ثم انه يوجد مطالب عالية قد تقصر الالفاظ عن بيان تلك المطالب و اداء هاتيك المقاصد و الحقائق لان عالم الالفاظ عالم ضيق لايسع تلك العوالم و المقاصد فماذا يصنع في التعبير عن تلك الامور السامية و المعاني العالية غير اللجوء الي ذلك التعبير الدقيق فيحسبه الجاهل غموضا في الفكرة او رمزا في العبارة او يريد ان يعلم ذلك بدون معرفة طريقه و مقدماته و اصطلاحاته لذلك تكون النتيجة الحرمان و القول بما لايليق و لو راجع الانسان نفسه و اخلص لربه و سرح نظره فيما اعطي الله هذه الشخصية من العلوم و الفنون و لم‌تأخذه العصبية الجاهلية لظل فكره حائرا في هذا الخضم المتلاطم و البحر المتعاظم و اكبر دليل علي ذلك كتبه المطبوعة و المنتشرة و كتاب الفهرست المذكور خير معين علي معرفته و معرفة كتبه و رسائله .

فاذا كان هذا حاله في العلوم و اتي بعض الجهال او بعض مختلي الاحوال و ادعوا انهم لم‌يعرفوا كلامه و لم‌يهتدوا الي مرامه او اتهموه بما لايليق و تاهوا في واد سحيق فهلايقال لهم :

قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد و ينكر الفم طعم الماء من سقم

و ان كانت العين سقيمة فلا بد من مداواتها حتي تستطيع الابصار و معالجتها حتي يمكنها الاعتبار و قد لاتعتبر اذا انتهجت نهج العصبية او لاتبصر اذا غلب عليها العمي .

و يناسب المقام ان اذكر هنا قصة ظريفة عن ابن الفراهيدي حيث نقلت لنا الرواية انه لما دخل علي ابيه وجده يقطع بيت شعر باوزان العروض فخرج الي الناس و قال ان ابي قد جن فدخلوا عليه و اخبروه بما قال ابنه فقال مخاطبا له :

لو كنت تعلم ما اقول عذرتني او كنت تعلم ما تقول عذلتكا

لكن جهلت مقالتي فعذلتني و علمت انك جاهل فعذرتكا [ص 20] 

فحال الشيخ المرحوم من ابناء الزمان هذا ، و سيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون ● .

ثم ان الدكتور يسترسل في عقائد الشيخية و اقوالهم فيقول : و الشيخية يقولون ان الحقيقة المحمدية تجلت في الانبياء قبل محمد صلي الله عليه و سلم تجليا ضعيفا ثم تجلت تجليا اقوي في محمد و الائمة الاثني‌عشر ثم اختفت زهاء الف سنة و تجلت في الشيخ احمد الاحسائي و السيد كاظم الرشتي ثم تجلت في كريم خان الكرماني و اولاده الي ابي‌القاسم خان و هذا التجلي هو اعظم التجليات لله . . . ● الي آخر عبارته التي كلها تلفيق و افتراء اذ كل ذلك مفتقر الي الدليل ففي اي موضع من كتبهم و رسائلهم ذكروا ذلك ؟ فليتفضل الدكتور و ليدلنا عليه و ليرشدنا اليه نكن له من الشاكرين و هذا كله تلفيق لفقه عليهم الخصوم و افتراء افتراه الاعداء ،

كاد الاعادي فماابقوا و ماتركوا طعنا و لعنا و تقبيحا و تهجينا

و لم‌نزد نحن في سر و في علن علي مقالتنا : الله يكفينا

نعم الشيخية يقولون بالحقيقة المحمدية لكن لا علي ما لفقه هؤلاء و انما علي ما وردت به الاخبار عن الائمة الاطهار فلقد ورد كثير من الاخبار من الجانبين ان محمدا و آله اول خلق الله و اشرف خلق الله او انهم اول صادر من فعل الله كما روي في الكتاب المبين صفحة ( ١٥٧ ) عن جابر بن عبدالله قال قلت لرسول الله صلي الله عليه و آله اول شئ خلق الله تعالي ما هو فقال نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم خلق منه كل خير . و عن ابي‌عبدالله عليه السلام عن آبائه عليهم السلام عن الحسن بن علي عليهما السلام قال سمعت جدي رسول الله صلي الله عليه و آله يقول خلقت من نور الله عز و جل و خلق اهل بيتي من نوري و خلق محبيهم من نورهم و ساير الخلق في النار ● و روي في ينابيع المودة الجزء الاول للقندوزي صفحة ( ١٠ ) و حديث اول ما خلق الله روحي و اول ما خلق الله نوري و اول ما خلق الله العقل و اول ما خلق الله القلم و اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ، المراد منها هو الحقيقة المحمدية التي كانت [ص 21] مشهورة بين الكملين و هي روح نبينا صلي الله عليه و آله ه‍ ● .

