و بحسب الباطن نقول قد عرفت في باطن الفقرة الاولي ان النور رسول الله صلي الله عليه و آله و هو الاسم المكنون و الائمة صلوات الله عليهم شعاعه و حجبه و اول الاسماء الثلثة الظاهرة او النبي و الائمة صلوات الله عليهم جميعهم الاسم المكنون و الصديقة الكبري صلوات الله عليها شعاعهم و حجابهم و اول الاسماء الثلثة فبناءا عليه سربال الجلال و العظمة ايضا مقام الانبياء او ملبس عليهم صلوات الله عليهم من جهة ان مقامهم اصلا من عالم الروح الملكوتي البرزخ بين العقل و النفس و لكن من باب قوله تعالي و لو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا تلبسوا لباس النفس في عرصة الاناسي و قال تعالي ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه و قد كتب العسكري عليه السلام ان روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة و ان الكليم لما عهدنا منه الوفاء البسناه حلة الاصطفاء ، فسربال الجلال و العظمة هو حلة الاصطفاء الملبس علي موسي عليه السلام و روح القدس هنا مقام [ص 89] الشعاع بالنسبة اليهم (ص) و فاطمة عليها السلام ليلة القدر التي تنزل الملائكة و الروح فيها باذن ربهم من كل امر و يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي و قد مر الخبر عن الصادق عليه السلام في فضل الانبياء في كلام له الحمد لله المحتجب بالنور دون خلقه في الافق الطامح و العز الشامخ و الملك الباذخ فوق كل شئ علا و من كل شئ دنا فتجلي لخلقه من غير ان يكون يُري و هو يَري و هو بالمنظر الاعلي فاحب الاختصاص بالتوحيد اذا احتجب بنوره و سما في علوه و استتر عن خلقه و بعث اليهم الرسل لتكون له الحجة البالغة علي خلقه و يكون رسله اليهم شهداء عليهم و ابتعث فيهم النبيين مبشرين و منذرين ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حيّ عن بينة و ليعقل العباد عن ربهم ما جهلوا و عرفوه بربوبيته بعد ما انكروه و يوحدوه بالالهية بعد ما اضدوه ، اقول انظر في الخبر كأنه بعينه في بيان ما نحن فيه فانه من اوله الي قوله : و استتر عن خلقه ، يشير الي مقامات آلمحمد عليهم السلام و احتجابه تعالي بهم فان المراد من المحتجب بالنور دون خلقه اي المحتجب بالنور امام خلقه اي بينه و بين خلقه حجاب النور فهذا النور هو مقام آلمحمد عليهم السلام لانهم اول ما خلق الله و امام كل الخلق و فوقهم و هم الذين عنده تعالي كما في اخبار كثيرة ثم لما احتجب بهم (ص) و بقي الخلق جاهلين به تعالي بعث اليهم الرسل لتكون له الحجة البالغة علي خلقه الي آخر ما ذكر في الخبر ، فالخلق لما لمينتفعوا من الاسم المكنون و الاسم الاول من الثلثة الظاهرة ايضا اختار لهم اسما آخر في مقام ظهور العظمة و هو مقام الانبياء عليهم السلام ثم لما انذر الانبياء (ص) قومهم من قوله تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد و قوله و اذكر اخا عاد اذ انذر قومه بالاحقاف و قد خلت النذر من [ص 90] بين يديه و من خلفه ان لاتعبدوا الا الله اني اخاف عليكم عذاب يوم عظيم فظهروا بالانذار و التجبر لهم و القهر و الغلبة و خاصة في الانبياء المامورين بالجهاد كموسي عليه السلام و داود و سليمان و محمد صلي الله عليه و آله اشتهر الله تعالي هنا بالتجبر مع انه منزه مقدس مطهر و ماارسلناك الا رحمة للعالمين و بالمؤمنين رأوف رحيم و لكنه تراءي لهم و اشتهر بينهم بالتجبر و القهر و الغلبة و سل سيفه عشر سنين و وضعه علي خياشيم الناس حتي قالوا نشهد ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله صلي الله عليه و آله و لايصعب عليك ما ذكرنا انه صلي الله عليه و آله باطن النور في الفقرة الاولي و هنا ايضا ذكرناه مع الانبياء (ص) فان له صلوات الله عليه و آله ظهورا في جميع العوالم في مقام الاداء و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة الغدير و الجمعة في شأن النبي (ص) اقامه مقامه في ساير عوالمه في الاداء اذ كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار لا اله الا الله الملك الجبار ، و ساير العوالم اي جميعها هنا فان الجمع المضاف يفيد العموم الاستغراقي فاذا له ظهور مع الانبياء و هنا يسمي خاتم النبيين كما ان اوصياءه (ص) لهم ظهورات مع الاوصياء و اميرالمؤمنين عليه السلام خاتم الوصيين بالجملة فالانبياء صلوات الله عليهم مع قدسهم و طهارتهم و نزاهتهم و عصمتهم في مقام الدعوة و الانذار ظهروا بالتجبر و لما كان كلما ينسب اليهم منسوبا الي الله تعالي اشتهر الله سبحانه في مقامهم بالتجبر قال الله تعالي خطابا الي نبيه (ص) و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و قد وجدت في الخبرين المذكورين في المقدمة في فضل الانبياء (ع) ان جميع ما ينسب الي الانبياء فهو منسوب اليه تعالي و قد كررنا [ص 91] ذكر احدهما هنا و في الآخر جعلهم وسائل ساير الخلق اليه و جعل حبهم و طاعتهم سبب رضاه و خلافهم و انكارهم سبب سخطه و امر كل قوم باتباع ملة رسولهم ثم ابي ان يقبل طاعة احد الا بطاعتهم و معرفة حقهم و حرمتهم و وقارهم و تعظيمهم الحديث ، اقول فمعرفة حقهم و حرمتهم و وقارهم و تعظيمهم انما هي لظهور نوره تعالي و جلاله و عظمته و وقاره فيهم و لولاه لميستحقوا هذه المعاملات فمن هنا كلما رؤي منهم نسب الي الله سبحانه فاشتهر الله بالتجبر لتجبرهم و لعله يأتي مزيد البيان في الفقرات الآتية ان شاء الله تعالي .
قال صلي الله عليه و آله يا من تعالي بالجلال و الكبرياء في تفرد مجده .
