فلما عرفت معاني كلمات هذه الفقرة المباركة نشرع في الشرح و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و بهم استعين من الله تعالي ان يعرفني ما اودع في هذه الكلمات من المعاني و الاسرار ، و لبيانها مقامان مقام بحسب الكون و مقام بحسب الشرع الذي هو باطن الكون و حقيقته و غايته ، فبحسب الكون نقول ان المراد من المنادي في قوله (ص) اللهم هو الله المستولي علي ما دق و جل و ليس شئ اقرب اليه من شئ آخر و الموجود في غيبتك و حضرتك المنزه من الغيبة و الحضور و المراد بالموصول في قوله صلي الله عليه و آله يا من احتجب الخ ، تعبير عن الاسم المكنون المخزون الذي لايعرف و لايدرك الا من حيث ظهوره في مقامات الظهور الثلثة علي ما فصلناه في المقدمة و من هنا اتي في التعبير عنه بلفظ مبهم لايعينه الا علي سبيل الابهام و عدم المعروفية ثم اكد ابهامه بقوله « احتجب بشعاع نوره » اذ الشئ المحتجب غير معروف و لا مشهود بسبب الحجاب كما ان الشمس و هي الجرم السماوي لما احتجبت بنورها لاتدرك و لاتري من حيث نفسها لغلبة نورانية النور بحيث [ص 61] توجب انتشار الباصرة و تؤذيها بحيث تضطر الي غمض الاجفان و حفظ الباصرة عن الذهاب و البطلان فلاتقدر علي مشاهدة الشمس و نحو هذه العبارة كثير في الاخبار و منها قوله (ع) في خطبة الحمد لله المختص بالتوحيد المقدم بالوعيد الفعال لما يريد المحتجب بالنور دون خلقه ، و قد قال المجلسي (ره) في شرحه المحتجب بالنور اي ليس له حجاب الا الظهور الكامل او الكمال التام او عرشه محتجب بالنور ، اقول ثم ان لفظ الاحتجاب يشير الي معني دقيق يظهر مما اسلفنا في المقدمة الا انه يحتاج الي بيان آخر و هو ان في بعض الاخبار منعوا عن استعمال الاحتجاب بالنسبة اليه تعالي كما روي انه سمع اميرالمؤمنين عليه السلام رجلا يقول و الذي احتجب بسبع طباق فعلاه بالدرة ثم قال له يا ويلك ان الله اجل من ان يحتجب عن شئ او يحتجب عنه شئ سبحان الذي لايحويه مكان و لايخفي عليه شئ في الارض و لا في السماء فقال الرجل افاكفر عن يميني يا اميرالمؤمنين قال لا لمتحلف بالله فيلزمك الكفارة و انما حلفت بغيره ، و في رواية انه دخل السوق فاذا هو برجل موليه ظهره يقول لا و الذي احتجب بالسبع فضرب علي عليه السلام ظهره ثم قال من الذي احتجب بالسبع قال الله يا اميرالمؤمنين قال اخطأت ثكلتك امك ان الله عز و جل ليس بينه و بين خلقه حجاب لانه معهم اينما كانوا قال ما كفارة ما قلت يا اميرالمؤمنين قال ان تعلم ان الله معك حيث كنت قال اطعم المساكين قال لا انما حلفت بغير ربك ، اقول فبمقتضي هذا الخبر لايجوز استعمال الاحتجاب بالنسبة اليه تعالي و لكن بمقتضي ما في هذا الدعاء و غير ذلك من الادعية او الاخبار الكثيرة تري انه استعمل الاحتجاب بالنسبة اليه تعالي و يرتفع التنافي اما بالوجوه الظاهرة نحو ما روي انه قيل لعلي بن الحسين عليهما السلام [ص 62] لاي علة حجب الله عز و جل الخلق عن نفسه قال لان الله تبارك و تعالي بناهم بنية علي الجهل فلو انهم كانوا ينظرون الي الله عز و جل لماكانوا بالذي يهابونه و لايعظمونه نظير ذلك احدكم اذا نظر الي بيت الله الحرام اول مرة عظمه فاذا اتت عليه ايام و هو يراه لايكاد ان ينظر اليه اذا مرّ به و لايعظمه ذلك التعظيم ، اقول فهو تعالي بذاته غير محجوب و لكن احتجب عن خلقه لمصلحتهم و من ذلك ايضا ما روي في حرز للصادق عليه السلام انت لاتحتجب عن خلقك الا ان تحجبهم الاعمال السيئة و سأل بعض الزنادقة اباالحسن عليه السلام لم احتجب الله فقال ابوالحسن عليه السلام ان الحجاب عن الخلق لكثرة ذنوبهم فاما هو فلايخفي عليه خافية في آناء الليل و النهار قال فلم لاتدركه حاسة البصر قال للفرق بينه و بين خلقه الذين تدركهم حاسة الابصار ثم هو اجل من ان تدركه الابصار او يحيط به وهم او يضبطه عقل ، اقول فالاحتجاب بسبب الذنوب و الاعمال السيئة ايضا احتجاب من باب العقوبة و الخذلان لهم و هو في نفسه لا حجاب له و امثال هذه الوجوه وجوه ظاهرية و ان احتمل كل منها معاني باطنية ايضا و من البين انه لايراد منها معني الاحتجاب المعروف في الخلق اعتبر مما روي عن الرضا (ع) انه سئل عن قوله كلا انهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون فقال ان الله تعالي لايوصف بمكان يحل فيه فيحجب عنه فيه عباده و لكنه يعني عن ثواب ربهم لمحجوبون ، اقول فمعني احتجابه تعالي عن المذنبين هو هذا لا ان يغيب عنهم بستر و حجاب فتدبر ، و لكن يرتفع التنافي بالوجوه الباطنية ايضا نحو ما روي عن الصادق عليه السلام في حديث مفضل فان قالوا و لم استتر قيل لهم لميستتر بحيلة يخلص اليها كمن يحتجب عن الناس بالابواب و الستور انما معني قولنا استتر انه لطف عن مدي ما تبلغه الاوهام كما [ص 63] لطفت النفس و هي خلق من خلقه و ارتفعت عن ادراكها بالنظر فان قالوا و لم لطف و تعالي عن ذلك علوا كبيرا كان ذلك خطاءا من القول لانه لايليق بالذي هو خالق كل شئ الا ان يكون مباينا لكل شئ متعاليا عن كل شئ سبحانه و تعالي و عن اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة معروفة بالدرة اليتيمية تقدم الحدث قدمه و العدم وجوده و الصفة ذاته و الغاية ازله و الوهم نيله و القدم اكتناهه و الحجب احتجابه ظاهر في غيب غايب في ظهور اذ لو غاب حجب الغيبة بحجاب و لو ظهر وقع الايماء اضطرارا ، الي ان قال : احتجب عن العقول كما احتجب عن العيون و اعمي اهل السماء احتجابه كما اعمي اهل الارض ليس بغيره احتجب و لا بسواه استتر لكنه مستور بفطرته محجوب بقدرته الخطبة ، و من نظر فيها من اولها الي آخرها وقف علي حقيقة هذا المعني علي حسب فهمه و فراسته و اعلم ان الاذهان المانوسة بالاصطلاحات العلمية لا بد لها من استيضاح المطالب بها و ان كانت اصطلاحات مشايخنا اعلي الله مقامهم ايضا مأخوذة من اخبار اهل البيت سلام الله عليهم و لكنها بالنسبة اقرب الي السنتنا و مداركنا .