و لا ريب ان هذا المقام ليس مقام بشريتهم الظاهرة فانه بلا شك لايكون هذا المحدود بالحدود الدنياوية اول خلق الله فانه ولد في يوم معين و ارتحل عن العالم في يوم معين و انما المراد منه تلك الحقيقة المحمدية التي خلقت قبل جميع الخلق . فانها ليست محدودة بهذه الحدود الزمانية و المكانية لانها فوق الجهات و فوق الحدود و الاشكال و الداء العضال و تفاوت همم العارفين من الرجال في معرفة ذلك لان معرفته ليست شأن كل حائك و نداف و انما هي من شأن الحكماء الربانيين و ميزان معرفته الكتاب و السنة و اخبار اهل البيت عليهم السلام لان العقل عقلان مطبوع و مسموع و لاينفع مسموع اذا لم‌يك مطبوع كما لاتنفع الشمس و ضوء العين ممنوع كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و الكل يدعي ذلك الا ان اصحاب الوصول قليلون ،

خليلي قطاع الفيافي كثيرة و لكن ارباب الوصول قليل

و قد منح الله مشايخنا اعلي الله مقامهم لاسيما المرحوم الشيخ احمد في هذه الآونة الاخيرة معرفة دقيقة و حكمة انيقة شرحوا بها هذه المطالب العالية و بينوا تلك المقاصد السامية و طبقوا ما عرفوه علي الكتاب و السنة و اخبار اهل البيت الصحيحة و وقفوا علي نقطة العلم التي كثرها الجاهلون و عاشروا اهل الدنيا بقلوب معلقة في الملأ الاعلي لذلك حسدهم غيرهم فصاروا (اع) محلا لطعنهم و تكفيرهم و التهريج عليهم و التشهير بهم في المحافل و المجالس بمناسبة او غير مناسبة و عملوا بكل ما اوتوا من قوة علي اطفاء نورهم و لكن ابي الله الا ان يتم نورهم و يظهر امرهم و لو كره الحاسدون لهم لذلك لم‌ينجح التكفير و لم‌يستفيدوا من التهريج و التشهير لاسيما في عصر العلم و النور لان هذا السلاح كان في يوم من الايام ناجحا نسبيا و لكن هذا اليوم بعد ما انفتحت العيون و استضاءت بنور العلم فلاينفعهم ابدا و اهل العلم لايعتنون بقول لا دليل له و لا برهان عليه فقافلتهم تسير و لاتبالي بالتهريج و التشهير و الله من وراء ذلك هو الموفق و المسدد يسدد اولياءه و يحفظ [ص 22] احباءه و يهديهم الي الطريق المستقيم و يوصلهم الي السبيل القويم فالله خير حافظا و هو ارحم الراحمين و هو حسبنا و نعم الوكيل انه نعم المولي و نعم النصير .