اللغة : تعالي من العلو بمعني الرفعة ففي الفرايد : « ك و هو العلي العظيم و قد تكرر فيه و هو من اسماء الله تعالي كالمتعالي فالعلي الذي ليس فوقه شئ في المرتبة و الحكم فعيل بمعني فاعل من علا يعلو و المتعالي الذي جل عن افك المفترين و علا شأنه و قيل جل عن كل وصف و ثناء و هو متفاعل من العلو و قد يكون بمعني العالي و هو اعلي منه افعل تفضيل من ذلك ك انك انت الاعلي سبح اسم ربك الاعلي قيل انه نظير الاكبر و معناه العالي بسلطانه و قدرته علي كل من دونه و منه ذكر السجود سبحان ربي الاعلي انا ربكم الاعلي اي لا رب فوقي ، الي ان قال : و علي يعلي كرضي يرضي علاء كسماء و علا يعلي كسعي يسعي و تعلي علي تفعل بمعناه و علا علوا في المكان و علي يعلي علاء في الشرف و المكارم فهو علي ايضا و منه علي اميرالمؤمنين عليه السلام سمي لعلوه في الشرف و المجد و المكارم علي الاشياء » ، و الكبرياء من الكبر اي العظمة في الفرايد : « و الكبر بالكسر العظمة و الكبرياء بمثناة تحتية و الف ممدودة و كسر الراء و هما مختصان بالله عز و جل و في القدسي الكبرياء [ص 92] ردائي و هو من الاخلاق المذمومة في الانسان و قد تكرر ذكره في الحديث و من الشئ معظمه و الشرف و يضم كافه فيهما و الاسم الكبير كالكبرة كسدرة و الرفعة في الشرف و الفعل ، الي ان قال : و تكون لكما الكبرياء في الارض اي العظمة و قيل اي الملك و سمي الكبرياء بالملك لانه اكبر ما يطلب من امر الدنيا ، يكبر في صدوركم اي يعظم ، الي ان قال : الجبار المتكبر هو من اسمائه تعالي المختص به اي ذو الكبرياء و قيل المتعالي عن صفات الخلق و التاء فيه للتفرد و التخصص لا تاء التعاطي و التكلف ، و الحكم لله العلي الكبير اي العظيم و هو ايضا من اسمائه تعالي » اقول قد عرفت سابقا ان الكبر في الغالب يستعمل في العظمة الظاهرة و العظمة في الكبر الباطني و لاسيما اذا استعملا معا كما هنا في الفقرتين و يؤيده تفسير اهل اللغة الكبرياء بالمِلك ، و التفرد من الفرد و في الفرايد : « الفرد نصف الزوج و المتحد و الوتر الذي لا نظير له ، الي ان قال : و تفرد علي تفعل و انفرد علي انفعل بمعني » اقول و التاء في تفرد ايضا كما في المتكبر بالنسبة اليه تعالي للتخصص لا التكلف ، و المجد في الفرايد : « كفلس العزّ و الشرف و الكرم او نيل الشرف و الكرم او لايكون الا بالآباء او كرم الآباء خاصة و قد مجد مجدا كنصر و مجد مجادة ككرُم كرامة و النعت كفاعل و امير ك بل هو قرآن مجيد ذو العرش المجيد ، الي ان قال : و قيل المجيد الشريف الرفيع زاد شرفه علي كل شرف و رفعته علي كل رفعة و في النهاية في اسماء الله تعالي المجيد و الماجد كامير و فاعل و المجد في كلام العرب الشرف الواسع و رجل ماجد كفاعل مفضال كثير الخير شريف و المجيد فعيل منه للمبالغة و قيل هو الكريم الفعال و قيل اذا قارن شرف الذات حسن الفعل سمي مجدا و فعيل ابلغ من فاعل فكأنه يجمع معني [ص 93] الجليل و الوهاب و الكريم ، الي ان قال : و منه حديث قراءة الفاتحة مجدني عبدي من التفعيل اي شرفني و عظمني و منه حديث علي عليه السلام اما نحن بنوهاشم فانجاد امجاد اي اشراف كرام جمع مجيد او ماجد » ، اقول اما الجلال فقد عرفت انه يستعمل في الباطن و الظاهر و يعرف المراد منه بالقراين و اما العلو فقد عرفت انه الرفعة الباطنية و من هنا ورد في الخبر ان اول ما اختار الله تعالي لنفسه من الاسماء العلي العظيم ، و الكبر في الغالب العظمة الظاهرة قال تعالي له الكبرياء في السموات و الارض و يؤيد هذا المعني في العلو و الكبرياء قوله تعالي عالم الغيب و الشهادة الكبير المتعال سواء منكم من اسر القول و من جهر به و من هو مستخف بالليل و سارب بالنهار فوصف نفسه بالكبير لعلمه بالشهادة و ما جهر به و سرب بالنهار اي ظهر و برز و بالمتعال لعلمه بالغيب و بالاسرار و الخفيات و قد اشرنا من كلام صاحب الفرائد ان التاء في اسمائه تعالي كالمتكبر و المتجبر و المتعالي للتخصص لا التعاطي و التكلف و هو صحيح بالنسبة الي حقايق تلك الصفات و مواقعها و لكن لنا فيه تدقيق خارج عن نظر اهل اللغة و هو ان الصفة بالنسبة الي موقعها الذاتي خاصة به و اما اذا اظهرها تعالي في غير موقعها الذاتي بحسب قبول هذا الموقع و حكايته عن الموقع الذاتي قد يجري التكلف هنا بحسب الموقع ففي مقام التمثيل نقول انه تعالي اظهر نوره في الشمس في عرصة الاجسام و هي موقع ذاتي بالنسبة للنور فتسمي منيرة ثم يظهر نورها في الارضيات المواجهة لها فتتنور بنورها بالعرض و اذا زالت المواجهة اظلمت فهنا يأتي التكلف بالنسبة الي الارضيات فاذا قلنا تنورت الارض او استنارت فالتاء هنا للاشارة الي ان النور اصلا من غيرها و ظهرت فيها لمواجهتها للشمس [ص 94] المنيرة فتدبر فيما ذكرنا حتي تأتيك زيادة البيان ، و المجد كما عرفت العز و الشرف و الكرم او نيل الشرف و الكرم او لايكون الا بالآباء او كرم الآباء خاصة و نيل الشرف او كونه بالآباء خاصة لفظان متقاربان و المراد ان الشرف و العز و الكرم اما تكون ذاتية حقيقية او تكون موروثة من غيره فاذا كانت ذاتية سميت باسمائها و اذا كانت موروثة سميت بالمجد و يؤيد هذا المعني قول اميرالمؤمنين عليه السلام اما نحن بنوهاشم فانجاد امجاد ، فان ذكر هاشم عليه السلام هنا للاشارة الي انه شرف و كرم موروث في بنيه ممن سوي المعصومين عليهم السلام فان المعصومين بانفسهم اصل كل خير و ان ورثوا في الظاهر ايضا و اما ساير بنيهاشم فقد ورثوا منه عليه السلام بالجملة و لعل المراد من النجد و هو الشجاعة ايضا ما كان موروثيا فيهم علي انه بمعني الزينة كالبيت المنجد اي المزين و في الحديث انه رأي امرأته و عليها مناجد من ذهب ، جمع منجد كمنابر و منبر و هو حُلي مكلل بالفصوص و قيل قلادة من لؤلؤ و ذهب و هو من التنجيد بمعني التزيين و في الحديث بعث الي امالدرداء بانجاد من عنده ، جمع نجد كاسباب و سبب و هي متاع البيت من فرش و نمارق و ستور و الزينة او متاع البيت مثلا خارجان عن ذات صاحبه و انما يلحق به من الخارج و كذلك يأتي النجد بمعني الطريق قال الله تعالي و هديناه النجدين اي طريق الخير و طريق الشر و الطريق ما يوصل الي المطلوب لا نفس المطلوب كما هو واضح فاذا عرفت ذلك فاعلم انا قد ذكرنا في شرح حديث الاسماء ان الاسماء الثلثة الظاهرة انما هي ظاهرة في الجبروت و الملكوت و الملك اي العقل و النفس و الجسم و المراد من الجسم عالمه اي الدنيا و هي ابعد العوالم من المبدأ و قد سئل علي بن ابيطالب عليه السلام لم سميت الدنيا دنيا و لم سميت الآخرة [ص 95] آخرة فقال (ع) انما سميت الدنيا دنيا لانها ادني من كل شئ و سميت الآخرة آخرة لان فيها الجزاء و الثواب و سئل النبي صلي الله عليه و آله عن الدنيا لم سمي الدنيا قال لان الدنيا دنية خلقت من دون الآخرة و لو خلقت مع الآخرة لميفن اهلها كما لايفني اهل الآخرة الحديث ، و الغرض ان الدنيا ابعد العوالم من المبدأ و الله سبحانه و ان تجلي لخلقه في كل مقام بنوره و اسمه و صفته و لكن لا شك ان تجليه سبحانه في كل مقام بحسبه فمن مقامات ظهوره سبحانه ما هي مواقع ذاتية لظهور اسمائه و صفاته علي ان اسماءه و صفاته كلها خلقه و نوره لا ذاته سبحانه و سبحان ربك رب العزة عما يصفون و كمال التوحيد نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة انها غير الموصوف و شهادة كل موصوف انه غير الصفة و شهادة الصفة و الموصوف بالاقتران الممتنع عن الازل الثابت في الحدث ، فاسماؤه و صفاته كلها خلقه و لها مواقع و هو قولهم عليهم السلام من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة ، فمن تلك المواقع ما هي مواقع و مقامات ذاتية و قد غلبت عليها المقامية