فنقول ان الله سبحانه في ذاته احد لايحد بحد و لاينتهي بنهاية و حيث هو لا غير معه فيحتجب عنه بحجاب او يغيب عنه بغياب او ينكشف له و يحضر عنده بلا احتجاب بل الذات من حيث هي لاتدرك بالمرة و لا كلام عنها و كلما يقال في توحيده و تنزيهه فهو في مقامات تجلياته و قد تجلي سبحانه بنور و ظهر بظهور لا غير معه حيث هو فاذ لا غير معه فلا حجاب و لا خلق آخر يحتجب بالحجاب عنه و استعمال الظهور او الحضور او الغياب او الحجاب بالنسبة اليه لا معني له و كلها كلمات خارجة عن الموضوع لاستلزام كل ذلك وجود غيور حتي يظهر لها او يحضر عندها او [ص 64] يغيب عنها او يحتجب بها او عنها فاذ لا غير له كيف يفرض استعمال تلك الالفاظ و في مقام التمثيل نقول ان الجسم المطلق ملأ جميع عرصة الاجسام بحيث ان نظرت اليه بعينه التي فيك لمتر غير الجسم ابدا فان لمتر غيره فيظهر الجسم لما او بما او علي ما و يغيب بما و عما فانك ان نظرت الي الاجسام و لمتر الا الجسم هل يمكنك ان تستر الجسم بشئ غيره او تكشف عنه بخرق شئ حجبه فان كل ذلك يستلزم وجود اشياء سوي الجسم و انك ان نظرت الي الجسم لمتر غيره فان الجسم مثلا جوهر قابل و كلما تري كذلك جوهر قابل و لا شئ غيره فكيف يحجب او يظهر ثم ان هنا مقاما آخر للجسم و الاجسام فتري الاجسام كلا منها في مقامه و حده و لكن معذلك تري الجسم المطلق اولي بها منها و اقرب اليها من انفسها و هذا النظر دون النظر الاول فانك في النظر الاول ماكنت تري سوي الجسم بوجه من الوجوه و اما في النظر الثاني تري سماءا و ارضا و برا و بحرا و غيرها و تري الجسم المطلق اولي بها منها و اظهر فيها من انفسها و في هذا المقام يجري قوله تعالي هو معكم اينما كنتم و قوله ما من نجوي ثلثة الا هو رابعهم و لا خمسة الا هو سادسهم و لا ادني من ذلك و لا اكثر الا و هو معهم و لعله يجري في المقامين قول سيدنا ابيعبدالله الحسين صلوات الله عليه و روحي فداه و كيف يستدل عليك بما هو في وجوده مفتقر اليك ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا ، ففي هذا المقام ايضا لايفرض احتجابه بشئ غيره و كيف و الكل ظهوره و نوره و هو اقرب اليك من حبل الوريد و كيف يحجب و هو فوق الحجاب و دونه و اولي بالحجاب نفسه و قد كان الحسن [ص 65] بن علي بن ابيطالب عليهما السلام يصلي فمر بين يديه رجل فنهاه بعض جلسائه فلما انصرف من صلوته قال له لم نهيت الرجل قال يا بن رسول الله خطر فيما بينك و بين المحراب فقال ويحك ان الله عز و جل اقرب من ان يخطر فيما بيني و بينه احد ، اقول فهذا المقام ايضا و ان كان دون المقام الاول الذي يمتنع معه ما سواه و لكن معذلك لايصدق الحجاب و الاحتجاب بالنسبة اليه و ذلك لان الكل من آثاره و انواره و تمثلاته و هو اولي بها منها و اظهر لها و فيها و اقرب اليها من انفسها و لكن الخلق بانفسهم يحتجبون عنه و هو قوله (ع) انت غير محجوب عن خلقك الا ان يحجبهم الآمال دونك و قوله عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و قوله اعمي اهل السماء احتجابه كما اعمي اهل الارض ، و ذلك لان الادوات انما تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها و الاثر مع حفظ وجوده لايقدر علي ادراك ذلك الظهور و ان بطل وجوده بالمرة فلا اثر بالمرة فمن الذي يدركه و ينكشف له نعم الا ان يبلغ الاثر بحسب الكمال و الجامعية مبلغا يكون لا فرق بينه و بين المؤثر الا انه اثر فح لا مانع من ان يقال انه ظهر له قال مولانا الحسين عليه السلام في دعاء عرفة و انت الذي تعرفت الي في كل شئ فرأيتك ظاهرا في كل شئ و قال اميرالمؤمنين (ع) او احدهم (ع) مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه او بعده ، بالجملة ففي هذا المقام و ان لميحتجب سبحانه و تعالي بحجاب و لكن الخلق بانفسهم محتجبون الا من اعطاه الله عينا من نفسه و بصّره بنوره .
ثم لما عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم انه تعالي لما كان لاتدركه الابصار و لاتحويه خواطر الافكار و لاتمثله غوامض الظنون في الاسرار اتخذ لنفسه في عرصات الخلق و درجاته مظاهر و مجالي جعلها الادلاء عليه و آياته و علاماته و قد قال الرضا عليه السلام [ص 66] في حديثه مع عمران و لكن يدل علي الله عز و جل بصفاته و يدرك باسمائه و يستدل عليه بخلقه حتي لايحتاج في ذلك الطالب المرتاد الي رؤية عين و لا استماع اذن و لا لمس كف و لا احاطة بقلب فلو كانت صفاته جل ثناؤه لاتدل عليه و اسماؤه لاتدعو اليه و المعلمة من الخلق لاتدركه لمعناه كانت العبادة من الخلق لاسمائه و صفاته دون معناه فلولا ان ذلك كذلك لكان المعبود الموحد غير الله لان صفاته و اسماءه غيره افهمت قال نعم يا سيدي الخبر ، فهو تعالي تجلي لخلقه بمراتب تجلياته و اسمائه و صفاته و لتعلم ان تجليه سبحانه انما يكون علي حسب ما تقتضيه قوابل الخلق فانه ان تجلي لهم بما هو فوق اقتضاء قابليتهم و استعدادهم كان لايغنيهم عن شئ و لايسد فاقتهم الي معرفته سبحانه اذ الادوات تحد انفسها و الآلات تشير الي نظائرها و لما كانت قوابل الخلق في درجات مختلفة مترتبة بعضها فوق بعض و قد تجلي سبحانه لاهل كل عالم بما يناسبهم و كان بعض الخلق محجوبا عن بعض متعاليا عن حد ادراك هذا البعض يصدق هنا ان يقال ان الله سبحانه احتجب عن بعض خلقه كما يصدق عليه هنا ساير ما يصدق في الخلق فانه سبحانه اذا اتخذ الكعبة بيتا له و وجهة و قبلة لاهل الدنيا فاذا وجهت وجهك اليها قلت وجهت وجهي للذي فطر السموات و الارض مثلا و اذا سرت اليها تلبي و تجيب فكأنّ صاحب البيت يدعوك فتقول لبيك اللهم لبيك مع انك تعلم انه لايليق بشأنه تعالي ان يكون محدودا بمكان و محجوبا بحجاب و مستورا بستر و هو اقرب اليك من حبل الوريد و اينما تولوا فثم وجه الله و لكن مع ذلك لما اتخذ سبحانه الكعبة المعظمة بيتا لنفسه تنسب اليه سبحانه ما نسب الي هذا البيت و جميع ما ينسب الي الله سبحانه فانما هو من هذا [ص 67] القبيل و بهذا الوجه لانه بذاته لايصير منسوبا و لا منسوبا اليه و لما سأل المشركون النبي صلي الله عليه و آله عن نسبته تعالي انزل سبحانه قل هو الله احد الله الصمد لميلد و لميولد و لميكن له كفوا احد و الاحد سبحانه يمتنع معه ما سواه فكيف يفرض معه النسبة و لكن كل هذه النسب بالنسبة الي محال تجلياته و في النظر الكوني جميع الخلق محال تجليه و نوره و فعله بالجملة فاول ما تجلي سبحانه به لخلقه مشيته و امره و جعلها آية تعريفه و تعرفه ففي حديث عمران عن الرضا (ع) قال يا سيدي الاتخبرني عن الخالق اذا كان واحدا لا شئ غيره و لا شئ معه اليس قد تغير بخلقه الخلق قال له الرضا (ع) قديم لميتغير عز و جل بخلق الخلق و لكن الخلق يتغير بتغييره قال عمران فباي شئ عرفناه قال بغيره