و اما قوله : و يعتقد هؤلاء بالرجعة و يفسرونها بان الله بعد ان غاب عن صور الائمة رجع و تجلي تجليا اقوي في الركن الرابع الذي هو الشيخ احمد و من يأتي بعده ● الي آخر عبارته ، فان اصل الاعتقاد بالرجعة صحيح و الشيخ المرحوم (اع) كان يعتقد بها و مشائخنا كلهم يعتقدون بها و نحن تبعا لهم نعتقد بها ايضا و ذلك لتوفر الادلة و تواترها عن اهل بيت النبوة بحيث صار اجماعي الشيعة و لم‌يخالفهم فيها الا الجمهور من العامة و لهم فيها اعتراضات لاتقف امام ادلة الشيعة . و من تلك الادلة الاحاديث المتواترة و الروايات المتكثرة و الآيات النازلة التي فسرها اهل البيت صلوات الله عليهم في الرجعة و منها ما رواه في الكتاب المبين صفحة ١٧٥ عن العوالم عن اميرالمؤمنين عليه السلام قال و اما الرد علي من انكر الرجعة فقول الله عز و جل : و يوم نحشر من كل امة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون ● اي الي الدنيا فاما معني حشر الآخرة فقوله عز و جل : و حشرناهم فلم‌نغادر منهم احدا ● و قوله سبحانه : و حرام علي قرية اهلكناها انهم لايرجعون ● في الرجعة و اما في القيامة فهم يرجعون و مثل قوله تعالي : و اذ اخذ الله ميثاق النبيين لما اتيتكم من كتاب و حكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه قال اقررتم ● و هذا لايكون الا في الرجعة و مثله ما خاطب الله به الائمة و وعدهم من النصر و الانتقام من اعدائهم فقال سبحانه : وعد الله الذين آمنوا منكم و عملوا الصالحات . . . الي قوله تعالي : لايشركون بي شيئا ● و هذا انما يكون اذا رجعوا الي الدنيا و مثل قوله تعالي : و نريد ان نمن [ص 23] علي الذين استضعفوا في الارض و نجعلهم ائمة و نجعلهم الوارثين ● و قوله سبحانه : ان الذي فرض عليك القرآن لرادك الي معاد ● اي رجعة الدنيا و مثله قوله : ألم‌تر الي الذين خرجوا من ديارهم و هم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم ● و قوله عز و جل : و اختار موسي قومه سبعين رجلا لميقاتنا ● فردهم الله تعالي بعد الموت الي الدنيا و اكلوا و شربوا و نكحوا و مثله خبر العزير النبي ، و عن ابي‌بصير قال قال لي ابوجعفر عليه السلام ينكر اهل العراق الرجعة قلت نعم قال أمايقرؤون القرآن : و يوم نحشر من كل امة فوجا . . . الآية ● .

اقول و الاخبار بهذا المعني جاوزت حد التواتر و للشيخ المرحوم (اع) رسالة كبيرة في الرجعة ذكر فيها الاخبار و الاحاديث و اقوال العلماء الذين قالوا بها و صنفوا فيها الرسائل و ذكر فيها اعتراضات المفكرين و الاجابة عليها و هي مطبوعة ضمن مجموعة تسمي بجوامع الكلم و ملخص اعتقاده فيها ما ذكر في المقدمة صفحة ٣٨ قال :

مقدمة - اعلم ان الرجعة سر من سر الله و القول بها ثمرة الايمان بالغيب و المراد بها رجوع الائمة عليهم السلام و شيعتهم و اعدائهم ممن محض من الفريقين الايمان او الكفر محضا و لم‌يكن ممن اهلكه الله في الدنيا بالعذاب فان من اهلكه الله في الدنيا بالعذاب لايرجع الي الدنيا قال الله تعالي : و حرام علي قرية اهلكناها انهم لايرجعون ● الي آخر كلامه علا مقامه .

فهو يعتقد بالرجعة كما يعتقد بها غيره من الشيعة الاثني‌عشرية تبعا لائمتهم عليهم السلام لكن لا علي ما شنع عليهم مخالفوهم مثل قولهم الذي نقله الكاتب من ان الله بعد ان غاب عن صور الائمة رجع و تجلي تجليا اقوي في الركن الرابع الذي هو الشيخ احمد ، فان كل ذلك مختلق و مفتري علي الشيخ المرحوم و علي التابعين له و القصد منه تشويه السمعة و تفريق [ص 24] الكلمة و اثارة الفتن لا غير و الله يجازيهم بسوء قصدهم و ليس معني الركن الرابع عند الشيخ و اتباعه الا ولاية اولياء الائمة الاطهار و البراءة من اعدائهم لا غير و غير ذلك مما ينسب اليهم فكله افتراء .

و يتقدم الدكتور الي الامام بخطي الدراسة العلمية و التحقيق فيقول ناقلا عن دائرة المعارف الاسلامية : و الاحسائي من الشيعة الحلولية الذين يعبدون عليا و ادلته الفلسفية مستقاة من مذهب الفيلسوف المشهور ملا صدرا و ترشح كلماتهم بانهم يعتقدون في الامير كرم الله وجهه نحو ما يعتقد الفلاسفة في ( العقل الاول ) بل ادهي و امر ● .

