آية لله اعظم مني او اي نبأ لله اعظم مني ، فكلما سمعنا او لم‌نسمع او لانسمع ابدا مما اختصه سبحانه بنفسه او استأثر به في علم الغيب عنده او غير ذلك من الالفاظ و العبارات فلايتجاوز شئ منها هذا المقام بل و لعله لايصل الي هذا المقام كما في [ص 187] الاغلب فنحن ان قلنا ان باطن ذلك الاسم الذي سمي الله به نفسه و استأثر به في علم الغيب عنده هو النبي صلي الله عليه و آله في مقام المعاني العليا و في مقام امره سبحانه و مشيته كان صوابا البتة و قد قال سبحانه قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الاسماء الحسني و قالوا عليهم السلام نحن والله الاسماء الحسني التي امر الله ان تدعوه بها ، فالنبي صلي الله عليه و آله هو الاسم المكنون المخزون في مقام امره سبحانه و اما في مقام المقامات و العلامات فهو المسمي بهذا الاسم او حيث لا اسم له و لا رسم علي اختلاف الانظار و قد قدمنا بعض الاخبار و الادلة علي ما ذكرنا هنا و لا حاجة الي التكرار .

قال صلي الله عليه و آله : و بكل اسم هو لك انزلته في كتابك او اثبتّه في قلوب الصافين الحافّين حول عرشك فتراجعت القلوب الي الصدور عن البيان باخلاص الوحدانية و تحقيق الفردانية مقرة بالعبودية و انك انت الله انت الله انت الله لا اله الا انت الدعاء .

و في الفرايد : « نزل كضرب نزولا كسرور هبط من علو الي سفل ك و بالحق نزل ، و كضربة للمرة ك و لقد رآه نزلة اخري ، و كعصمة للنوع و الهيأة و نزل به للتعدية ك نزل به الروح الامين ، كانزله انزالا و نزله تنزيلا و استنزله علي استفعل ، الي ان قال : و المنزل موضع النزول ج منازل ، الي ان قال : و نزلهم و بهم و عليهم كضرب و المصدر كسرور و مقعد حل و منه ك و اذا نزل بساحتهم ، الي ان قال : و انزله انزالا و منزلا كمُكرم للتعدية و هو بمعني المصدر و المكان جميعا و نظيره ادخلني مدخل صدق كاستنزله علي استفعل و الضيف احلّه فالفاعل كمحسن ج بالواو و النون و منه ك انزلني منزلا مباركا و انت خير المنزلين ، و تنزل علي تفعل نزل في مهلة » ، و ثبت كنصر و المصدر كسحاب و سرور دام و استقر و الامر صح و الاسم [ص 188] كسحاب و النعت كفاعل و امير و عدل و منه الدعاء اسألك الثبات في الامر و اثبته اثباتا و ثبته تثبيتا للتعدية ك يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ، و يثبت به الاقدام ، كذلك لنثبت به فؤادك ، و تثبيتا من انفسهم اي استقرارا و طمأنينة و منه الدعاء ثبت قدمي علي الصراط ، و هذا اثبت منه افعل تفضيل و ما اثبته افعل تعجب و كامير الثابت العقل و من الخيل الحاذق الفطن في عدوه و الفارس الشجاع ، الي ان قال : و رجل ثبت في امور كعدل و ثبت الجنان ايضا اي ثابت القلب و ثبت ايضا اي لايزل لسانه عند الخصومات ، الي ان قال : و اثبت الكاتب الاسم اثباتا كتبه عنده و فلانا لازمه » ، و « القلب الفؤاد او الفؤاد سويداؤه و حبته ج قلوب كفلس و فلوس و قد تكرر ذكره في الكتاب مفردا و جمعا ، و العقل ك ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب ، و محض كل شئ و لبه و قلب العقرب من منازل القمر و هو كوكب نير و قلب العسكر و كل شئ وسطه و في ث قلب المؤمن بين اصبعين من اصابع الله كناية عن سرعة تقلبه في محاب الله » ، و « صف الشئ صفا كمد مدا م فالفاعل صاف كشاب و المفعول مصفوف و هي بهاء ك و نمارق مصفوفة ، الي ان قال : و عرضوا علي ربك صفا اي صفوفا و يؤدي الواحد عن الجمع و يجوز ان يكون كلهم صفا واحدا ، يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص ، اي مصطفين بهذه الصفة و مثله و الصافات صفا اي الملئكة المصطفين في السماء يسبحون لهم مراتب يقومون عليها صفوفا كما يصف المصلون ، و انا لنحن الصافون ، جمع صاف كشاب اي نصف اقدامنا في الصلوة و اجنحتنا حول العرش داعين للمؤمنين قيل و لا بعد في كونهم صافين ان يكونوا مسبحين و صف الطائر صفا ايضا اي بسط جناحيه في طيرانه فلم‌يحركهما » ، اقول في البرهان عن علي بن ابرهيم في تفسير الصافات [ص 189] قال قال الملائكة و الانبياء و من وصف الله و عبده و في قوله انا لنحن الصافون و انا لنحن المسبحون قال فقال جبرئيل انا لنحن الصافون ، و يأتي بعض الاخبار في بيان الباطن ان شاء الله ، و « حف القوم بالبيت كمد و المصدر كمدٍ و كتاب اطافوا به فهم حافون بالواو و النون الواحد حاف كشاب ك و تري الملائكة حافين من حول العرش اي مطيفين به و منه الحاف و هو الجبل المحيط بالدنيا » و في البرهان عن رسول الله صلي الله عليه و آله في سؤال عبدالله بن سلام قال (ص) و اما الستة‌عشر فستة‌عشر صفا من الملائكة حافين من حول العرش و ذلك قوله حافين من حول العرش ، و « حول كقول و حوال كسحاب و حوليه و حواليه بصيغة المثني و احواله بصيغة الجمع علي الظرف في الجميع اي في الجهات المحيطة به » ، و « التراجع من الرجوع و هو بمعني العود ضد الذهاب و راجعه في الكلام مراجعة علي فاعل عاوده و الناقة من سير الي سير و امرأته رجع اليها بعد الطلاق كتراجعها علي تفاعل و تراجعت هي زوجها و منه ك فلا جناح عليهما ان يتراجعا و تراجع الي الخلف ايضا عاود و منه شعر علي عليه السلام :