قال فاي شئ غيره قال الرضا (ع) مشيته و اسمه و صفته و ما اشبه ذلك و كل ذلك محدث مخلوق مدبر الحديث ، فاذا كان سبحانه معروفا بغيره و غيره مشيته و اسمه و صفته و مشيته امكان لجميع الخلق الا نفسها فانها فعل الله تعالي و بالفعل في حده و مقامه و ان قلنا انها ايضا ممكنة اردنا من امكانها نفسها لا شيئا فوقها و اما بالنسبة الي غيرها فهي امكان الكل و نفيها و هي النفي الذي قال عليه السلام ان النفي شئ و هي اللاشئ الذي سأل الزنديق اباعبدالله عليه السلام فقال من اي شئ خلق الله الاشياء قال عليه السلام من لا شئ ، اقول و المراد من اللاشئ هنا الامكان الجايز و هو ظاهر المشية و هو مادة المواد و اما المشية بنفسها فهي الامكان الراجح و الخلق و ان خلقوا بها و لكن لميخلقوا منها و المراد من كون الامكان الجايز لاشئ ان شيئا من الاشياء المخلوقة منه لايكون مذكورا فيه متعينا و هو لاشئ اي من تلك الاشياء و الا فانه بنفسه و في مقامه [ص 68] فهو شئ و بالجملة و الغرض انه امكان الكل و الكل مستغرق في ذلك البحر بحيث لو ارادوا الدخول فيه لفنوا بالمرة فالنور الذي تجلي سبحانه به في ذلك المقام و في مقام الامكان الراجح نور محجوب عن جميع الاكوان و الاعيان اذ لايقدرون علي السباحة في ذلك البحر كما قدمنا بيان ذلك في المقدمة ففي هذا المقام مثلا لما اتخذ سبحانه مشيته آية تعريفه و تعرفه و كانت امكانا بالنسبة الي ما دونه لايتطلع عليه احد الا و قد ضاد الله في سلطانه كما روي في اخبار بحر القدر يصدق ان يقال انه تعالي احتجب هنا عن نواظر خلقه بل ان نظرت الي ان جميع مراتب الخلق مراتب تجلياته سبحانه و معذلك لايتجاوز شئ ما وراء مبدئه و لاينتفع بالآيات التي هي فوق مقامه يصدق ان يقال ان لله سبحانه سبعينالف حجاب لو كشفت او لو كشف واحد منها علي الروايتين لاحرقت سبحات وجهه ما انتهي اليه بصره من خلقه ، و ذلك لان كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و من مبدئك مثلا و انت في عالم الاجسام و من اهل هذا العالم الي مبدأ الاكوان فرضا سبعونالف حجاب بل و الي مبدأ الكاينات مثلا اربعةآلاف و تسعمأةالف حجاب و السبعونالف لمحض بيان الكثرة و الغرض ان بين كل احد و بينه تعالي بالنسبة الي مراتب تجلياته حجبا بعدد ما سبق عليه من المراتب من مقامه الي مقام اول ما خلق الله فبهذا النظر يمكن ان يقال انه احتجب بحجاب او بحجب و لكنه بالنسبة الي مراتب تجلياته في عرصات الحدود و اما المقامات الاولي العليا حيث انها خارجة عن الحدود و اعلي درجات ظهور احديته سبحانه فلايصدق فيها الاحتجاب كما عرفت بالجملة فبما ذكرنا و استنبطنا من مداليل الاخبار يرتفع التناقض ان شاء الله بالمرة و شواهد ما ذكرنا كثيرة الا انا ان اردنا ان نروي كلما يدل علي المراد [ص 69] لطال بنا المقال .
و اما شعاع النور الذي احتجب سبحانه به و اتخذه تعالي حجابا لنفسه ، اما النور فهو هنا مقام الفؤاد اذ ذكرنا ان المراد من الاسم المكنون مقام المشية و دونها الفؤاد و هو بحر الصاد الذي يصد الخلق عن درك مائيته و هو الامكان الجايز و شعاع النور هو العقل لما ذكرنا في معني الشعاع انه النور الضعيف المختلط بشئ من الظل عند ملتقي النور و الظل فهو دون النور و ساير معانيه ايضا يناسب هذا المعني فان النور المنتشر المتفرق في الفضاء و الجبال التي تري من قبل الشمس الي عين الناظر كلها نور مختلط بشئ من الظلمة و لولا اختلاطه بها لمتدركه العين و لمتقدر علي التعمق فيه و يدل علي ما ذكرنا ما روي عن يونس بن عبدالرحمن انه قال يوما لموسي بن جعفر عليهما السلام اين كان ربك حيث لا سماء مبنية و لا ارض مدحية قال كان نورا في نور و نورا علي نور خلق من ذلك النور ماءا منكدرا فخلق من ذلك الماء ظلمة فكان عرشه علي تلك الظلمة الحديث ، اقول انظر كيف بين صلوات الله عليه انه كان نورا في نور و نورا علي نور ثم خلق من ذلك النور ماءا منكدرا فالنور الاول مقام مشيته التي عرفت انه تعالي تجلي بها و النور الثاني مقام الفؤاد فان المشية فيه و عليه و هو كمّ المشية و ذكرها و الماء المنكدر مقام العقل اول ما خلق الله من الاكوان المنكدر بظلمة الكون بعد ان كان امكانا و كونه معنويته و ماديته و من ثم سمي ماءا ثم خلق من ذلك الماء ظلمة و هي مقام النفس علي ما هو معلوم و لك ان تجعل انكدار العقل بالنفس التي هي زوجته و صاحبته المستلزمة له و خلق لكم من انفسكم ازواجا لتسكنوا اليها و الظلمة المخلوقة من الماء مقام الطبيعة بالجملة و الغرض ان الشعاع هنا مقام العقل و النور مقام الفؤاد و لميقل احتجب بالنور لشدة حكايته عن [ص 70] المنير و كونه آية له من عرفه فقد عرف الله و من جهله فقد جهل الله و هو النفس الذي من عرفه فقد عرف الله فكيف يحجب عنه و هو آية تعريفه و اما العقل و ان كان احب الخلق اليه تعالي و لكنه معذلك لمحدوديته بالمعنوية يحجب الخلق عن معرفته تعالي بالاحدية و ما تجد في بعض الاخبار مثلا ان بالعقول تعتقد معرفته ، فلانها صفة استدلال عليه لا صفة تكشف عنه و قد ورد في الدعاء عن علي عليه السلام قد ضلت العقول في امواج تيار ادراكه و تحيرت الاوهام عن احاطة ذكر ازليته و حصرت الافهام عن استشعار وصف قدرته و غرقت الاذهان في لجج افلاك ملكوته ، بالجملة فالعقل و هو شعاع نوره تعالي حجاب بينه و بين خلقه و هو قول مولانا الحسين عليه السلام في دعاء عرفة يا من احتجب في سرادقات عرشه من ( عن خل ) ان تدركه الابصار ، فان العرش مقام الفؤاد الذي استوي و استولي الرحمن عليه و جعله آية تعريفه و هو باطن الطبيعة كما هو معلوم في الحكمة و قد مر في الخبر عن موسي بن جعفر (ع) ان عرشه علي تلك الظلمة اي الفؤاد باطن الطبيعة ، و السرادق في اللغة الذي يمد فوق صحن البيت و البيت من الكرسف و الغبار الساطع المرتفع المحيط بالشئ فهو بهذه المعاني يناسب العقل بالنسبة الي الفؤاد بداهة فسرادقات العرش العقل الذي هو بيت الفؤاد و ظاهره و قد احتجب سبحانه في سرادقات عرشه من ان تدركه الابصار اي نواظر خلقه و نواظر الخلق هنا ابصارهم الظاهرة المجعولة في الملكوت و الملك فان العقل و الفؤاد كما عرفت خرجا عن النواظر و عدّا زايدين عليها و المعاني اللغوية تشهد بانها من الظواهر و ان قلت فما تقول في قوله تعالي وجوه يومئذ ناضرة الي ربها ناظرة حيث انها تثبت النظر اليه قلت قال اميرالمؤمنين عليه السلام [ص 71] في هذه الآية الناظرة في بعض اللغة هي المنتظرة المتسمع الي قوله تعالي فناظرة بم يرجع المرسلون اي منتظرة بم يرجع المرسلون فنواظر الخلق كلها محجوبة عن ادراكه تعالي بشعاع نوره ، و لأبي العلامة اعلي الله مقامه في بعض رسائله كلام في معني النور احببت ايراده هنا تبركا و تأييدا لمناسبات بينه و بين ما ذكرنا .