اقول كل ذلك قول باطل لايتقبله منطق و لايقره وجدان و ليس في كتب المرحوم الشيخ احمد اعلي الله مقامه و لا في كتب العلماء التابعين له و الآخذين عنه شئ من هذه التلفيقات المضحكة و قضيتهم في ذلك تشبه قضية القائل : خسن و خسين ثلاثتهم بنات مغوية بن ابي‌سفيان ، فكأنما المرحوم الشيخ و اتباعه و مقلدوه غرض تنتضل فيه سهام القذف و التهم و كأنما يتصور ان كل ما في ( دائرة المعارف الاسلامية ) وحي منزل لايقبل الخطأ مع العلم بان فيها الشئ الكثير من القذف و الباطل . قال المرحوم العلامة الاميني في المجلد الثالث من موسوعته الكبيرة التي سماها بالغدير صفحة ٣٢١ في دائرة المعارف الاسلامية هذه ما نصه : هذا الكتاب فيه من البهرجة و الباطل شئ هائل يحتاج جدا الي نظارة التنقيب ● . فاذا كان حال دائرة المعارف الاسلامية هذا فكيف يمكن الاعتماد عليها في عقائد قوم مؤمنين لهم المحل المرموق من العلم و الحكمة و لهم المصنفات و المؤلفات الكثيرة المنتشرة في كثير من الاقطار ذلك مما يدلك علي انه لايوجد في كتابات الكاتبين عنهم ادني رمز من النزاهة .

و اليك ما ذكره المرحوم الشيخ احمد في كتابه ( حياة النفس في حضرة القدس ) الذي كتبه في اصول العقايد . قال في الصفحة الخامسة :

فصل - و يجب ان يعتقد انه سبحانه لايحل في شئ و لايتحد بغيره اما انه سبحانه لايحل في شئ فلان الحلول عبارة [ص 25] عن قيام موجود بموجود آخر علي سبيل التبعية كقيام الاعراض بالاجسام او علي سبيل الظهور كقيام الارواح بالاجسام فلو فرض انه حال بشئ لكان محتاجا اليه و متقوما به فيكون حادثا ● الي آخر عبارته الشريفة التي هي من الصراحة بمكان علي بطلان الحلول بحيث لاتقبل التأويل لشئ آخر .

و قال في الصفحة الرابعة من نفس الكتاب في الاعتقاد بالله و بذاته و بصفاته و انه هو المعبود لا غيره ما هذا نصه :

و اعلم انه واحد في اربعة مراتب لا شريك له فيها ، الاولي لا شريك له في ذاته قال الله : لاتتخذوا الهين اثنين انما هو اله واحد ● ، و الثانية لا شريك له في صفاته قال تعالي : ليس كمثله شئ و هو السميع البصير ● ، و الثالثة لا شريك له في صنعه : هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه ● ، و الرابعة لا شريك له في عبادته : فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا ● .

و عبارته هذه غاية في الصراحة بان العبادة لاتليق الا لله و لايجوز عبادة احد سواء كان نبيا او وصيا او وليا من دون الله و له امثال هذه العبارات الشئ الكثير كما في تفسير قل هو الله احد و في كتابه الكبير ( شرح الزيارة الجامعة ) عند شرح قوله عليه السلام : و المخلصين في توحيد الله ● . و ملخص اعتقاده في الائمة الاثني‌عشر عليهم السلام انهم عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون .

فقول القائل : و الاحسائي من الشيعة الحلولية الذين يعبدون عليا ● بهتان عظيم نعوذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين .

هذا و ان موضوع الغلو من المواضيع التي كثر فيها القيل و القال في اندية الرجال و لقد اتهم رجال بالغلو مع انهم من اهل الجلالة و العلو ، و السبب في ذلك يرجع علي ما قال الشيخ [ص 26] عبدالله الممقاني في كتابه ( مقباس الهداية الي الاختلاف في المسائل الاصولية ) قال في صفحة ٨٨ :

الظاهر ان القدماء كانوا مختلفين في المسائل الاصولية ايضا فلربما كان شئ عند بعضهم فاسدا و كفرا او غلوا او تفويضا او جبرا او تشبيها او غير ذلك و عند آخر مما يجب اعتقاده او لا هذا و لا ذلك ، و ذكر ايضا ان القميين كانوا يعتقدون للائمة عليهم السلام منزلة خاصة من الرفعة و الجلال و مرتبة معينة من العصمة و الكمال بحسب اجتهادهم و رأيهم و ماكانوا يجوزون التعدي عنها و كانوا يعدون التعدي ارتفاعا و غلوا حتي انهم جعلوا نفي السهو عنهم غلوا ● ، الي ان قال في اخراج جماعة من قم بمجرد توهم الريب فيهم و كفاك شاهدا اخراج احمد بن محمد بن عيسي لاحمد بن محمد بن خالد البرقي من قم ، بل عن المجلسي الاول انه اخرج جماعة من قم ، بل عن المحقق الشيخ محمد بن صاحب المعالم ان اهل قم كانوا يخرجون الراوي بمجرد توهم الريب فيه الي آخر ما ذكر ● .

