[ص 1]

شرح دعاء الحجب

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج زين‌العابدين خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي خير خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم و غاصبي حقوقهم اجمعين الي يوم الدين .

اما بعد فيقول العبد المسكين ابن محمدكريم زين‌العابدين انه قد اتاني نحو سنتين قبل ذلك كتاب كريم و خطاب فخيم من قرية بناب من محال آذربيجان من صاحب المفاخر و جامع المزايا و المآثر حاوي الفضيلتين و صاحب الرياستين مولانا الاكبر الآغا ميرزا علي‌اصغر الملقب بسيف‌العلماء ابن المرحوم المبرور الممجد الآغا محمد سيف‌العلماء ابن المرحوم المبرور المنصور ذي السيف الماضي الحاج قاضي اطاب الله ثراه و جعل الجنة مثواه كما نصر الدين و اهله المؤمنين من شر الظالم العنيد الشيخ عبيد حشره الله مع ابن‌مرجانة و يزيد و امرني فيه بشرح دعاء الحجب المروي في مهج الدعوات للسيد السند و المولي المعتمد ابي‌القسم علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن محمد الطاوس العلوي الفاطمي قدس الله روحه و نور ضريحه بسنده الآتي ذكره و هو دعاء شريف عظيم الشأن وثيق الاركان رفيع البنيان لايدرك ادني ما وضع فيه فضلا عن اقصاه و لاينال اقرب مراد منه فكيف يطمع في اعلاه و انا مع ذلك في غاية تبلبل البال و اختلال الحال من [ص 3] واردات الازمان و طوارق الحدثان اعاذنا الله من شرور الانس و الجان و قد عاقني تلك المدة المديدة عن اجابة مسؤله زيد توفيقه و اتيان مأموله حتي رأيت ان نوائب الزمان لاتنقضي و مصائب الدهر الخوان لاتنجلي و اداء حقوق الاخوان فريضة جازمة و اطاعة امرهم واجبة لازمة و اعتذر الي جناب السائل وفقه الله لمراضيه من تأخير الجواب و قد كان سألني بعض الاخوان في كرمان قبل ذلك عن بعض فقرات هذا الدعاء المبارك و كتبت في جوابه كلمات يسيرة و كنت قد اعزم في تلك المدة بارسال تلك الكلمات اليه لعله زيد عزه يقتصر بها و يعفيني عن ازيد منها و لكن عوايق الزمان منعتني عنه ايضا مع انها مختصة ببعض فقراته و لايحصل بها كل ما اراد حتي عزمت في تلك الايام مستعينا من الله الملك العلام متوسلا بمحمد و آل‌محمد الكرام عليهم صلوات الله و سلامه ما توالت الايام مستشفعا بهم عليهم آلاف تحية و سلام الي الله سبحانه ان يهديني الي سواء الطريق و يعرفني الحق الحقيق بالتصديق و يوفقني بتوفيقه للتنميق علي اسعاف حاجته و انجاح طلبته مع ما اعلم من نفسي من الجهل و القصور و في بدني من الضعف و الفتور و لكن اعتمادا علي قولهم عليهم السلام خطابا الي السائل بلغه الله امانيه احسن ظنك و لو بحجر يلق الله مطلوبك فيه ، و انا ذلك الحجر حيث احسن ظنه بي و امرني باجابة مسؤله و الاتيان بماموله فارجو الله ان يلقي في روعي جوابا شافيا كافيا لتلك المسألة كما وعد السائل و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و ها هو ابان الشروع في المقصود و التوفيق من الله الودود بحق محمد المحمود و آله صلوات الله عليهم الي يوم الموعود .

[ص 4] ففي المهج حدثنا (ظ) عبدالله قال حدثنا (ظ) ابوجعفر حميد البصري قال بلغنا عن رجل من اهل نيشابور يقال له عبدالله قال حدثنا ابرهيم بن ادهم عن موسي عن الفراء عن محمد بن علي بن ابيطالب صلوات الله عليه عن النبي صلي الله عليه و آله قال من دعا بهذه الاسماء استجاب الله عز و جل له و قال صلوات الله عليه لو دعي بهذه الاسماء علي صفايح من حديد لذاب الحديد باذن الله عز و جل و قال عليه السلام و الذي بعثني بالحق نبيا لو ان رجلا بلغ به الجوع و العطش شدة ثم دعا بهذه الاسماء لسكن عنه الجوع و العطش و الذي بعثني بالحق نبيا لو ان رجلا دعا بهذه الاسماء علي جبل بينه و بين الموضع الذي يريده لنفد الجبل كما يريده حتي يسلكه و الذي بعثني بالحق نبيا لو دعا بهذا الدعاء عند مجنون لأفاق من جنونه و ان دعا بهذا الدعاء عند امرأة قد عسر عليها الولد لسهل الله ذلك عليها و قال صلوات الله عليه لو دعا بها رجل و هو في مدينة و المدينة تحترق و منزله في وسطها لنجا منزله و لم‌يحترق و لو ان رجلا دعا به اربعين ليلة من ليالي الجمعة لغفر الله عز و جل له كل ذنب بينه و بين الله و لو فجر بامه لغفر الله له ذلك و الذي بعثني بالحق نبيا مادعا بهذا الدعاء مغموم الا صرف الله الكريم عنه غمه في الدنيا و الآخرة برحمته و الذي بعثني بالحق نبيا مادعا بهذا الدعاء احد عند سلطان جائر قبل ان يدخل عليه و ينظره الا جعل الله ذلك السلطان طوعا له ان شاء الله تعالي و هي هذه الاسماء :

اَللّٰهُمَّ اِنّٖي اَسْأَلُكَ يٰا مَن احْتَجَبَ بِشُعاعِ نُورِهِ عَن نَوٰاظِرِ خَلْقِهٖ يٰا مَنْ تَسَرْبَلَ بِالجَلالِ وَ الْعَظَمَةِ ● وَ اشْتَهَرَ بِالتَجَبُّرِ فٖي قُدْسِهٖ يٰا من تَعالٰي بِالجَلالِ وَ الْكِبْرياءِ فٖي تَفَرُّدِ مَجْدِهٖ يٰا مَن انقٰادَتْ لَهُ الْاُمُورُ بِاَزِمَّتِهٰا طَوعاً لِاَمْرِهٖ يٰا مَنْ قامَتِ السَّمَواتُ وَ الْاَرَضُونَ مُجيبٰاتٍ لِدَعْوَتِه يٰا مَنْ زَيّنَ السَّماءَ ● بِالنُّجُومِ [ص 5] الطّالِعَةِ وَ جَعَلَهٰا هادِيَةً لِخَلْقِهٖ يٰا مَنْ اَنارَ الْقَمرَ المُنيرَ فٖي سَوادِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ بِلُطْفِهٖ يا مَنْ اَنارَ الشَّمسَ الْمُنِيْرَةَ وَ جَعَلَهٰا مَعٰاشاً لِخَلْقِهٖ وَ جَعَلهٰا مُفَرِّقَةً بَيْنَ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ بِعَظَمَتِهٖ يا مَن اسْتَوجَبَ الشُّكْرَ بِنَشْرِ سَحائِبِ نِعَمِه اَسْأَلُكَ بِمَعٰاقِدِ العِزِّ مِنْ عَرْشِكَ وَ مُنتَهَي الرَّحمَةِ مِنْ كِتابِكَ وَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِه نَفْسَكَ اَو اسْتَأْثَرْتَ ● بِه فٖي عِلمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ وَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ اَنْزَلْتَهُ فٖي كِتابِك اَو اَثبَتَّهُ فٖي قُلُوبِ الصّٰافٖيْنَ الحافّينَ حَوْلَ عَرْشِكَ فَتَراجَعَتِ الْقُلُوبُ اِلي الصُّدُورِ عَنِ الْبَيٰانِ باِخْلاصِ الْوَحْدانيّةِ وَ تَحْقٖيقِ ● الْفَردٰانِيّةِ مُقِرّةً ● بِالعُبُودِيّةِ وَ انَّكَ اَنْتَ اللّهُ اَنتَ اللّهُ اَنتَ اللّهُ لٰا اِلهَ اِلّا انتَ وَ اَسْأَلُكَ بِالْاَسْماءِ الّتٖي تَجلّيْتَ بهٰا لِلْكَلٖيمِ ● عَلَي الْجَبَلِ الْعَظيمِ فَلَمّٰا بَدٰا شُعاعُ نُورِ الحُجُبِ مِنْ بَهٰاءِ الْعَظَمةِ خَرَّتِ الْجبالُ مُتَدَكْدكَةً لِعَظَمَتِكَ وَ جَلالِكَ وَ هَيبَتِكَ وَ خَوفاً مِنْ سَطْوَتِكَ رٰاهِبةً مِنْكَ فَلا اِلٰهَ اِلّا اَنْتَ فَلا اِلٰهَ اِلّٰا اَنْتَ فَلٰا اِلهَ اِلّٰا اَنْتَ فَلا اِلهَ اِلّا اَنْتَ ● وَ اسْأَلُكَ بِالْاِسْمِ الَّذٖي فَتَقْتَ بِه رَتْقَ عَظيمِ جُفُونِ عُيُونِ الناظِرينَ ● اَلّذي بِه تَدبٖيرُ ● حِكمَتِكَ وَ شَواهِدُ حُجَجِ انبِيائِكَ يَعْرِفونَكَ بِفِطَنِ ● القُلوبِ وَ انتَ فٖي غَوامِضِ مُسَرّٰاتِ سَرِيرٰاتِ الْغُيوبِ ● اَسْأَلُكَ بِعِزّةِ ذلِكَ الْاِسْمِ اَنْ تُصَلِّيَ عَلي مُحَمّدٍ و آلِ‌مُحَمّدٍ وَ اَنْ تَصْرِفَ عَنّٖي ● جَمٖيعَ الٰافاتِ وَ الْعٰاهاتِ وَ الْاَعْراضِ وَ الاَمْراضِ وَ الخَطايٰا وَ الذُّنُوبِ وَ الشَّكَ وَ الشِّركَ وَ الْكُفْرَ وَ الشِقٰاقَ وَ النِّفاقَ وَ الْغَضَبَ وَ الْجَهْلَ وَ المَقْتَ وَ الضَّلالَةَ وَ الْعُسْرَ وَ الضّٖيقَ وَ فَسادَ الضَّمٖيرِ وَ حُلُولَ النَقمَةِ وَ شَماتَةَ الْاَعْداءِ وَ غَلَبةَ الرّجٰالِ اِنّكَ سَميْعُ الدُّعاءِ لَطٖيفٌ لِما تشاءُ و صَلِّ عَلٰي مُحَمّدٍ وَ الِ‌مُحَمّدٍ يا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ .

