ثم اعلم ان السماء كما وجدت في الخبر انما سمي سماءا لانه وسم الماء و معدنه و قد قال تعالي و انزلنا من السماء ماءا فاسكناه في الارض و انا علي ذهاب به لقادرون و قال المتر ان الله انزل من السماء ماءا فسلكه ينابيع في الارض اقول فجميع المياه اصلا من ماء السماء و السحاب و ان كان [ص 156] بحسب الظاهر من ابخرة البحار لكنه معذلك من ماء السماء و هي اصله و معدنه و بتقديره تعالي الجاري في النجوم يرتفع السحاب و يمطر فالسحاب واسطة بين السماء و الارض يأخذ من السماء و يؤدي الي الارض فسحائب نعمه تعالي وسائط و سفراء و قري ظاهرة بيننا و بين القري المباركة التي جعلها الله سبحانه معادن جميع الخيرات و البركات و ان ذكر الخير كنتم اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و نحن اصل كل خير و من فروعنا كل بر فالسحائب وسائط بيننا و بينهم و هو معني ما روي عن جابر الانصاري انه سأل النبي صلي الله عليه و آله هل ينتفع الشيعة بالقائم في غيبته فقال صلي الله عليه و آله اي و الذي بعثني بالنبوة انهم لينتفعون به و يستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس و ان جللها السحاب و قيل للصادق (ع) في حديث فكيف ينتفع الناس بالحجة الغائب المستور قال كما ينتفعون بالشمس اذا سترها السحاب و عن الحجة عجل الله فرجه و اما وجه الانتفاع بي فكالانتفاع بالشمس اذا غيبها عن الابصار السحاب ، اقول و لايخفي انهم ينتفعون بالشمس بفضل نور منها واقع علي السحاب و نافذ منه الي الارض و اي سحاب بيننا و بين شمس وجودهم صلوات الله عليهم الا اولياؤهم المخلوقون من نورهم و فاضل طينتهم و قد قال الحجة عليه السلام اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله ، فهكذا يلقون انوارهم في سحائب وجود رواة اخبارهم ثم يضيئون بهم علي من سواهم و كل نعمة تصل الينا من بركات ائمتنا صلوات الله عليهم فبهم و منهم فعن العسكري عليه السلام في تفسير قوله عز و جل ممن ترضون من الشهداء قال اميرالمؤمنين عليه السلام ممن ترضون من الشهداء ممن ترضون دينه و امانته [ص 157] و صلاحه ، الي ان قال : فاذا كان صالحا عفيفا مميزا محصلا مجانبا للمعصية و الهوي و الميل و التمايل فذلك الرجل فبه فتمسكوا و بهداه فاقتدوا و ان انقطع عنكم المطر فاستمطروا به و ان امتنع النبات فاستخرجوا به النبات و ان تعذر عليكم الرزق فاستدروا به الرزق فان ذلك ممن لايخيب له طلبته و لايرد مسألته و عن اميرالمؤمنين (ع) قال خلقت الارض لسبعة بهم يرزقون و بهم يمطرون و بهم ينظرون و هم عبدالله بن مسعود و ابوذر و عمار و سلمان الفارسي و مقداد بن الاسود و حذيفة و انا امامهم السابع قال الله تعالي و اما بنعمة ربك فحدث هؤلاء الذين صلوا علي فاطمة الزهراء عليها السلام و رضي الله عنهم و عن ابيجعفر عن جده عن علي بن ابيطالب عليهم السلام قال ضاقت الارض بسبعة بهم يرزقون و بهم ينصرون و بهم يمطرون فهم سلمان الفارسي و المقداد و ابوذر و عمار و حذيفة رحمة الله عليهم و كان علي (ع) يقول و انا امامهم و هم الذين صلوا علي فاطمة عليها السلام ، اقول اقتصرنا بهذا المعدود من الاخبار لمناسبة ظاهر سحائب النعم و الا ففضائلهم رضوان الله عليهم اكثر من ان تحصي و اذا اخذنا السحائب بهذا المعني فيجري فيهم المعنيان علي ما مر احدهما ان الله سبحانه نشر سحائب نعمه علينا فاستوجب الشكر علي ما عرفت و الثاني ان يكون نشر السحائب بيانا لمعني الشكر اي نشر فضائلهم و احياء امرهم و هو واضح بل في الحقيقة نشر الفضائل كله راجع الي ما نحن فيه فان الذين لاتعرفهم لاتقدر علي نشر فضائلهم الا من حيث ظهر لك منهم و امكنك مشاهدة نورهم و فضلهم فتدبر و قد ورد في حديث العسكري عن علي عليه السلام قال في حديث للطبيب اليوناني حين لقنه الاسلام و تشهد ان اولياءه اولياؤ الله و ان اعداءه اعداؤ الله و ان [ص 158] المؤمنين المتشاركين لك فيما كلفتك المساعدين لك علي ما به امرتك خيرة امة محمد صلي الله عليه و آله و صفوة شيعة علي الخبر ، و عن عيسي بن مريم عليهما السلام قال جالسوا من يذكركم الله رؤيته و لقاؤه فضلا عن الكلام ، الي ان قال : فمن كان كلامه لايجاوز فعله و فعله لايجاوز صدقه و صدقه لاينازع ربه فجالسه بالحرمة و انتظر الرحمة و البركة و احذر لزوم الحجة عليك و راع وقته كيلاتلومه فتخسر و انظر اليه بعين فضل الله و تخصيصه له و كرامته اياه ، اقول و الغرض ان معرفة فضلهم و الاعتقاد به و ذكره انما يرجع كل ذلك الي ذكر فضائل ساداتهم صلوات الله عليهم و نشرها اعاننا الله علي ما يحب و يرضي بجاه محمد و آله صلوات الله عليهم .
قال صلي الله عليه و آله : اسألك بمعاقد العز من عرشك و منتهي الرحمة من كتابك الدعاء .