حتي اختصت و سميت بها علي الاطلاق كما تقرأ في الدعاء بمقاماتك و علاماتك التي لا تعطيل لها في كل مكان يعرفك بها من عرفك لا فرق بينك و بينها الا انهم عبادك و خلقك فتقها و رتقها بيدك بدؤها منك و عودها اليك الدعاء ، فهذه المقامات لكونها مقاما و موقعا ذاتيا لاسمه الاعظم سميت مقاما و بهذا النظر لايكون ما دونه مقاما الا ان يظهر نوره في غير ذلك المقام من ساير المقامات فتسمي باسمه فهو مقام جواني و هي مقامات برانية كما ان في عرصة الاجسام العرضية الشمس نيرة ذاتية جوانية بالنسبة و ما تنور بها من الارضيات متنورة برانية بالجملة فالدنيا لما كانت دنية دون كل شئ و كل عالم من العوالم الجبروتية و الملكوتية كان ظهور اسمائه تعالي فيها من باب انها رسم ما سبق عليها من العوالم و عنوانها [ص 96] و الظاهر عنوان الباطن قد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون فالعلو الظاهر في هذا العالم من نور العوالم العالية و هو كالفرع من الاصل و الشبح المنفصل من الشبح المتصل نعبر عنه هنا بتعالي للدلالة علي القبول و التأثر من العلي و العالي الذاتي اي موقعه الذاتي ففي هذا المقام تعالي شأنه و بالنسبة اليه جل شأنه التاء للتخصيص و بالنسبة الي موقع ظهوره للقبول كما عرفت ، و الجلال كما عرفت يستعمل في الظاهر و الباطن و بقرينة ما قبله و ما بعده يختص هنا بالظاهر و الكبرياء من الصفات الظاهرة و ان كان يستعمل في العظمة الباطنة و لكن بمقابلته للعظمة المذكورة في الفقرة السابقة يختص بالظاهر ، ثم لايخفي ان التعالي بالجلال و العظمة لعله يتبادر منه الي الاذهان الخائضة في بحر الاشراك به تعالي ان هنا من اهل الجلال و العظمة جماعة الا انه سبحانه تعالي عليهم و صار اجل و اعظم منهم فمن هنا قال صلوات الله عليه و آله في تفرد مجده ، اي لايشركه احد في الشرف و العز و الجلال و العظمة و عبر عنها بالمجد للنكتة التي اشرنا اليها ان المواقع الذاتية لهذه الصفات و ان كانت حيث جعلها الله في مبدأ الخلق و الخلق كلهم دونها و محجوبون بها و لكن لما كان لها فضل نور اضاءت به كل شئ فنفذ ذلك النور الي ادني العوالم و هو الدنيا و عالم الملك فاورثه و اناله من نوره و ان لميكن ذلك من ذاتية الدنيا كما قال عليه السلام كلما بالجسم ظهوره فالعرض يلزمه ، بل و شدة ظهور النور ايضا ليست في الدنيا علي حذو ما في العوالم العالية الاتري انه تعالي يعبر في كثير من الآيات عن الآخرة بلقاء الرب حتي اشتبه علي العامة فزعموا انهم يرونه سبحانه بذاته في الآخرة و غلطوا و لميعرفوا و لكنه من حيث ظهور انواره و آياته فلما كانت [ص 97] هناك اظهر من الدنيا عبر عنها بلقاء الرب جل شأنه و كذلك تري في موضع انه تعالي يقول يوم هم بارزون لايخفي علي الله منهم شئ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار مع انه في موضع آخر يقول و قل الحمد لله الذي لميتخذ ولدا و لميكن له شريك في الملك و لميكن له ولي من الذل و كبره تكبيرا فما معني التخصيص في قوله لمن الملك اليوم مع انه لميكن له شريك في الملك و لايكون لذا اقول لميكن له شريك في الملك و لايكون ابدا الا ان الخلق اكثرهم اشركوا بالله علي حسب اوهامهم الكاسدة الفاسدة في دار الدنيا كما قال و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون ثم لما بعثوا الي الآخرة و اقيموا للجزاء وجدوا آلهتهم لاتغني عنهم من الله من شئ فكفروا بهم و تبرأوا منهم كما قال اذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا و رأوا العذاب و تقطعت بهم الاسباب فهنالك يؤمنون بانه تعالي لا شريك له و لكن لاينفعهم ايمانهم و هنالك يصدقون بان الملك لله الواحد القهار فنداء لمن الملك من جانبه تعالي دائم و لكن قول لله الواحد القهار من جانب الخلق من الكفار و المشركين انما هو حين رأوا العذاب و تقطعت بهم الاسباب و حين يجدون ان الله تعالي لا شريك له و هو قوله تعالي و الذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتي اذا جاءه لميجده شيئا و وجد الله عنده فوفيه حسابه و الله سريع الحساب بالجملة فالدنيا لبعدها عن المبدأ و بحسب استعدادها في نفسها لمتحك نور الله تعالي و اسماءه و صفاته علي ما ينبغي لعز جلاله و لاجل ذلك صارت مبغوضة مسخوطة عند الله تعالي بل سماها لاشيئا لما لميحك من نوره المتأبد بالخلود كما في بعض الاخبار القدسية ان الدنيا في القيمة تسأل ربها ان يجعلها في جزاء احد من المؤمنين فيقول تعالي يا [ص 98] لاشئ اني قد حميت المؤمن منك في الدنيا الفانية و لمارتضك له فهل اعطيكه هنا مع ما اعددت له من النعم الباقية هذا مما لايكون ، و قد نقلته بالمعني بالجملة فالدنيا لدناءتها بالنسبة الي ما سبق عليها لمتحك من انواره تعالي حكاية ذاتية و ان كان نوره تعالي اضاء له كل شئ و لكن كل شئ بحسبه و علي اي حال تعالي الله بالجلال و الكبرياء في تفرد مجده في الملك اي عالم الاجسام و قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممن تشاء و تعز من تشاء و تذل من تشاء بيدك الخير انك علي كل شئ قدير و نكتفي بما ذكرنا بحسب الظاهر .
و اما في الباطن نقول ان الملك بالنسبة الي الملكوت و الجبروت مقام شيعة آلمحمد عليهم السلام و لهم خلق الدنيا و هو قوله تعالي قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده و الطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا خالصة يوم القيمة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون و قد قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث و ما كان لنا فهو لشيعتنا و ليس لعدونا شئ منه الا ما غصب عليه و ان ولينا لاوسع مما بين ذه الي ذه يعني بين السماء و الارض ثم تلا هذه الآية قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا المغصوبين عليها خالصة يوم القيمة بلا غصب و روي انه قال هرون لابيالحسن موسي حين ادخل عليه ما هذه الدار و دار من هي قال لشيعتنا فترة و لغيرهم فتنة قال فما بال صاحب الدار لايأخذها قال اخذت منه معمورة و لايأخذها الا معمورة فقال اين شيعتك قال لميكن الذين كفروا الآية ، قال فنحن كفار فقال لا و لكن كما قال المتر الي الذين بدلوا نعمة الله كفرا الآية ، فغضب عند ذلك و غلظ عليه ، و في بعض النسخ ليس فيه لفظ فترة ، ففي دار الدنيا لغلبة الاعراض بتقديره تعالي و قضائه المبرم [ص 99] كان حكايتها عما اراد الله سبحانه من اسمائه و صفاته علي غير ما في العوالم العالية و قد قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث اف للدنيا انما الدنيا دار بلاء سلط الله فيها عدوه علي وليه فان بعدها دار ليست هكذا فقيل جعلت فداك و اين تلك الدار فقال ههنا و اشار بيده الي الارض ، بالجملة فالملك اصلا لشيعة آلمحمد (ع) و هم الملك لما يملكون علم آلمحمد عليهم السلام و نورهم و ولايتهم كما في الخبر سمّوا ملائكة لانهم يملكون علم آلمحمد عليهم السلام و قد ظهر فيهم جلال الله و كبرياؤه و عظمته و مجده كما ذكرنا في المقدمة اخبارا كثيرة في عظمة نوع المؤمنين و لا بأس بان نعيد بعضها فعن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله جل و عز خلق المؤمن من عظمة جلاله و قدرته فمن طعن عليه او رد قوله فقد رد علي الله و عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي خلق المؤمن من نور عظمته و جلال كبرياءه فمن طعن علي المؤمن او رد عليه فقد رد علي الله في عرشه و ليس هو من الله في ولاية و انما هو شرك شيطان ، اقول و لا شك في ظهور اسمائه و صفاته جل شأنه في المؤمنين و شواهد ذلك في الاخبار كثيرة نكتفي بقليل من كثير فعن القدسي يا ابن آدم انا غني لاافتقر اطعني