خوفني منجم اخو خبل تراجع المريخ في برج الحمل

و « الصدور جمع الصدر و هو من الانسان و غيره م مذكر و قوله : كما شرقت صدر القناة من الدم ، انما هو لاضافته الي القناة و يطلق في اصطلاح الشرع علي النفس بمراتبها من المرضية الي الامارة ك الم‌نشرح لك صدرك ، يشرح صدره للاسلام ، الي ان قال : ج صدور كفلس و فلوس ك عليم بذات الصدور ، و المراد وساوسها و نحوها مما يقع منها ، تعمي القلوب التي في الصدور ، و قد تكرر ذكرها فيه كثيرا و صدر المجلس مرتفعه و من الطريق [ص 190] متسعه ، الي ان قال : و من كل شئ اوله و اعلي مقدمه و كل ما واجهك » ، و « البيان من بان الامر يبين بينا كباع و ابان ابانة و بين تبيينا و تبين علي تفعل و استبان علي استفعل كلها بمعني الوضوح و الانكشاف و الظهور و الاسم البيان كسحاب و يستعمل جميعها لازما و متعديا ، الي ان قال : و في ث ان من البيان لسحرا و هو المنطق الفصيح البليغ المعرب عما في الضمير و اظهار المقصود بابلغ لفظ و هو من الفهم و ذكاء القلب و اصله الكشف و الايضاح ، الي ان قال : و منه ك خلق الانسان علمه البيان ، قيل الانسان آدم (ع) و تعليم البيان تعليم اللغات و الاسماء كلها و قيل الانسان محمد (ص) و تعليمه البيان ما كان و ما يكون و هو ابين منه افصح و اوضح كلاما وزنا و معني و البيان ايضا ما تبين به الشئ من الدلالة و غيرها و منه ك هذا بيان للناس ، و مقام البيان ايضا مقام معرفة الله سبحانه و توحيده و عبادته كما في الحديث » ، و « الاخلاص من الخلوص و خلص من التلف اي سلم و نجا و الماء من الكدر صفا و تميز و منه ك فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا اي تميزوا عن الناس و انفردوا متناجين ، الي ان قال : و خلص الشئ ايضا صار خالصا ، الي ان قال : و في ث ذكر العمل الخالص هو في اللغة كل ما صفا و لم‌يمتزج بغيره و في العرف خص بما تجرد قصد التقرب فيه عن جميع الشوائب و اليه الشئ خلوصا كسرور وصل و بلغ و منه ث اني لااخلص الي الحجر الاسود من ازدحام الناس ، الي ان قال : و اخلص لله في العمل اخلاصا لم‌يراء فيه و قيل معني الاخلاص هو القربة التي يذكرها العباد في نياتهم و هي ايقاع الطاعة خالصة لله تعالي وحده و منه ك و اخلصوا دينهم لله ، فهو مخلص كمحسن ج بالواو و النون ك مخلصين له الدين ، و المخلص من العباد ايضا [ص 191] لايسأل الناس حتي يجد و اذا وجد رضي و اذا بقي عنده شئ اعطاه في الله فان لم‌يسأل المخلوق فقد اقر لله بالعبودية و اذا وجد فرضي فهو عن الله راض و اذا اعطي لله فهو علي حد الثقة بربه كذا في معاني الاخبار و الله عبده لرسالته اختاره و جعله خالصا لها و كذلك لدينه فالله هو المخلص كمحسن و العبد مخلص كمكرم ج بالواو و النون ك انه كان مخلصا ، الا عباد الله المخلصين » و « الوحدانية من الواحد و له معان منها اول العدد و المتقدم في علم او غيره و بمعني الاحد و الواحد الذي يجوز ان يوصف به الله تعالي انه ليس له في الاشياء شبه و انه لاينقسم في وجود و لا في عقل و لا وهم و فلان واحد دهره ايضا اي لا نظير له و لا واحد له ايضا كذلك و الواحد ايضا الجزء من الشئ فالرجل واحد من القوم اي فرد من افرادهم و في ث في وصفه تعالي واحدي الذات واحدي المعني بياء النسبة يعني انه لاينقسم في وجود و لا عقل و لا وهم ، الي ان قال : و وحّده توحيدا جعله واحدا و يطرد الي العشرة و الله سبحانه اقر بانه واحد و التوحيد ان لاتجوز علي ربك ما جاز عليك ش و منه ث التوحيد ان لاتتوهمه و توحد الله بربوبيته و جلاله و عظمته علي تفعل تفرد فهو المتوحد بها بالكسر و ذو الوحدانية كريحان بياء مشددة و هاء و ذو الوحدة كضربة و هما اسمان ث ان الله تعالي لم‌يرض بالوحدانية لاحد غيره ، شرار امتي الوحداني المعجب بدينه المرائي بعمله ، يريد بالوحداني المفارق للجماعة المنفرد بنفسه » ، و « التحقيق من الحق و هو الله تعالي و من اسمائه ش و خلاف الباطل و الامر المقضي و العدل و المال و الملك و الموت و الواجب و الموجود و الثابت و الصدق و الحزم ، الي ان قال : و فلانا غلبه علي الحق كاحقه احقاقا و حققه تحقيقا و الطريق ركب حاقه » و « الفردانية [ص 192] من الفرد و هو نصف الزوج و المتحد و الوتر الذي لا نظير له ، الي ان قال : و في ك لقد جئتمونا فرادي جمع فرد علي غير قياس ، الي ان قال : الواحد كسبب و كتف و امير و سكران و الفريد من لا نظير له » ، و « المقر من القرار و هو الثبات و السكون و اقر بالشئ اقرارا اذعن و اعترف فهو مقر كممد و قرره تقريرا جعله مقرا به و اقر العامل علي عمله و الشئ في محله و الطائر في وكره اقرارا تركه قارا » ، و « العبودية من عبد الله كنصر عبادة ككتابة و عبودا كسرور و عبودة كرطوبة و عبودية بياء مشددة و كسر الدال و هو الانقياد و الخضوع و الذل فهو عابد ، الي ان قال : و الله هو المعبود ثم استعمل فيمن اتخذ الها غير الله و تقرب اليه فقيل عابد الوثن » .