في الفرائد : « عقد البيع و العهد و الحبل عقدا كضرب شده و هو خلاف حله ، الي ان قال : و المعقد موضع العقد ج معاقد كمجلس و مجالس يقال هو مني معقد الازار اي قريب المنزلة و منه الدعاء اسألك بمعاقد العز من عرشك اي بالخصال التي استحق بها العرش العز او بمواضع انعقادها منه و الاسم العقد و هو العهد ايضا ج عقود » ، و العز في الفرايد : « عز الشئ كفر و المصدر كضد و شدة و سحابة و الاسم كشدة ايضا قل فلايكاد يوجد فهو عزيز ج اعزاء ، الي ان قال : و هو ضد الذليل كتعزز علي تفعل و قوي بعد ذلة و النعت و الجمع كما تقدم و الاسم كضد و شدة و هما ضد الذل و الذلة الي ان قال و عزه عزا كمد مدا غلبه و الاسم كشدة و هو القوة و الغلبة فهو عزيز ج اعزة ، الي ان قال : و في ك و هو العزيز الحكيم و قد تكرر فيه و هو من اسمائه تعالي و هو الذي لايعادله شئ و الغالب القوي الذي لايغلب ، عزيز عليه ما عنتم اي شديد عليه عنتكم » ، و العرش له [ص 159] معان كثيرة تظهر من اخبار آلمحمد عليهم السلام استنبطها ابي العلامة اعلي الله مقامه من اخبار آلمحمد عليهم السلام و نقل عين عبارته مولاي اخي العلامة في الكتاب المبين في باب معاني العرش و الكرسي فان هويت راجع اليه و لكن نذكر قليلا منها ذكره في الفرايد فقال : « العرش في وجه هو جملة الخلق و الكرسي وعاؤه و في وجه آخر هو العلم الذي اطلع الله تعالي عليه انبياءه و رسله و حججه و الكرسي هو العلم الذي لميطلع عليه احدا من انبيائه و رسله و حججه (ع) ش ● ك و رب العرش العظيم اي الملك العظيم ش و مثله الرحمن علي العرش استوي اي علي الملك استولي ، و كان عرشه علي الماء اي ماكان خلق تحته الا الماء قبل خلق السموات و الارض ث ان الله خلق الماء و العرش و الملئكة قبل خلق السموات و الارض و كانت الملئكة تستدل بنفسها و بالعرش و بالماء علي الله تعالي ثم جعل عرشه علي الماء ليظهر بذلك قدرته علي الملائكة فيعلموا انه علي كل شئ قدير الحديث ، الي ان قال : و يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ث حملة العرش و العرش العلم ثمانية اربعة منا و اربعة مما شاء الله و فيه فسرت الاربعة بامير المؤمنين و سيدة نساء العالمين و الحسنين عليهم السلام و الاربعة الثانية سلمان و مقداد و ابيذر و عمار و يومئذ محمول علي موت النبي صلي الله عليه و آله و الفلك التاسع و سرير الملك ك و رفع ابويه علي العرش ، الي ان قال : و العز و قوام الامر و منه ثُل عرشه بالمثلثة و اللام مجهولا اي وهي امره و ذهب عزه و من البيت سقفه و الخيمة و البيت الذي يستظل به ج عروش ، الي ان قال : و من القوم رئيسهم المدبر لامرهم و القصر » الي غير ذلك من المعاني و لا بأس بان نفسر بعض ما اجمله [ص 160] هنا من كلام ابي روحي فداه قال : « و مرة نقول العرش و نريد منه المشية و منه قوله و كان عرشه علي الماء لما روي ان الماء اول ما خلق الله فالعرش الذي عليه هو المشية ، الي ان قال : و مرة نقول العرش و نريد به الدين و منه قوله سبحانه و كان عرشه علي الماء بتفسير كما قال ابوعبدالله (ع) فيه ان الله حمل علمه و دينه الماء الحديث ، فهم الماء و ذلك المذكور في القرآن الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا و صهرا و ذلك الماء اول ما خلق الله » الي آخر و تمام ما ذكر اعلي الله مقامه ينفعنا في المقام الا انه يوجب التطويل ، و المنتهي من النهي في الفرايد : « نهي فلانا عن الشئ ينهاه نهيا كسعي يسعي سعيا ضد امره واوية يائية ، الي ان قال : فانتهي و تناهي عنه علي افتعل و تفاعل للمطاوع ك و ما نهاكم عنه فانتهوا ، الي ان قال : و نهي الله تعالي عن الشئ حرمه ، الي ان قال : و النهية كمدية اسم من نهي عن الشئ و غاية الشئ و آخره و اقصاه كنهاية ككتابة و نهائه ككساء ، الي ان قال : و انتهي الشئ و الامر بلغ النهاية و هي اقصي ما يمكن ان يبلغه كتناهي تناهيا علي تفاعل ، الي ان قال : و النهية العقل كالنهي كهدي لانها تنهي عن القبيح و قيل لان صاحبها ينتهي اليها عن القبايح و قيل ينتهي الي اختياراته العقلية ، الي ان قال : و المنتهي بفتح الهاء موضع الانتهاء لميجاوزها احد ك و ان الي ربك المنتهي ، قيل معناه اذا انتهي الكلام اليه فانتهوا و لاتتكلموا فيه ، عند سدرة المنتهي و هي التي ينتهي اليها علم الملائكة و في ث ينتهي اليها علم الخلايق ، الي ان قال : و في الدعاء اسألك بمنتهي الرحمة من كتابك المراد بمنتهي الرحمة غايتها و المعني برحمتك كلها لان الوصول الي الغاية وصول الي الجميع و هو محمد صلي الله عليه و آله ، و الرحمة بالفتح [ص 161] اسم و مصدر من رحم الله العباد و بهم كسمع بمعني انالهم رحمته التي وسعت كل شئ و قد تكررت في الكتاب ، الي ان قال : من ذلك ان رحمة الله قريب من المحسنين اي النبي (ص) قريب من علي (ع) لان المحسن نعت من احسن اذا اتي بالحسن و الاحسان فهو الذي اتي بالحسن و الحسين عليهم السلام و الاحسان الي العباد بالهداية و نعم الدنيا و الآخرة او علي قريب من المحسنين اي المؤمنين و منه الزيارة السلام علي رحمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و مثله : يختص برحمته من يشاء اي بنبوته و ولايته و كذلك وسعت كل شئ رحمة و علما ، الي ان قال : فالله هو الرحمن و العباد مرحومون كمفعول بالواو و النون و هو الرحيم بالمؤمنين خاصة ك بسم الله الرحمن الرحيم و هما اسمان مشتقان من الرحمة للمبالغة و الرحمن مختص به سبحانه و لايجوز ان يسمي به غيره ك قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ، و قد عادل به الاسم الذي لميشرك فيه غيره و يطلق الرحيم علي غيره تعالي ك لقد جائكم رسول من انفسكم ، الي ان قال بالمؤمنين رأوف رحيم ، الي ان قال : و الرحيم ايضا قد يكون بمعني المرحوم فعيل بمعني مفعول كما يكون بمعني الراحم فعيل بمعني فاعل و الله راحم و يطلق علي غيره تعالي ج بالواو و النون ك و انت ارحم الراحمين ، و رحم فلانا ايضا و المصدر كقفل و عنق و ضربة و مرحلة رفق به و حسن و عطف عليه كترحم عليه علي تفعل و رق و غفر له و عفا عنه » ، و الكتاب في الفرائد : « بالكسر ما يكتب فيه و منه ك كلا ان كتاب الابرار لفي عليين ، و الفرض و منه كتابا موقوتا ، كتاب الله عليكم ، و الحكم و منه لولا كتاب من الله سبق ، و الاجل و منه و لها كتاب معلوم ، و القرآن و منه و يعلمهم الكتاب و الحكمة و الكتاب المبين ، و الملك و منه لقد لبثتم في كتاب الله ، و الامام عليه السلام و منه و لا رطب و لا يابس [ص 162] الا في كتاب مبين كما فسر في الحديث و هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق بدليل ينطق ، و التورية و امثالها و منه لميكن الذين كفروا من اهل الكتاب ، الي ان قال : و ما يكتب الملكان الموكلان بالانسان فيه اعماله و منه فمن اوتي كتابه بيمينه ، و الاسم الاكبر الذي يعلم به علم كل شئ يكون مع الانبياء عليهم السلام ش و منه و انزلنا معهم الكتاب و الميزان ، و اللوح المحفوظ و القدر و منهما ان عدة الشهور عند الله اثناعشر شهرا في كتاب الله ، و العالم و منه و كل شئ احصيناه كتابا ، و المكاتبة و منه و الذين يبتغون الكتاب ، و الصحيفة و منه و كتاب مسطور في رق منشور و قيل هو التورية و قيل هو صحائف الاعمال و قيل القرآن مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ انتهي ، و الدواة و المكتوب فعال بمعني مفعول كالبساط بمعني المبسوط كالكتبة كضربة و المنزل و ما يكتبه الشخص و يرسله ج كتب بضمتين و بالضم للتخفيف ك من كتب يدرسونها ، الي ان قال : و اسم الحرفة الكتابة كرسالة و كضربة للمرة و كعصمة للنوع و الهيئة و الله الشئ كتبا كفلس قضاه و اوجبه و فرضه و منه ك كتب الله لاغلبن انا و رسلي ، كتب علي نفسه الرحمة ، كتب عليكم الصيام كما كتب ، و امثالها و الشئ قدره ث كتب في الذكر كل شئ اي قدر و اثبت ، و الشئ علمه فهو كاتب ج كتاب كحاكم و حكام و كاتبون بالواو و النون ك ام عندهم الغيب فهم يكتبون ، و الشئ جمعه ك كتب في قلوبهم الايمان ، و اكتتبه علي افتعل استملاه كاستكتبه علي استفعل ك اساطير الاولين اكتتبها ، و استكتبه ايضا طلب ان يكتب له و اكتبه اكتابا علمه الكتابة ككتّبه تكتيبا و فلانا القصيدة و نحوها املاها عليه » .