[ص 6] قيل ان سلمان الفارسي رحمة الله عليه قال يا رسول الله بأبي انت و امي الااعلمه الناس قال يا اباعبدالله يتركون الصلوة و يركبون الفواحش و يغفر لهم و لاهل بيتهم و جيرانهم و من في مسجدهم و لاهل مدينتهم اذا دعوه بهذه الاسماء .

اقول قد اتيت بنسخته من اولها الي آخرها دفعة فانه اقرب و اسهل لمعرفة معانيها و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطيبين . و قد وجدت الدعاء في البحار و كشكول البهائي رحمهما الله و المنتخب مع اختلاف يسير كتبته في الهامش .

و اعلم ان سند الرواية علي ما تري لا اعتماد عليه علي اصطلاح المتأخرين و كلهم مجاهيل الا ابرهيم بن ادهم فانه من الزهاد علي ما حكي و هو من اهل بلخ من ابناء سلطانهم و ترك زيه و دخل في الزاهدين و يقال انه لقي اباجعفر محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام و اباعبدالله الصادق بل السجاد (ع) ايضا و له روايات في الموعظة و غيرها فمن جهته و من جهة محمد بن علي بن ابيطالب عليه السلام لا بأس به الا انه لاينفع في الجميع و لكنا في فراغ و الحمد لله من هذا الاصطلاح الجديد كما اثبتناه في موضعه و قد ذكر ابي العلامة اعلي الله مقامه في الرد علي هذا الاصطلاح وجوها كثيرة نحو عشرين وجها او ازيد و كفاك منها كلها ان الذي يكذب في روايته كما يقدر علي الكذب في متن الحديث مثلا يقدر علي الكذب في سنده ايضا فيسند الخبر الي رجال معروفين اماميين موثقين ممدوحين مثلا فان الذي يكذب علي الله تعالي و رسوله و الائمة عليهم السلام لايتحرج عن الكذب علي الرواة عنهم فان كان السند دليل الصحة فسند هكذا صحيح مثلا و لو كان مكذوبا فيه مع انه لايرتضيه احد [ص 7] و لكنه لرواية ابن‌طاوس رحمه الله له مع تصريحه في اول كتابه بجمعه للادعية المعظمة عن النبي و الائمة عليهم السلام مما جمعه في دفاتره متفرقة ليسهل الرجوع اليها و الاخذ بها و تلاوتها في مقام الحاجة اليها لا عذر لنا في التشكيك فيه و لولا اعتماده رحمه الله علي ما يرويه و ينسبه الي النبي و الائمة صلوات الله عليهم ماكان يرويه ليعمل به و لاينسبه اليهم و قد رأيت منه رحمه الله في بعض كتبه انه يؤلف الادعية لاذنهم عليهم السلام في التأليف و لاينسبها الي الائمة عليهم السلام لما في ذلك من الكذب و الاغراء بالباطل و هو رحمه الله منزه عن ذلك . ثم ان بعض اصحابنا المتأخرين كالمجلسي رحمه الله و غيره و مولاي اخي العلامة اعلي الله مقامه تلقوا هذا الدعاء المبارك و غيره مما رواه في المهج منه رحمه الله بالقبول فعلي قولهم عليهم السلام لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا و قد عرفوا بانا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم ، لايجوز لنا التشكيك فيه و ان كان رجال سنده عندنا مجاهيل و لو انصفت لوجدت اكثر اسناد الاخبار عندنا مجاهيل و ان اصحابنا الاصوليين يسامحون في ذلك حيث يزعمون انه يحصل لهم الظن بها و هيهات هيهات بل الوهم ايضا لايحصل بل لو كان هؤلاء الرجال كلهم موجودين في زماننا معروفين عندنا ماكنا نقدر علي معرفتهم من جهة بواطنهم فكيف بنا و هم غير موجودين و لا معروفين و المتقدمون من اصحابنا لم‌يجروا علي هذا الاصطلاح و بالجملة لسنا بصدد التفصيل فان المسألة مشروحة في مقامها علي ما ينبغي .

و اعلم انه قد يظهر للعالم الخبير و الناقد البصير صدوره عنهم عليهم السلام لاشتماله علي مطالب عجيبة و معاني غريبة لاتصدر الا من مهابط الوحي و التنزيل و معادن العلم بالبواطن و التاويل و ان لم‌نكن نحن [ص 8] من فرسان هذا الميدان و المنتحلين للعرفان و لكن حسب ما اوقفونا و اظهروا لنا في بعض اخبارهم صلوات الله عليهم قليلا من كثير ما اودعوا فيه و ابدوا من اسراره و خوافيه قد يظهر علو شأنه و ارتفاع مكانه .