اقول و معني هذه العبارة يحتاج الي التوضيح و اسأل الله عز و جل ان يعرفني حقه و حقيقته علي ما يصلح لي و يوفقني علي بيانه فقوله (ص) : و بكل اسم هو لك ، اي اسألك و اقسم عليك بكل اسم هو لك او اجعل ذلك الاسم و ما سبقه او لحق به السنة سؤالي اي اجعل ذلك الاسم آلة سؤالي و السائل لي كما تقول مثلا فبلساني هذا الكالّ اشكرك فاللسان آلة السؤال و السائل لك ففي هذه المقامات ايضا تقول اسألك بكل اسم اي اجعل ذلك الاسم لسان سؤالي كما امروا بالدعاء من لسان لم‌تذنب به اي بلسان اخيك فهنا ايضا تدعو و تسأل بلسان هذا الاسم و في الحقيقة معني القسم ايضا يرجع الي ما ذكرنا فان الانسان اذا كان له حاجة الي ملك او كبير ذي عظمة يطلب اولا شفيعا لنفسه عظيما علي المسؤل محبوبا عنده فيسأله بحقه و حرمته ليجيب دعوته فهو كأنه يجعل الشفيع سائلا عنه و له فيجاب له علي حسب قربه و منزلته فيتمتع المستشفع به بما اوتي و اعطي الشفيع فهنا و في كل مقام تسأله تعالي و تقسم عليه باسمائه فهو بحسب الظاهر قسم و بحسب الباطن [ص 193] تجعلها لسان سؤالك فيعطيك الله من عطائه بحسب قرب هذه الاسماء و منزلتها عنده اي علي ما عرفت و اعتقدت من منزلة الاسماء عنده لا علي ما هو الواقع فانك لاتدرك الواقع و لاتريده و لاتقسم به و انما تقسم انت بما عرفت من عظمة الاسماء عنده فتدبر ، بالجملة ثم ان قوله : و بكل اسم هو لك ، بحسب الالفاظ و ان كان علي حذو سابقه الا ان العبارة اللاحقة في كل من الفقرتين انزل هذا الاسم عن مقام الاسم الاول فانه في الاول قال : و استاثرت به في علم الغيب ، و هنا قال : انزلته في كتابك او اثبته في قلوب الصافين ، و معلوم ان ما هو خاص بالله تعالي و لايطلع عليه احد ارفع شأنا و منزلة مما هو مبذول علي غيره فهذا الاسم الذي انزله عز و جل في كتابه او اثبته في قلوب الصافين الحافين حول عرشه انزل و ادني الي الخلق من الاسم الذي اختاره لنفسه و استأثر به في علم الغيب عنده بالجملة و المراد من الكتاب علي ما مر سابقا له معان و ما يناسب منها هنا الملك و العالم و اللوح المحفوظ و القرآن او ساير الكتب المنزلة السماوية و الامام و هو حقيقة الكل و باطن الجميع الا ان كلامنا هنا اولا في المعاني الظاهرة فيكون المراد انزلته في ملكك او العالم او اللوح المحفوظ او القرآن مثلا و لكن لايخفي ان انزاله لايستلزم ان ينكشف عنه لجميع الخلق فان سوي ذلك الاسم ايضا انزل كثير من الاشياء في الملك او اللوح المحفوظ بل و القرآن ايضا فان فيه تبيان كل شئ و لا رطب و لا يابس الا في كتاب مبين و مع ذلك يقول الله سبحانه مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم بل علي بعض المعاني يختص علمه بالله تعالي لانه انزل بعلم الله و الراسخون في العلم يقولون امنا بالله فهم ايضا يؤمنون بالغيب لا انه ينكشف لهم الا ان هذا المعني يجري في غير آل‌محمد [ص 194] عليهم السلام حتي الانبياء سلام الله عليهم و ليس عندهم علم الكتاب كله و قد قال تعالي في وصف آصف بن برخيا (ع) و هو وصي سليمان (ع) قال الذي عنده علم من الكتاب للدلالة علي التبعيض و لم‌يقل علم الكتاب و جميع الانبياء علي اختلاف درجاتهم (ص) امرهم هكذا نوعا و يكفيك تعلم موسي (ع) من الخضر (ع) مع انه من اولي العزم و علم سليمان بما لم‌يعلمه داود (ع) بل و علم النملة و الطير بما لم‌يعلمه سليمان (ع) بالجملة فمن دون آل‌محمد عليهم السلام لايعلم علم الكتاب كله و اما هم فعلم الكتاب كله والله عندهم كما في اخبارهم (ع) و كما في قوله تعالي و كل شئ احصيناه في امام مبين و قوله هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق بالجملة فالغرض ان ذلك الاسم و ان نزل في الكتاب و لكنه لم‌ينكشف لغير من انزل عليه و قوله صلي الله عليه و آله : او اثبته في قلوب الصافين الحافين حول عرشك ، فالمراد من الصافين الحافين بحسب الظاهر الملائكة كما عرفت من تفاسير اهل البيت عليهم السلام و لكن لايخفي انهم ايضا و ان كانوا من الملائكة لكنهم من العالين الذين اشار اليهم سبحانه في قوله خطابا الي الشيطان استكبرت ام كنت من العالين اذ لم‌يؤمروا بالسجود لآدم عليه السلام .