اقول اما بحسب الظاهر فمعني الفقرتين معلوم و لاسيما بعد تفسيرهما في عبارة الفرايد الا ان هنا مطالب اخر فوق ما ذكره فاعلم ان العرش في قوله (ص) [ص 163] : اسألك بمعاقد العز من عرشك ، قد عرفت بنصوص اخبار آلمحمد عليهم السلام و ظواهرها المعلومة من ضم بعضها الي بعض ان المراد من العرش علي بعض المعاني الملك و جملة الخلق و مقام مشيته سبحانه و تلك المعاني كأنها الفاظ مترادفة ترجع الي معني واحد و هو مشيته تعالي شأنه و مقام المشية و ان كان لايدرك بحقيقتها لاحد من المشاءات اذ الكل مخلوق بها و دونها و كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و من هنا نهي عن الغوص و السباحة في بحر القدر و التعمق فيه لمعرفة معناه لانه فوق مقام كل احد من الخلق الا ان من باب ان جميع المشاءات مخلوقة بها كما قال (ع) خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، و قوله سبحانه انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون و المفرد المنكر المنون يفيد العموم فجميع الاشياء مخلوقة بمشيته عز و جل و امره و من انواره و اشعته و آثاره و كل اثر لا محالة يشابه صفة مؤثره كنور الشمس بالنسبة الي الشمس و نور السراج بالنسبة الي السراج فبين المشاءات بالمشية و بينها شباهة لا محالة و هذه الشباهة و ان لمتكن علي نحو الكلية ظاهرا لاستلزامها عدم تكثر الخلق و تعدده و ان لايخلق بها الا شئ واحد يشبهها من كل جهة و لكنا اذا نظرنا في آثار المؤثر فوجدنا بعض الصفات مشتركة في كلها و بعضها مختصة بكل اثر في نفسه بها امتيازه عن غيره دلنا ذلك علي ان ما به اشتراك الكل انما هو من صفة المؤثر و ما به امتيازها فانما هو من لوازم قوابلها و لوازم القوابل ايضا و ان كانت من المؤثر و به اذ لا وجود للاشياء من جهة من الجهات الا من جانب المؤثر و لا بد ان تكون ثابتة له حتي يعطي ما دونه اذ الفاقد بالمرة لايصير معطيا و لكن الغرض انها ثابتة للمؤثر علي نحو الاطلاق و الكلية لسعة قابليته و ثابتة للآثار علي نحو [ص 164] التعين و التشخص لضيق قوابلها بالجملة فالحاصل ان ما به اشتراك الكل و لايخلو منه شئ يثبت للمؤثر البتة و نحن اذا نظرنا في كل شئ وجدناه انه مخلوق من زوجين و هو قوله سبحانه و من كل شيء خلقنا زوجين و كلمة « من » اذا كان للتبيين كان المعني كل شئ خلقنا زوجين اي لكل شئ اربعة مقامات و هو واضح اذ لكل شئ مادة نوعية و صورة نوعية و مادة شخصية و صورة شخصية و لايفرض خلو اثر من تلك المقامات الاربعة كما ثبت في محله بالفاظ و عبارات مختلفة و لسنا بصدد التفصيل فمشيته سبحانه التي هي مؤثر الكل ايضا تثبت لها هذه المقامات و هي المعبرة عنها بالمشية و الارادة و القدر و القضاء و هي و ان لمتتميز في نفس المشية لغاية وحدتها و بساطتها الامكانية و لكنها اذا تعلقت بالمادة النوعية في خلق كل شئ سميت مشية في ظهورها هنا و اذا تعلقت بالصورة النوعية سميت ارادة و اذا تعلقت بالمادة الشخصية سميت قدرا و اذا تعلقت بالصورة الشخصية سميت قضاءا و ان استعملت كل واحد من هذه الاربعة في مقام السائر و لكن عند ذكر الاربعة لكل واحد منها معني خاص علي ما ذكرنا بالجملة فهذه المراتب الاربع انما هي اركان عرش المشية و عرشها نفسها التي هي سبب خلقها في قوله (ع) خلق الله المشية بنفسها ، و اركانها اربعة ركن ابيض مقام المادة النوعية و ركن اصفر مقام الصورة النوعية و ركن اخضر مقام المادة الشخصية و ركن احمر مقام الصورة الشخصية فاعلي مقاماتها مقام عرشها المستولي علي ما دونه الغالب القاهر القادر عليها و المالك لها و الرحمن علي العرش استوي اي استولي و هو حيث نورانيتها و اسميتها لله سبحانه التي دان لها جميع المقامات الاربعة و ما دونها من مراتب المشائات بالعبودية و ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لايقدر علي [ص 165] شئ و ضرب لكم مثلا من انفسكم هل لكم من ما ملكت ايمانكم من شركاء فيما رزقناكم فانتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم انفسكم فهذه المقامات الاربعة و جميع ما دونها بالنسبة الي العرش مستوي الرحمن بمنزلة عبيده المخلوقين الخاضعين الخاشعين له الاذلاء عنده و هو الغالب القاهر عليها ثم في تلك المقامات المقام الاول بالنسبة الي ما دونها ايضا كذلك و كذلك الثاني و الثالث و الرابع ثم كل مقام المشية بالنسبة الي المشاءات كذلك و ذلك لان كل عال بالنسبة الي دانيه ابسط و اوسع و انفذ و امضي البتة و هي العزة و الغلبة و القهر و القوة و القدرة و السلطنة التي لله تعالي ظهرت في درجات خلقه من الاعلي الي الاسفل و ذلك لان الصفات الذاتية التي هي عين الذات و يمتنع معها ما سواها و لا ضد لها لاتضاف و لاترتبط بالخلق ابدا فالعزة التي دونها ذلة مثلا انما هي ظهورها في مراتب الخلق و في مراتب صحة الاضافة ففي هذا المقام اعني مقام نفس المشية مقام ظهور عزته تعالي الاعز ثم تترامي منها الي ما دونها و كل عال بالنسبة الي دانيه عزيز و في مراتب المشية التي هي عرش الرحمن اعزها مقام نفسها ثم من بعدها مقام المادة النوعية ثم من بعدها الصورة النوعية و هكذا و لك ان تقول ان المادة في كل مقام هي الركن الاقوي و تحقق الصورة بها و الصورة هي الركن الاضعف و ظهور المادة بها فالقوة و الغلبة و القهر لمقام المادة و هي مقام تعلق الملائكة بل و تعلق اسم الله سبحانه و وصفه بكل شئ لانها مقام النورانية و هي الحاكية عن نوره تعالي فهي موضع القهر و الغلبة و العزة الا انها في المادة النوعية بحسبها و في المادة الشخصية بحسبها و ما منا الا له مقام معلوم ففي نظر كل مقام عال بالنسبة الي دانيه مقام العزة و الغلبة و بنظر آخر مقامات [ص 166] المواد مقامات العزة و الغلبة فمعاقد العز كما عرفت يجوز ان يكون المراد منها جميع مقامات المشية التي هي عرش الله الاعظم و يجوز ان يكون المراد منها اولا و بالذات بالنسبة نفسها و حقيقتها