فيما امرتك اجعلك غنيا لاتفتقر يا ابن آدم انا حي لااموت اطعني فيما امرتك اجعلك حيا لاتموت انا اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك تقول للشئ كن فيكون و عن ابيعبدالله عليه السلام عن آبائه عن النبي (ص) قال نزل علي جبرئيل فقال يا محمد ان الله يقرأ عليك السلام و يقول اشتققت للمؤمن اسما من اسمائي سميته مؤمنا فالمؤمن مني و انا منه من استهان مؤمنا فقد استقبلني بالمحاربة ، و الاخبار بهذه المعاني كثيرة الا انه لايخفي ان [ص 100] ذلك فيهم ليس بالاصالة و انما هو من باب الوراثة و الفرعية و التبعية و الشعاعية بالنسبة الي آلمحمد عليهم السلام و الي الانبياء سلام الله عليهم و قد روي ان العلماء ورثة الانبياء لانهم لميورثوا درهما و لا دينارا و انما ورثوا حديثا من احاديثهم فمن اخذ شيئا منها اخذ حظا وافرا ، و الاخبار الواردة في ان شيعة آلمحمد عليهم السلام ذريتهم و اولادهم و يتاماهم صلوات الله عليهم اكثر من ان تحصي فظهور تلك الصفات فيهم من باب المجد و الوراثة عن آبائهم عليهم السلام و انما سموا شيعة لانهم من شعاعهم و نورهم كما في اخبار كثيرة و الآثار و الصفات المختصة بالمنير انما تظهر في الانوار علي حسب استعدادها و حكايتها عن المنير و ليست مستقلة بانفسها و من هنا نهي عن نسبة بعض الصفات الي غيرهم علي نحو الاصالة كما في الخبر عن العسكري عليه السلام في حديث طويل ظهرت من بعض الموالين المدعين للتشيع كرامات و قد اخذه والي سامرة يعاقبه علي بعض ما صدر منه قال الوالي قد رأيت منه المعجزات قال الامام عليه السلام للوالي و انت فقد كذبت كذبة لو تعمدتها و كذبتها لابتلاك الله بضرب الف سوط و سجن ثلاثين سنة في المطبق قال و ما هي يا بن رسول الله قال بزعمك انك رأيت له المعجزات ان المعجزات ليست له انما هي لنا اظهرها الله فيه ابانة لحجتنا و ايضاحا لجلالتنا و شرفنا و لو قلت شاهدت فيه المعجزات لمانكره عليك اليس احياء عيسي الميت معجزة افهي للميت ام لعيسي اوليس خلقه من الطين كهيئة الطير فصار طيرا باذن الله اهي للطائر او لعيسي اوليس الذين جعلوا قردة خاسئين معجزة افهي معجزة للقردة او لنبي ذلك الزمان فقال الوالي استغفر الله و اتوب اليه ، اقول فنسبة المعجزة و هذا الشرف و الجلالة الي غيرهم عليهم السلام [ص 101] بالاستقلال حرام محرم حتي الي الشيعة الكاملين و ان بلغوا ما بلغوا من الشأن و انما هو ببركاتهم صلوات الله عليهم و دعائهم و مسألتهم من الله تعالي فيهم و قد ورد عن ابيالحسن علي بن محمد صاحب العسكر عليهما السلام في عمر بن الفرات و هو من اجلة ابوابهم و نوابهم صلوات الله عليهم بعد ما اظهر منه كرامات فقال (ع) للراوي و هو زيد بن كثير ارأيت فضل الله علينا و علي بابي عمر بن الفرات فقلت نعم يا مولاي فقد رأيت فلله الشكر و الحمد و لكم الحمد الكثير فقال ذلك والله بمسألتي الله تعالي فيه و في حديث ظهور النور من تحت سواك علي بن مهزيار و مكثه حتي رآه هو و جماعة و عرضه علي الهادي عليه السلام فقال هذا نور فقلت له نور جعلت فداك فقال بميلك الي اهل البيت و بطاعتك لي و لآبائي و لأبي او بطاعتك لي و لآبائي اراكه الله ، و بالجملة هذا امر لا شك فيه عندنا ان ما رؤي او وجد في شيعة آلمحمد عليهم السلام من الفضيلة فهي لآلمحمد عليهم السلام و منهم و بفضل عطائهم ملكوها و هم المالكون لما ملكوهم كما ان الله تعالي هو المالك لما ملك آلمحمد عليهم السلام و لكن القوم لمينصفوا في حقنا و نسبونا الي الغلو ، بالجملة فكما ذكرنا في الملك الظاهر انه انما يكون عنوانا للغيب و آية له و يحكي عنه علي حسب قابليته كذلك شيعة آلمحمد عليهم السلام بالنسبة اليهم عنوانهم و آيتهم و يحكون عن اسماء الله و صفاته علي حسب حكايتهم عنهم كالفرع من الاصل و النور من المنير فتدبر .
قال صلي الله عليه و آله : يا من انقادت له الامور بازمتها طوعا لامره ، يا من قامت السموات و الارضون مجيبات لدعوته الدعاء .
و قد جمعنا بين الفقرتين لان الكلام فيهما علي نسق واحد كما سنبينه ان شاء الله تعالي ، اما معاني الالفاظ بحسب اللغة فالقود كما في الفرايد : « خلاف السوق و انقاد [ص 102] و اقتاد علي انفعل و افتعل للمطاوع لازم متعد في الاخير و من النهاية قاد البعير و اقتاده بمعني جرّه من خلفه ، الي ان قال : و انقاد علي انفعل خضع و ذل و له الطريق الي الشئ وضح يقال قدته فاستقاد لي علي استفعل اذا اعطاك مقادته كمقالة اي قياده و زمامه ، الي ان قال : و القياد ككتاب يستعمل بمعني الطاعة و الاذعان يقال انقاد للامر علي انفعل و اعطي القياد اذا اذعن طوعا او كرها » ، و الامور في الفرائد : « الامر الحال و الشأن و الحادثة ج امور كفلس و فلوس و الطلب و ازمة في الفرايد الزمام ما يشد به و للبعير معلوم ج ازمة كسنان و اسنة و ذكر في ث مفردا و جمعا و قيل الزمام في الاصل الخيط الذي يشد في البرة او في الخشاش ثم يشد اليه المقود ثم سمي به المقود نفسه » ، و طوعا في الفرايد : « طاعه طوعا كقال و خاف و يعدي بالحرف فيقال طاع له انقاد و اذعن بلا كره كاطاعه اطاعة و قيل اطاعه اطاعة اتبع امره و امتثل و لميخالفه و الاسم الطاعة ، الي ان قال : و قيل لايكون الطاعة الا عن امر كما ان الجواب لايكون الا عن قول يقال امره فاطاع ، الي ان قال : ث سئل عمن كلم الله لا من الجن و لا من الانس فقال السموات و الارض في قوله ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين انتهي ، اي منقادين مذعنين و مثله و لله يسجد من في السموات و الارض طوعا و كرها و ظلالهم اي انقيادا و اذعانا » ، و قامت في الفرايد من القيام و له معان كثيرة و لا حاجة الي التفصيل و المراد منه الدوام و الاستقرار و الثبوت و اقامة الصلوة تعديل اركانها و حفظها من ان يقع زيغ في افعالها من اقام العود اذا قومه و قيل ادامتها و المواظبة عليها و بهذه المعاني يفسر قيام السموات في اجابة دعوته و منه في الدعاء اسألك باسمك الذي قام به العرش و الكرسي كقال اي ثبت و استقر ، و السموات جمع [ص 103] السماء من سما يسمو اي علا و ارتفع و السماء لما يقابل الارض بالفتح و المد معلوم قيل يؤنث و يذكر و قيل التذكير قليل و هو علي معني السقف و كل عال مظل سماء و بمعني المطر مؤنثة لانها في معني السحابة و سمي المطر سماءا لانه ينزل من السماء ، اقول سئل اميرالمؤمنين عليه السلام لم سميت السماء سماءا قال لانها وسم الماء يعني معدن الماء و هذا المعني علي خلاف ما ذكره اهل اللغة و لعله من باب ظاهر الظاهر او الاشتقاق الكبير ، و الارض معلوم مؤنثة جمع اروض كفلس و فلوس و آراض كآجال و ارضات بالالف و التاء و ارضون بفتحتين و الواو و النون و ربما سكنت الراء و اراضي علي غير قياس كما جمع الاهل علي الاهالي و الليل علي الليالي و كلما سفل فهو ارض ايضا و الارض ايضا اسفل قوائم الدابة و الزكام و الرعد و النفضة كغرفة و منه الحديث ازلزلت الارض ام بي ارض اي رعدة فعل الثلثة ارض مجهولا ، و مجيبات من الاجابة و هي قبول الشئ و الاوامر و الاطاعة و التسليم كالاستجابة من الاستفعال ، و الدعوة من دعا و دعا الله دعاء و دعوي ابتهل اليه بالسؤال و رغب فيما عنده من الخير و فلانا ناداه و طلب اقباله و فلانا استغاثه و الدعوة المرة الواحدة ج دعوات كسجدة و سجدات و المؤذن الناس ناداهم الي الصلوة و النبي و الامام عليهما السلام الخلق الي الله طلب اقبالهم اليه و رغبتهم فيما عنده من الثواب و منه استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم ، اقول معني الفقرتين بحسب الظاهر واضح لا حاجة فيه الي التفصيل لكنا نذكر من البيان ما خفي علي بعض اهل الظاهر و لا حول و لا قوة الا بالله .