و اعلم ان الملائكة لها اطلاقان : فقد يطلق و يراد بهم خلق من عالم المادة دون درجة الطبيعة و هم خلق من اطراف الوجود ناقصون و هم في جهة النورانية و المادية من كل شئ و تختلف درجاتهم بحسب اختلاف درجات الاشياء حتي ورد ان من الملائكة لمن باقة بقل خير منه ، و الاخبار في فضل بني آدم بل الجن عليهم اكثر من ان تحصي و ذلك لان الانسان و الجن بالنسبة اليهم خلق جامع ذو اختيار شديد كامل بالنسبة الي الملائكة و كلما كان الاختيار في العبد اكثر كان اشرف لا محالة لانه من [ص 195] صفة الله الاحد الذي لايجب و لايحتم عليه شئ و يفعل ما يشاء بقدرته و يحكم ما يريد بعزته و الخلق ايضا كلما كانوا اقرب من المبدأ كان اختيارهم اكثر و الملائكة بالنسبة الي الانس و الجن اختيارهم ضعيف و عصمتهم عن العصيان من باب ضعف اختيارهم كما ان النار معصومة في الاحراق و التسخين و لاتعصي الله فتبرد او ترطب و ليست هذه العصمة من كمال النار لانها من ضعف اختيارها و اما الخلق المركب من العناصر الاربعة المختارة في الاحراق و التبريد مثلا و غيرهما فان اختار ما فيه رضاء الله بحوله و قوته كان ممدوحا و ان اختار ضده كان مذموما و بيان ذلك في اخبار آل‌محمد (ع) كثير و لايسعني التطويل و قد سئل ابوعبدالله (ع) الملائكة افضل ام بنوآدم فقال قال اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب عليه السلام ان الله عز و جل ركب في الملائكة عقلا بلا شهوة و ركب في البهائم شهوة بلا عقل و ركب في بني آدم كلتيهما فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة و من غلب شهوته عقله فهو شر من البهائم و روي السيد الاوحد (اع) في الرسالة الشيرازية ورد عن الصادق (ع) ان الخلق علي ثلثة اقسام كامل لايحتمل النقصان و ناقص لايحتمل الكمال و مردد بين الكمال و النقصان فالكامل الذي لايحتمل النقصان وجه ذو الجلال و الاكرام و الناقص الذي لايحتمل الكمال هم الملائكة و المتردد بين الكمال و النقصان الانس و الجان و صرح (اع) انه نقله بالمعني ، بالجملة فالغرض ان الملائكة بمعناها الاخص دون الجن و الانس في الجامعية و الاختيار ، و لكن لها اطلاقا عاما تطلق علي كل مملوك مؤمن مطيع لله تعالي حتي ان في اخبار آل‌محمد عليهم السلام قد فسروا بعض الملائكة بشيعتهم كما ورد عن ابي‌عبدالله (ع) في خبر في قوله تعالي تنزل الملائكة [ص 196] و الروح فيها قال و الملائكة في هذا الموضع المؤمنون الذين يملكون علم آل‌محمد (ع) و الروح روح القدس و هي فاطمة (ع) و قال (ع) ان الكروبيين قوم من شيعتنا من الخلق الاول جعلهم الله خلف العرش لو قسم نور واحد منهم علي اهل الارض لكفاهم الحديث ، و روح القدس ايضا علي ما في بعض الاخبار ملك كما روي عن اميرالمؤمنين (ع) انه قال هو ملك له سبعون‌الف وجه و لكل وجه سبعون‌الف لسان لكل لسان سبعون‌الف لغة يسبح الله تعالي بتلك اللغات كلها و يخلق الله تعالي من كل تسبيحة ملكا يطير مع الملائكة الي يوم القيمة و لم‌يخلق الله خلقا اعظم من الروح غير العرش ، و مع ذلك روي السيد الاوحد (اع) في الرسالة الشيرازية قال مولانا الرضا (ع) في روح القدس انه ليس بملك و انما هو بشر ، و في بعض الاخبار ايضا اخرجوه من جملة الملائكة لدلالة العطف في قوله تعالي تنزل الملائكة و الروح علي المغايرة و كذلك قوله تعالي ينزل الملائكة بالروح يدل علي المغايرة بالجملة و الغرض انه قد يستعمل الملائكة بمعني عام يصدق علي روح القدس و الانسان و الجن و غيرهم فلايخفي ان هؤلاء الملائكة الذين تقدموا علي الانبياء بحسب ترتيب فقرات هذا الدعاء المبارك حيث اخر ذكر الكليم عليه السلام انما هم ملائكة من نحو روح القدس الذي ايد الله تعالي انبياءه به و باعوانه و وجوهه او من حملة العرش كما روي عن العسكري (ع) قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله لما خلق العرش خلق له ثلثمأة و ستين‌الف ركن و خلق عند كل ركن ثلثمأة‌الف و ستين‌الف ملك لو اذن الله تعالي لاصغرهم فالتقم السموات السبع و الارضين السبع ماكان ذلك بين لهواته الا كالرملة في المفازة الفضفاضة فقال لهم الله يا عبادي احتملوا عرشي هذا فتعاطوه [ص 197] فلم‌يطيقوا حمله و لا تحريكه فخلق الله عز و جل مع كل واحد منهم واحدا فلم‌يقدروا ان يزعزعوه فخلق الله مع كل واحد منهم عشرة فلم‌يقدروا ان يحركوه فخلق الله بعدد كل واحد منهم مثل جماعتهم فلم‌يقدروا ان يحركوه فقال الله عز و جل لجميعهم خلّوه علي امسكه بقدرتي فخلوه فامسكه الله عز و جل بقدرته ثم قال لثمانية منهم احملوه انتم فقالوا يا ربنا لم‌نطقه نحن و هذا الخلق الكثير و الجم الغفير فكيف نطيقه الآن دونهم فقال الله عز و جل لاني انا الله المقرب للبعيد و المذلل للعبيد و المخفف للشديد و المسهل للعسير افعل ما اشاء و احكم ما اريد اعلمكم كلمات تقولونها يخف بها عليكم قالوا و ما هي قال تقولون بسم الله الرحمن الرحيم و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطيبين فقالوها فحملوه و خف علي كواهلهم كشعرة نابتة علي كاهل رجل جلد قوي فقال الله عز و جل لساير تلك الاملاك خلّوا علي هؤلاء الثمانية عرشي ليحملوه و طوفوا انتم حوله و سبحوني و مجدوني و قدسوني فانا الله القادر علي ما رأيتم و علي كل شئ قدير ، اقول فما اشبه ان يكون المراد من الصافين الحافين في هذا الدعاء هؤلاء الثمانية و المراد من الاسم الذي اثبته في قلوبهم تلك الاسماء التي علمهم حتي قدروا علي احتمال العرش فانها من الاسم الاعظم كما ورد في البسملة انها اقرب الي اسم الله الاعظم من ناظر العين الي بياضها و في الحولقة ايضا نحو من ذلك و اما محمد و آل‌محمد عليهم السلام فهم اصل الاسم الاعظم و معدنه و مأواه و لا شك فيه و يحتمل ان يكون المراد منهم حملة الكرسي فان في بعض الاخبار ان العرش في الكرسي كما سئل ابوعبدالله (ع) في قوله وسع كرسيه السموات و الارض السموات و الارض وسعن الكرسي ام الكرسي وسع السموات و الارض قال [ص 198] بل الكرسي وسع السموات و الارض و العرش و كل شئ خلق الله في الكرسي و قال في حديث العرش في وجه هو جملة الخلق و الكرسي وعاؤه ، اقول فالعرش و ان كان اوسع في الحقيقة كما في اخبار أخر و لكن الكرسي في الظاهر وعاؤه و الملائكة يحملون الكرسي كما سأل الجاثليق اميرالمؤمنين (ع) عن قول الله تبارك و تعالي وسع كرسيه السموات و الارض قال السموات و الارض و ما فيها من مخلوق في جوف الكرسي و له اربعة املاك يحملونه باذن الله فاما ملك منهم ففي صورة الآدميين و هي اكرم الصور علي الله و هو يدعو الله و يتضرع اليه و يطلب الشفاعة و السعة في الرزق لبني آدم و الملك الثاني في صورة الثور و هو سيد البهائم و هو يطلب الي الله و يتضرع اليه و يطلب الشفاعة و الرزق للبهائم و الملك الثالث في صورة النسر و هو سيد الطير و هو يطلب الي الله و يتضرع اليه و يطلب الشفاعة و الرزق لجميع الطير و الملك الرابع في صورة الاسد و هو سيد السباع و هو يرغب الي الله و يتضرع اليه و يطلب الشفاعة و الرزق لجميع السباع و لم‌يكن في هذه الصور احسن من الثور و لا اشد انتصابا منه حتي اتخذ الملأ من بني‌اسرائيل العجل فلما عكفوا عليه و عبدوه من دون الله خفض الملك الذي في صورة الثور رأسه استحياءا من الله ان عبد من دون الله شئ يشبهه و تخوف ان ينزل به العذاب الخبر ، و في خبر آخر عد الاربعة من حملة العرش الا ان فيه عوض النسر الديك و لا اختلاف بينهما حقيقة و الحامل لشئ مع وعائه هو حامل الشئ و الوعاء معا فان قلنا ان المراد من الصافين الحافين حول العرش حملة الكرسي ايضا لم‌يكن به بأس لان حملة الكرسي يحيطون و يطوفون بالعرش ايضا لانه في جوفه و انما قيل انه في جوفه لمعنوية العرش و ماديته و لصورية الكرسي لا انه كشئ في [ص 199] الصندوق مثلا و ان عرفت ما ذكرت سهل لك الاشكال من جهة اختلاف الاخبار في وضع العرش و الكرسي و صح عندك القول بكون كل واحد منهما في الآخر من قوله تعالي هن لباس لكم و انتم لباس لهن بالجملة و الغرض ان بهذا النظر لا فرق بين حملة العرش و الكرسي و لتكن كل واحدة منهما محيطة بالآخر طائفة به و انما اشرنا الي ذلك لغرض ملحوظ في بيان الباطن علي ما سيأتي ان شاء الله .

و اعلم ايضا ان الكتاب المذكور في قوله : انزلته في كتابك ، و قلوب الصافين الحافين حول العرش لا فرق بينهما كثيرا بل الكتاب اذا كان بمعني الملك و العرش ايضا جملة الخلق او الملك العظيم كانا شيئا واحدا و قلوب الصافين الحافين ايضا نفس العرش او بحسب الظاهر يطوفون حول العرش و الكتاب كما عرفت يأتي بمعني اللوح المحفوظ و هو مقام الكرسي و العرش هو القلم الذي يكتب به في اللوح فهما جاران حقيقة و العرش هو الباب الباطن للغيب و الكرسي هو الباب الظاهر و الظاهر عنوان الباطن و من هنا صار الكرسي وعاء العرش لانه ظاهره و صورته فبناءا علي الوحدة الحقيقية نقول ان قوله (ص) : او اثبته في قلوب الصافين ، اي و اثبته و او لمحض الجمع لا التفريق كما عرفت من معانيه و علي ان يكون بينهما نسبة الظاهر و الباطن كان « او » للتفريق فتدبر .