التي هي نفس الله القائمة بالسنن و مستوي الرحمن و عرشه العظيم ثم من بعد مرتبة المادة النوعية و المادة الشخصية كل بالنسبة الي ما دونها فهي معاقد العز من عرشه تعالي التي عقدت و انيطت عزته تعالي و قهره علي تلك المقامات بل و علي معني القلة و التفرد للعزة ايضا تقول ان مقام الحقيقة فيها اوحد و ابسط جميع مقاماتها و هي الامر الواحد الذي لا اختلاف فيه و من بعد ذلك مقام المادة بالنسبة الي الصورة مقام الوحدة و الاطلاق بخلاف الصورة فانها مقام التكثر نوعا فانها مقام الامتياز و هو مستلزم للتكثر ففي اجزاء كل شئ مواده اوحد اجزائه و حقيقتها مقام الوحدة الحقيقية بالنسبة فهي اعزها و اغلبها و اقهرها لما دونها و لتعلم ان كل ما نقول هنا انما هو من باب التزييلات الفؤادية و مشاهدة ذلك في الآثار و قياس المؤثر عليها و ان كان لايقاس بها ابدا لان المؤثر هنا حقيقة موضع ظهور ليس كمثله شئ و لايشبهه شئ و ليس معه شئ فكيف يقاس بشئ و كيف يدرك او يوصف من كنهه تفريق بينه و بين ما سواه فلاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير فهو مع ما وصفناه من الاسم المكنون المخزون الذي لايدرك و لايعرف و لايوصف و جميع اوصافنا انما يرجع الي مقامات الاوصاف و الآثار رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك الطريق مسدود و الطلب مردود و قد فصلنا هذا البيان في المقدمة و ان هويت فراجع فان عبر عنها بالعزيز و اثبت له معاقد العز فهي تعبيرات عما نجده في مواقع الصفات التي هي عندنا من المعاني السفلي التي هي من المعاني العليا [ص 167] كالشعاع من المنير فحقيقة ما هو عليه في المعاني العليا من الاسم المكنون المخزون الذي لايتطلع عليه احد من ساير الخلق الا خاب و خسر و لميدرك شيئا بالجملة و اختير العزة لدلالتها علي التفرد و القهر و الغلبة و الغناء و القدرة و القوة و كل ذلك مستلزم للاجابة فانك لو عرفت مسئولك بالعجز و الفقر و الفاقة و الفقدان و وجدته مع امثال و اقران ثم وصفته بما وجدت و عرفت منه تستيقن بالخيبة و الخسران البتة بل و لو كان المسؤل في الواقع علي خلاف ما عرفت لكنك سألته و وصفته بما عرفت يعاملك بما يناسب ما وصفت البتة الاتري ان الله جل و عز يعطي من سأله و من لميسأله و لميعرفه تحننا منه و رحمة و يعطي المطيعين و العاصين جميعا لكنك معذلك اذا عرفته بالبخل و العياذ بالله و وصفته به و يئست من رحمته لايعطيك شيئا و ان سألته في اشرف الاماكن و اعزها عليه ما دام عمرك كالذي جاء من قتلة مولانا الحسين عليه السلام و لعن الله قاتليه حيال الكعبة و كان يقول اللهم اغفر لي و ان ادري انك لاتغفر لي فمثل هذا الملعون الآيس من رحمة الله لايغفر الله له البتة و ذلك لانه بسوء عمله سلب عنه الايمان و المعرفة حتي وجد الله بخيلا لئيما لايطمع في عطائه و العياذ بالله و كل ذلك لسوء عمله قال الله تعالي ثم كان عاقبة الذين اساؤا السوئي ان كذبوا بآيات الله و من البين انه ليس الله بخيلا لئيما و لكنه جعل في عدله و فضله ان يكون عند ظن عبده ان خيرا فخيرا و ان شرا فشرا بالجملة فالسائل هنا انما يسأله تعالي و يقسم عليه بمواقع العز من عرشه اعترافا بتفرده و قهره و غلبته و قوته و قدرته و مزيدا لرجائه في انجاح مسألته و هو عز و جل لايخيب راجيه البتة و قوله صلي الله عليه و آله « و منتهي الرحمة من كتابك » ايضا يرجع الي ما ذكرنا فالكتاب له معان كما [ص 168] عرفت و اجمعها و انسبها لما نحن فيه ان يكون بمعني الملك و هو قوله تعالي لقد لبثتم في كتاب الله الي يوم البعث اي في ملك الله و اللوح المحفوظ و منه ان عدة الشهور عند الله اثناعشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات و الارض اي في اللوح المحفوظ و المراد منه جميع ما سوي الله او كل ما خرج من الامكان و رحمته تعالي وسعت كل شئ فهي اعلي من كل شئ اذ الذي يسع اشياءا فهو لا محالة ابسط و اقدم و اوسع من جميعها و مرادنا من العلو و التقدم و السبق في الغالب هو هذا النحو فان التقدم و السبق الزماني عرضي لايعبؤ به فمنتهي الرحمة من كتابه هو اعلي درجات الرحمة التي هي اوسع من الكل و هي مقام الرحمانية العامة التي تسع البر و الفاجر و مقام الاستواء و الاستيلاء علي العرش و هو جملة الخلق و المشية و اعلم ان الرحمة رحمتان رحمة قلبية و هي الرقة في القلب و رحمة فعلية و هي ما يفعله الشخص بمقتضي رحمته القلبية و رحمة الله تعالي فعلية فقط لانه سبحانه منزه عن الرقة القلبية كما ورد في الخبر عن الصادق (ع) في حديث الاهليلجة ان الرحمة و ما يحدث لنا منها شفقة و منها جود و ان رحمة الله ثوابه لخلقه و الرحمة من العباد شيئان احدهما يحدث في القلب الرأفة و الرقة لما تري بالمرحوم من الضر و الحاجة و ضروب البلاء و الآخر ما يحدث منا بعد الرأفة و اللطف علي المرحوم و المعرفة منا بما نزل به و قد يقول القائل انظر الي رحمة فلان و انما يريد الفعل الذي حدث عن الرقة التي في قلب فلان و انما يضاف الي الله عز و جل من فعل ما عني من هذه الاشياء و اما المعني الذي في القلب فهو منفي عن الله كما وصف عن نفسه فهو رحيم لا رحمة رقة الخبر ، فرحمة الله سبحانه هي الرحمة الفعلية و هي نوعان رحمة عامة رحمانية تسع البر [ص 169] و الفاجر و النعمة و النقمة فالنعمة فرد منها و النقمة ايضا فرد منها و ذلك لان المراد منها المشية الكلية المطلقة التي تكون المشية المحبوبة فردا منها و المشية المبغوضة ايضا فردا منها و لايخرج من تحتها شئ و هو قوله تعالي و رحمتي وسعت كل شئ و قال تعالي في مقام التهديد بالانتقام قل من يكلؤكم بالليل و النهار من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون فالانتقام ايضا من آثار الرحمن فتدبر و هي خاصة بالله تعالي و من هنا لايسمي باسم الرحمن الا هو و قد اردف لله في قوله قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الاسماء الحسني