و آفة جميع ذلك كما تري اتباع الرأي و الهوي و الاعتماد علي الظن و التخمين لا علي العلم و اليقين لذلك لم‌يسلم من جرحهم الكثير من رجالات الائمة الاطهار المشهورين مثل المفضل بن عمر و يونس بن عبدالرحمن و جابر الجعفي و غيرهم و لو عولوا علي العلم و اليقين بالرجوع الي اخبار الائمة الطاهرين و العمل عليها لوجدوا الامر مشروحا مبينا و لمااختلفوا هذا الاختلاف العظيم لذلك تراهم سلكوا مسلكين متضادين فقسم منهم سلك مسلك الافراط برأيه و اجتهاده و تجاوز الحد في الاعتقاد و القسم الآخر سلك مسلك التفريط و انكر كثيرا من الفضائل التي وردت بها الاخبار عن الائمة الاطهار و لا ريب ان اليمين و الشمال مضلة و الطريق الوسطي هي الجادة عليها باقي الكتاب و آثار النبوة كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام و الطريق الوسطي هي النمرقة الوسطي و هي طريقة آل‌محمد عليهم السلام التي اليها يفيء الغالي و بها يلحق التالي و لذلك يجب الاحتياط و التأمل كثيرا في هذا الموضوع و عدم التسرع في رمي [ص 27] الشخص بالغلو الا بعد التحقق الكامل في اعتناقه مذاهب الغلاة كالنصيرية و العلياوية او غيرهما من المذاهب الفاسدة التي وردت بها الاخبار علي انه يوجد سبب مهم آخر و هو سوء القصد و الغرض بالنسبة الي بعض الاشخاص او الحسد فان له نارا تتأجج في الصدر لذلك تري البعض يختلق الغلو او المذاهب الفاسدة حسدا و حنقا او لسوء القصد و الغرض و ينسبها الي ذلك المحسود المسكين و روح ذلك المحسود بريئة مما نسب اليه و الصق به من تهم و افتراءات كما نري الامر جليا في مشائخنا الكرام حيث نسبوا اليهم هذه النسب العارية عن الصحة و المجردة عن الحقيقة مع العلم بانه يوجد بلا شك طوائف غلاة في الحقيقة و قد عرفوا و شهروا بذلك و اعتقدوا في الائمة الاطهار ما لم‌يلتزم به الائمة عليهم السلام لانفسهم كمن اعتقد فيهم النبوة او الالوهية فلو تكلم الشخص عن فساد اعتقادهم لكان مصيبا في كلامه و محقا في بيانه و قد اعلن عنهم الائمة الاطهار في اخبارهم و لعنوهم و بينوا ضلالتهم للخاص و العام ففي ( مرآة الانوار ) صفحة ٦٢ عن ابان بن عثمان قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول لعن الله عبدالله بن سبا ادعي الربوبية لعلي عليه السلام و كان والله اميرالمؤمنين طائعا صالحا اخا رسول الله مانال الكرامة من الله الا لطاعته لله و لرسوله الويل لمن كذب علينا ، و كذا وردت اخبار في لعن ابي‌الخطاب ، محمد بن ابي‌زينب و بشار الشعيري و بنان و قد روي الكشي عن الصادق عليه السلام انه قال ان بنانا و السدي و بزيعا لعنهم الله تزيا لهم الشيطان في احسن صورة ، الي آخر الحديث ● و روي ايضا ان الكاظم عليه السلام قال اللهم اني ابرأ اليك مما يدعيه في محمد بن بشير اللهم ارحني منه ثم قال ما احد اجتري ان يتعمد علينا الكذب الا اذاقه الله حر الحديد ان بنانا كذب علي علي بن الحسين فاذاقه الله حر الحديد و ان اباالخطاب كذب علي ابي فاذاقه الله حر الحديد و ان بشيرا لعنه الله يكذب علي برئت منه الي الله الخبر ● [ص 28] و الاخبار في تعريف الغلاة و لعنهم كثيرة و لقد عرفهم المرحوم الشيخ عبدالله في كتابه المذكور فقال :

المشهور ان الغلاة هم الذين يقولون في اهل البيت عليهم السلام ما لايلتزم اهل البيت بثبوت تلك المرتبة لهم كمن يدعي فيهم النبوة كالبزيعية و الالهية كالنصيرية و العلياوية و المخمسة و نحوهم مأخوذ من الغلو بمعني التجاوز عن الحد قال الله تعالي : لاتغلوا في دينكم ● يعني لاتجاوزوا الحد .