ثم اعلم ان الخواص المذكورة لهذا الدعاء المبارك و كثير من الادعية قد يصعب علي الاذهان تحملها كالذي قال صلوات الله عليه و آله انه لو دعي بهذه الاسماء علي صفايح من حديد لذاب الحديد باذن الله عز و جل الي ان قال صلوات الله عليه و آله و الذي بعثني بالحق نبيا لو ان رجلا دعا بهذه الاسماء علي جبل بينه و بين الموضع الذي يريده لنفد الجبل كما يريده حتي يسلكه ، فان امثال هذه الخواص مما قل او لم‌يتفق ابدا مشاهدته و وقوعه لاحد الا صاحب المعجز مثلا فهل بالنسبة الي ساير الخلق يمكن مثل ذلك او لايمكن و انما يكون ذلك من باب التحريص و الترغيب و التشويق في طلبه و قرائته اقول اما الترغيب و التشويق الي العمل فنعم و هو كثير في كلامهم عليهم السلام و اما انه مما لايكون و لايمكن فلايجوز القول به مع وروده عنهم عليهم السلام و ورود امثاله فعن ابي‌الحسن الاول عليه السلام في حديث و ان الله يقول في كتابه و لو ان قرآنا سيرت به الجبال او قطعت به الارض او كلم به الموتي و قد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال و تقطع به البلدان و يحيي به الموتي و نحن نعرف الماء تحت الهواء و ان في كتاب الله لآيات مايراد بها امر الا ان يأذن الله به مع ما قد يأذن الله مما كتب الماضون و جعله الله لنا في ام الكتاب ، الحديث فلا شك في امكان وقوع امثال ذلك و يشهد بصحته كتاب الله سبحانه و اخبار كثيرة في ادعية متعددة و لكن الاشكال في عدم وقوعه لعامّة الناس و لايخفي ظهور امثاله عن النبي و الائمة و الانبياء عليهم السلام [ص 9] بل و كثير من كبار شيعتهم الكاملين كما هو معلوم من كرامات و خوارق عادات ظهرت من نحو سلمان رضوان الله عليه و ابي‌ذر و مفضل بن عمر الجعفي و جابر بن يزيد الجعفي و عمر بن الفرات و عثمان بن سعيد و محمد بن عثمان و حسين بن روح و علي بن محمد السمري اعلي الله مقامهم و رفع في الخلد اعلامهم و من شك في قدرتهم علي امثال ذلك فكأنما شك في قدرة ائمته صلوات الله عليهم و قد روي في عمر بن فرات عن زيد بن كثير قال دخلت علي مولانا ابي‌الحسن علي بن محمد صاحب العسكر لاسأله عن مسائل ضاق لها صدري و اردت ان اسأل سيدي ابامحمد فحالت امور الدنيا بيني و بين ذلك فقال ابوالحسن عليه السلام صر الي عمر بن الفرات فانه ينبئك بعلم ما ضاق به صدرك قال فقلت يا مولاي اذا اجابني عنها فكل جواب اسمعه منك (كذا) اقبله منه قال ويحك يا زيد في الله شك قال فقلت لا قال ففينا شك قلت معاذ الله قال ففي عمر بن الفرات شك و هو خازن علمي و بابي و مجمع سري و من علم المنايا و القضايا و الوصايا و الناسخ و المنسوخ و ما كان و ما يكون الي يوم القيمة قال زيد فاستوذن لصاحب عمر بن الفرات قال فدخل و في يده القرطاس فيه المسائل التي كانت في نفسي و الاجوبة عنها فقال لي مولاي ابوالحسن عليه السلام خذها يا زيد فقد اتيت لك مسائلك التي اردت ان تسأل عنها ابي قبل ان تسألني فاجابك عنها ثم لم‌يكن ابي و لا انا نزيد فيه حرفا و لاننقص حرفا ماحدث المسائل فقراتها و قلت يا مولاي والله مسائلي عن آخرها فقال قم و ادخل و انظر ماذا تري فقمت اسعي حتي دخلت علي عمر بن الفرات و هو جالس فلما ان رآني رفعني اليه و قال يا زيد اتريد ان اراك (كذا) ما امرك مولاي عليه السلام ان تراه عندي فنحمد الله عليه قلت نعم يا سيدي قال و كان اليوم [ص 10] السابع من ذي‌الحجة و كان في نفسي حسرة اني لم‌احج في تلك السنة فقال احببت الحج في هذه السنة فقلت نعم فقال فافقم (كذا) و اعهد الي منزلك ما تريد و عد الي قلت جعلت فداك ثم ماذا قال احج (كذا) و تنقلب غانما مسرورا فعلمت ان ما قال هو الحق فقمت الي منزلي فعهدت اليهم بما اردت و عدت اليه و ليس معي صفراء و لا بيضاء فجلست عنده الي العشاء الآخرة فلما صلاها و صليتها قال لي قم يا زيد الي راحلتك فثورها و اركبها فانها بالباب و انها لتحملك و لك عليها ما كنت تحمله و زيادة في خروجك فاذا قضيت فاركبها في مثل هذا الوقت فانك بمشية الله و عونه تعود الينا قال فودعته و خرجت فاذا الراحلة بالباب فركبتها و ثارت و غشي عيني النعاس فانتبهت بعد هنيئة فاذا انا بمكة فحججت حجا تاما هنيئا و لقيت غريما كان لي عليه مال كثير مقدار اربعة‌آلاف دينار فوفاني فركبت الراحلة بعد تمام الحج بعد العشاء الآخرة و نعست نعسة بشر فلم‌انتبه الا بقائل يقول انزل يا زيد فانتبهت (ظ) فاذا راحلتي قد اناخت علي باب دار عمر بن الفرات في الموضع الذي ركبتها فيه فدخلت اليه فشكرت الله عنده و حمدته و عدت الي سيدي ابي‌الحسن عليه السلام فقال لي ارأيت فضل الله علينا و علي بابي عمر بن الفرات فقلت نعم يا مولاي فقد رأيت فلله الشكر و الحمد و لكم الحمد الكثير فقال ذلك والله بمسألتي الله تعالي فيه ، اقول ماكنت اريد نقل الخبر بطوله و لكن بعد ما شرعت فيه مااحببت الا ان اتمه فاذا كان هذا حالهم و حال نظرائهم رضوان الله عليهم و قد رؤي من جابر بن يزيد نحو من ذلك و قد كان بالكوفة و ارسل واحدا من الاصحاب الي المدينة بحضرة الصادق عليه السلام و قد طوي له الارض ثم لما دخل علي الصادق (ع) وجد جابر عنده و قال الامام عليه السلام له يا نوح غرقتهم [ص 11] اولا بالماء ثم غرقتهم بالعلم فاذا كسرت فاجبرهم و قد رؤي من سلمان رضوان الله عليه خوارق عادات كرامة من الله سبحانه و من الائمة عليهم السلام له تشبه معجزات موسي عليه السلام و لانسميها معجزة لسلمان او اضرابه رضوان الله عليهم فانها كلها معجزات لائمتنا سلام الله عليهم يظهرونها كرامة لشيعتهم ، و يكفيك ما روي عن عباد بن كثير البصري قال قلت للباقر عليه السلام ما حق المؤمن علي الله فصرف وجهه فسألته عنه ثلثا فقال من حق المؤمن علي الله ان لو قال لتلك النخلة اقبلي لاقبلت قال عباد فنظرت والله الي النخلة التي كانت هناك قد تحركت مقبلة فاشار اليها قري فلم‌اعنك و عن الحسن بن عطية عن الصادق (ع) ان المؤمن لو قال لهذه الجبال اقبلي اقبلت قال فنظرت الي الجبال قد اقبلت فقال لها علي رسلك اني لم‌اردك بل في القدسي يا ابن آدم انا اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك تقول للشئ كن فيكون و قال ان لله عبادا اطاعوه فيما اراد فاطاعهم فيما ارادوا يقولون للشئ كن فيكون اقول فامكان بروز امثال ذلك من بعض الاولياء مما لا شك فيه و قد قال تعالي و ان لو استقاموا علي الطريقة لاسقيناهم ماءا غدقا و قال ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ان لاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون فلا مانع من ظهور امثال ذلك من افعالهم ، نعم الذي منعنا عن مشاهدة مثل ذلك خفاء امرهم و غيبتهم بغيبة امامنا و امامهم صلوات الله عليه كما في الخبر انه لايظهر امرهم الا بظهور الامام الثاني‌عشر (ص) و اما قبل الظهور فلا و كيف يمكن مع انهم ابوابه و نوابه و اذا عرفوا عرف الامام و هم الاسم المحرم ذكره و اذاعته .

بقي الكلام في ساير الناس انه هل يصدر منهم امثال ذلك ام لا و مع عدم الصدور هل يصير الكلام و العياذ [ص 12] بالله كذبا ام لا و الحق انه لايصير كذبا فانه لايخفي انه لو كان هنا سيف ذكر هندي يمكن به قطع جمل من سنامه الي صدره بنصفين بضربة واحدة و تصفه انه كذا و كذا مثلا و لو ضربته علي صفايح الحديد مثلا لقطعها ثم اني مع ضعف بدني و قلة قوتي و قدرتي قمت فرفعت السيف و ضربت به هذا و هذا فلم‌يعمل شيئا ليس لي ان اكذب الواصف البتة فان في الناس الاقوياء رجال يفعلون مثل ذلك بادني قوة منهم كما رأينا او سمعنا مثلا و يكفي هذا القدر في صدق قول الواصف البتة و لايجب ان يكون بحيث كل من ضرب بهذا السيف يعمل مثل ذلك حتي يكون الكلام صدقا و كذا هنا يكفي في صدق الكلام و صحة تأثير الدعاء ان يكون في الدنيا احد يؤثر بهذا الدعاء نحو هذا التأثير و لو لم‌نكن نحن رأيناه مثلا و لكن اذا وصل الينا الخبر ممن نثق به ان في الدنيا يكون او كان احد يعمل بهذا الدعاء نحو هذا العمل فقد يكفينا في التصديق به و الناس في امور دنياهم مما لايوسوس الشيطان في صدورهم قد يصدقون باقل من ذلك و لكن في امر الدين فلا حتي انهم ان رأوا نحو ذلك باعينهم قالوا ما هذا الا سحر مبين و زايدا علي ذلك نقول ان الناس سمعوا الفاظا و عبارات من لسان الشارع صلي الله عليه و آله و حملوها علي ما تعارف بينهم مع انه صلي الله عليه و آله ينادي علي نفسه باني لم‌ارد ما تريدون و انما لكلامي معني شرعي و حقيقة شرعية لو اتيتم بما اردت فزتم و رأيتم اثره و الا فلا و يحملهم الشيطان معذلك علي ان يأتوا به علي المعني المتعارف بينهم لئلايروا منه اثرا فينكروه كما ان بعض الجهال الحرصاء يجدون اكاذيب و اضاليل من كلام المنتحلين للفلسفة فيعملون بها او يجدون بعض كلمات الحكماء العلماء الاصدقاء مع انهم ينادون علي انفسهم ان عباراتنا اسرار و فيها [ص 13] رموز تخالف العرف و معذلك يعملون بها علي المعاني المتعارفة او علي ما يعرفون بجهلهم فلايجدون اثرا فينكرون اصل العمل بالمرة و يقولون ان الكيمياء لا اصل له في الدنيا و انما هي كلها اكاذيب مع ان في الواقع ليس الامر كذلك و ان كان بعض الكلمات اكاذيب و لكن فيها كلمات صحيحة و نسخ معتبرة ينبؤ عن الواقع و لو عملوا بها علي ما اراد القائل العالم بها لوجدوا منها آثارا غريبة علي ما وصفها بل و اغرب منها و كذلك الامر هنا فان الدعاء حقيقة سلاح المؤمن كما روي في عدة اخبار و هو السيف القاطع علي ما مثلنا و لكن لا بد لضاربه من عضد و ساعد قوي و علم و عمل يستعمله علي ما ينبغي فيعمل ما يريد و كذلك هو الكيمياء الاكبر الذي يقلب الحجر الغاسق ذهبا خالصا ابريزا بل يقلبه ياقوتا و ماسا و لكن له علما خاصا و شروطا خاصة و رياضات و مجاهدات معلومة عند اهله لو عمل بها كان حقيقة اكبر و اعظم من الكيمياء و لكن كيف و اني و وا اسفا علي ما فرطنا في جنب الله تعالي .