فاعلم ان الله سبحانه في جميع خلقه لميخلق شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه فالاشياء كلها مركبة من حيثين مقبول و قابل ، و المقبول انما هو من جهة [ص 104] الفاعل و حيث ظهور فعله و فاعليته للقابل و هو المفعول بفعله و كلتا الجهتين يداه سبحانه الا ان جهة الفاعل يده اليمني و جهة المفعول يده اليسري و ان كانت كلتا يديه يمينا لكنه بالنظر الكوني الصرف و بنظر آخر في الشرع الكوني احداهما يمين و الاخري يسار و كلتا الجهتين تحكي عن امره تعالي و فعله و نوره اذ ليس الا الله و فعله و نوره كما في الخبر الا ان جهة الفاعل اقرب اليه و احكي لنوره و اقوي و اشد و تحكي عن اسمائه و صفاته و افعاله و جهة المفعول لبعدها بالنسبة عن المبدأ و ان كانت تحكي عن جميع ذلك لكنها حكاية انفعالية و قبولية خلافا لجهة الفاعل فانها حكاية فعلية الاتري انك تنظر الي كل شئ من جهته العليا فتراه فعله تعالي و اسمه و صفته و كماله و من جهته السفلي انها انفعلت بذلك الفعل و حكت عنه و اتصفت و تكملت به فجميع ما خلق الله سبحانه مركب من هاتين الجهتين و لايخلو منهما شئ فاذا عرفت ذلك فاعلم ان النبي صلي الله عليه و آله في هذا الدعاء المبارك ذكر اولا ظهوره سبحانه و تجليه بالاسماء الثلثة الظاهرة علي ما مر في المقدمة فاشار اليها بالفقرات الثلث التي مر شرحها ثم اشار في هاتين الفقرتين اليها من حيث القابلية و المفعولية و المطاوعة و الحكاية لما القي اليها من امثلة اسمائه و صفاته و آياته حتي يحمده و يمدحه و يمجده بجميع محامده و مدايحه فانه اقوي و اسرع في التأثير من ان يكتفي ببعضها البتة فانه ان كان بعض الحمد و المدح مؤثرا في الاجابة كما في بعض الاخبار فكيف بكله فقال صلوات الله عليه و آله : يا من انقادت له الامور بازمتها طوعا لامره ، و هو كما تري مقام جمع الامور و كلها و حيث تجتمع ازمة الامور لديه و هو مقام العقل بحسب الباطن و العرش الغيبي و بحسب الظاهر ايضا [ص 105] العرش اي الفلك التاسع تجتمع الامور فيه و عنده ازمتها المتر ما روي في صفة العقل في حديث الاعرابي عن اميرالمؤمنين (ع) قال يا مولاي و ما العقل قال العقل جوهر دراك محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشئ قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب ، اقول فالعقل مع كونه محيطا بالاشياء من جميع جهاتها عارفا بها قبل كونها و علة للاشياء و نهاية المطالب و كونه وسط الكل كما في حديث كميل اطوع لله تعالي من جميع خلقه كما في اخبار كثيرة و له فضايل لاتحصي ففي حديث شمعون عن النبي (ص) قال و ان الله خلق العقل فقال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر فقال الله تبارك و تعالي و عزتي و جلالي ماخلقت خلقا اعظم منك و لا اطوع منك بك ابدئ و بك اعيد لك الثواب و عليك العقاب و قال ابوعبدالله (ع) لما خلق الله العقل قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر ثم قال و عزتي و جلالي ماخلقت خلقا هو احب الي منك بك آخذ و بك اعطي و عليك اثيب ، و الاخبار في فضل العقل كثيرة و غرضنا انه اذا كان علة الموجودات محيطا بها و به يبدؤ الله و به يعيد و به يأخذ و به يعطي و ليس خلق اطوع له تعالي منه فقد انقادت له الامور كلها بازمتها طوعا لامره في هذا المقام و لاتزعم انه محصور في مقامه الخاص به فانه اذا كان محيطا بالاشياء من جميع جهاتها فلايقف محصورا في مقامه و باطاعته يطيع الكل و القوة الانفعالية التي في جميع الاشياء هي اصلها و منشاؤها من العقل الذي امره الله بالادبار فنزل في جميع مراتب الاكوان فالكل منقادون بانقياده طائعون بطاعته و اذا كان العقل كلية ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان فكل عبادة في كل احد انما هي من فضل ظهور العقل فيه قال رسول الله صلي الله عليه و آله لكل شئ [ص 106] دعامة و دعامة المؤمن عقله فبقدر عقله تكون عبادته لربه و سئل ابوجعفر عليه السلام عن قول الله ينزل الملئكة بالروح من امره علي من يشاء من عباده فقال جبرئيل الذي نزل علي الانبياء و الروح تكون معهم و مع الاوصياء لاتفارقهم تفقههم و تسددهم من عند الله و انه لا اله الا الله محمد رسول الله و بهما عبد الله و استعبد الله علي هذا الجن و الانس و الملئكة و لميعبد الله ملك و لا نبي و لا انسان و لا جان الا بشهادة ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله و ماخلق الله خلقا الا للعبادة ، اقول و الحاصل ان جميع الخلق خلقوا للعبادة و العبادة تحصل بتأييد الروح و هو العقل بالجملة و الغرض ان جميع الامور حاصلة للعقل لاحاطته بها و رأوس العقل التي قال (ص) لكل آدمي منه رأس انما هي ازمة الاشياء التي لها عنده و ذكر الآدمي لايدل علي التخصيص فانه يمكن تعميمه بحسب التأويل و يمكن ان يقال ان اثبات الشئ لاينفي ما عداه فالعقل اذا كان علة الموجودات و محيطا بها فلا محالة لجميع الموجودات ازمة عند العقل هي السبب لانقيادها له سبحانه الاتري اشتراك العلة و المعلول في حروف الاصول فهي زمام ازمتها .