ثم ان في بيان باقي العبارة نحتاج الي بيان الباطن هنا ايضا كما اشرنا في باطن « الكتاب » فاعلم ان الاخبار نادية بان المراد من الملائكة الصافين الحافين بحسب الباطن انما هو محمد و آل‌محمد عليهم السلام فعن الباقر (ع) ان الائمة هم الصافون و انهم هم المسبحون و سمع الصادق (ع) يقول و ما منا الا له مقام معلوم قال في الائمة و الاوصياء من آل‌محمد صلي الله عليه و آله و عن شهاب بن عبدربه قال سمعت الصادق [ص 200] اباعبدالله (ع) يقول يا شهاب نحن شجرة النبوة و معدن الرسالة و مختلف الملائكة و نحن عهد الله و ذمته و نحن ودايع الله و حجته كنا انوارا صفوفا حول العرش نسبح الله فتسبح الملائكة بتسبيحنا الي ان هبطنا الي الارض فسبحنا فسبح اهل الارض و انا لنحن الصافون و انا لنحن المسبحون الحديث ، و عن علي (ع) في بعض خطبته انا آل‌محمد كنا انوارا حول العرش فامرنا الله بالتسبيح فسبحنا فسبحت الملائكة بتسبيحنا ثم اهبطنا الي الارض فامرنا الله بالتسبيح فسبحنا فسبحت اهل الارض بتسبيحنا و انا لنحن الصافون و انا لنحن المسبحون ، اقول و الاخبار بهذه المعاني كثيرة و ورد ايضا انهم حملة العرش و قد سمع ابوجعفر (ع) يقول في قوله تعالي الذين يحملون العرش و من حوله يعني محمدا و عليا و الحسن و الحسين و نوحا و ابرهيم و موسي و عيسي و عن علي بن ابرهيم مثله الي ان قال و معني يحملون العرش يعني العلم و عن الباقر و الصادق (ع) انهما قالا ان الذين يحملون العرش بمعني العلم اربعة من الاولين و اربعة من الآخرين و هم محمد و علي و الحسن و الحسين عليهم السلام و ان من حوله شيعتهم و مواليهم و عن الصادق (ع) انا لحملة العرش يوم القيمة ، بالجملة ففي الباطن كل هذه مأولة بهم صلوات الله عليهم فالكتاب الذي انزل الله ذلك الاسم فيه هو هم و قلوب الصافين الحافين حول العرش قلوبهم التي حفت برسول الله (ص) عرش الله الاعظم و موقع الاسم الذي استأثر به في علم الغيب عنده و قد حملوا ذلك العرش و احتملوه باحتمال علمه و نوره و قد قال (ص) انا مدينة العلم و علي بابها و انا مدينة الحكمة و علي بابها ، و لا حاجة الي التفصيل بازيد من ذلك فاذا عرفت ذلك نقول قوله صلي الله عليه و آله : فتراجعت القلوب الي الصدور عن البيان باخلاص [ص 201] الوحدانية و تحقيق الفردانية مقرة بالعبودية ، فاعلم ان هذه العبارة الشريفة تحتمل معنيين مرادين :

احدهما و هو اظهرهما ان ظهور هذا الاسم المبارك خاص بهم صلوات الله عليهم و لايتجاوز عنهم الي غيرهم لا انهم يبخلون و يضنّون به علي غيرهم بل لان غيرهم لايحتمله و لايجوز افشاؤه لغيرهم و قد قال اميرالمؤمنين (ع) بل اندمجت علي مكنون علم لو بحت به لاضطربتم اضطراب الارشية في الطوي البعيدة و قال مولانا السجاد صلوات الله عليه :

و رب جوهر علم لو ابوح به لقيل لي انت ممن يعبد الوثنا

و قد تقدم في هذا ابوحسن الي الحسين و وصي قبله الحسنا

و قال المفضل قال ابوجعفر عليه السلام ان حديثنا صعب مستصعب ذكوان اجرد لايحتمله ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا عبد امتحن الله قلبه للايمان اما الصعب فهو الذي لم‌يركب بعد و اما المستصعب فهو الذي يهرب منه اذا رئي و اما الذكوان فهو ذكاء المؤمنين و اما الاجرد فهو الذي لايتعلق به شئ من بين يديه و لا من خلفه و هو قول الله الله نزل احسن الحديث كتابا متشابها و احسن الحديث حديثنا لايحتمل احد من الخلايق امره بكماله حتي يحده لان من حد شيئا فهو اكبر منه ، اقول الاشبه ان يكون ذلك الاسم المنزل عليهم هو الاجرد بدلالة قوله (ص) : باخلاص الوحدانية الخ ، و ان كان جميع الاقسام المذكورة مما لاينكشف لغيرهم (ص) و عن ابي‌الصامت قال قال ابوعبدالله (ع) ان حديثنا صعب مستصعب شريف كريم ذكوان ذكي وعر لايحتمله ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا مؤمن ممتحن قلت فمن يحتمله جعلت فداك قال من شئنا يا اباالصامت قال ابوالصامت فظننت ان لله عبادا هم افضل من هؤلاء الثلثة و سمع يقول ان من حديثنا [ص 202] ما لايحتمله ملك مقرب و لا نبي مرسل و لا عبد مؤمن قيل فمن يحتمله قال نحن نحتمله ، اقول الاخبار في انحاء حديثهم متعددة الا ان كلامنا هنا فيما هو خاص بهم (ص) و لايحتمله غيرهم و اعلم ان الانسان اذا اراد بيان شئ مما يعلمه في قلبه اي الفؤاد او العقل كما مر من اللغة في معاني القلب علي ما ينبغي في كل منهما فان الفؤاد في الباطن هو حقيقة الانسان المدرك للحقايق و الانوار الحقيقية و آيات الله سبحانه في حقايق الاشياء و العقل هو مشعر معنوي يدرك الانسان به المعاني الكلية و الماديات و الآيات التي تدرك بالعقل فاذا اراد بيان شئ مما علمه في اي هذين المقامين يتوجه بقلبه الي البيان في كل مرتبة من مراتب وجوده الي لسانه و ساير اعضائه و جوارحه التي يشير بها الي مراده علي ما ينبغي لكل واحد منها ثم يتوجه بقلبه الي المخاطب حتي يعرف اهليته و استحقاقه للبيان و لاي درجة من البيان او عدمه و كأنه ح يخرج عن مقامه للنظر و التعمق فيما ذكرنا ثم بعد الفراغ ينصرف و يرجع الي مقامه و وكره و هو بنفسه و ان كان لايتحول عن مقامه و لكن بالتوجه و الاقبال الي امر ثم الاعراض عنه مثلا ينسب اليه التحول و هو في الحقيقة يتحول بفعله و نوره و من ذلك ما في الاخبار الواردة في خلق العقل انه قال تعالي له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر ثم قال له اقبل فاقبل فانه باقباله الاول اقبل من عرصة الامكان و القوة الي عرصة الفعلية ثم توجه بادباره من مقامه الي الاسفل الي تراب هذا العالم في الحقيقة ثم باقباله ثانيا صعد الي مقامه بذاته بالتوجه اليه و ترك علايق ما دونه عنه و ليس المراد من ادباره تخلية مقامه و تنزله بذاته فانه علة ما دونه و واسطة الفيض اليها و لايجوز تخلية مقامه فان الطفرة في الوجود باطلة و ادباره توجهه الي ما دونه [ص 203] و اضاءته بنوره لما دونه و اقباله ثانيا تخليص توجهه الي المبدأ عن شوائب ما دونه كما لايخفي و الي ذلك يشير قول اميرالمؤمنين (ع) ان قلب الاحمق في فيه و لسان العاقل في قلبه و قوله (ع) قلب الاحمق وراء لسانه و لسان العاقل وراء عقله و قوله (ع) قلوب الرجال وحشية من تألفها اقبلت عليه و قول النبي صلي الله عليه و آله في حديث و ينبغي لمن يجالس اهل الصدق ان يعاملهم بالصدق فان قلوبهم جواسيس القلوب ، فانه ليس المراد من تلك العبارات ان للقلب بذاته تحولا عن مقامه بل المراد منه توجهه و اقباله و تعمقه و تفكره فان الاحمق يتكلم اولا بكلام من غير روية ثم يتوجه الي كلامه بقلبه و ينظر فيه فيراه فاسدا باطلا مضرا بحاله و قد خرج الكلام حينئذ من لسانه فيبقي في وثاق كلامه و العاقل ينظر و يتدبر بقلبه في كلامه اولا و يميز فاسده من صالحه و مضره من نافعه و هو اي الكلام في وثاقه ثم يتكلم بما رأي صلاحه فيه فكان قلب الاحمق وراء لسانه اي من الخارج و لسان العاقل وراء عقله اي من الداخل و كل ذلك من باب توجهه و اقباله علي الكلام لا ان للقلب بنفسه مقامات متعددة او تحول من مكان الي مكان بالجملة فقوله (ع) : فتراجعت القلوب الي الصدور عن البيان ، هو من هذا القبيل و ذلك لان الصدر وعاء القلب و وكره علي حذو ما في ظاهر البدن ان القلب و هو اللحم الصنوبري مقامه في صدر الانسان و كذلك الامر في الباطن مقام القلب اي العقل في صدر الانسان و هو النفس الملكوتي كما ان الامر في الملك علي هذا المنوال و قد قال (ع) ان العرش في وجه جملة الخلق و الكرسي وعاؤه ، فان المراد من العرش في وجه هو العقل و هو الروح روح القدس و الكرسي اي النفس وعاؤه بالجملة فيتوجه القلب من وكره الي البيان ليهيأه للاظهار و الابراز ثم اذا [ص 204] لم‌ير الصلاح في اظهاره يتراجع الي وكره و هو الصدر .