قال روحي فداه : اعلم ان النور ضد الظلمة بحسب الظاهر و قد يرسم بانه الظاهر في نفسه و المظهر لغيره فان النور هو الظاهر بنفسه و يظهر كلما يقع عليه فينيره و لولا انه وقع علي شئ لميظهر بل يكون مظلما و اقول ان النور بنفسه غير ظاهر للعين لانه من عالم الغيب و المثال و انما يظهر اذا انصبغ بصبغ ما يقع عليه من الغلايظ و الكثايف فلو اخذ عنه كثافة ما يقع عليه و يصبغ لمير ابدا و من ذلك سواد الجو المسمي بالسماء فانه ليس هناك اهبية و اغبرة و ابخرة ينصبغ فيها الانوار فيري مظلما و الذي يري في الجو فبواسطة الاغبرة و الاهبية التي فيها فينصبغ النور اذا وقع عليها فيري فالنور خفي في نفسه ظاهر بغيره الا ان الغلايظ مظلمة في نفسها و تكسب النور كثافة تنزله الي حد ادراك العين فتدركه العين كما ان النار لطيفة غيبية لاتري و لا لون لها و الدخان مظلم كثيف فاذا اشرقت علي الدخان البسها كثافة و غلظة و لونا فتري نارا حمراء و صفراء و شعلة نعم لو قيل ان النور و النار لشدة ظهورهما خفيا عن ادراك العين فاذا خالطهما صبغ الكثيف قدرهما و حددهما فاحاط بهما ادراك العين لكان حقا و صار صدقا فالنور هو جوهر خفي لشدة ظهوره يحدده غيره حتي يصلح لادراك العين و احاطتها فالنور يظهر بغيره و يظهر غيره و هما كالوجود و المهية فالكثيف يعطيه الحد و الظهور و النور يعطي الكثيف الظاهر الوجود [ص 72] فاذا اجتمعا صار الحاصل نورا ظاهرا ثم النور شعاع الضياء و اثره قائم به و الضياء قائم بنفسه قال الله سبحانه هو الذي جعل الشمس ضياءا و القمر نورا و نور القمر مكتسب من الشمس و ظل لها و لكن قد يطلق احدهما مقام الآخر و قوله تعالي الله نور السموات و الارض اي الله هو الذي به ظهر السموات و الارض بذواتها فان الظهور ظهوران ظهور عرضي كظهور الجدار بسبب نور الشمس المشرق به بالعرض فيظهر صورته بنورها و اما الظهور الذاتي فيتحقق اذا كان نفس ذات الشئ نور منير فهو يظهر ذاته بذاته و هو يظهر به بذاته فيكون ذاته ظهور الظاهر به و لما كان جميع ما سوي الله سبحانه ظهوره و تجليه تجلي لها بها و هي التي تري منه و تدرك و تصل اليها العقول كان يسمي ما سواه بنوره لا بمعني ان الذات الغيبية ضياء ذلك النور و اصله بل بمعني انه احدث النور بذلك النور فجميع ما سوي الله سبحانه نوره احدثه به بلا ارتباط بالذات و علي ذلك جري ما جاء في الدعاء لايري فيها نور الا نورك و لايسمع فيها صوت الا صوتك و ابان عن هذا المقام سيدنا الحسين عليه السلام في دعاء عرفة ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك ، فجميع ما في عرصة الامكان نوره سبحانه و ظهوره لا شئ سواه و ذواتها و صفاتها و افعالها و آثارها و اشباحها و اشباح اشباحها الي ما لا نهاية له و قراناتها و اوضاعها و نتايجها غير المتناهية كلها ظهوره عز و جل و نوره احدثها بانارته التي هي المشية و كلها قائمة بها صادرة عنها راجعة اليها و لما كان النور هو الشبح المنفصل عن الضياء و شعاعه و اثره و الله الاحد جل شأنه احدي المعني ليس له شبح متصل و لا منفصل [ص 73] و لا نسبة بينه و بين خلقه و لا ارتباط و لا اقتران لاستلزام جميع ذلك التكثر و هو تعالي و تقدس عما يقول الملحدون علوا و قدسا كبيرا جعل اول الحوادث اي السابق الذي لا سابق عليه سراج تلك الانوار و ضياء تلك الاشعة اي جعله نورا بنفسه ثم خلق الاشياء نورا به كما روي عن الصادق عليه السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، فكما انها بلحاظ الحدوث و المفعولية ترجع الي مبدأ موجود بنفسه كذلك بلحاظ الاسمية و الوصفية و الظهورية و النورية ترجع الي الظهور الاكرم و التجلي الاعظم و هو اول التجليات و اسبق الظهورات و لما كان المفروض انه لا سابق عليه فهو الظاهر بنفسه لغيره و لايصح ان يكون ظهوره بذات الله الاحدية غير المقترنة بالحوادث فهو النور بذاته و النور بذاته هو الضوء فاول الحوادث ضياء ذاتي قام به كل نور و يكون له كل ظهور و هو السراج المنير و الشمس المضيئة و الشمس الازل و الجوهر الثابت الذي لميزل و لنعم ما قال الاول :
يا جوهرا قام الوجود به و الناس بعدك كلهم عرض
انتهي .
اقول تدبر في مطاوي كلامه اعلي الله مقامه تجده بحرا من العلم متلاطما و اسأل الله سبحانه ان يجعلني من المغترفين من بحار علمه بجاه محمد و آله صلوات الله عليهم ، بالجملة فحاصل ما ذكرنا انك تدعوه تعالي و تسأله و نفس الاقبال و التوجه اليه تعالي دليل علي الاقرار و الاعتراف بانه هو الذي يتأله اليه عند الحوائج و الشدايد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من كل من دونه و تقطع الاسباب من جميع من سواه كما مر من معانيه في الاخبار و التصريح بالسؤال ايضا لاظهار فقره و حاجته اليه لانه بمعني الطلب من الفقير المحتاج و منه قوله تعالي اما السائل فلاتنهر و كل [ص 74] ذلك من شرايط الدعاء حقيقة ان يعتقد الانسان بانه هو جل و عز مفزع العباد فقط فلايشرك به احدا في عبادته و طلب الحاجة منه فان من اشرك به تعالي غيره في المسألة احاله تعالي عليه و كفي بذلك خزيا و خسرانا فليقصر اعتقاده و نظره و سؤاله اليه سبحانه و يستشعر فقره و حاجته اليه حتي تذل نفسه و يخشع و يخضع عنده و لايستكبر و قد قال تعالي و قال ربكم ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين .
و قوله : يا من احتجب ، لعله من باب ان الحجاب و الحاجب عند الباب في الغالب للمنع من الدخول و الانسان اذا علم ان قضاء حاجته و غناءه عن فقره منحصر في مقام معين و انقطع رجاؤه عن غير ذلك المقام و معذلك وجد المقام محتجبا ممنوعا عن الدخول فيه زاد حرصه البتة فان الانسان حريص علي ما منع علي انه آيس من غير ذلك المقام و لميجد بدا الا السؤال و الطلب من هنا فيشتد سؤاله و يبالغ في المسألة فيوشك ان يستجاب له و قد روي من قرع بابا و لج ولج ، علي ان نفس تكرار المسألة و الاصرار في الدعاء بنفسه امر مرغوب مندوب حتي انه تعالي يأمر الملئكة بالابطاء في قضاء حاجة المؤمن ليتكرر دعاؤه و يلح عليه فيسمع الله صوته فان الالحاح بنفسه حسن اذا كان عليه تعالي و قد قال رسول الله صلي الله عليه و آله رحم الله عبدا طلب من الله شيئا فالح عليه و عنه (ص) ان العبد ليقول اللهم اغفر لي و هو معرض عنه ثم يقول اللهم اغفر لي و هو معرض عنه ثم يقول اللهم اغفر لي فيقول سبحانه للملئكة الاترون الي عبدي سألني المغفرة و انا معرض عنه ثم سألني المغفرة و انا معرض عنه ثم سألني المغفرة علم عبدي انه لايغفر الذنوب الا انا اشهدكم اني قد غفرت له ، و الاخبار في فضل الالحاح كثيرة و لا حاجة الي التفصيل .
[ص 75] ثم ان شعاع النور يمكن ان تكون الاضافة فيه بيانية و المراد من الشعاع ايضا هو النور كما مر من خطبة اميرالمؤمنين عليه السلام المحتجب بالنور دون خلقه ، اي جعل نوره امام الخلق فحجبوا عن رؤيته كما ان نور الشمس حجاب بينها و بين اهل الارض فلايقدرون علي التعمق في النظر اليها و يمكن ان يكون المراد من الشعاع سوي النور و هو النور المختلط بشئ من الظلمة كما بينا ان المراد من النور مقام الفؤاد و شعاعه مقام العقل و علي اي حال ذكر الحجاب اي الشعاع هنا من باب انه بمنزلة الباب و قد مر في شرايط استجابة الدعاء ان يكون من الباب و قد قال تعالي و أتوا البيوت من ابوابها فذكره و تسميته من هذا الباب علي ان من شكر الرب ان يشكر العبد فاذا جعل تعالي هذا النور الانور و الشعاع الازهر بابه و جنابه فلا محالة يجب ان يذكره العبد بين يدي توجهه و اقباله اليه علي انك قد عرفت في المقدمة في تلو قول الامام (ع) في بيان الاسماء : فاظهر منها ثلثة اسماء لفاقة الخلق اليها و حجب واحدا منها ، و هذا الشعاع هو اول ما نحتاج اليه كما عرفت مما بينا فلا بد من ذكره هنا فان الانسان اذا لميعلم حاجته و موقعها و مظنة نجحها لميكد ان يقضي حاجته البتة بالجملة فتقول يا من احتجب بشعاع نوره عن نواظر خلقه ، و ذكره للنواظر لعله للاشارة الي قوله تعالي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار يعني انا و ان لماكن اراك و لكنك تراني و انا بمرأي منك و مسمع تري مقامي و تسمع كلامي و تعلم ذلي و مسكنتي و فقري و حاجتي فاقضها لي برحمتك و يمكن ان يفسر النواظر بانه جمع الناظرة اي المنتظرة كما مر في الخبر انه في بعض اللغة بمعني المنتظرة و المراد من خلقه هنا هذا السائل و امثاله فبهذه العبارة يومي الي اني واقف ببابك منتظر لخروج [ص 76] عطاءك و انت الجواد الذي لايبخل فلم احتجبت عني و حرمتني عن رفدك و قد قلت في كتابك كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و قلت في كتابك اما السائل فلاتنهر فمنعتنا عن رد السائل و منعه فلم تنهرنا و تمنعنا و تحتجب عنا و بالجملة المعاني المحتملة كثيرة و قد ورد عنهم عليهم السلام انا نتكلم بالكلمة و نريد منها سبعين وجها لنا من كلها المخرج ، و لكن كيف و اني لنا بمعرفتها و نذكر قليلا من كثير ما اودعوا في كلماتهم و عرفنا منها ببركاتهم صلوات الله عليهم .
ثم في بيان باطن هذه الفقرة نقول و لا حول و لا قوة الا بالله انه تعالي هو المحتجب و آلمحمد عليهم السلام حجبه كما في الخبر و في زيارة المشاهد عن الحسين بن روح اعلي الله مقامه و صلي الله علي محمد المنتجب و علي اوصيائه الحجب ، و الاخبار بهذا المعني كثيرة فهم صلوات عليهم حجبه تعالي و هم شعاع نوره و نوره سبحانه رسول الله صلي الله عليه و آله و قد قال (ص) خلقني الله نورا تحت العرش قبل ان يخلق آدم باثنيعشرالف سنة الحديث ، و ورد اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ، فهو صلوات الله عليه و آله نوره تعالي و آلمحمد عليهم السلام شعاع ذلك النور كالضوء من الضوء و قد روي عن ابيعبدالله (ع) يفصل نورنا من نور ربنا كشعاع الشمس من الشمس ، اقول و اعلم انهم في المقام الاعلي متحدون و في الزيارة اشهد ان ارواحكم و نوركم و طينتكم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض ، و لكن لهم مقاما آخر في مقام الفصل فهنا يصدر نورهم من نور ربهم و هو النبي صلي الله عليه و آله كشعاع الشمس من الشمس و قد روي عن سلمان اعلي الله مقامه في حديث عن رسول الله (ص) يا سلمان خلقني الله من صفاء نوره فدعاني فاطعته و خلق من نوري عليا فدعاه الي طاعته فاطاعه [ص 77] و خلق من نوري و نور علي فاطمة فدعاها فاطاعته و خلق مني و من علي و من فاطمة الحسن و الحسين فدعاهما فاطاعاه فسمانا الله بخمسة اسماء من اسمائه فالله المحمود و انا محمد و الله العلي و هذا علي و الله فاطر و هذه فاطمة و لله الاحسان و هذا حسن و الله المحسن و هذا الحسين ثم خلق من نور الحسين تسعة ائمة فدعاهم فاطاعوا قبل ان يخلق الله سماءا مبنية و ارضا مدحية الحديث ، و عن جابر بن عبدالله الانصاري قال سألت رسول الله (ص) عن ميلاد علي بن ابيطالب (ع) فقال آه آه سألت عجبا يا جابر عن خبر مولود ولد بزمان المسيح ان الله خلق نورا من نوري و خلقني نورا من نوره و كلانا من نور واحد و خلقنا من قبل ان يخلق سماءا مبنية و ارضا مدحية و لا طول و لا عرض و لا ظلمة و لا ضياء و لا بحر و لا هواء بخمسينالف عام الحديث ، اقول ففي مقام الفصل الائمة صلوات الله عليهم من نور رسول الله صلي الله عليه و آله و من شعاعه و هم شيعته و لا ضير في استعمال لفظ الشيعة