و ان ابيت الا اللسان العلمي الاصطلاحي اقول ان العقل مقام المادة و من هنا صار معنويا و المادة مقام الصلوح و المطاوعة لفعل الفاعل و ازمة الاشياء هي موادها الشخصية التي هي حيوثها الي المادة النوعية و آثارها فيها و هي منقادة لامره سبحانه كالمداد الذي تكتب به ما شئت من الحروف فالعقل الذي هو مقام المادة بالنسبة الي ما دونه فيه القوي المستجنة التي بامره تعالي و دعوته تخرج من القوة الي الفعلية و بحسب الظاهر العرش ظهور العقل و الروح في عرصة الاجسام و قد روي عن الصادق عليه السلام انه قال ان الله تبارك [ص 107] و تعالي خلق روح القدس و لميخلق خلقا اقرب اليه منها و ليست باكرم خلقه عليه فاذا اراد امرا القاه اليها فالقاه الي النجوم فجرت به ، اقول و لايخفي ان الارواح لاتؤثر في الاجسام الا باياد و مظاهر جسمانية فالروح لاتلقي الي النجوم شيئا الا بيد العرش و الكرسي كما ان الروح الحيواني لاتلقي الي الاعضاء و الجوارح شيئا الا بمعونة الروح البخاري و ظهوره فيه ثم بمعونة المخ و الاعصاب و هكذا فهكذا يلقي الله و ينزل كل امر بسبب الملئكة و الروح و الروح ايضا يظهر في عرش هذا العالم ثم منه الي الكرسي و منه الي البروج و السيارات علي ما شاء الله و اراد فتقدير جميع الامور و ازمتها في العرش و منه يجري الي ما دونه و كلها منقادة بازمتها لامره تعالي و لايخالف شئ منها محبته الكونية و يشير الي هذا المعني ايضا ما روي عن ابيعبدالله (ع) عن آبائه عليهم السلام عن اميرالمؤمنين (ع) في حديث في بيان الذر قال ثم اخفي الله الخليقة في غيبه و غيبها في مكنون علمه ثم نصب العوالم و بسط الزمان و مزج الماء و اثار الزبد و اهاج الدخان فطفي عرشه علي الماء و سطح الارض علي ظهر الماء و رفع السماء ثم استجابهما الي الطاعة فاذعنتا بالاستجابة الحديث ، و هو عبارة عن اجتماع الخليقة في غيب العرش لانه من اكبر ابواب الغيوب كما في الخبر ثم دعا السموات و الارض الي الطاعة و استخراج ما استكن في العرش الي عرصة الظهور فاذعنتا بالطاعة ، بالجملة و اما قوله : يا من قامت السموات و الارضون مجيبات لدعوته ، فلايخفي ان السموات انما هي مظاهر الملكوت و هي النفس الملكوتية ثاني المقامات و محل ظهور الاسم الثاني من الاسماء الثلثة الظاهرة علي ما مر في المقدمة قال في الفرايد : « الملكوت كجبروت الملك العظيم كقفل و الواو و التاء زيدتا [ص 108] للمبالغة و العز و السلطان كالملكوة كترقوة و عالم نفوس الاشياء ك اولمينظروا في ملكوت السموات و الارض بيده ملكوت كل شئ » اقول و يشير الي هذا المعني ما روي في تفسير قوله تعالي و كذلك نري ابرهيم ملكوت السموات و الارض انه كشط لابرهيم السموات السبع حتي رأي ما فوق العرش ، اقول فالمراد من ملكوت السموات بواطنها التي رآها بكشفها و هي عالم النفوس فوق عرش هذا العالم فتدبر بالجملة و روي من تفسير علي بن ابرهيم في قوله و في السماء رزقكم و ما توعدون قال المطر ينزل من السماء فيخرج به اقوات العالم من الارض و ما توعدون من اخبار القيمة و الرجعة و اخبار النبي في السماء ثم قسم عز و جل بنفسه قال فورب السماء و الارض انه لحق مثل ما انكم تنطقون يعني ما وعدتكم ، اقول و في اخبار متضافرة ان الجنة في السماء السابعة و من خطبة البيان عن اميرالمؤمنين و الجنة اليوم في السماء السابعة فاذا كان غدا جعله الله حيث يشاء ، اقول و الغرض ان السموات مظاهر الملكوت اعني عالم النفس الملكوتية كما مر في شرح الفقرة الثانية من فقرات الدعاء و هي مجيبات لدعوته تعالي قال الله سبحانه للسماوات و الارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين و الارض محل الجسم و عينه و مظهره و الدنيا و ان كانت من العرش الي الفرش جسما و جميع السموات و الارض اجسام بعضها فوق بعض و لكن لايخفي ان السموات لشدة لطافتها و حكايتها عن النفوس و الارواح الملكوتية غلبت عليها الروحانية و النفسانية حتي سميت روحا الاتري الروح البخاري يسمي روحا مع ان البخار جسم مأخوذ من صفايا الماء و معذلك سمي روحا و هو احد معاني قوله عليه السلام الروح جسم لطيف البس قالبا كثيفا ، فمن اجل ذلك قلنا ان السموات هنا تعبير عن [ص 109] الملكوت و هي قوابلها و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الفلسفة من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و من سما الي ما يرتقيه فقد تخلق بالاخلاق النفسانية و من تخلق بالاخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان فقد دخل في الباب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الغاية مغير ، اقول انظر كيف يصرح بما ذكرنا و الحمد لله علي ما هدانا الي اخبار شارحة للمراد و الباب الملكي الصوري بعينه عرصة الملكوت و العالم العلوي قال (ع) في صفة العالم العلوي صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ، اقول فالباب الملكي الصوري اشارة الي تلك الصور العالية النفسانية و باقي الخبر اشارة الي كيفية حكاية الاسماء و الصفات كما مر في الفقرات الثلث و كذلك قال علي عليه السلام خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت اوائل جواهر عللها و اذا اعتدل مزاجها و صح منهاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول ان القلب اذا صفا ضاقت به الارض حتي يسمو ، اقول انظر كيف تنطبق الاخبار بعضها علي بعض و الغرض ان السموات و ان كانت اجساما الا انها لما صفت و فارقت اضداد العناصر الارضية سمت الي السموات و لحقت بالارواح و النفوس و اما العناصر الارضية الواقعة في عرصة الاضداد فقد بقيت في اسفل الدرجات كما هو شأن الجسم الغاسق المتقلص و هي مصداق الجسم و الدنيا و عرصة الملك لكنها معذلك لاتمتنع عن اجابة دعوة الداعي كل الامتناع و ان كانت مطاوعتها دون مطاوعة السموات [ص 110] الاتري السموات تدور و تتحرك دائما بتحريك العرش و اما الارض فهي ساكنة واقفة في مقامها قال الله تعالي الله الذي جعل لكم الارض قرارا و السماء بناءا و قال الذي جعل لكم الارض فراشا و من باب انه سبحانه اراد ان تكون الارض ساكنة مستقرة لتكون محل قرار الخلق نقول انها مع سكونها مطيعة لدعوته تعالي اذ لميرد منها الا ذلك و قد قال الصادق عليه السلام لمفضل ثم فكر في خلق هذه الارض علي ما هي عليه حين خلقت راتبة راكنة فيكون موطنا مستقرا للاشياء فيتمكن الناس من السعي عليها و الجلوس عليها لراحتهم و النوم لهدئهم و الاتقان لاعمالهم فانها لو كانت رجراجة متكفئة لميكونوا يستطيعون ان يتقنوا البناء و التجارة و الصناعة و ما اشبه ذلك كانوا لايتهنأون بالعيش و الارض ترتج من تحتهم و اعتبر ذلك بما يصيب الناس حين الزلازل علي قلة مكثها حتي يصيروا الي ترك منازلهم و الهرب عنها الخبر ، فالله سبحانه من كمال لطفه و حكمته اراد من الارض ان تكون هكذا ساكنة و معذلك تتحرك دائما و تسير باقدام اجابتها في خروج القوي المستجنة فيها علي ما شاء الله و اراد و لميرد الله سبحانه منها الا ذلك و ان كانت ارادته منها و دعوته اياها علي حسب قابليتها التي آتاها و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها بالجملة فالحاصل ان هاتين الفقرتين اشارة الي قابليات العوالم الثلثة من حيث اطاعتها و انقيادها لدعوته تعالي شأنه .