و قوله (ص) : باخلاص الوحدانية و تحقيق الفردانية مقرة بالعبودية و انك انت الله انت الله انت الله لا اله الا انت ، يحتاج الي بيان يتم به الكلام في هذا المعني و هو انه لا شك ان الله سبحانه من حيث ذاته لايدرك و لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و ذلك لان الادوات انما تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها و هو تعالي ان كان مدركا معروفا بذاته للخلق لزم منه ان يكون للخلق آلات و ادوات من جنسه تعالي حتي يمكنهم ادراكه و رؤيته و الاشارة اليه فكانوا و العياذ بالله حينئذ شركاء لله سبحانه و تعالي في قدمه و تعدد القدماء و هو محال بداهة و نحن ان اردنا اقامة الدليل علي كل كلمة كلمة لطال بنا المقال و لكن لا حاجة الي التفصيل و من الضروريات ان الله بذاته لايدرك فاحديته في ذاته و معرفته و توحيده علي ما ينبغي لذاته مما لايكون منال احد من الخلق حتي ان خاتم الانبياء صلوات الله عليه و آله مع انه اول الخلق و اقربهم اليه و اعرفهم به اقر و اعترف علي نفسه بقوله ماعرفناك حق معرفتك ، و هو الحق بلا شبهة فانه (ص) لو كان من جنس ذاته تعالي تعددت القدماء و الآلهة و هو باطل قطعا و ان لم‌يكن من جنس ذاته لم‌يعرفه بداهة علي انه تعالي باحديته يمتنع معه ما سواه فكيف يفرض ان يعرفه احد غيره ثم انه تعالي لما احب ان يخلق الخلق ليعرفوه و يعبدوه كما في قوله و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و كما في القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، تجلي لكل احد من خلقه بنفسه ليعرفوه بها و تكون آية له عندهم و هو قوله سبحانه سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و قال الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام :

[ص 205]