فلا علينا ان نذكر هنا بعض شروط الدعاء فان فيها عبرة لمن اعتبر و تذكرة لمن تذكر و الاخبار الواردة في هذا المضمار كثيرة مروية في الكتاب المبين و فصل الخطاب و غيرهما من كتب الاصحاب و لكنا نذكر هنا قليلا من كثير في شروطه و له كيفيات خاصة و اوقات و امكنة فاضلة تطلب من مظانها و نحن لسنا بصدد التفصيل .

فمن اعظم شروطه المعرفة بالمدعو و قد روي عن موسي بن جعفر (ع) قال قال قوم للصادق (ع) ندعو فلايستجاب لنا قال لانكم تدعون من لاتعرفونه و قال اميرالمؤمنين (ع) للدعاء شروط اربعة الاول احضار النية و الثاني اخلاص السريرة الثالث معرفة المسؤل الرابع الانصاف في المسألة ، اقول فلا بد من معرفته تعالي و المعرفة لا بد ان تكون علي ما اراد الله تعالي و هو ما قال [ص 14] ابوجعفر (ع) انما يعبد الله من يعرف الله فاما من لايعرف الله فانما يعبده هكذا ضلالا قيل جعلت فداك فما معرفة الله قال تصديق الله عز و جل و تصديق رسوله و موالاة علي و الايتمام به و بائمة الهدي عليهم السلام و البراءة الي الله من عدوهم هكذا يعرف الله عز و جل ، اقول و هذا اصل ما فصلوه مشايخنا اعلي الله مقامهم في كتبهم من معرفة النورانية و قد كان ابي العلامة اعلي الله مقامه يقول ان المعرفة النورانية ما كتبته في ارشاد العوام من اوله الي آخره ، بالجملة فاعظم الشروط معرفته تعالي علي ما اراد و هذا شرط جبلي فطري و اذا كان لك ادني حاجة الي احد لا بد لك اولا ان تعرفه كما هو حقه ثم تأتيه علي بصيرة لا ان تظن كل احد انه هو ثم تأتي كل احد فتسأله حاجتك فانك لاتفوز بنجح حاجتك .

ثم من بعد المعرفة لا بد ان تأتيه من بابه كما قال تعالي ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و اتوا البيوت من ابوابها و روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام عن آبائه عليهم الصلوة و السلام قال مر موسي بن عمران برجل رافع يده الي السماء يدعو فانطلق موسي في حاجة فغاب عنه سبعة ايام ثم رجع اليه و هو رافع يديه يدعو و يتضرع و يسأله حاجة فاوحي الله اليه يا موسي لو دعاني حتي تسقط لسانه مااستجبت له حتي يأتيني من الباب الذي امرته و قال ابوعبدالله عليه السلام عبد الله حبر من احبار بني‌اسرائيل حتي صار مثل الخلال فاوحي الله عز و جل الي نبي زمانه قل له و عزتي و جلالي و جبروتي لو انك عبدتني حتي تذوب كما تذوب الالية في القدر ماقبلت منك حتي تأتيني من الباب الذي امرتك ، اقول فلا بد من اتيانه من بابه و لو طلبته من غير الباب لم‌تجده و ان كان الله سبحانه لايُحدّ بباب و لايحجب بحجاب و لكنك حجبت نفسك بآمالك [ص 15] و هو غير محجوب عن خلقه الا ان تحجبهم الآمال دونه فانه اذا كان الله سبحانه يقول و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و انت تريد امرا خلاف جعل الله و تقديره فكيف تأمل الوصول بالمامول بالجملة و ابوابه تعالي حججه و انبياؤه و اولياؤه كما روي في حديث عن احدهما عليهما السلام ان رجلا من بني‌اسرائيل اجتهد اربعين ليلة ثم دعا فلم‌يستجب له فأتي عيسي عليه السلام يشكو اليه ما هو فيه و يسأله الدعاء فتطهر عيسي (ع) و صلي ثم دعا فاوحي الله اليه يا عيسي ان عبدي اتاني من غير الباب الذي اوتي منه انه دعاني و في قلبه شك منك فلو دعاني حتي ينقطع عنقه و ينتشر انامله مااستجبت له فالتفت عيسي (ع) فقال تدعو ربك و في قلبك شك من نبيه قال يا روح الله و كلمته قد كان والله ما قلت فاسأل الله ان يذهب به عني فدعا له عيسي (ع) فتفضل الله عليه و صار في اهل بيته كذلك نحن اهل البيت لايقبل عمل عبد و هو يشك فينا ، اقول فلا بد من اتيانه من بابه الذي اختاره لنفسه ثم اعلم ان اعظم ابوابه تعالي الذي ينتهي كل باب اليه محمد و آل‌محمد عليهم السلام كما عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال سمعت محمدا صلي الله عليه و آله يقول ان الله عز و جل يقول يا عبادي اوليس من له اليكم حوائج كبار و لاتجودون بها الا ان يتحمل عليكم باحب الخلق اليكم تقضونها كرامة لشفيعهم الا فاعلموا ان اكرم الخلق علي و افضلهم لدي محمد و اخوه علي و من بعده الائمة الذين هم الوسائل الي الله الا فليدعني من اهمته حاجة يريد نفعها او دهمته داهية يريد كشف ضرها بمحمد و آله الطيبين الطاهرين اقضها له احسن ما يقضيها من تستشفعون له باعز الخلق اليه ، و الاخبار بهذا المعني [ص 16] اكثر من ان تحصي و المسألة واضحة ، و من بعدهم صلوات الله عليهم لا بد من التوسل اليهم بالانبياء عليهم السلام و قد قال الصادق عليه السلام لابن ابي‌الديلم يا عبدالحميد ان لله رسلا مستعلنين و رسلا مستخفين فاذا سألته بحق المستعلنين فاسأله بحق المستخفين ، اقول ثم من بعدهم لا بد من التوسل اليهم بشيعة آل‌محمد عليهم السلام كما عن الصادق (ع) قال شيعتنا جزء منا خلقوا من فضل طينتنا يسوؤهم ما يسوؤنا و يسرهم ما يسرنا فاذا ارادنا احد فليقصدهم فانهم الذين يوصل منهم الينا ، و الاخبار بهذا المعني ايضا كثيرة و من زيارة ابي‌محمد عثمان بن سعيد العمري الاسدي السلام عليك يا قرة العيون و السر المكنون السلام عليك يا فرج القلوب و نهاية المطلوب السلام عليك يا شمس المؤمنين و ركن الاشياع المنقطعين ، الي ان قال اتوسل الي الله بالشفاعة اليه ليشفع الي شفعائه و اهل مودته و خلصائه ان يستنقذوني من مكاره الدنيا و الآخرة اللهم اني اتوسل اليك بعبدك عثمان بن سعيد و اقدمه بين يدي حوائجي الزيارة ، اقول فلا بد من اتيانه تعالي من ابوابه و سبله من عند مقامك الي مقاماته و علاماته التي لا تعطيل لها في كل مكان و هذه المسائل مفروغ عنها في كتب مشايخنا الا انا اردنا الاشارة الي ان عدم الاستجابة لكثير من الناس من اي وجه . ثم اعلم ان استقرار المعرفة و ثبوتها انما يكون بطاعة الله سبحانه و طاعة اوليائه و اداء حقه و حقهم (ص) و لو لم‌يطع الانسان لربه انقلب معرفته جهلا او جحودا و العياذ بالله كما قال سبحانه و جحدوا بها و استيقنتها انفسهم و قال يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و ان لم‌يبلغ مبلغ الجحود و عصي معذلك صار جاهلا الاتري الي قوله تعالي هل علمتم ما فعلتم بيوسف و اخيه اذ انتم جاهلون ، و قد روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه [ص 17] قال كل ذنب عمله العبد و ان كان عالما فهو جاهل حين خاطر بنفسه معصية ربه فقد حكي الله سبحانه قول يوسف لاخوته هل علمتم ما فعلتم بيوسف و اخيه اذ انتم جاهلون فنسبهم الي الجهل لمخاطرتهم بانفسهم في معصية الله ، اقول اذا كان لاحد مال مثلا و له عليه قوام يحرسونه و يمنعون من اراد سرقته اشد المنع و انت علمت ذلك و عرفته ثم حملك الطمع معذلك علي ان تأتيه و تسرقه فاتيته و القوام منعوك و دفعوك بل و ضربوك اليس انك قد خاطرت بنفسك و كأنك جاهل بحراسة القوام مع انك عالم و كذلك الامر هنا فانك بعد ما عرفت الله تعالي و وعده و وعيده فمن علامة التصديق به ان لاتحوم حول مساخطه و لو خاطرت بنفسك فقد جهلت نفسك بعد ما كنت عارفا عالما فلا بد من طاعة الله تعالي بعد ما عرفته حتي تصير معرفته في قلبك ثابتة مستقرة و قد روي عن اميرالمؤمنين (ع) في خطبة الي ان قيل له يا اميرالمؤمنين انت القبلة اذا ما ضللنا و النور اذا ما اظلمنا و لكن نسألك عن قول الله ادعوني استجب لكم فما بالنا ندعو فلايجاب لنا قال ان قلوبكم خانت بثمان خصال : اولها انكم عرفتم الله فلم‌تؤدوا حقه كما اوجب عليكم فمااغنت عنكم معرفتكم شيئا و الثانية انكم آمنتم برسوله ثم خالفتم سنته و امتم شريعته فاين ثمرة ايمانكم و الثالثة انكم قرأتم كتابه المنزل عليكم فلم‌تعملوا به و قلتم سمعنا و اطعنا ثم خالفتم الرابعة قلتم انكم تخافون من النار و انتم في كل وقت تقدمون اليها بمعاصيكم فاين خوفكم و الخامسة انكم قلتم انكم ترغبون في الجنة و انتم في كل وقت تفعلون ما يباعدكم منها فاين رغبتكم فيها و السادسة انكم اكلتم نعمة المولي و لم‌تشكروا عليها و السابعة ان الله امركم بعداوة الشيطان و قال ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا فعاديتموه بلا قول و واليتموه بلا مخالفة [ص 18] و الثامنة انكم جعلتم عيوب الناس نصب عيونكم و عيوبكم وراء ظهوركم تلومون من انتم احق باللوم منه فاي دعاء يستجاب لكم مع هذا و قد سددتم ابوابه و طرقه فاتقوا الله و اصلحوا اعمالكم و اخلصوا سرائركم و امروا بالمعروف و انهوا عن المنكر فيستجيب الله لكم دعاءكم ، اقول انظر في كلامه عليه السلام من اوله الي آخره هل وفينا باحدي تلك الخصال الثمان و العياذ بالله و اديناها حتي نرجو ان يستجاب لنا فكلامهم صلوات الله عليهم نور و امرهم رشد و وصيتهم التقوي و عادتهم الكرم و لكن نحن لم‌نأخذ به علي ما ارادوا و امروا و العياذ بالله ، و نسأل الله جل و عز ان يعصمنا من الذنوب و يبرأنا من العيوب و يغفر لنا ما قدمنا و يوفقنا لمراضيه فيما اخرنا بجاه محمد و آله (ص) ، و ورد في هذا المعني اخبار اخر ففي القدسي لايحجب عني دعوة الا دعوة آكل الحرام و روي انه اوحي الله الي عيسي قل لظلمة بني‌اسرائيل لاتدعوني و السحت تحت اقدامكم و الاصنام في بيوتكم فاني آليت ان اجيب من دعاني و ان اجابتي اياهم لعن عليهم حتي يتفرقوا و قيل لرسول الله صلي الله عليه و آله احب ان يستجاب دعائي فقال طهر مأكلك و لايدخل بطنك الحرام و قال لابي‌ذر يا اباذر يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح يا اباذر مثل الذي يدعو بغير عمل كمثل الذي يرمي بغير وتر و قال عليه السلام من سره ان تستجاب دعوته فليطيب مكسبه . بالجملة فاذا عرف الله سبحانه و ابوابه و حججه القائمين مقامه عز و جل و صلواته عليهم و اطاعهم فيما امروا و اراد الدعاء و المسألة فلييأس اولا من الناس كلهم و لايكون له رجاء الا من عند الله و قد قال ابوعبدالله عليه السلام اذا اراد احدكم ان لايسأل ربه شيئا الا اعطاه فلييأس من الناس كلهم و لايكون له رجاء الا من عند الله فاذا علم الله ذلك من قلبه لم‌يسأل الله [ص 19] شيئا الا اعطاه .