فيهم و قد ورد في تفسير العسكري (ع) في النهي عن ادعاء التشيع لامثالنا الضعفاء عن الرضا عليه السلام في حديث ويحكم ان شيعته ، يعني عليا (ع) ، الحسن و الحسين و ابوذر و سلمان و المقداد و عمار و محمد بن ابيبكر الذين لميخالفوا شيئا من اوامره و لميرتكبوا شيئا من فنون زواجره الحديث ، فالحسن و الحسين عليهما السلام ايضا يسميان بالشيعة و قالوا عليهم السلام انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا ، بالجملة و الغرض ان في مقام الفصل يمكن ان يقال ان آلمحمد (ع) من شعاع نور النبي صلي الله عليه و آله و هو (ص) نور الله عز و جل فاذا كانوا شعاع نوره تعالي فهم حجبه تعالي علي ما في هذه الفقرة من الدعاء و النبي صلي الله عليه و آله هو الاسم المكنون المخزون [ص 78] علي ما مر في المقدمة و الائمة صلوات الله عليهم اول حجبه تعالي و اول اسمائه الثلثة التي اظهرها لفاقة الخلق اليها و يشير الي ما ذكرنا قول اميرالمؤمنين عليه السلام ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك ، فان باطنه رسول الله صلي الله عليه و آله و هو الاسم المكنون الذي لايدرك و هو قوله تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد فانه (ص) هو المنذر و الائمة هم الهادون و قد ظهروا لفاقة الخلق اليهم في مقام الهداية و الدلالة و اما النبي (ص) فقد انذر قومه ان يحوموا حول حماه فيطمعوا في معرفته (ص) و قد ورد في دعاء ليوم الاربعاء في صفة النبي (ص) حتي لايبقي مكرمة و لا حباء من حبائك جعلتهما منك نزلا لملك مقرب او نبي مرسل الا خصصت محمدا صلي الله عليه و آله و سلم من ذلك بمكارمه بحيث لايلحقه لاحق و لايسمو اليه سام و لايطمع ان يدركه طالب ، و نحوا من ذلك قال اميرالمؤمنين (ع) في خطبة الغدير و الجمعة فهو الغيب الممتنع الذي لايطمع في ادراكه احد و الائمة صلوات الله عليهم شهوده و عيانه و ظهوره و شعاع نوره كما وجدت في الاخبار و لك ان تقول ان محمدا و آلمحمد صلوات الله عليهم اي النبي و الائمة عليهم السلام كلهم الاسم المكنون كما عن سلمان اعلي الله درجته عن علي عليه السلام ثم قال (ع) اني لاعرف بطرق السموات من طرق الارض نحن الاسم المخزون المكنون نحن الاسماء الحسني التي اذا سئل الله عز و جل بها اجاب الحديث ، و حجابهم الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها كما هو واضح بحسب الظاهر فانها امهم و وعاؤهم حتي ان كنيتها صلوات الله عليها امابيها فاذا كانت ام ابيها فكيف بالائمة سلام الله عليهم و هم كلهم من ولد النبي (ص) حتي اميرالمؤمنين عليه السلام و قد روي في سر تكنية [ص 79] النبي (ص) بابيالقاسم بحسب الباطن ان اميرالمؤمنين (ع) قاسم الجنة و النار و معذلك هو من امة النبي (ص) و النبي (ص) ابو امته فهو ابوالقاسم و اذا كانت فاطمة الزهراء (س) ام ابيها و ابوها ابو امته فهي ام امته (ص) و جدتهم و هي ام المؤمنين حقيقة لا اللاتي تسمين به بالعرض بالجملة فهي حجابهم (ص) و حجاب الله تعالي و نوره و شعاع نوره سبحانه و قد ورد عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث بين فيه بدأ خلقهم و ما خلق من نور كل واحد منهم (ص) الي ان قال و فتق نور ابنتي فاطمة فخلق منه السموات و الارض فنور السموات و الارض من نور ابنتي فاطمة و نور فاطمة من نور الله و نور فاطمة افضل من السموات و الارض ، الي ان قال ثم ان الله خلق الظلمة بالقدرة فارسلها في سحايب البصر فقالت الملائكة سبوح قدوس ربنا مذ عرفنا هذه الاشباح مارأينا سوءا فبحرمتهم الا كشفت ما نزل بنا فهنالك خلق الله تعالي قناديل الرحمة و علقها علي سرادق العرش فقالت الهنا لمن هذه الفضيلة و هذه الانوار فقال هذا نور امتي فاطمة الزهراء فلذلك سميت ابنتي الزهراء لان السموات و الارضين بنورها زهرت و هي ابنة نبيي و زوجة وصيي و حجتي علي خلقي اشهدكم يا ملائكتي اني قد جعلت ثواب تسبيحكم و تقديسكم لهذه المرأة و شيعتها الي يوم القيمة الخبر ، اقول فانظر ان الملائكة لما توسلوا بهم (ص) لدفع السوء عنهم كشفت عنهم الظلمة بنور فاطمة عليها السلام لانها شعاع نوره تعالي الظاهر لهم و انوار الائمة و النبي (ص) كانت محجوبة عنهم بها و لايقدرون علي معرفتها و ادراكها الا بما ظهر لهم من مقام فاطمة عليها السلام لانها شعاع الانوار الاُول و ظاهرها و سترها و سبحتها و حجابها بالجملة فبهذا النظر قلنا ان النبي و الائمة (ص) جميعا الاسم المكنون [ص 80] المخزون و الصديقة الطاهرة ظاهرهم و امهم و صورتهم و حجابهم صلوات الله عليهم و قد قال الله تعالي يصوركم في الارحام كيف يشاء و لعله يمكن استخراج بواطن اخر ايضا لكنا لسنا بصدد التفصيل و الله يهدي من يشاء الي صراط مستقيم .
قال صلي الله عليه و آله : يا من تسربل بالجلال و العظمة و اشتهر بالتجبر في قدسه الدعاء .
اللغة في المعيار : « السربال القميص او الدرع و زاد بعضهم او كل ما لبس ج سرابيل كسروال و سراويل و سربلته السربال علي فعلل البسته اياه فتسربل علي تفعلل للمطاوع » اقول و الدرع ايضا يأتي بمعني القميص و لكن قوله القميص او الدرع يقتضي ان يكون المراد منه درع الحديد ، و في الفرايد : « ك سرابيلهم من قطران اي قمصهم و مثله سرابيل تقيكم الحر و سرابيل تقيكم بأسكم بمعني الدروع ، الي ان قال : ث تسربل بالخشوع و هو استعارة و في النهاية في ث لااخلع سربالا ● سربلنيه الله تعالي هو القميص و كني به عن الخلافة انتهي ، و فيه اذا شرب الرجل الخمر خرق الله عنه سرباله اي ستره » ، و الجلال في المعيار : « جل الرجل كفر و المصدر كسحابة و سحاب عظم قدره و اسن و احكمته التجارب فهو جليل ج جلة كصبي و صبية و اجلة كدليل و ادلة ، الي ان قال : و جلال الله كسحاب عظمته ج اجلة كاسنّة و اجله اجلالا عظمه » و في الفرايد فسره كذلك بالعظمة و ذكر بعض الآيات و الادعية الي ان قال : « اللهم اني اسألك من جلالك باجله و الجلال ما يبعد الانسان عن صاحبه و يدفعه بخلاف الجمال فانه