و بحسب الباطن نقول ان بواطن هذه المقامات الثلثة في هاتين الفقرتين ايضا ترجع الي ما ذكرنا في الفقرات الثلث فانقياد الامور بازمتها طوعا لامره انما يرجع الي مقام آلمحمد عليهم السلام الثلثةعشر او الي مقام الصديقة الطاهرة صلوات الله عليها و علي بعلها و بنيها علي ما مر من المعنيين فيما سبق و قيام [ص 111] السموات مجيبات لدعوته انما يجري في الانبياء صلوات الله عليهم و قيام الارض كذلك يجري في مقام الشيعة رضوان الله عليهم اما رجوع انقياد الامور بازمتها الي مقام آلمحمد عليهم السلام فهو بديهي لاينكر عند الشيعي و الاخبار بهذه المعاني اكثر من ان تحصي و في حديث طارق بن شهاب خلقهم الله من نور عظمته و ولاهم امر مملكته فهم سر الله المخزون و اولياؤه المقربون و امره بين الكاف و النون لا بل هم الكاف و النون و فيه و صراط الحق و عصمته و مبدأ الوجود و غايته و قدرة الرب و مشيته و في حديث عن المفضل عن الصادق (ع) سبقت عزيمة من الله انه لايتقبل من احد الا بنا و لايعذب احدا الا بنا فنحن باب الله و حجته و امناؤه علي خلقه و خزانه في سمائه و ارضه حللنا عن الله و حرمنا عن الله لانحتجب عن الله اذا شئنا و هو قوله و ماتشاؤن الا ان يشاء الله و هو قوله صلي الله عليه و آله ان الله جعل قلب وليه وكرا لارادته فاذا شاء الله شئنا و في زيارة اميرالمؤمنين (ع) السلام عليك يا حافظ سر الله و ممضي حكم الله و مجري ارادة الله و موضع مشية الله و خرج عن ابيالحسن الثالث (ع) انه قال ان الله جعل قلوب الائمة موردا لارادته فاذا شاء الله شيئا شاؤه و هو قول الله عز و جل و ماتشاؤن الا ان يشاء الله ، و في حديث النورانية قال اميرالمؤمنين (ع) قد اعطانا ربنا عز و جل علمنا للاسم الاعظم الذي لو شئنا خرقنا السموات و الارض و الجنة و النار و نعرج به السماء و نهبط به الارض و نغرب و نشرق و ننتهي به الي العرش فنجلس عليه بين يدي الله عز و جل و يطيعنا كل شئ حتي السموات و الارض و الشمس و القمر و النجوم و الجبال و الشجر و الدواب و البحار و الجنة و النار ، و ان شئت اريتك زماما من الازمة التي جعلها الله بايديهم صلوات الله عليهم حتي [ص 112] تري كيفية انقياد الاشياء و الامور لهم (ع) ففي الكتاب المبين عن جابر بن يزيد الجعفي في حديث طويل شريف يشكو فيه الي سيدي علي بن الحسين عليهما السلام ظلم بنيامية لعنهم الله ، الي ان قال : ثم دعا يعني الامام (ع) ابنه محمدا عليه السلام فقال يا بني قال لبيك يا سيدي قال اذا كان غدا فاغد الي مسجد رسول الله (ص) و خذ معك الخيط الذي انزل مع جبرئيل عليه السلام علي جدنا صلي الله عليه و آله فحركه تحريكا لينا و لاتحركه تحريكا شديدا الله الله فيهلك الناس كلهم قال جابر فبقيت متفكرا متعجبا من قوله (ع) فماادري ما اقول لمولاي عليه السلام فعدت الي محمد عليه السلام و قد بقي عليّ ليل حرصا علي ان انظر الي الخيط و تحريكه فبينما انا علي دابتي اذ خرج الامام عليه السلام فقمت و سلمت عليه فرد علي السلام و قال ما غدا بك فلمتكن تأتينا في هذا الوقت فقلت يا بن رسول الله سمعت اباك صلي الله عليه يقول بالامس خذ الخيط و صر الي مسجد رسول الله صلي الله عليه و آله فحركه تحريكا لينا و لاتحركه تحريكا شديدا فتهلك الناس كلهم فقال يا جابر لولا الوقت المعلوم و الاجل المحتوم و القدر المقدور لخسفت والله بهذا الخلق المنكوس في طرفة عين لا بل في لحظة لا بل في لمحة و لكننا عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون قال قلت له يا سيدي و لم تفعل هذا بهم قال ماحضرت ابي بالامس و الشيعة يشكون اليه ما يلقون من الناصبية الملاعين و القدرية المقصرين فقلت بلي يا سيدي قال فاني ارعبهم و كنت احب ان يهلك طائفة منهم و يطهر الله منهم البلاد و يريح العباد قلت يا سيدي فكيف ترعبهم و هم اكثر من ان يحصوا قال امض بنا الي المسجد لاريك قدرة من قدرة الله تعالي قال جابر فمضيت معه الي المسجد فصلي ركعتين ثم وضع خده [ص 113] في التراب و كلم بكلمات ثم رفع رأسه و اخرج من كمه خيطا دقيقا يفوح منه رائحة المسك و كان ادق في المنظر من خيط المخيط ثم قال خذ اليك طرف الخيط و امش رويدا و اياك ثم اياك ان تحركه قال فاخذت طرف الخيط و مشيت رويدا فقال صلوات الله عليه قف يا جابر فوقفت فحرك الخيط تحريكا لينا فماظننت انه حركه من لينه ثم قال ناولني طرف الخيط قال فناولته فقلت ما فعلت به يا بن رسول الله قال ويحك اخرج الي الناس و انظر ما حالهم قال فخرجت من المسجد فاذا صياح و ولولة من كل ناحية و زاوية فاذا زلزلة و هدّة و رجعة و اذا الهدة اخربت عامة دور المدينة و هلك تحتها اكثر من ثلثينالف رجل و امرأة و اذا بخلق يخرجون من السكك لهم بكاء و عويل و ضوضاة و رنة شديدة و هم يقولون انا لله و انا اليه راجعون قد قامت الساعة و وقعت الواقعة و هلك الناس و آخرون يقولون الزلزلة و الهدّة و آخرون يقولون الرجفة و القيمة هلك فيها عامة الناس و اذا اناس قد اقبلوا يبكون يريدون المسجد و بعضهم يقولون لبعض كيف لايخسف بنا و قد تركنا الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و ظهر الفسق و الفجور و كثر الزنا و الربوا و شرب الخمر و اللواطة والله لينزلن بنا ما هو اشد من ذلك و اعظم او نصلح انفسنا قال جابر فبقيت متحيرا انظر الي الناس يبكون و يصيحون و يولولون و يغدون زمرا زمرا الي المسجد فرحمتهم حتي والله بكيت لبكائهم و اذا لايدرون من اين اتوا و اخذوا فانصرفت الي الامام الباقر عليه السلام و قد اجتمع الناس له و هم يقولون يا بن رسول الله ما تري ما نزل بنا و بحرم رسول الله (ص) و قد هلك الناس و ماتوا فادع الله عز و جل لنا فقال لهم افزعوا الي الصلوة و الصدقة و الدعاء ثم سئلني فقال يا جابر ما حال الناس فقلت يا سيدي لاتسئل يا بن رسول الله خربت [ص 114] الدور و القصور و هلك الناس و رأيتهم بغير رحمة فرحمتهم فقال (ع) لارحمهم الله ابدا اما انه قد بقي عليك بقية لولا ذلك مارحمت اعدائنا و اعداء اوليائنا ثم قال عليه السلام سحقا سحقا بعداً بُعداً للقوم الظالمين والله لو حركت الخيط ادني تحريكة لهلكوا اجمعين و جعل اعلاها اسفلها و لميبق دار و لا قصر و لكن امرني سيدي و مولاي ان لااحركه شديدا ثم صعد المنارة و الناس لايرونه فنادي باعلي صوته الا ايها الضالون المكذبون فظن الناس انه صوت من السماء فخروا لوجوههم و طارت افئدتهم و هم يقولون في سجودهم الامان الامان فاذا هم يسمعون الصيحة بالحق و لايرون الشخص ثم اشار بيده صلوات الله عليه و انا اراه و الناس لايرونه فزلزلت المدينة ايضا زلزلة خفيفة ليست كالاولي و تهدمت فيها دور كثيرة ثم تلا هذه الآية ذلك جزيناهم ببغيهم ثم تلا بعد ما نزل فلما جاء امرنا جعلنا عاليها سافلها و امطرنا عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين و تلا عليه السلام فخر عليهم السقف من فوقهم و اتاهم العذاب من حيث لايشعرون قال و خرجت المخدرات في الزلزلة الثانية من خدورهن مكشفات الرأوس و اذا الاطفال يبكون و يصرخون و لايلتفت احد فلما بصر الباقر عليه السلام ضرب بيده الي الخيط فجمعه في كفه فسكنت الزلزلة ثم اخذ بيدي و الناس لايرونه و خرجنا من المسجد فاذا قوم قد اجتمعوا علي باب حانوت الحداد و هم خلق كثير يقولون ما سمعتم في مثل هذه المدة من الهمهمة فقال بعضهم بلي همهمة كثيرة و قال آخرون بلا والله صوت و كلام و صياح كثير و لكنا والله لمنقف علي الكلام قال جابر فنظر الباقر عليه السلام الي فتبسم ثم قال يا جابر هذا دأبنا و دأبهم اذا بطروا و اشروا و تمردوا و بغوا ارعبناهم و خوفناهم فاذا ارتدعوا و الا اذن الله في خسفهم قال [ص 115] جابر يا