ثم من بعد اليأس من الناس لا بد له من الاقبال بقلبه اليه تعالي و الاخلاص في التوجه و النية الصادقة و التضرع اليه ثم اليقين بالاجابة ، و الاخبار بهذه المعاني كثيرة نذكر منها قليلا من كثير فعن ابي‌الحسن الرضا عليه السلام ان اميرالمؤمنين عليه السلام كان يقول طوبي لمن اخلص لله العبادة و الدعاء و لم‌يشغل قلبه بما تري عيناه و لم‌ينس ذكر الله بما تسمع اذناه و لم‌يحزن صدره بما اعطي غيره و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول ان الله عز و جل لايستجيب دعاءا بظهر قلب ساه فاذا دعوت فاقبل بقلبك ثم استيقن الاجابة و عنه (ع) قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله قال الله عز و جل من سألني و هو يعلم اني اضر و انفع استجبت له و عنه صلي الله عليه و آله قال ادعوا الله و انتم موقنون بالاجابة قال و اوحي الله الي موسي ما دعوتني و رجوتني فاني سامع لك و قال ابوعبدالله (ع) اذا دعوت فاقبل بقلبك و ظن حاجتك بالباب و قيل له يا بن رسول الله ما بال المؤمن اذا دعا ربما استجيب له و ربما لم‌يستجب له و قد قال الله عز و جل و قال ربكم ادعوني استجب لكم فقال عليه السلام ان العبد اذا دعا الله تبارك و تعالي بنية صادقة و قلب مخلص استجيب له بعد وفائه بعهد الله عز و جل و اذا دعا الله بغير نية و اخلاص لم‌يستجب له اليس الله يقول اوفوا بعهدي اوف بعهدكم فمن وفي له وفي له و مر موسي عليه السلام علي قرية من قري بني‌اسرائيل فنظر الي اغنيائهم قد لبسوا المسوح و جعلوا التراب علي رأوسهم و هم قيام علي ارجلهم فجري دموعهم علي خدودهم فبكي رحمة لهم فقال الهي بنواسرائيل حنوا اليك حنين الحمام و عووا عوي الذئاب و نبحوا نباح الكلاب فاوحي الله اليه و لم ذاك اَلِاَنّ خزائني قد نفدت ام لان ذات يدي قد قلت ام لست ارحم [ص 20] الراحمين و لكن اعلمهم اني عليم بذات الصدور يدعونني و قلوبهم غايبة عني مائلة الي الدنيا و قال ابوعبدالله عليه السلام قال اميرالمؤمنين عليه السلام بالاخلاص يكون الخلاص فاذا اشتد الفزع فالي الله المفزع و قال ابوجعفر عليه السلام اطلب الحاجة عند اقشعرار الجلد و عند افاضة العبرة و عند قطرة المطر و اذا كانت الشمس في كبد السماء او زاغت فانها ساعة تفتح فيها ابواب السماء و يرجي فيها العون من الملائكة و الاجابة من الله تبارك و تعالي و قال ابوعبدالله عليه السلام اذا رق احدكم فليدع فان القلب لايرق حتي يخلص و قال ان الله عز و جل لايستجيب دعاءا بظهر قلب قاس و قال ان ابي كان يقول ان اقرب ما يكون العبد من الرب عز و جل و هو ساجد باك و قال ان لم‌يجئك البكاء فتباك فان خرج منك مثل رأس الذباب فبخ بخ ، اقول و ينفع الرقة و البكاء حتي انه روي انه قيل لابي‌عبدالله عليه السلام اكون ادعو فاشتهي البكاء و لايجيئني و ربما ذكرت بعض من مات من اهلي فارق و ابكي فهل يجوز ذلك فقال نعم فتذكرهم فاذا رققت فابك و ادع ربك تبارك و تعالي ، و الاخبار بهذه المعاني كثيرة و لسنا بصدد البسط في كيفية الدعاء و قد ذكرنا ما ذكرنا لتعلم ان عدم الاجابة في بعض ما نسأله تعالي انما هو من القصور و التقصير في شرايط المسألة و الا فان الله سبحانه لايخلف الميعاد ، و ازيدك حديثا آخر يجمع كثيرا من الشروط و يعرف منه سر الاسم الاعظم و حقيقته اولاً ما روي عن الكاظم عليه السلام ان الاسم الاعظم اربعة حروف الاول لا اله الا الله و الثاني محمد رسول الله و الثالث نحن و الرابع شيعتنا ، اقول فهذا حقيقة الاسم الاعظم فابن عليه امرك و اطلب من ربك حاجتك علي ما قال الصادق عليه السلام احفظ ادب الدعاء و انظر من تدعو و كيف تدعو و لماذا [ص 21] تدعو و حقق عظمة الله و كبرياءه و عاين بقلبك علمه بما في ضميرك و اطلاعه الي سرك و ما تكن فيه من الحق و الباطل و اعرف طرق نجاتك و هلاكك كيلاتدعو الله بشئ عسي فيه هلاكك و انت تظن ان فيه نجاتك قال الله تعالي و يدع الانسان بالشر دعاءه بالخير و كان الانسان عجولا و تفكر ماذا تسأل و لم تسأل و لم ذا تسأل و الدعاء استجابة الكل منك للحق و تذويب المهجة في مشاهدة الرب و ترك الاختيار جميعا و تسليم الامور كلها ظاهرا و باطنا الي الله تعالي فان لم‌تأت بشرط الدعاء فلاتنتظر الاجابة فانه يعلم السر و اخفي فلعلك تدعوه بشئ قد علم من نيتك خلاف ذلك قال بعض الصحابة لبعضهم انتم تنتظرون المطر بالدعاء و انا انتظر الحجر و اعلم انه لو لم‌يكن امرنا الله بالدعاء لكنا اذا اخلصنا الدعاء تفضل علينا بالاجابة كيف و قد ضمن ذلك لمن اتي بشرايط الدعاء و سئل رسول الله صلي الله عليه و آله عن اسم الله الاعظم فقال كل اسم من اسماء الله اعظم ففرغ قلبك عن كل ما سواه و ادعه باي اسم شئت فليس في الحقيقة لله اسم دون اسم بل هو الله الواحد القهار و قال النبي صلي الله عليه و آله ان الله لايستجيب الدعاء من قلب لاهي قال الصادق (ع) اذا اراد احدكم ان لايسأل ربه شيئا الا اعطاه فلييأس من الناس كلهم و لايكون له رجاء الا من عند الله عز و جل فاذا علم الله تعالي ذلك من قلبه لم‌يسأله شيئا الا اعطاه ، فاذا اتيت بما ذكرت من شرايط الدعاء و اخلصت سرك لوجهه فابشر باحدي ثلث اما بان تعجل لك ما سئلت و اما ان يدخر لك ما هو اعظم ( افضل خ‌ل ) منه و اما ان يصرف عنك من البلاء ما لو ارسله عليك لهلكت قال النبي صلي الله عليه و آله قال الله تعالي من شغله ذكري عن مسألتي اعطيته افضل ما اعطي السائلين و قال الصادق (ع) لقد دعوت الله مرة فاستجاب لي [ص 22] و نسيت الحاجة لان استجابته باقباله علي عبده عند دعوته اعظم و اجل مما يريد منه العبد و لو كانت الجنة و نعيمها الابدي و لكن لايعقل ذلك الا العالمون المحبون العابدون العارفون في صفوة الله و خواصه ، اقول فان امكنك بحول الله و قوته و تأييده و توفيقه ان تدعوه بهذا المنوال فاستيقن بالاجابة و ظن حاجتك بالباب و لاتمل و لاتقنط من تأخر الاجابة فان لكل شئ اسبابا و مقدمات و لسنا صاحبي المعجز فتتهيئ الاسباب فورا بدعائنا لكنا دعونا و نرجو ان يكون الله عز و جل قد استجاب لنا و لكنه موقوف بتهيئة الاسباب و حصول المقدمات و مضي المدة التي لا بد منها اليس انك لو دعوت الله بسعة الرزق فاعطاك مزرعة فالمزرعة لا بد من زراعتها و الصبر عليها الي ايناعها اليس ان الحنطة مثلا لاتثمر الا في تسعة اشهر و اليس ان النخلة لاتثمر الا في عشرة او عشرين سنة و قد اعطاك الله عز و جل المزرعة فازرع بحوله و قوته و اجتن الثمرة عند ايناعها لا ان تطلب المعجز فتغرس النوي فتنبت و تثمر من فوره فانه ليس من الانصاف في المسألة و قد قال اميرالمؤمنين (ع) من سأل فوق قدره استحق الحرمان ، اقول فالحوائج مرهونة باوقاتها المعلومة عند الله فينتظر بها الي ان يأذن الله بقضائها و قد سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول ان المؤمن ليدعو فيؤخر الله اجابته الي يوم الجمعة و قيل له يستجاب لاجل الدعاء ثم يؤخر قال نعم عشرين سنة و قال كان بين قول الله عز و جل قد اجيبت دعوتكما و بين اخذ فرعون اربعين عاما ، اقول و للتاخير في الاجابة حكم و اسرار تظهر مما روي عن احمد بن محمد بن ابي‌نصر قال قلت لابي‌الحسن (ع) جعلت فداك اني قد سألت الله حاجة منذ كذا و كذا سنة و قد دخل قلبي من ابطائها شئ فقال يا احمد اياك و الشيطان ان يكون له عليك [ص 23] سبيل حتي يقنطك ، الي ان قال ان صاحب النعمة في الدنيا اذا سأل فاعطي طلب غير الذي سأل و صغرت النعمة في عينه فلايشبع من شئ و اذا كثر النعم كان المسلم من ذلك علي خطر للحقوق التي تجب عليه و ما يخاف من الفتنة فيها اخبرني عنك لو اني قلت لك قولا كنت تثق به مني فقلت له جعلت فداك اذا لم‌اثق بقولك فبقول من اثق و انت حجة الله علي خلقه قال فكن بالله اوثق فانك علي موعد من الله عز و جل اليس الله عز و جل يقول و اذا سألك عبادي عني فاني قريب اجيب دعوة الداع اذا دعان و قال لاتقنطوا من رحمة الله و قال و الله يعدكم مغفرة منه و فضلا فكن بالله اوثق منك بغيره و لاتجعلوا في انفسكم الا خيرا فانه مغفور لكم و عنه عليه السلام في حديث ان اباجعفر عليه السلام كان يقول ان المؤمن ليسأل الله عز و جل حاجة فيؤخر عنه تعجيل اجابته حبا لصوته و استماع نحيبه ثم قال والله ما اخر الله عز و جل عن المؤمنين مما يطلبونه من هذه الدنيا خير لهم مما عجل لهم فيها و اي شئ الدنيا ان اباجعفر عليه السلام كان يقول ينبغي للمؤمن ان يكون دعاؤه في الرخاء نحوا من دعائه في الشدة ليس اذا اعطي فتر فلاتمل الدعاء فانه من الله عز و جل بمكان ، اقول و نكتفي بما ذكرنا فان فيه كفاية و بلاغا و الله المستعان فنشرع في الشرح و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