فيا عجبا كيف يعصي الاله ام كيف يجحده الجاحد

و في كل شئ له آية تدل علي انه واحد

فالله سبحانه تجلي لجميع الخلق بانفسهم و ان كان قد تجلي لهم في الآفاق ايضا و قال مولاي ابوعبدالله الحسين (ع) تعرفت لكل شئ فماجهلك شئ و انت الذي تعرفت الي في كل شئ فرأيتك ظاهرا في كل شئ فانت الظاهر لكل شئ يا من استوي برحمانيته علي العرش فصار العرش غيبا في ذاته الدعاء ، و لكنه تعالي لم‌يقتصر بآيات الآفاق بل تجلي لهم بهم و اقرب اليهم من حبل الوريد حتي لايفرض هناك جهل به حينا ما الي ان يخرج الشئ من حده فيري آية في الآفاق مثلا فيكون خلقه عبثا في ذلك الحين بالجملة فالحاصل انه تعالي تجلي لجميع خلقه لهم بهم حتي لايجهله شئ و لو طرفة عين و لكن لا شك ان نوره تعالي مع امتناع خلقه لاينفعهم شيئا كما انه لم‌ينفعهم وجوده في ذاته مع امتناع خلقه فكما لم‌يعرفوه بذاته لايعرفونه بنوره الذي لا شئ غيره فمن هنا تجلي لهم في مقام اوجدهم فيه ليعرفوه في مقامهم و يعبدوه في حدّهم و لم‌يرد الله سبحانه منهم الا ذلك حيث قال لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و لايكلف الله نفسا الا وسعها و لا شك انه ليس في وسع خلق من خلايقه ان يعرفه بظهوره فيما وراء مبدئه اذ كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه فاذا ظهوره تعالي لكل شئ لا بد و ان يكون في حده و مقامه له به حتي لايشوبه شائبة الجهل ابدا و لكن الكلام في ان مراتب الخلق من لدن المبدأ الي اسفل الدرجات لا شك انها مختلفة اختلافا لايحصي كثرة فانهم من مقام محمد و آل‌محمد عليهم السلام ثم مقام الانبياء (ع) ثم مقام الاناسي ثم الجن ثم الملائكة بالمعني الخاص ثم الحيوان ثم النبات ثم الجماد ثم اختلاف [ص 206] مقاماتهم بحسب افراد كل نوع مما لايحصي كثرة و الله سبحانه قد تجلي لكل احد من الدرة الي الذرة بما يناسبه و يدركه و يعرفه و لايجهله حتي يتم حجته لجميع خلقه و اعلم ان الكلام هنا في المعرفة الكونية من قوله كان الناس امة واحدة و ان كان ينتهي الي المعرفة الشرعية ايضا و قد تعرف سبحانه لجميع خلقه بما آتاهم و مكنهم منه و وسعهم مع انهم في مقامات مختلفة و لم‌يؤت الادني ما اتاه الاعلي و لايسع الداني ما يسع العالي بداهة و انظر في الانواع حتي تنظر بعده في افراد كل نوع فمن خلقه تعالي البهائم و نوع الحيوان و هي عارفة بربها و ما بهمت البهائم لم‌تبهم عن معرفتها بربها و من خلقه الانسان و هو ايضا عارف بربه فانظر الفرق بين معرفة البهيمة و معرفة الانسان فالنملة مثلا تصف ربها بان له زبانيتين و لكن احدا من الاناسي لايصفه بهذا الوصف و ينزهه بحسب مقامه و معرفته لا محالة و علي هذا فقس جميع الانواع فمعرفة الحيوان بالنسبة الي معرفة الانسان جهل صرف او شرك البتة و كذا معرفة الاناسي فمن دون الانبياء بالنسبة الي الانبياء (س) جهل صرف او شرك و كذا الانبياء (س) بالنسبة الي آل‌محمد عليهم السلام جاهلون بربهم و من هنا قال النبي صلي الله عليه و آله يا علي ماعرف الله الا انا و انت ، فاذا نفي المعرفة عمن سواهم فممن سواهم الانبياء و هم اذا وحدو الله سبحانه باعلي درجات معرفتهم كانوا بذلك عند آل‌محمد عليهم السلام جاهلين بالله و هم (ص) يقولون سبحانك ماعرفوك و من اجل ذلك وصفوك ، بل و يتعوذون بالله تعالي من اوصاف وصفه الانبياء بها و هو قولهم (ع) حسنات الابرار سيئات المقربين ، بل و علي نحو الاطلاق نقول ان حق المعرفة و حقيقتها التي تعرف الله سبحانه بها لخلقه هي ما عرفه آل‌محمد (ع) [ص 207] بها مع انهم ايضا يقولون ماعرفناك حق معرفتك ، و يقولون انا لااحصي ثناءا عليك انت كما اثنيت علي نفسك ، و لكن الغرض ان اعلي درجة المعرفة التي حصل او يحصل لمخلوق هو ما حصل لآل‌محمد عليهم السلام و يحصل لهم دائما بالاستزادة التي يستزيدون من معرفته تعالي بقولهم رب زدني علما و رب زدني فيك تحيرا ، و نحو تلك المعرفة لايحصل لاحد من الخلق و هو قوله تعالي و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون انظر في اخبار آل‌محمد (ع) انهم عدوا العصيان ايا كان شرك طاعة ثم انظر في الآيات و الاخبار في نسبة المعاصي الي الانبياء (س) و ان كانت علي معني ترك الاولي و لكنها معاص بالنسبة الي مقام آل‌محمد (ع) فهي كلها شرك طاعة بالنسبة الي مقام آل‌محمد (ع) و الموحد الخالص هو هم (ص) لا غير بل ان عرفت ذلك و تبينت ما هنالك قلت ان لآل‌محمد عليهم السلام ايضا مقامات بعضها خاص بهم و ليس معهم غيرهم بوجه فهم في ذلك المقام موحّدون و لا موحد غيرهم كما في اخبار كثيرة في صفة بدئ خلقهم ثم تجلوا لمن دونهم من الانبياء و الاناسي و الجن و غيرهم ليهدوهم الي التوحيد و الي الحق و الي طريق مستقيم و من البين ان من تمام نعمته تعالي و اكمال دينه لكافة الناس و المكلفين ان يرسل الرسول الي كل صنف بلسانهم كما قال تعالي ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه بل و يجعله شبيها بهم ليعرفوه و يبصروه و يسمعوا كلامه و يفهموا لغته و هو قوله سبحانه و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا و للبسنا عليهم ما يلبسون اي يجعله شبيها بهم و ان كان اصله في ذاته لايشبههم و لايتكلم بلغتهم بل و لايعتقد ما يعتقدون الاتري ان الله خلق الانسان في عالم الملكوت و له هنا صفات و كمالات ملكوتية لاتشبه الصفات الملكية ابدا ثم جرت حكمته بان ينزل الانسان الي اعلي عالم الملك و الزمان فاخرجه اولا في صورة الحيوان [ص 208] فتغيرت جميع صفاته الملكوتية في هذا العالم بما يقتضيه هذا المقام ثم انزله ثانيا الي عالم النبات في اواسط هذا العالم فتغيرت الصفات الحيوانية الي صفات النباتية ثم انزله ثالثا الي عالم الجماد في اسافل هذا العالم فتغيرت الصفات النباتية الي صفات الجمادية و ليس من الحكمة ان تكون صفات الجماد بل و لا النبات بل و لا الحيوان علي طبق صفات الانسان في عالم الملكوت و الا لكان انزاله اليها لغوا فتتغير صفاته في المقامات السافلة بالمرة و ان كانت هي كلها بالنسبة اليه اعراضا خارجة من صفاته الذاتية و سيتركها في محالها و يعود الي ما كان عليه و كما بدأنا اول خلق نعيده و كما بدأكم تعودون و لكن معذلك لما كان من حكمته تعالي و كمال تعريفه و تعرفه ان ينزله في تلك المقامات كما قال ابوعبدالله الحسين (ع) الهي امرت بالرجوع الي الآثار فارجعني اليك بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها و مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها الي ان قال : تعرفت لكل شئ فماجهلك شئ و انت الذي تعرفت الي في كل شئ فرأيتك ظاهرا في كل شئ الدعاء ، فمن كمال تعريفه سبحانه له جعل الآيات العظيمة الكبيرة و الصغيرة الحقيرة و من كمال تعرف العبد مشاهدة تلك الآيات في جميع تلك المقامات حتي يراه ظاهرا في كل شئ و ينزهه معذلك عما يصفون بالجملة فالانسان مثلا من تكريم الله تعالي له في قوله و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا ان يسافر تلك الاسفار و يشاهد تلك البراري و القفار و يستنير بتلك الانوار حتي يفوز بهداية الاستبصار لكنه معذلك يسترجع اليه و يسأله ان يرجعه اليه كما دخل اليه فيها مصون [ص 209] السر عن النظر اليها مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها كما صرح به (ع) في الدعاء فالحاصل انهم صلوات الله عليهم اذا نزلوا الي المقامات الدانية لا بد و ان يلبس عليهم ما يلبسون اي اهل تلك المقامات فهم في مقامهم المختص بهم موحدون و لا موحد غيرهم و لكنهم اذا تكلموا بلسان كل قوم لا بد لهم ان يكتموا ما خصهم من التوحيد الحق و الايمان الصدق لان اهالي تلك المقامات