لكمال اختصاصه به تعالي و رحمة اخري خاصة رحيمية و هي ما خصها الله سبحانه بالمؤمنين مما كتب لهم من النعم و الثواب و الخير و النور و غير ذلك مما يلايم غرائزهم و هو قوله بالمؤمنين رأوف رحيم و اختصهم بها في قوله يختص برحمته من يشاء و كتبها لهم و قدرها و فرضها علي نفسه كما قال تعالي كتب علي نفسه الرحمة و قال و رحمتي وسعت كل شئ فساكتبها للذين يتقون و الرحمة الاولي عامة رحمانية و مرجع ضمير اكتبها انما هو الرحمة الخاصة فهي بحسب المحل خاصة و اما من حيث الاسم و التسمية عامة فالله رحيم و الخلق ايضا رحماء بعضهم لبعض و يسمي كل احد بالرحيم خلافا للرحمن فانه بحسب التسمية لايسمي به الا الله تعالي و هو مختص به و لكن من حيث محل التعلق و الاضافة يجري في المؤمن و الكافر و من هنا ورد في بعض الاخبار رحمن الدنيا و رحيم الآخرة ، لاشتراك المؤمنين و الكفار في الدنيا في المرحومية و اما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين و اعلم انه قد يلاحظ فيها الكون الصرف بحيث تكون النقمة ايضا فردا من افرادها و قد يلاحظ فيها الشرع الكوني فبالنظر الكوني الصرف يمكن [ص 170] جريانها في كل مقام و من هنا ورد ايضا رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما ، و بنظر الشرع الكوني ان يراد منها ما يلايم الطبيعة فيقال رحمن الدنيا و رحيم الآخرة لاشتراك المؤمنين و الكفار في الدنيا في المرحومية بالرحمة نوعا و اما في الآخرة فهي مختصة بالمؤمنين بالجملة فالرحمة الخاصة بالمؤمنين رحمة مكتوبة لهم ففي هذه الفقرة المباركة لما قلت « منتهي الرحمة » احتمل فيه ان يكون المراد الرحمة الرحمانية و لما قلت « من كتابك » فله معني آخر غير المعني الاول فانك ان اردت من الكتاب الملك و جملة الخلق و اللوح المحفوظ رجع ذلك الي الرحمة الرحمانية المستولية علي جميع الافراد و هي علي عمومها لاتناسب المسألة و انجاح الحاجة لامكان ان يستجاب بالنقمة لانها ايضا فرد من الرحمة العامة و لكنك اردت الرحمة الخاصة فمن هنا تقيد كلامك بقولك « من كتابك » و يكون المراد اسألك من رحمتك المكتوبة الخاصة بالمؤمنين و لا بد للداعي اذا لميكن ساهيا لاهيا ان يريد من الفاظ الدعاء ما يناسب مسألته و يذكرها في ذهنه و ورد في الخبر الامر بذلك كما في كشكول البهائي عن اميرالمؤمنين (ع) قال قال لي رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم قل اللهم اهدني و سددني و اذكر بالهدي هدايتك و بالسداد سداد السهم ذهابه علي الاستقامة نحو الغرض ، اقول و لعله كان في بعض الغزوات فهنا ايضا ان اردت الرحمة الرحمانية المطلقة فلعلك لمتصب مرادك و معذلك لميخلف الله وعده بالاستجابة فتدبر فالمعني المراد هنا منتهي الرحمة الخاصة بالمؤمنين و هي ايضا ترجع الي معني العزة و محلها التي خصها الله تعالي به و برسوله و المؤمنين في قوله لله العزة و لرسوله و للمؤمنين و قوله قد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رأوف رحيم انظر [ص 171] الي ترادف العزة و الرحمة في الآية و قد ورد الامر الاكيد بحفظ العزة و النهي عن اذلال المؤمنين انفسهم فعن ابيعبدالله (ع) قال ان الله عز و جل فوض الي المؤمن اموره كلها و لميفوض اليه ان يكون ذليلا اماتسمع قول الله عز و جل و لله العزة و لرسوله و للمؤمنين فالمؤمن يكون عزيزا و لايكون ذليلا ثم قال ان المؤمن اعز من الجبل ان الجبل يستقل منه بالمعاول و المؤمن لايستقل من دينه شئ و في حديث يعزه الله بالاسلام و الايمان و في حديث قيل له و كيف يذل نفسه قال يتعرض لما لايطيق و في آخر يدخل فيما لايقدر عليه و قيل للحسن عليه السلام ان فيك كبرا قال كلا الكبر لله و لكن فيّ عزّة قال الله عز و جل و لله العزة الآية ، و في آخر قيل له (ع) فيك عظمة قال لا بل فيّ عزة و قرأ الآية ، بالجملة و الغرض ان العزة و الرحمة المكتوبة كلتيهما تختصان بالمؤمن و موقعهما الاصلي الاولي لله تعالي انما هو عرشه و اول ملكه سبحانه كما عرفت فباطن العزة و الرحمة اولا انما يرجع الي النبي صلي الله عليه و آله و هو عرش الله الاعظم كما قال اميرالمؤمنين (ع) في خطبته محمد العرش عرشه الله علي الخلايق ، و هو المخاطب في قوله سبحانه سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و هو العزة لله لا لغيره و الرحمة المكتوبة علي نفسه في قوله كتب علي نفسه الرحمة فانه نفس الله التي قال عز و جل و يحذركم الله نفسه و قد قال الصادق (ع) في تفسيره و يحذركم الله نفسه و انما حذركم ان تجعلوا محمدا (ص) مصنوعا و الا لكان الذات محدثا مصنوعا و هذا هو الكفر الصراح ، اقول و المراد من الذات هنا الذات الظاهرة التي هي آية للذات الغيبية كما صرح به في باقي الخبر بالجملة و الغرض ان باطن العزة و الرحمة هو النبي (ص) و هو المراد من قوله تعالي باب [ص 172] باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب فان ذلك الباب هو اميرالمؤمنين (ع) الذي قال انا مدينة العلم و علي بابها ، فباطن الباب هو الرحمة و هو النبي (ص) و ظاهره اي ظهره و خلافه من قبله العذاب و هو قول اميرالمؤمنين (ع) ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك ، فالنبي (ص) هو الاسم المكنون الذي لايدرك و اعلم ان العزة و الرحمة كلتيهما تشملان و تظهران في ساير المراتب ايضا كما يظهر من قوله تعالي لله العزة و لرسوله و للمؤمنين و لكن الاصل في ذلك النبي (ص) و خص به هنا لقوله (ص) : منتهي الرحمة ، فانه (ص) منتهاها و هو موقع عزة الله الخاصة به عز و جل و من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة علي ان المناسب للفقرة الآتية بل و بحسب ترتيب ما سبق من الفقرات هنا هو التخصيص بالنبي صلي الله عليه و آله كما ستعرف ان شاء الله تعالي .
قال صلي الله عليه و آله : و بكل اسم هو لك سميت به نفسك او استأثرت ( و استأثرت . خل ) به في علم الغيب عندك الدعاء .