و اعلم انه لما جري الترتيب في هذا الدعاء المبارك علي نحو ما جري في حديث شريف عن ابي‌عبدالله عليه السلام احببت ان اذكر ذلك الحديث ثم اذيله بما شاء الله تعالي من معناه من باب المقدمة ثم نشرع في الشرح و بالله نستعين .

ففي الكتاب المبين عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي [ص 24] خلق اسما بالحروف غير متصوت و باللفظ غير منطق و بالشخص غير مجسد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ منفي عنه الاقطار مبعد عنه الحدود محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور فجعله كلمة تامة علي اربعة اجزاء معا ليس منها واحد قبل الآخر فاظهر منها ثلثة اسماء لفاقة الخلق اليها و حجب واحدا منها و هو الاسم المكنون المخزون بهذه الاسماء الثلثة التي اظهرت فالظاهر هو الله تبارك و تعالي ( الله العلي العظيم خ‌ل ) و سخر لكل اسم من هذه الاسماء اربعة اركان فذلك اثناعشر ركنا ثم خلق لكل ركن منها ثلثين اسما فعلا منسوبا اليها فهو الرحمن الرحيم الملك القدوس الخالق البارئ المصور الحي القيوم لاتأخذه سنة و لا نوم العليم الخبير السميع البصير الحكيم العزيز الجبار العلي العظيم المقتدر القادر السلام المؤمن المهيمن البارئ المنشئ البديع الرفيع الجليل الكريم الرازق المحيي المميت الباعث الوارث فهذه الاسماء و ما كان من الاسماء الحسني حتي تتم ثلثمأة و ستين ( ستون خ‌ل ) اسما فهي نسبة لهذه الاسماء الثلثة و هذه الاسماء الثلثة اركان و حجب للاسم الواحد المكنون المخزون بهذه الاسماء الثلثة و ذلك قوله عز و جل قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الاسماء الحسني انتهي .