يقربه اليه و يجذبه ، الي ان قال : و الجليل ايضا من اسمائه تعالي و هو الموصوف بنعوت [ص 81] الجلال فالحاوي جميعها هو الجليل المطلق و هو راجع الي كمال الصفات كما ان الكبير راجع الي كمال الذات و العظيم راجع الي كمال الذات و الصفات و في ث اجلوا الله يغفر لكم من باب الافعال اي قولوا له يا ذا الجلال و الاكرام و قيل اراد عظموه و جاء في تفسيره في بعض الروايات اي اسلموا كذا قال في النهاية » اقول و يناسب ان نذكر معني الجمال ايضا لبيان الفرق ففي المعيار : « الجمال كسحاب الحسن في الخَلق و الخُلق مصدر جمُل الرجل ككرم و فرِح و عن بعضهم الجمال رقة الحسن و الاصل جمالة مثل صبُح صباحة لكنهم حذفوا الهاء تخفيفا لكثرة الاستعمال و النعت له كامير و غراب و رمان » ، و العظمة في الفرايد : « عظم ككبر و المصدر كعنب و سحابة كبر فهم ( فهو ظ ) عظيم ج عظام ككتاب و عظماء كحكيم و حكماء و منه الدعاء و تواضعت لعظمته العظماء و هو عظام كغراب و رمان للمبالغة صفتان مشبهتان و ذكر في ث و هي عظيمة ج عظام ايضا كسمينة و سمان و العظيم ايضا من اسمائه تعالي و هو الذي جاوز قدره و جل عن جميع الحدود و منه ث كذب و العظيم اي اقسم بالله العظيم ك و هو العلي العظيم و العظم كعنب في صفات الاجسام كبر الطول و العرض و العمق و منه ك رب العرش العظيم وصفه بالعظم من جهة الكمية و الكيفية فهو ممدوح ذاتا و صفة و خصه بالذكر لانه اعظم الاجسام محيط بالجميع و هو اعظم منه افعل تفضيل من العظم و منه الدعاء باسمك العظيم الاعظم ج اعاظم كافاضل و ما اعظمه و اعظم به افعل تعجب و عظمه تعظيما كوقره توقيرا و فخمه تفخيما و كبره تكبيرا وزنا و معني كاعظمه اعظاما ك و من يعظم حرمات الله و قد تكرر فيه و الشئ جعله عظيما كاعظمه اعظاما ك و يعظم له اجرا فالفاعل معظم بالكسر و المفعول معظم بالفتح و من الثاني [ص 82] كمحسن و المفعول كمكرم و هي بهاء و استعظمه علي استفعل رآه عظيما كاعظمه اعظاما و الشئ اخذ معظمه و الرجل تكبر كتعظم علي تفعل و منه ث و من تعظم في نفسه لقي الله تعالي غضبان و تعاظمه الامر علي تفاعل عظم عليه يقال امر لايتعاظمه شئ اي لايعظم بالاضافة اليه و منه ث قال الله تعالي لايتعاظمني ذنب ان اغفره اي لايعظم علي و عندي و منه الدعاء لايتعاظمه الغفران و العظمة كقصبة الكبرياء و عن بعضهم العظمة و العظامة كرمانة و العظموت كجبروت للمبالغة فيهما الكبر و النخوة و الزهو و اما عظمة الله فلاتوصف بهذا و متي وصف عبد بالعظمة فهو ذم » انتهي ، اقول و في المعيار ذكر نحوا من هذا الا ان هذا مقرون بالامثال ، و الشهرة كغرفة في المعيار الانتشار و في الفرايد : « ظهور الشئ في شنعة ، الي ان قال : ث الشهرة خيرها و شرها في النار من لبس ثوبا لشهرة البسه الله ثوب مذلة يوم القيمة ، الي ان قال : شهره تشهيرا للمبالغة و اشتهره علي افتعل فاشتهر هو لازم متعد و المفعول مشهور و شهير كامير و اما اشهره اشهارا بمعني شهره فغير منقول و شهره بين الناس شهرا كنفع ابرزه و الحديث شهرا و شهرة كفلس و غرفة افشاه » ، و التجبر في الفرايد : « جبر العظم كنصر و المصدر كفلس و سرور انجبر لازم متعد و فلانا علي الامر اكرهه و حمله عليه قهرا ، الي ان قال : و تجبر علي تفعل تكبر ، الي ان قال : و يستعمل بمعني القهر و منه ث لا جبر و لا تفويض و اجبره اجبارا نسبه الي الجبر ، الي ان قال : و الجبار من اسمائه تعالي و معناه الذي يقهر العباد علي ما اراد من امر و نهي و قيل هو العالي فوق خلقه و قيل هو الذي يجبر الخلق و يقهرهم علي بعض الامور التي ليس لهم فيها اختيار و لا علي تغيرها قدرة و الذي يجبر حالهم و يصلحها و قيل هو العظيم الشأن [ص 83] في الملك و السلطان و لايطلق علي غيره تعالي الا علي جهة الذم و فعال من ابنية المبالغة ك العزيز الجبار المتكبر » ، و القدس في الفرايد : « القدس كعنق و قفل الطهر اسم و مصدر و منه قيل للجنة حظيرة القدس و روح القدس خلق اعظم من الملائكة العظام و هو روح خاص بالانبياء و الائمة عليهم السلام و جبرئيل (ع) و قد تكرر ذكره في ث بالمعنيين ك و ايدناه بروح القدس و قد تكرر فيه ، الي ان قال : و التقديس التطهير و التنزيه و التقدس التطهر و التنزه ك نسبح بحمدك و نقدس لك اي نطهرك و ننزهك عما لايليق بك و قيل نطهر انفسنا لك و نقدس الله ايضا ننزهه و من اسمائه تعالي القدوس فعول من القدس و هو الطهارة و النزاهة اي الطاهر المنزه عن العيوب و النقايص » .
اقول و معني الفقرة المباركة بحسب الظاهر واضح و الحاصل من التسربل بالجلال و العظمة هو معني الاحتجاب ايضا فان التسربل بمعني التقمص و التستر كما مر و خاصة التقمص بالجلال و العظمة يوجب البعد عنه لما مر في معني الجلال انه ما يبعد الانسان عن صاحبه و يدفعه و بالبداهة اذا بعد الانسان عن صاحبه يصير محجوبا عنه ممنوعا عن رؤيته و قوله (ص) و اشتهر بالتجبر اي انتشر و برز و فشا بين الخلق انه متجبر اي متكبر و متعظم كما هو معلوم من حال الخلق ان من احتجب و تستر بالحجب و الاستار و اقام ببابه الحجّاب مثلا قيل انه متجبر اي متكبر و هو للخلق ذم و مكروه و لايليقون به و لكنه تعالي يليق بجلال وجهه كلما اختار لنفسه من هذا القبيل و اما في قدسه ففي للمصاحبة بمعني مع اي اشتهر بالتجبر مع انه في نفسه مقدس عن التجبر و منزه و مطهر و ذلك لان ذاته تعالي منزهة عن الصفات و كمال التوحيد نفي الصفات عنه و لاسيما صفات الاضافة التي [ص 84] لا بد فيها من الاضافة الي غيره كالمتجبر و المتكبر و المتعظم فانه تعالي احد يمتنع معه ذكر ما سواه فاي شئ هنا حتي يتجبر او يتكبر عليه بل ان استعمل فيه اللفظ ايضا لايراد منه المعاني الاضافية كما ورد في معني الله اكبر انه اكبر من ان يوصف ، فقوله (ص) اشتهر بالتجبر في قدسه من نحو قولهم (ص) قريب لا بمداناة بعيد لا بمناءات مع كل شئ لا بمقارنة غير كل شئ لا بمباينة مثلا و امثال ذلك بالجملة فمعني الفقرة المباركة بحسب الظاهر واضح .