ابن رسول الله فما هذا الخيط الذي فيه الاعجوبة قال هذه بقية مما ترك آل موسي و آل هرون تحمله الملائكة الينا يا جابر ان لنا عند الله منزلة و مكانا رفيعا و لولا نحن لميخلق الله ارضا و لا سماءا و لا جنة و لا نارا و لا شمسا و لا قمرا و لا برا و لا بحرا و لا سهلا و لا جبلا و لا رطبا و لا يابسا و لا حلوا و لا مرّاً و لا ماءا و لا نباتا و لا شجرا اخترعنا الله من نور ذاته و لايقاس بنا بشر بنا انقذكم الله عز و جل و بنا هداكم و نحن والله دللناكم علي ربكم فقفوا عند امرنا و نهينا و لاتردوا كل ما ورد عليكم منا فانا اكبر و اجل و اعظم و ارفع من جميع ما يرد عليكم ما فهمتموه فاحمدوا الله عليه و ما جهلتموه فكلوا امره الينا و قولوا ائمتنا اعلم بما قالوا قال ثم استقبله امير المدينة الحديث ، و هو طويل شريف مشتمل علي فضايل كثيرة بل قليلة من فضائلهم التي لاتحصي فهذا الخيط احد الازمة التي عندهم و لعله من ادانيها التي كانوا بذلوها اولا لآل موسي و هرون (ع) ثم ورثوها ثانيا مما ترك آل موسي و آل هرون المتسمع خسف موسي (ع) لقارون و اقامة بنياسرائيل في التيه اربعين سنة كلما ساروا دارت بهم الارض و رجعوا الي مقامهم فهذا الخيط كان عندهما (ع) يتصرفان به في الارض و كان عند آلهما يوشع بن نون (ع) و غيره من انبياء بنياسرائيل و يصح ان يقال ان المراد من موسي و هرون حقيقة النبي و الوصي عليهما و آلهما صلوات الله و آلهما هم هم (ع) لقوله صلي الله عليه و آله انت مني بمنزلة هرون من موسي ، و علي اي حال عندهم ازمة جميع الامور حتي انفس الانبياء (ع) و قد خلقوا من نورهم و فاضل طينتهم و عرق جبينهم و عرض ولايتهم (ص) علي الانبياء و اخذ منهم ميثاقها و ابتلوا بالبلايا لما وقع منهم من القصور فيها كما صرح بذلك في اخبار آلمحمد عليهم السلام و لا حاجة الي [ص 116] التفصيل بذكرها ثم انا قد اشرنا سابقا الي نسبة الصديقة الطاهرة صلوات الله عليها اليهم بانها امّهم و محل تصويرهم و زيت قابليتهم (ص) حتي بالنسبة الي النبي صلي الله عليه و آله و من هنا كنيت بامابيها و لايخفي ان آثار النار كلها انما تظهر في الزيت علي حسبه و تصدر منه و تنسب اليه الاتري ان الله تعالي يقول يكاد زيتها يضيئ و لو لمتمسسه نار حيث انه نسب الاضائة الي الزيت مع انها اصلا من النار و لكن ان لميكن الزيت لمتضيئ النار و لما استضاء لنا الزيت قلنا قد اضاء لنا حتي استضأنا به كما في قول الرضا عليه السلام لعمران فبهذا تبصر امرك فجميع آثار النار انما تظهر من الزيت و لولا الزيت لمتوجد الآثار و ازمة امور الانوار جميعا عند الزيت و هي اشعته الاتري انه لو لميكن الزيت لميكن احراق و لا اضائة و لا تفتيت و لا تكليس و لا تصعيد و لا و لا و كلها راجعة اليه بل النسب و الاضافات و القرب و البعد و مقادير استحقاق الجدران و الفضاء في درجاتها لآثار النار كلها راجعة الي الزيت و ذلك لان النار و ان كانت منبثة في كل مكان و لكن الامكنة لاتنفعل بفعلها من دون زيت ممسوس في ذات النار مستنير بنورها تجلي لها فاشرقت و طالعها فتلألأت فالقي في هويتها مثاله و اظهر منها افعاله و ذلك لان الزيت بالنسبة الي النار و الي مسها المطلق واقع في عرصة المحدودية و ان كان في مقام القطبية و القلبية بالنسبة الي الكائنات التي دونه و هو مقام العقل المحيط بالاشياء من جميع جهاتها العارف بالشئ قبل كونه و علة الموجودات و نهاية المطالب و لكنه معذلك بالنسبة الي ما فوقه محدود بالمعنوية و الكلية و المادية و يختلف نسب الكائنات اليه خلافا لما فوقه و بهذا الاختلاف يختلف استحقاقها للفيوض و الامداد قال صلي الله عليه و آله [ص 117] لا اختلاف في الله و لا في و لكن الاختلاف فيك يا علي ، و قال تعالي عم يتساءلون عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون و هو مفسر بامير المؤمنين عليه السلام و خطاب النبي (ص) ايضا اليه و لكن لايخفي ان الخطاب اليه (ع) الي حيث نفسه و الله تعالي يقول خلق لكم من انفسكم ازواجا فهي مقام فاطمة عليها السلام و ترجع الاختلافات اليها و تختلف النسب بالنسبة اليها صلوات الله عليها فتتقدر الاحكام و الاقتضاءات عندها الاتري انه اذا لمتكن في الفضاء شعلة كان مظلما في جميع اجزائه و اذا وجد الدهن و مسته النار و استضاء و اضاء كان الجزء القريب منه احر و انور و الجزء البعيد منه ابرد و اظلم فبالنسبة اليه تتقدر الانوار و الآثار في اجزاء الفضاء و لولاه لمتتقدر و لمتستضئ ابدا فمقام الصديقة الطاهرة صلوات الله عليها بالنسبة الي ما سبق عليها من نور النبي و الولي (ع) مقام الزيت و عندها تحصل الشعلة ثم تتقدر عندها الانوار و الآثار لجميع الكاينات و من هنا صارت سلام الله عليها و علي ابيها و بعلها و بنيها ليلة القدر التي هي خير من الف شهر كما روي في حواشي القرآن لأبي العلامة اعلي الله مقامه في تفسير ليلة القدر انها فاطمة عليها السلام و في تفسير البرهان عن ابيعبدالله (ع) في حديث و اما قوله ليلة القدر خير من الف شهر يعني فاطمة في قوله تعالي تنزل الملائكة و الروح فيها و الملئكة في هذا الموضع المؤمنون الذين يملكون علم آلمحمد صلوات الله عليهم و الروح روح القدس و هي فاطمة ( في فاطمة خل ) (ع) من كل امر سلام يقول من كل امر سلمه حتي يطلع الفجر يعني حتي يقوم القائم (ع) ، بالجملة فليلة القدر و ان كانت لكل واحد منهم و مفسرة بهم (ص) كما في اخبار كثيرة و لكن لها اختصاص بفاطمة عليها السلام للعلة [ص 118] التي ذكرنا و انها لاحدي الكبر نذيرا للبشر و هي من نورهم و طينتهم كالضوء من الضوء لا فرق بينها و بينهم و اشهد ان ارواحكم و نوركم و طينتكم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض و لو زدت في التسليم قلت ان مقامها صلوات الله عليها ايضا مقام الاحاطة و العلية كما عرفت من الخبر في صفة العقل و وجدت في الخبر آنفا ان روح القدس في فاطمة عليها السلام فهي ليلة القدر الكلي لجميع ما خلق الله و برأ و اما ما يختص بكل سنة و كل عصر خاص فيرجع الي من دونها (س) و قد روي في تفسير البرهان عن الكليني عن ابيجعفر عليه السلام قال لقد خلق الله جل ذكره ليلة القدر اول ما خلق الدنيا و لقد خلق فيها اول نبي يكون و اول وصي يكون و لقد قضي ان يكون في كل سنة ليلة يهبط فيها بتفسير الامور الي مثلها من السنة المقبلة من جحد ذلك فقد رد علي الله عز و جل علمه لانه لايقوم الانبياء و الرسل و المحدثون الا ان يكون عليهم حجة بما يأتيهم في تلك الليلة مع الحجة التي يأتيهم بها جبرئيل قلت و المحدثون ايضا يأتيهم جبرئيل او غيره من الملائكة (ع) قال اما الانبياء و الرسل صلي الله عليهم فلا شك و لا بد لمن سواهم من يوم خلقت الارض فيه الي آخر فناء الدنيا ان يكون علي ظهر الارض حجة ينزل ذلك في تلك الليلة الي من احب من عباده الحديث ، اقول انظر الي حسن التورية فيه و اغتنم ما رزقك الله تعالي من المعرفة و اعلم ان المحدث يطلق علي الائمة (ع) و علي بعض ابوابهم ايضا قال الصادق (ع) كان والله علي محدثا و كان سلمان محدثا قلت اشرح لي قال يبعث الله اليه ملكا ينقر في اذنيه يقول كيت و كيت و قيل له (ع) اكان سلمان محدثا قال نعم قيل من يحدثه قال ملك كريم قيل فاذا كان سلمان كذا فصاحبه اي شئ هو قال اقبل علي شأنك ، اقول و في [ص 119] بعض الاخبار يحدثه رسول الله (ص) و اميرالمؤمنين (ع) ، بالجملة و الغرض اثبات جريان تأويل ليلة القدر فيهم و لسنا بصدد التفصيل و الله المستعان و الغرض ان ازمة الامور كلها بيدهم و عندهم صلوات الله عليهم و في الزيارة الجامعة طأطأ كل شريف لشرفكم و بخع كل متكبر لطاعتكم ، و لا حاجة الي التفصيل باكثر من ذلك .