و اعلم انه قد روي الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه هذا الحديث في بعض رسائله اذ سئل عن معني الخبر و قد اخذنا منه بعض الكلمات اذ كانت علي الظاهر اصح و قد شرحه رضوان الله عليه اجمالا بما حل عقد غوامض ما اشتمل عليه و الرسالة الشريفة مطبوعة في آخر جوامع الكلم و نحن لسنا بصدد شرح تمام الخبر هنا و لو كان احد بصدده لم‌يجد شرحا وافيا بحقايق ما تضمنه نحو ما شرحه الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه في تلك الرسالة و هو واف بالمراد و الحمد لله و جزاه الله عن [ص 25] الاسلام و المسلمين خير جزاء المحسنين و نحن نقترف منه قليلا من كثير مما افاده روحي فداه مما مسنا الحاجة في هذا المقام .

فاعلم اولا ان هذا الخبر و امثاله في بيان مراتب التوحيد الخمس المشار اليها في سورة النسبة بقوله قل هو الله احد الله الصمد لم‌يلد و لم‌يولد و لم‌يكن له كفوا احد و هي مراتب توحيد الذات و الهوية و الالوهية و الاحدية و الواحدية فاشير الي توحيد الذات سبحانه بقائل قل الخ ، كما ان في هذا الخبر الذي روينا صرح به بقوله اولا : ان الله تبارك و تعالي ، و اشار في السورة بقوله هو الي مقام الهوية و هي الاسم المكنون المخزون المشار اليه في هذا الخبر و بقوله الله الي مقام الالوهية التي عبر عنها في هذا الخبر باسم الجلالة ايضا و بقوله احد الي مقام الاحدية التي عبر عنها في هذا الخبر علي رواية بتبارك و علي رواية بالعلي و بقوله الله الصمد الي آخر السورة الي مقام الواحدية التي عبر عنها هنا علي رواية بتعالي و علي رواية بالعظيم ثم اعلم ان الله سبحانه ذات احدية لاتنتهي الي حد و لا الي نهاية لامتناع غيره معه بنفي او اثبات و امكان او اكوان او اعيان و هو هو وحده وحده لايثني و لايجزي و لايغيي و لايحد و لايتناهي اذ كل ذلك يستلزم وجود غيور هناك فيتناهي بها او يثني و يجزي و الآية التي اراها الله عز و جل في هذا المقام كينونته سبحانه و الوجود الحق المعبر عنه في الفارسية بهست اي الكائن الحق لا علي المعني المصدري الذي يتفرع وجوده علي شئ فوقه بل هو حق الوجود و حقيقته و كنهه لا علي معني انه حقيقة لها ظواهر او جوهر له اعراض فانه لا ظاهر للوجود الحق و لا ظهور و لا خفاء له و لا غطاء عليه فان كل ذلك يستلزم وجود غيور هناك فان الظاهر غير الحقيقة و العرض غير الجوهر و ان رأيت الوجود الحق [ص 26] كان ما سواه ممتنعا صرفا فلا ظاهر له و لا ظهور و لا عرض يعتري عليه و لا شئ غيره يحجبه او يكشف عنه ثم انه عز و جل تجلي لخلقه به و به امتنع منه لا بحركة بعد سكون و لا بنطق بعد سكوت و لا بانتقال او تغير حال في ذاته سبحانه لامتناعه معه فلايتغير حاله و لايجتمع بغيره بعد ما كان وحيدا فريدا بل هو احد فرد متفرد كما كان من غير ان يمر عليه وقت و آن و تجليه اذ ذاك آية احديته سبحانه فلايكون في وقت ممتد و لا علي مكان ممهد و لا في جهة موجهة و لا في رتبة مرتبة و لا علي كم او كيف او غير ذلك مما يفرض فان هذا المقام مقام كل الخلق و جمعه من حيث كونه آية احديته فتلك الاعراض ان كانت خلقا فمنه و اليه و فيه و لاتكون حدا له في مقام جمعه و لايجوز فرض ان تكون غير الخلق اذ الحق سبحانه و تعالي لايصير حدا لخلقه الممتنع معه و لا ثالث هنا اذ حق و خلق لا ثالث بينهما و لا ثالث غيرهما فلا اقتران بين الحق و الخلق و لا ثالث غيرهما يفرض اقترانه بالخلق بالجملة فهذا التجلي و هو اسمه تعالي الذي ينبأ عنه بالحروف غير متصوت و باللفظ غير منطق اذ لا صائت هنا و لا مصوت له و لا لافظ به اذ الحق سبحانه بذاته لم‌يتكلم و لم‌يلفظ و لم‌يصوّت خلافا لقول جماعة زعموا انه متكلم بذاته و قد سئل ابوعبدالله (ع) في حديث قيل له جعلت فداك فلم‌يزل متكلما قال الكلام محدث كان الله عز و جل و ليس بمتكلم ثم احدث الكلام ، اقول و لا متكلم به يفرض هنا غيره سبحانه حتي يفرض اصوات و حروف و الفاظ و الكلام المحدث الذي اثبته عليه السلام انما هو من حدود تجليات هذا الاسم و قد ابي سبحانه ان يجري الاشياء الا بالاسباب و لم‌يوجد اسباب التكلم هنا بعد فلما اوجد اسباب الكلام احدث التكلم نعم ان سميت هذا الاسم كلاما فلا بأس و لكن ليس علي معني ما في الخلق [ص 27] و لم‌ينطق بلفظ و لم‌يتصوت بالحروف بالجملة و كذلك هو بالشخص غير مجسد و بالتشبيه غير موصوف و باللون غير مصبوغ اذ كل ذلك اعراض تتفرع عليه في فسحة وجوده و اما ان تعرض عليه في مقام الكلية و الوحدة فلا اذ لم‌يوجد غيره فيحد به فتوجد امثال هذه الحدود و كذلك منفي عنه الاقطار مبعد عنه الحدود اذ لا قطر و لا حد هنا سوي نفسه و الشئ لايحد بنفسه من حيث نفسه و انما يعرف الاشياء باضدادها و لا ضد له هنا و كذلك محجوب عنه حس كل متوهم مستتر غير مستور ، و السالبة هنا و في سوابقه بنفي اصل الموضوع فانه لا متوهم هنا فيحتمل ان يحس شيئا فقوله (ع) محجوب عنه حس كل متوهم اي منفي وجوده فلا حاس هنا و لا محسوس فان محسوسية هذا الاسم ايضا يستلزم وجود الحاس فاذ لا حاس لا محسوس و ما هناك غير محسوس قال العالم (ع) لهشام الخبز اسم للماكول و الماء اسم للمشروب ، فاذ لا آكل لا مأكول و اذ لا شارب لا مشروب و بالجملة و هذا الاسم المبارك كلمة تامة بجعله تعالي لاجتماع تمام ما هو به هو فيه و عدم افتقاره الي شئ سواه الا الي جاعله و المتجلي به الذي تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها فقد سد حاجته به و امده من نفسه لنفسه و اكمل نقصانه و قصوره بنفسه له تعالي شأنه ليدل علي كماله الحق و غنائه المطلق علي ان النقص و الفقد انما يتصوران في مقام التعدد و التكثر و هناك لا شئ سوي هذا الاسم فكل ما هو به هو موجود فيه ، فمن تماميته ان جعل له اربعة اجزاء معا ليس واحد منها قبل الآخر و بعضها من بعض و تمامه و كماله فلو كان بعض موجودا و بعض مفقودا كان البعض الموجود ناقصا دالا علي نقصه سبحانه و تعالي فكل جزء منه مع الجزء الآخر مصاقع معه لايتقدم جزء منه علي الآخر الا بالتقدم الرتبي كالروح بالنسبة الي البدن تقريبا فلا روح الا مع البدن و لا بدن الا مع [ص 28] الروح و المراد من البدن البدن الاصلي الذي لاينفك عن الروح و لايوجد الا معه و ان كان الروح متقدما عليه رتبة و بالجملة له اربعة اجزاء و ذلك لان الاثر اذا صدر من مؤثره فلا بد له اولا من جهة الي المؤثر و جهة الي نفسه من حيث هي هي و بين الجهتين بينونة تامة فان الجهة التي تلي المؤثر و صدرت من فعله احرّ شئ بمناسبة حركة الفعل و ايبس و الجهة الاخري من حيث نفس الاثر حيث وقف في مقامه و لم‌يتجاوز عن حده ابرد شئ و ايبس كالحجر المحلّق اذا خرج من يدك احر و اسخن ما يكون و من هنا يسير الي البعد ما بقيت فيه الحرارة حتي اذا برد وقع علي الارض و كلتا الجهتان يابسة مع ذلك الا ان اليبوسة في الجهة العليا من باب شدة المطاوعة حيث انها استقرت في ظله و لم‌تخرج منه الي غيره و معصومة بعصمته و اما الجهة السفلي فهي يابسة لغلبة العصيان و عدم المطاوعة الاتري الحجر المحلق في اول سيره يسير سريعا حيث ارسله الرامي و لايخالف امره فهو يابس علي السير طائعا و اذا برد و جف و يبس يقع علي الارض و يخالف امره فالحرارة و البرودة في غاية البينونة و اليبوستان و