و اعلم انه قد اختلف اهل المعرفة في الجمال و الجلال فمنهم من قال ان الجمال مقدم علي الجلال و منهم من قال بعكس ذلك و لكل وجه فالاولون قالوا ان الجمال نور الذات و الجلال نور الجمال و الظاهر ان نظرهم في ذلك الي المعاني اللغوية حيث ان الجمال بمعني الحسن في الخلق و الخلق و لا شك انه في الخلق من الصفات المتصلة بموصوفها و الجلال بمعني العظمة و العظمة كأنها من الصفات المنفصلة الاتري انك اذا واجهت السلطان مثلا شاهدت جلاله و عظمته من بعيد و اما جماله و حسن خَلقه فلايشاهده الا في القرب منه و كذلك بالنسبة اليه تعالي و ان كان لايصل احد الي الذات و لايتصل بها و لكنها في درجات الصفات صفة الجمال اعلي من صفة الجلال علي ان الجمال كما عرفت ما يقرب الانسان من صاحبه و الجلال ما يبعده عنه و جمال الله سبحانه يستلزم العطف و الرحمة و التقريب اليه و اما الجلال فهو ما يبعد الانسان عن صاحبه و يدفعه و يطرده و هو انسب بالقهر و الغضب و قد ورد في القدسي سبقت رحمتي غضبي ، فالجمال المناسب لصفة الرحمة يسبق الجلال المناسب لصفة الغضب و اعلم انه قد يستعمل بعض الكلمات في مقام بعض كما انه قد يستعمل الجلال في العظمة الحقيقية نحو قول اميرالمؤمنين [ص 85] عليه السلام في صفة الحقيقة كشف سبحات الجلال من غير اشارة ، فان المراد من الجلال هنا الحقيقة و معذلك قد يستعمل الجلال في مقام السبحات كما في حديث المعراج فرأيت من نور ربي و حال بيني و بينه السبحة قال الراوي قلت و ما السبحة جعلت فداك فاومأ بوجهه الي الارض و اومأ بيده الي السماء و هو يقول جلال ربي جلال ربي ثلاثا ، و وجدت في الجواب عن الحقيقة انه جعل السبحات دون الجلال فكأنه من الالفاظ العامة او المشتركة التي تختلف موارد استعمالها بحسب ارادة المتكلم بالجملة و في هذه الفقرة من الدعاء الذي كلامنا فيه كأنه استعمل الجلال في المقام الادني حيث قال تسربل بالجلال و العظمة فجعله بمنزلة القميص و اللباس و لا شك ان اللباس للابسه ادني مقاما من حسن وجهه و خلقه و خلقه و هو مما يملكه من خارج وجوده و كذلك العظمة و ان كانت بمعني الكبر و لكن معذلك في عرف الائمة سلام الله عليهم و كتاب الله سبحانه في الغالب العظمة كبر غيبي و الكبرياء عظمة ظاهرة و من هنا ورد في القدسي ان الكبرياء ردائي فمن نازعني في ردائي سلبته عنه و العظمة ازاري فمن نازعني في ازاري سلبته عنه ، و من البين ان الازار لباس مما يلي الجسد و الرداء فوقه و فوق القميص مثلا و قال تعالي له الكبرياء في السموات و الارض و وصف العرش بالعظيم فانه اغيب و اعلي من السموات الظاهرة و معذلك ايضا يستعمل بعضها في مقام بعض و لكنها اذا اجتمعت كانت العظمة اعلي من الكبرياء ففي هذه الفقرة قال صلي الله عليه و آله تسربل بالجلال و العظمة علي نسخة لعلها الاصح لعدم التكرار و في الفقرة التي بعدها قال يا من تعالي بالجلال و الكبرياء و هذه العظمة في هذه الفقرة فوق الكبرياء فيما بعد و انما ذلك لما بينا في المقدمة في شرح [ص 86] حديث كيفية حدوث الاسماء حيث قال (ع) ان الله تبارك و تعالي خلق اسما بالحروف غير متصوت ، الي ان قال : فجعله كلمة تامة علي اربعة اجزاء معا ليس منها واحد قبل الآخر فاظهر منها ثلثة اسماء لفاقة الخلق اليها و حجب واحدا منها و هو الاسم المكنون المخزون بهذه الاسماء الثلثة ، فانا قد بينا ان المراد من الاسم المكنون هو الاسم الظاهر في عرصة الامكان و المراد من الاسماء الثلثة الاسماء الظاهرة في عرصة الاكوان اي الجبروت و الملكوت و الملك اي العقل و النفس و الجسم و قد عرفت ان شعاع نوره تعالي الذي احتجب به اولا انما هو العقل و هو شعاع الفؤاد الذي هو نوره تعالي حيث ذكر عليه السلام ان الاسم المكنون المخزون محجوب بهذه الاسماء الثلثة فالاسم الظاهر في الجبروت و هو مقام العقل اول اسم احتجب به تعالي عن نواظر خلقه و الاسم الظاهر في الملكوت و هو مقام النفس ثانيها و حجابه الثاني و هي حجاب الزبرجدة الخضراء الذي يتلألأ بخفق و ذلك لانه مقام النفس و هي و ان كانت مطمئنة راضية مرضية و لكنها معذلك اذا امرت بالرجوع الي ربها فان صعدت اليه بالمرة فنيت من اصلها و لا بد لها في استمساك وجودها من ان يكون لها نظر الي ربها و نظر الي نفسها فهنالك يتلألأ بخفق اي الاضطراب بين الظهور و الخفاء كخفوق النجم اي تلألؤه و حركته بين الظهور و الخفاء و هي اي النفس مقام ظهور العظمة اذ هي الكبرياء الغيبي و من هنا تسبح ربك العظيم في حال الركوع لان الركوع ظهور النفس الغيبية كما ان السجود مقام ظهور العقل اي العقل المرتفع المتعالي و هو اقرب حالاتك الي ربك كما في القدسي اقرب ما يكون العبد الي و هو ساجد ، و قال تعالي و اسجد و اقترب فتسبح ربك الاعلي في السجود لان اول [ص 87] ما اختار لنفسه من الاسماء العلي العظيم كما في الخبر فالعلو ظهوره في مقام العقل و العظمة في مقام النفس و الكبرياء ظهوره في حال القيام و القعود لظهورهما و من هنا تكبر فيهما بالجملة فمن جهة ظهوره بالجلال و العظمة في هذه الفقرة قلنا ان المراد منه ظهوره و اسمه الظاهر في عرصة النفس و الملكوت و سربال الجلال و العظمة سربال النفس علي العقل قال تعالي هن لباس لكم و انتم لباس لهن و اعلم ان الجلال هنا و في الفقرة الآتية لايشتركان في موارد الاستعمال و هذا بالنسبة جلال باطني و الذي يأتي جلال ظاهر بمناسبة عطف العظمة هنا عليه و عطف الكبرياء هناك عليه و قد عرفت جواز استعماله في مراتب مختلفة . و اما قوله (ص) و اشتهر بالتجبر في قدسه فيحتمل معنيين احدهما انه تعالي اشتهر بالتجبر في مقام النفس لظهور الجلال و العظمة هنا فان التجبر بمعني التكبر و الكبر بمعني العظمة و الجلال ايضا يناسب الدفع و التبعيد فلذا اشتهر و ظهر هنا بالتجبر و في قدسه اي مع انه في ظهوره في مقام العقل كان مقدسا مطهرا منزها لانه مقام المادة و هي مقام الماء و هو مطهر مقدس و موضع ظهور الرحمة و العطف لا موضع ظهور التجبر و من هنا يسمي العقل بروح القدس و اما مقام النفس فهو مقام الصورة و ظهور الاختلاف و مخالفة الكينونة و من هنا تكون موقع الخشية و الخوف عند ظهوره تعالي بالجلال و العظمة و التجبر و اما العقل فهو مقام الرجاء و ظهور الرحمة كما عرفت و المعني الآخر ان اشتهاره تعالي بالتجبر دون درجة النفس في مقام الطبيعة فان اشتهار الامر و انتشاره انما هو دون منشأه و مبدئه كما تري ان الكلام يصدر منك اولا ثم ينتشر بين الناس حتي قالوا : كل امر جاوز الاثنين شاع ، فاشتهار الخبر دون منشأه و مبدئه [ص 88] فاشتهاره تعالي بالتجبر الذي هو في الاصل من عظمته في ظهوره في عالم النفس انما يكون في عالم الطبيعة دون عالم النفس و معذلك النفس مقام القدس و الطهارة عن اعراض ما دونه و من هنا تسمي بالنفس القدسية و قال عليه السلام في صفة العالم العلوي و هو عالم النفس صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد ، فهي مقام القدس و الطهارة عن صفات المواد العرضية فمع انها في نفسها مقدسة و عظمتها عظمة دهرية غير محدودة بالحدود الزمانية اشتهر بالتجبر في عرصة الطبيعة فقهرت كل ما دونها و غلبت عليها كما تري اكثر الخلق مقهورين بالطبيعة بالجملة و لما كان الكلام طويل الذيل و نذكر في كل فقرة ان شاء الله و بتوفيق الله تعالي شيئا من البيان نقتصر بما ذكر في ظاهر هذه الفقرة .