هذه الفقرات من قوله (ص) : اسألك بمعاقد العز من عرشك ، الي قوله (ص) : اسألك بعزة ذلك الاسم ان تصلي علي محمد و آلمحمد ، قد شرحتها سابقا مجملا علي حسب مسألة بعض الاخوان في كرمان و قد كنت ارتئي في ان اقتصر في اجابة امركم بارسال تلك الكليمات لكثرة المشاغل و لكن عظيم حق السائل ايده الله علي منعني عن ذلك حتي وفقني الله عز و جل لتجديد البيان و تتميم التبيان في الفقرات السابقة و ارجو الله ان يوفقني لاتمام الشرح بالنسبة الي باقي الفقرات و لا حول و لا قوة الا بالله فانها في الحقيقة من مكنون اسرار آلمحمد عليهم السلام اشاروا اليها في هذه الفقرات و لا بأس بالاعادة و ان كان كل بيان له خصوصيات لايتكرر بها البيان حقيقة و قد قالوا :
[ص 173]اعد ذكر نعمان لنا ان ذكره هو المسك ما كررته يتضوع
و لنذكر علي العادة بعض المعاني اللغوية ثم نشرع في الشرح و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
ففي الفرايد عن ابي العلامة اعلي الله مقامه و رفع في الدارين اعلامه : « الاسم عند اهل البصرة من الاسماء المحذوفة الاعجاز و اشتقاقه من السمو لانه رفعة للمسمي و استدلوا بتصاريفه علي اسماء و اسامي و سمي علي صيغة التصغير و سميت تسمية و اسميت اسماءا و سما كهدي ، قال الشاعر : و الله اسماك سما مباركا ، و عند اهل الكوفة من المقلوبة الاوائل اصله وسم قلبت واوه همزة و قيل حذفت واوه و عوضت عنها همزة الوصل ليقل اعلاله و يؤيد قول الكوفيين ما روي عن الرضا عليه السلام في معني بسم الله قال اي اسم نفسي بسمة من سمات الله قيل و ما السمة قال (ع) العلامة انتهي ، و لعل ذلك من باب الاشتقاق الكبير فسمعه اهل الكوفة منهم و لميعقلوه و الاشتقاق الصغير علي ما ذكره اهل البصرة فانهم لايرون الا الظاهر » انتهي ، اقول و يؤيد قول اهل البصرة ما ورد في الكتاب نحو ان هي الا اسماء سميتموها و ليسمون الملائكة تسمية الانثي و اني سميتها مريم فعلي الاشتقاق الصغير و هو ان يراعي ترتيب تمام حروف الكلمة مع فعله المشتق منه الامر علي ما ذكره اهل البصرة و اما علي الاشتقاق الكبير و هو ان يراعي اكثر حروف الكلمة كقولهم (ع) انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا ، و امثاله كثيرة في الاخبار فالاسم ايضا لما كان حقيقة علامة للمسمي يميزه عن غيره فسره عليه السلام بما ذكر و كأنه اشتق الاسم من السمة اي العلامة ، بالجملة و النفس في الفرايد فسرها بامير المؤمنين (ع) بالنسبة الي الله و الي النبي (ص) و بالنفس النباتية و الحيوانية [ص 174] و الانسانية القدسية و الكلية الالهية و الحقيقة التي من عرفها فقد عرف ربه كما ورد في الاخبار الي ان قال : « و هي انثي ك خلقكم من نفس واحدة ، و اما قولهم ثلثة انفس بالتذكير فلانهم يريدون به الانسان و الروح يقال خرجت نفسه ، و الدم يقال سالت نفسه ك من قتل نفسا بغير نفس اي بغير دم هراقه ث ما ليس له نفس سائلة اي دم ، و الجسد و العين فقال اصابت فلان نفس اي عين و نفسه بنفس كنصر اي اصابه بعين ج انفس كفلس و افلس و قد تكررت في ث مفردة و مجموعة و لذلك يقال للعين نافس كفاعل ، و عين الشئ يؤكد به يقال رأيت فلانا نفسه و جاءني بنفسه ، و قدر دبغة مما يدبغ به الاديم من قرط و غيره يقال هب لي نفسا من دباغ ، و العظمة و العزة و الهمة و الانفة و العيب و الارادة و العقوبة و منه و يحذركم الله نفسه » الي غير ذلك ، و الاستيثار من الاثر في الفرائد : « له معان اثر الحديث نقله و الاثر الحديث و الخبر و جوهر السيف و وشيه و بقية الشئ و علامته و ما يؤثر في الشئ و اثر القدم في الارض و ما قدموا و آثارهم اي ما قدموا من الاعمال و ما سنوه بعدهم و الاجل و الاثر كقفل اثر الجراح بعد البرء و ماء الوجه و رونقه و تضم ثاؤه للاتباع ، الي ان قال : و آثره ايثارا اكرمه و فلانا علي نفسه اختاره و قدمه و فضله ، الي ان قال : و استأثر به علي استفعل استبد و خص به نفسه و انفرد به و منه ما في الدعاء و الزيارة ما استاثرت به مشيتكم و باسمك الذي استاثرت به في علم الغيب و الاسم الاثرة كقصبة و غرفة و عصمة » ، و العلم في الفرائد : « نور يقذفه الله في قلب من يحب ش و عند الحكماء حضور المعلوم عند العالم و منه ك يرفع الله الذين آمنوا منكم و الذين اوتوا العلم درجات ، و قال الذي عنده علم من الكتاب هو وزير سليمان و ابن اخته و هو آصف ابن برخيا و كان يعرف اسم الله الاعظم [ص 175] الذي اذا دعي به اجيب و الكتاب اللوح المحفوظ و اولوا العلم اي المتصفون به ، و فوق كل ذي علم عليم اي ارفع منه درجة حتي ينتهي الي الله تعالي و قد تكرر بهذا المعني فيه و يطلق علي اليقين و منه ث لاابالي اذا لماعلم ابول اصابني ام ماء و يقال علم كسمع علما بالكسر اذا تيقن ، الي ان قال : و فيه ايضا رأيت العلم علمين مسموع و مطبوع و لاينفع مسموع اذا لميك مطبوع ، الي ان قال : و المراد بالمطبوع و الموهوب الشعور و العقل و بالمسموع و المكسوب ما يسمعه و يكسبه من العالم المعلم المكمل له ج علوم كجسم و جسوم و جاء بمعني المعرفة كما جائت بمعناه و ضمن كل واحد منهما معني الآخر لاشتراكهما في كون كل واحد منهما مسبوقا بالجهل لانهما ان حصلا عن كسب فذلك الكسب مسبوق بالجهل و اذا كان بمعني اليقين تعدي الي المفعولين و اذا كان بمعني المعرفة تعدي الي مفعول واحد و قد يضمن معني شعر و فطن فتدخل الباء فيقال علم به » ، و الغيب في الفرايد : « غاب عنه كباع و المصدر كبيت و صيحة و كتاب و كينونة و رطوبة و معاش و مبيع ضد حضره ، الي ان قال : و فلان بعد و في الشئ تواري فهو غائب ج غُيّب الي ان قال و الغيب كل ما غاب عنك سواءا كان محصلا في قلبك ام لا و في ك حافظات للغيب اي لما يكون بينهن و بين ازواجهن في الخلوات من الاسرار ، و ماكنا للغيب حافظين ، و لااعلم الغيب ، الذين يؤمنون بالغيب اي بالله عز و جل لانه غيب الغيوب و قيل اي يصدقون باخبار الله تعالي عن الجنة و النار ، الي ان قال : و ما اطمأن من الارض و الشك و الشحم و الغيب ايضا ما لميكن و الشهادة ما قد كان ش ج غيوب كبيت و بيوت » .