ان اتفقتا في الاسم و لكن بينهما بينونة كثيرة علي ان اليبس من طبعه التفرقة و البينونة كما لايخفي فهاتان الجهتان لكمال البينونة بينهما لاتأتلفان بداهة فدبر الحكيم سبحانه و تعالي حكمين بينهما فيهما رطوبة رابطة بين الاعلي و الاسفل الا انها من حيث الاعلي لها حرارة تناسب الاعلي و من حيث الاسفل لها برودة تناسب الاسفل فهي اربع مراتب لا بد منها في كل اثر و لم‌يخلق الله سبحانه شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه فالجهة العليا الاولي حارة يابسة و الثانية حارة رطبة و الثالثة باردة رطبة و الرابعة [ص 29] باردة يابسة فهذه اربعة اجزاء عناصر وجوده المعبر عنها في الظاهر بالنار و الهواء و الماء و التراب فالجزء الاول و هو المعبر عنه بالنار هو فعله سبحانه المتعلق بايجاد هذا الاسم اذ لا شئ هنا فوقه يصدر ذلك منه و ذاته تعالي لايصدر منها شئ لان الاشتقاق هو اقتطاع فرع من اصل و ذاته سبحانه لايقتطع منه شئ لاستلزامه التغيير و الزوال ، و لتعلم ان التجزية في هذا الاسم المبارك لاتجري في ذاته و انما هي في مقام ظهوره و ذاته في الحقيقة هي مقام المسمي و هو ايضا اسم علي المعني الاعم و هو مقام الكينونة العليا و الوجود الحق و قد يعبر عنه بنفس المشية في قوله (ع) خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية ، بالجملة فالجهة الاولي في ظهور هذا الاسم في مقام التجزية هي الفعل المتعلق بايجاده و الجهات الثلث الباقية انما هي من اجزاء مهيته و انيته من حيث المفعولية بذلك الفعل و هي الروح و النفس و الجسد و هي كيانه الثلثة و الروح روح القدس و هو العقل الجبروتي و النفس عرصة الملكوت و الجسد عرصة الملك فبحسب التعبير الاول الجسد ترابه و النفس ماؤه و العقل هواؤه كما في بعض الاخبار ان اول ما خلق الله الهواء ثم خلق منه الماء ثم بحسب هذا التعبير النار التي هي اعلي عناصر هذا المولود الطف اجزائه بحيث لايدرك الاتري النار في عرصة العناصر انها الطفها بحيث لاتحس الا اذا تعلقت بالهواء او الماء او التراب مثلا فتحس هنا و الا فهي من حيث نفسها لاتحس و لاتدرك و بعبارة اخري هي مقام الفعل و هو الامكان و الامكان لايقوم في عرض الاكوان حتي يدرك او يحس او يلمس و الاكوان ان ارادت ان تدرك الامكان و تجاوزت ما وراء مبدئها استغرقت في ادني رتبة من مراتب الامكان اي الامكان الجايز فضلا عن [ص 30] الامكان الراجح الذي هو اعلاه فلايمكنها ادراك الامكان كقطرة داخلة في البحر فانها تستغرق فيه و لايبقي لها عين و لا اثر و لا ادراك بل غيرها ايضا ان نظر اليها في ذلك البحر لم‌يجد الا نفيها و صلوحها فلاتقدر القطرة علي ادراك البحر و معرفته و لا حاجة لها في وجودها الي ادراكه فانها في وجودها تحتاج الي ما يمسك لها وجودها فلو ادركت البحر استغرقت و هلكت و فنت الاتري ان البدن يحتاج في مدده الي ما هو من سنخ مادته التي هي جزؤه الاقوي فيمسك عليه قوته و حيوته و لا اقل رمقه و لايحتاج الي سمّ نقيع مهلك يذيب جميع احشائه و امعائه فالكون لايحتاج الي ادراك الامكان في استمساك وجوده و ان كان لايستغني عنه ان يكون فوقه في مقامه فانه لولا الامكان لم‌يبق كون اصلا كما انه لولا المداد المطلق لم‌يبق حرف في اللوح و لكن معذلك ان ادخلت الحرف الخاص في المداد المطلق انعدم و بطل البتة فالحرف الخاص يحتاج في وجوده الي جزئه المادي و الي صورته و الي اجتماعهما معا و تركبهما و هو مدرك لكل واحد من تلك الثلثة و وجوده و قوامه بادراكه لها خلافا للامكان الذي فوقه فمن هنا قال عليه السلام : فاظهر منها ثلثة اسماء لفاقة الخلق اليها و حجب منها واحدا و هو الاسم المكنون المخزون بهذه الاسماء الثلثة التي اظهرت ، فالثلثة الظاهرة هي ما اشرنا اليه من مراتب الكون و الواحد المكنون هو الامكان ، ثم ان لقوله عليه السلام المكنون المخزون بهذه الاسماء الثلثة معنيين : احدهما انه مكنون مخزون بانياتها فانها من عرصة الاثبات و الامكان من عرصة النفي و الاطلاق و الصلوح و بالبداهة مقام النفي و الصلوح انما يستر بالاثبات الاتري ان المادة اذا تصورت بالصورة الخاصة قلّ صلوحها لغير هذه الصورة بل مع حفظ [ص 31] هذه الصورة لاتصلح لغيرها البتة الا ان ترد الي الامكان فتبطل صورتها الخاصة ثم تتصور بصورة اخري بالجملة فذلك الاسم مكنون مخزون بهذه الثلثة اي مستور بها و المعني الآخر انه لا بد في وجود هذا الاسم في خزينته المستكن فيها من وجود هذه الثلثة في مقامها في عرصة الظهور و هي اركان وجوده كما في ذيل الخبر و لا باطن الا بالظاهر و كليات الحكمة ما لم‌تكن تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و من هنا ايضا قال (ع) قبل ذلك : اربعة اجزاء معا ليس منها واحد قبل الآخر ، علي ان الامكان ارادة الله و مشيته تعالي و لاتكون الارادة الا و المراد معها بالجملة فوجود ذلك الاسم المكنون في غيبه مستلزم لوجود هذه الاسماء الثلثة في الظاهر و هي تمامه و ثبوته و هي الله العلي العظيم علي ما مر في رواية و يؤيده ما روي عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلام في حديث فاول ما اختار لنفسه العلي العظيم لانه اعلي الاسماء كلها فمعناه الله و اسمه العلي العظيم و هو اول اسمائه لانه علا علي كل شئ ، اقول ثم انه عليه السلام جعل لكل اسم من هذه الاسماء الثلثة اربعة اركان فهذه اثناعشر ركنا ثم جعل لكل ركن ثلثين اسما فعلا منسوبا اليها و قد شرح كل ذلك الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه و لكنا لسنا بصدد التفصيل و الغرض ان كل مرتبة من تلك المراتب انما هي اسم من اسمائه تعالي لان الاسم ما انبأ عن المسمي و هو نوره و ظهوره المنبئ عنه كما تري في نور الشمس حيث ينبئ عنها يسمي باسمها و به و فيه تسمي شمسا و الخلق كلهم انواره تعالي كما روي انه ليس الا الله و فعله و نوره ، و عن الحكماء ليس الا الله و صفاته و اسماؤه و اظن اني وجدت هذه العبارة الاخيرة ايضا في الحديث و من تتبع في الادعية و الاخبار الواردة [ص 32] في الاسماء الحسني وجد ما ذكرنا صريحا فكل هذه المراتب اسماؤه تعالي و ان كان بعضها متفرعا علي بعض و هذا هو معني اشتقاق الاسماء بعضها من بعض كما روي في دعاء بعد صلوة اميرالمؤمنين عليه السلام و اسألك بكينونتك التي اشتققتها من كبريائك و اسألك بكبريائك التي اشتققتها من عزتك و اسألك بعزتك التي استويت بها علي عرشك فخلقت بها جميع خلقك فهم لك مذعنون ، و نحو ذلك و ابسط منه في دعاء بعد صلوة جعفر و لا حاجة الي التفصيل و الغرض انه كما خلق الله العقل اولا ثم امره بالادبار فخلق بتنزلاته ساير المراتب و كذلك خلق المشية اولا ثم خلق بها العقل فاشتق بعض تلك المراتب من بعض كذلك اذا عبر عنها بالاسماء بالنظر الي نورانيتها اشتق بعضها من بعض كالنور الظاهر في البيت انه مشتق من النور الذي في صحن الدار من اثر الشمس و كذلك النور الذي في البيت الثاني مشتق من النور الذي في البيت الاول بل النور المستطيل مع قطع النظر عن المحال ايضا كل جزء متأخر منه مشتق من الجزء المتقدم و كذلك اسماؤه تعالي بعضها مشتق من بعض و ان كان لاينفك بعضها عن بعض و توجد كلها دفعة واحدة كل في حده و مقامه فلايتقدم احدها علي الآخر الا بحسب الرتبة .