لايتحملون عنهم عين ما هم عليه بل و لايعرفونه و ان افشوه لهم كما انك ان تكلمت ببعض العلوم و الاسرار المختصة بالانسانية بمحضر حيوان مثلا لم‌يفش و لم‌يظهر له ذلك السر و لم‌يعرفه بداهة و كذلك فيما نحن فيه بعينه بل و اعلي و اعلي و ابعد و ابعد و الذي يظهر للداني و يعرفه ما هو بلسانه و لغته حتي انه اذا كان الجعل الالهي في حكمة الايجاد علي ما صرح به في قوله و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون حتي ان اعلي توحيد يتأتي من الاكثر انما هو شرك بالنسبة الي ما يتأتي من ذلك القليل المتفرد المختار المتوحد في مقامه انه اذا نزل و تكلم مع هؤلاء الاكثرين علي اختلاف مراتبهم لا بد له ان يخاطبهم بالسنتهم و ان كلمهم بلغته من مر الحق و التوحيد لم‌يعرفوا من كلامه شيئا بل قال الله سبحانه خطابا اليه (ص) ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن رعاية لمراتبهم و مداركهم فاهل النفوس يدعون بالمجادلة بالتي هي احسن و اهل العقول بالموعظة الحسنة و اهل الافئدة بدليل الحكمة فلو دعيت اصحاب النفوس بدليل الموعظة لم‌يقنعوا به و قالوا انه لايورث اليقين و لايلزم الخصم مع ان اليقين لاهل العقول انما يحصل بدليل الموعظة خاصة و لايقنعون بالمجادلة و كذلك لو دعي احد هذين الفريقين بدليل الحكمة لم‌يقنعوا به [ص 210] ابدا و قالوا انه من الاستحسانات بل هو عين المدعي و لايعدونه دليلا ابدا فاذا لا بد للداعي ان يدعو اهل النفوس و العلوم القشرية الكلامية بدليل المجادلة و اهل العقول بدليل الموعظة و اهل الافئدة بدليل الحكمة و كل فريق منهم يستهدون بهداهم من جهة دليلهم الخاص بهم بل و اظهر من ذلك و ابين اقول لا بد له ان يخاطب اهل الشرك بلسان اهل الشرك و لاتستوحش مما اقول و لاتستنكف اماسمعت الله سبحانه يقول وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم و ليبدلنهم من بعد خوفهم امنا يعبدونني لايشركون بي شيئا و قد وردت اخبار كثيرة انها في الائمة صلوات الله عليهم و سينجز الله عز و جل وعده لهم في ظهور القائم عجل الله فرجه و سهل مخرجه و جعلنا من خالصي ناصريه لوجهه تعالي و في دعاء الافتتاح في ليالي شهر رمضان تدعو للقائم صلوات الله عليه اللهم اجعله الداعي الي كتابك و القائم بدينك استخلفه في الارض كما استخلفت الذين من قبله مكن له دينه الذي ارتضيته له ابدله من بعد خوفه امنا يعبدك لايشرك بك شيئا الي ان تقول : اللهم اظهر به دينك و سنة نبيك حتي لايستخفي بشئ من الحق مخافة احد من الخلق الدعاء ، و من البديهيات انهم (ص) لم‌يشركوا بالله طرفة عين فما معني قوله (ع) لايشرك بك شيئا ، و ما معني قوله تعالي لايشركون بي شيئا ليس ذلك اولا الا من باب انهم (ص) لما ابتلوا بالتقية في دولة الباطل اظهروا بعض الالفاظ تقية الاتري سلوكهم مع خلفاء الجور (لع) و خطابهم بيا امير المؤمنين و بمطالب اخر يختص كل ذلك باميرالمؤمنين علي بن ابيطالب عليه السلام و لايشرك معه احد و لا شك انه لو كان تلك الالفاظ عن اعتقاد قلبي كان [ص 211] شركا محضا اليس انه ورد ان ادني الشرك ان تقول للحصاة انها نواة و تدين الله به ، فكيف بتسمية من لا شك في خبث طينته بامير المؤمنين مع ما خص الله عز و جل هذا الاسم بعلي عليه السلام حتي ان الائمة صلوات الله عليهم لايرضون بتسميتهم انفسهم بهذا الاسم فكيف بغيرهم و كيف بامثال هؤلاء الفسقة الكفرة علي انه سمع الصادق عليه السلام يقول و لاتتخذوا الهين اثنين انما هو اله واحد يعني بذلك و لاتتخذ امامين انما هو امام واحد و عنه (ع) في قوله تعالي ءاله مع الله بل اكثرهم لايعلمون قال اي امام هدي مع امام ضلال في قرن واحد ، و الاخبار بهذا المعني متكثرة فموضوع الشرك حقيقة هو في هذا المقام و اما الله تعالي فمن اين عرفوه بذاته حتي يشركوا به و معذلك تراهم (ص) يخاطبون هؤلاء بامير المؤمنين بل و يقول عليه السلام في حق الاولين امامان عادلان كانا علي الحق و ماتا علي الحق ، و لو فتشت موارد تقيتهم (ص) و الفاظا ذكروها في مقام الخوف وجدت انها كلها الفاظ صريحة عند شيعتهم الخالصين في الشرك و معذلك تكلموا بها من باب المدارات و التقية بل ان عرفت ما ذكرنا و تجد في اخبارهم (ص) ان مواليهم الضعفاء لاختلاط طينتهم بطينة الكفار و المشركين ابتلوا بكثير من الخطايا و ضعف في اليقين و الايمان و المعرفة و الامام بل النبي صلوات الله عليهما يداريهم و يرفق بهم كما عن عمر بن حنظلة عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال يا عمر لاتحملوا علي شيعتنا و ارفقوا بهم فان الناس لايحتملون ما تحملون و عن عمار ابن الاحوص قال قلت لابي‌عبدالله عليه السلام ان عندنا قوما يقولون باميرالمؤمنين عليه السلام و يفضلونه علي الناس كلهم و ليس يصفون ما نصف من فضلكم انتولاهم فقال لي نعم في الجملة اليس عند الله ما لم‌يكن عند [ص 212] رسول الله و لرسول الله عند الله ما ليس لنا و عندنا ما ليس عندكم و عندكم ما ليس عند غيركم و عن ابن‌صدقة عن جعفر عن ابيه قال ذكر التقية يوما عند علي بن الحسين عليهما السلام فقال والله لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لقتله و لقد آخا رسول الله صلي الله عليه و آله بينهما فما ظنكم بساير الخلق الخبر ، و بالنسبة الي غير المؤمنين اخبار كثيرة و قد قال ابوالحسن (ع) لخلف يا خلف سر الله سر الله فلاتذيعوه و لاتعلموا هذا الخلق اصول دين الله ارضوا لهم بما رضي الله لهم من ضلال انتهي ، فان عرفت ذلك تعرف انهم (ص) لمواليهم الضعفاء ايضا لم‌يكشفوا اسرارهم بل و اقوياؤهم ايضا لايحتملون ما يحتمله الامام بنفسه اماسمعت ان الحجة صلوات عليه و علي آبائه الطاهرين مع انه ينتظر في غيبته اجتماع اصحابه الثلثمأة و ثلثة‌عشر و هؤلاء كلهم مؤمنون ممحصون ممتحنون و مع ذلك يظهر لهم من العلم كلمة ينفرون كلهم الا الوزير عيسي بن مريم (ع) و احدعشر نقيبا فانظر ماذا تري فمن هنا لا بد لهم ان يداروا اصحابهم و يرفقوا بهم و لايظهروا لهم محض الايمان و سره و حقيقته و من هنا يعدهم الله سبحانه بامن يعبدونه بعد ذلك و لايشركون به شيئا مما اضطروا اليه في زمان الهدنة و التقية و هو قوله تعالي امن يجيب المضطر اذا دعاه و يكشف السوء و يجعلكم خلفاء الارض ءاله مع الله قليلا ما تذكرون و المراد من المضطر هو القائم (ع) فانظر في صدره و ذيله و اعرف ظاهره و باطنه بالجملة فاذا عرفت هذه المقدمة السديدة و تعلم ان الغرض الاصلي من خلق الخلق و ارسال الرسل و انزال الكتب انما هو معرفة الله سبحانه و توحيده و ما سواه من اصول الدين و فروعه كلها من متممات التوحيد و مكملاته كما قالوا عليهم السلام في تفسير قوله تعالي فطرة الله التي فطر الناس عليها في [ص 213] اخبار كثيرة ان المراد منها التوحيد و عن علي بن موسي الرضا عن ابيه عن جده محمد بن علي عليهم السلام في قوله فطرة الله التي فطر الناس عليها قال هي لا اله الا الله محمد رسول الله (ص) علي اميرالمؤمنين ولي الله الي هيهنا التوحيد ، و نحوه حديث آخر ، فما سوي التوحيد من اصول الدين انما هو من متممات التوحيد و هو واضح و الغرض ان اصل الدين و حقيقته التوحيد بلا شك لكنهم صلوات الله عليهم في مقاماتهم المختصة بهم يوحدون الله سبحانه بحق التوحيد و حق ما هم اهله و لايرون له ندا ينفونه بل هو الله وحده وحده و لذا يقول سبحانه لنبيه (ص) قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون و اميرالمؤمنين عليه السلام يقول مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه او بعده ، اي بل معه بل بعده بل لايرون غيره حتي يحتاجوا الي نفي شئ فان النفي فرع الاثبات لا محالة .