اقول اعلم ان من خواص هذا الدعاء المبارك كما عرفت انه من اوله الي آخره جري علي نمط واحد اشرنا اليه في المقدمة [ص 176] و هذه الفقرة ايضا للاشارة الي الاسم المكنون المخزون الذي استأثر به تعالي في علم الغيب عنده فالاسم علي ما قال اميرالمؤمنين عليه السلام ما انبأ عن المسمي و بينه ابنه الرضا عليه السلام بانه صفة لموصوف و قال ابوجعفر عليه السلام ان الاسماء صفات وصف بها نفسه ، اقول فالاسم صفة لموصوفه و تنبي عنه للمثال الواقع عنه فيها و في الحقيقة الموصوف بالصفة و المسمي بهذا الاسم هو هذا المثال لا ذو المثال الاتري نور الشمس في المرآت ان منتهي دلالته علي مثال الشمس الواقع في المرآت لا الشمس السماوية الاتري انه ان كانت المرآة حمراء وجدت فيها شمسا حمراء و ان كانت صفراء وجدتها صفراء و الشمس السماوية لا حمراء و لا صفراء مثلا و كذلك الظاهر من القيام زيد القائم لا الزيد المطلق و انت ان وجدت منه الزيد المطلق فانما هو من جهة ما وجدته قاعدا و ماشيا و راكبا و غيرها و قد علمت انه زيد واحد فنفيت عنه اختلاف الآثار و الاطوار في ذهنك و وجدته مطلقا مجردا و الا فزيد الظاهر في كل صفة هو اعلي مقام هذه الصفة الملقي في هوية هذه الصفة من قوله (ع) تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله و اظهر عنها افعاله ، فالممثل بذلك المثال و الموصوف بهذه الصفة و المسمي بهذا الاسم هو اعلي درجة ما وجدته في مقام الظهور فقط و قد قال الكاظم عليه السلام لهشام يا هشام الماء اسم للمشروب و الخبز اسم للماكول و الثوب اسم للملبوس افهمت يا هشام فهما تناضل به اعداءنا ، اقول فانت باختلاف الآثار و تنقلات الاطوار في معرفة زيد تعلم ان زيدا في ذاته منزه عن جميع تلك الصفات و الاسماء مع انه اولي بها منها و اوجد في مقامات وجودها و كأنه لا شئ الا هو وحده و نفيها و اثباتها عنده علي السواء فمنتهي دلالة الاسماء [ص 177] علي المسمي و الصفات علي الموصوف بها و الذات ممتنعة عن جميعها كلا او جزءا نفيا او اثباتا و هذا في زيد علي نحو الوجدان عند قطع النظر عن حدوده و الكثرات الثابتة له في نفسه و الله سبحانه و تعالي احدي المعني و كمال التوحيد نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران الممتنع عن الازل الثابت في الحدث فالذات تعالي شأنها منزهة عن الصفات بالمرة و ما سمعت من الصفات الذاتية فانما هي كلها الفاظ و تعبيرات عن الاحد تعالي شأنه من غير ان تكون لها مفاهيم متعددة و مناسبات مع الاحد علي حذو ساير الاسماء و المعاني في الخلق فتكون نسبته الي الصفة كنسبة الروح الي البدن مثلا لقوله (ع) المعني في اللفظ كالروح في الجسد ، فانه لو كان كذلك ثبت بينه و بينها الاشتراك و التركيب كما ثبت في محله ان كل مشتركين منتسبين بينهما ما به اشتراكهما و ما به امتيازهما فجاء التركيب و ذهب البساطة و الاحدية البتة فجميع تلك الالفاظ تعبيرات للتفهيم كما قال (ع) اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم ، و لا شئ منها يرجع الي الذات ابدا ابدا و تسميتها بالذاتية بالعبارة السهلة انه تعالي كما اختار بيتا و سماه بيته و اختار عيسي (ع) و سماه روح الله و اختار موسي (ع) بل اصطنعه لنفسه و سماه كليمه و اختار ابرهيم (ع) فسماه خليله و اختار محمدا صلي الله عليه و آله و سماه حبيبه و اختار عليا عليه السلام و سماه نفسه كذلك اختار ذاتا هي بالنسبة الي غيرها ذات الذوات و الذات في الذوات للذات فسماها ذاته ثم ما جعل لها من الصفات و الكمالات نسبها اليه و اختصها بنفسه الاتري انه ورد في العلم و القدرة و امثالهما تارة انها ذاته كما سمع ابوعبدالله (ع) يقول [ص 178] لميزل الله عز و جل ربنا و العلم ذاته و لا معلوم و السمع ذاته و لا مسموع و البصر ذاته و لا مبصر و القدرة ذاته و لا مقدور فلما احدث الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم و السمع علي المسموع و البصر علي المبصر و القدرة علي المقدور الحديث ، فتري انه صرح ان العلم و السمع و البصر و القدرة ذاته ثم ان بعض المتشيعين اختلفوا في العلم انه هل خالق او مخلوق فقال الصادق (ع) لا خالق و لا مخلوق ففزع حمران راوي الخبر فقال اي شئ هو فقال من كماله كيدك منك ، فهذا الكمال هو الذات المشار اليها في الخبر الاول و سماه تعالي علما لانه الكمال الحق المطلق لايفقد شيئا من الكمال و لا نقص فيه بوجه من الوجوه مع انه احدي لا كثرة فيه بوجه و هو خاص خالص لله تعالي لايليق به احد سواه فان ما دونه كلها اما امكان او كون مأخوذ من الامكان و كلها من عرصة الفقدان و مركب من العلم و الجهل و اما علمه تعالي فهو الفعلية الصرف الحق الحقيقي الذي لا جهل فيه و لا فقدان مع انه مستعل علي الاعيان و الاكوان و الامكان و لا شئ منها بمذكور فيه بنفي او اثبات فكيف يحيط به احد ممن سواه و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء بالجملة فالغرض ان ذاتا نسبتها الي ساير الذوات و لا نسبة تكون هكذا انما هي خاصة خالصة لله تعالي و هي ذات الله العليا فان قيل ان العلم ذاته و لا معلوم فالمراد منها تلك الذات و يشير الي ما ذكرنا اضافة الذات الي ضمير الغائب ثم قوله (ع) فلما احدث الاشياء و كان المعلوم وقع العلم منه علي المعلوم ، و العلم الواقع علي المعلوم و ان كان غير ذلك العلم الذاتي فانه لايقع علي شئ و قوله منه اي من نوره بلا تبعيض في نفسه و لكن معذلك ذات غيب الغيوب يمتنع معه غيره و لا نور له علي معني الامتناع و لايقع من نوره [ص 179] الذاتي علي شئ بالجملة لمنكن بصدد هذا البيان و لكن الغرض ان كمال التوحيد نفي الصفات عنه تعالي بالمرة و المراد من الصفات الذاتية انما هو صفات عامة كاملة خارجة من عرصة الاضداد و الامكان و موقعها كينونة الله سبحانه و تعالي و ذاته الظاهرة بمعني انها هي من غير تكثر و تعدد اذ لا شئ غيرها معها يحمل عليها و هي آية الاحد تعالي شأنه فالمراد من الاسم الذي هو له سمي به نفسه علي نحو الاختصاص هو هذا الاسم الذي لا تعبير عنه حقيقة عند الخلق بان يكون التعبير مناسبا للمعبر عنه مشابها له دالا عليه دلالة تكشف عنه و ذلك لما اشرنا اليه من امتناع ما سواه معه و انه فعلية صرف و وجود حق و الامكان و ما دونه كلها مركب من وجدان و فقدان فكيف يليق بان يكون تعبيرا عنه لياقة تامة و يكون حاكيا عنه و محيطا او متصفا به فيختص ذلك بالله تعالي للاحدية التامة الظاهرة فيه لما ذكرنا ان الموصوف بالصفة انما هو اعلي درجة الصفة لا غير و ان كانت الصفة و الموصوف هنا لايتميزان و لايفترقان و لا يقترنان لتنافي كل ذلك مع الاحدية الظاهرة فيه و لكن ذكرنا ذلك بهذه الالفاظ لما وجدنا في مقام الآيات قال تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق اولميكف بربك انه علي كل شئ شهيد بالجملة فهذا الاسم الاقدس خاص بالله تعالي لايسمي به احد سواه و اما ساير الاسماء فلكون مواقعها دون ذلك المقام للمناسبة التي بينها و بين المواقع فهي ليست في الخلوص لله سبحانه بهذه المثابة و ان كان لايدرك عند ملاحظة اسميتها و دلالتها علي المسمي غيره و لايدرك فيها فقدان و نقصان و لكن ذلك بحسب الوجدان عند قطع النظر عما سواه و لكن في الواقع لها تعين و اختصاص علي حسب محالها و مواقعها لا محالة و فيها تكثر [ص 180] و تعدد ينافي الوحدة الصرف و من هنا جوز التسمية بها لغيره تعالي الا في اسم الجلالة و اسم الرحمن علي الظاهر المتعارف و اما هما فلكمال اختصاصهما بالله تعالي في عرصة الاسماء الظاهرة و دلالة اسم الجلالة علي استجماع الصفات و الكمالات و الرحمن ايضا علي الرحمة الواسعة لكل شئ فاختصا به تعالي و لايسمي بهما او باحدهما غيره و اما ما دون ذلك من الاسماء فقد جوزت التسمية بها لغيره تعالي بالجملة فهذا الاسم المقدس خاص به تعالي لايشرك معه احد و قوله صلي الله عليه و آله : او استاثرت به في علم الغيب عندك ، يعني اخترته لنفسك في علم الغيب عندك فاعلم ان في بعض النسخ لا الف فيه بل ورد : و استاثرت به في علم الغيب عندك ، و هو علي الظاهر اصح و انسب بالنسبة الي ما قبله و ما بعده و ان كان يمكن تفسير او ايضا بمعني الواو كما قيل انه حرف عطف يأتي للجمع و التفريق و التقسيم فاذا كان للجمع فكأنه بمعني الواو و لكن مع وجود نسخة مع الواو فقط لايحتاج الي التكلف و الغرض ان ذلك الاسم الذي له تعالي سمي به نفسه خاصة استأثر به في علم الغيب عنده اي العلم الذي لايحيط به احد سواه و هو خاص به تعالي كما في اخبار كثيرة فعن ابيجعفر عليه السلام قال ان لله لعلما لايعلمه غيره و علما يعلمه ملائكته المقربون و انبياؤه المرسلون و نحن نعلمه و عنه (ع) قال ان لله علمين علما مبذولا و علما مكفوفا فاما المبذول فانه ليس من شئ يعلمه الملائكة و الرسل الا نحن نعلمه و اما المكفوف فهو الذي عند الله في امالكتاب ، اقول و هم صلوات الله عليهم ايضا اختصوا بعلم لميعلمه غيرهم لسبقهم علي ساير الخلق بما لايعلمه الا الله سبحانه و الا هم سلام الله عليهم فعن ابيعبدالله عليه السلام قال ان لله علمين علم تعلمه ملائكته [ص 181] و رسله و علم لايعلمه غيره فما كان مما يعلمه ملائكته و رسله فنحن نعلمه و ما خرج من العلم الذي لايعلم غيره فالينا يخرج ، اقول فهذا الذي خرج من العلم و اليهم خرج و اختص بهم انما هو من جهة سبقهم علي ساير الخلق لانهم اول ما خلق الله و ليس معهم في هذه الدرجة غيرهم حتي يعلم علمهم و ساير العلوم المبذولة ايضا علموها سلام الله عليهم اولا ثم تعلم منهم ساير الخلق علي حسب سعة قوابلهم و هو قولهم (ع) نحن العلماء و شيعتنا المتعلمون ، و الاخبار به نادية في جميع انحاء العلوم بالجملة و الغرض ان العلم المكفوف الخاص بالله تعالي هو الذي استأثر به في علم الغيب عنده و هو الذي يعلم ما بين ايديهم و ما خلفهم و لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء و اعلم ان لهذا العلم المكفوف ايضا مقامين احدهما العلم الازلي السابق علي المشية الذي هو سبب لخلق المشية و المشاءات جميعا و معلوم انه لايحيط به احد سواه و الآخر العلم الامكاني و هو العلم بالقوي الامكانية و ما استجنه و اكنه تعالي في الامكان و يخرجه من الامكان او لايخرجه و هو ايضا خاص بالله تعالي لايعلمه و لايحيط به احد سواه الا بالوحي الخاص و هو قولهم عليهم السلام في اخبار متكثرة لولا آية في كتاب الله عز و جل يمحو الله ما يشاء و يثبت و عنده ام الكتاب لاخبرتكم بما كان و ما يكون الي يوم القيمة ، فالعلم بما يخرج من الامكان علي جهة اليقين خاص به تعالي و هو من اللوح المحفوظ عنده علي طبق ما في العلم الازلي و له عز و جل في كلا هذين المقامين اسم سمي به نفسه و استأثر به في علم الغيب عنده فان المراد من الغيب ان كان العلم الازلي فهو خاص به تعالي لايعلمه غيره و ان كان المراد منه العلم الامكاني علي ما ورد في الخبر في تعريفه ان الغيب ما لميكن [ص 182] و الشهادة ما قد كان ، فان علم ما لميكن اي علم ما هو بعد في الامكان و في عرصة البداء فهو هنا خاص به تعالي حتي يخرجه الي الكون و العين فيعلمه غيره فله تعالي في ذلك المقام ايضا اسم خاص سمي به نفسه و استأثر به في علم الغيب عنده و قد يأتيك زيادة البيان حتي تقف علي المراد بالعيان ان شاء الله الرحمن و تسمية امثال هذه المقامات بالاسم مع ان المراد منه السمة و العلامة كما عرفت من قول الرضا (ع) و لا احد هنا يكون ذلك علامة عنده من ذي العلامة فبحسب الظاهر نقول انه من باب الاطراد في جميع مراتب الاسماء و اجرائها مجري واحدا و بحسب الواقع نقول لكل مقام اهل و ان كان هذان المقامان لا تكثر فيهما و الاول في غاية البساطة الازلية و الثاني في غاية البساطة الامكانية الا ان بالنظر الي الآثار و الانوار نقول ان الشئ له جهتان وجود و ماهية و ربوبية و عبودية فهو من حيث الوجود و الربوبية اسم و علامة عند المهية و العبودية ينبأها عن المسمّي و يرشدها اليه و من عرف نفسه فقد عرف ربه و لايطلع علي جهتيه احد فمن دونه بل ورد في مقام الامكان و بحر القدر ان من تطلع عليه فقد ضاد الله في سلطانه و جاء رجل الي اميرالمؤمنين (ع) فقال يا اميرالمؤمنين اخبرني عن القدر فقال بحر عميق فلاتلجه فقال يا اميرالمؤمنين اخبرني عن القدر قال طريق مظلم فلاتسلكه قال يا اميرالمؤمنين اخبرني عن القدر قال سر الله فلاتتكلفه الحديث ، و لايخفي انه ماكان يسعه الولوج و التعمق فيه فمنعه و زبره هكذا و لو كان من اهله لميكن يمنعه فانه ظلم كما في بعض الاخبار .