اقول فاذا كان هذا معني الغلو فاي غلو تجد في كلمات مشائخنا اعلي الله مقامهم فلو فتشتها من اولها الي آخرها لماوجدت الا الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن و احلال اهل البيت المحل الذي احلهم الله فيه و لم‌يرفعوهم عن حدهم الذي جعله الله لهم من الامامة و الولاية و لم‌يتجاوزوا فيهم هذا الحد و لم‌يجعلوا لهم النبوة و لم‌يعتقدوا فيهم الالوهية حاشاهم ثم حاشاهم فانهم اعرف بهذه المراتب من غيرهم و اعلم بمرادات الائمة الاطهار من اولئك الذين حسدوهم و نسبوا اليهم ما نسبوا من الافتراءات بل قالوا في شأنهم انهم عباد مطيعون لله يجري فيهم امره و ينزل فيهم حكمه و لو تقولوا عليه بادني الاقاويل لاخذ منهم باليمين و لقطع منهم الوتين و اني اذكر هنا بالمناسبة بعض كلماتهم بالاضافة الي ما ذكرته فيما تقدم مزيدا للحجة و ايضاحا للمحجة .

فلقد قال المرحوم الحاج محمدكريم في مقدمة كتابه الجامع لاحكام الشرايع صفحة ١٧ :

و يجب ان يعتقد انهم ليسوا بارباب و لا انبياء ثم لهم كل فضيلة يمكن في رتبة الحدوث ● .

و قال حفيده المرحوم الحاج ابوالقاسم اعلي الله مقامه في كتاب الفهرست الذي تقدم ذكره كلاما جامعا هذا ترجمته :

و يقولون انتم تغلون في اميرالمؤمنين و الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين و نحن نعلم و الحمد لله اننا لسنا بغلاة و اولئك المساكين لايعرفون معني الغلو فنحن لم‌نخرجهم من حد العبودية و لم‌نقل انهم ارباب نعوذ بالله من دون الله غاية ما هناك انا قلنا فيهم [ص 29] و الحمد لله ما هو اجماعي الشيعة و بعض اهل التسنن من ان محمدا و آله صلوات الله عليهم اول ما خلق الله و القرآن و الاخبار المتواترة تشهد لهم بذلك فالجهال ماذا يقولون فهل يقولون ان هذا الخلق لا اول له و كلهم متساوون في صف واحد فلا متقدم و لا متأخر و لا اعلي و لا ادني و لا اشرف و لا اخس فهذا قول مزخرف و مخالف للقرآن و ضرورة الاسلام و ان قالوا له اول فمن الاول و الذي هو اقرب الخلق الي الله يعني اشبه الخلق بصفات الله و الذي ظهرت فيه آيات الله و علاماته اكثر من غيره غير محمد و آله صلوات الله عليهم و اين هو و ما ادعاؤه و اين ادلته فنحن ماسمعنا بذلك و بالجملة المنكرون علينا و الحمد لله منكرون علي الله و رسوله و هم لايعلمون ما يقولون سوي ان في صدورهم حقدا كامنا و في قلوبهم نارا مستعرة و هي لاتنطفي ما داموا موجودين يقولون ان الشيخية يقولون علي خالق و رازق و نحن و الحمد لله نعلم ان ذلك كذب و علي و اولاده عباد الله اتخذهم اعضادا و لم‌يتخذ اعداءهم و منكري فضائلهم و الناصبين و المضلين و الظالمين اعضادا كما قال سبحانه : و ماكنت متخذ المضلين عضدا ● و هؤلاء المضلون الذين لم‌يتخذهم الله اعضادا و لم‌يجعلهم ائمة لخلقه و كذلك الظالمون الذين لم‌ينلهم عهد الله في قوله : لاينال عهدي الظالمين ● حسدوا الاعضاد و انكروا فضلهم كما قال سبحانه : ام يحسدون الناس علي ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب و الحكمة و آتيناهم ملكا عظيما ● فعلي رغم اعداء آل‌محمد عليهم السلام اعطي الله سبحانه الكتاب و الحكمة الي عبيد آل‌محمد عليهم السلام و محبيهم فلايقولون الا ما يوافق الكتاب و السنة و ما ينكره المنكرون فانما ينكرون الكتاب و السنة و لايظلمون الا انفسهم و الدخان لايدخل الا في اعينهم و يكفينا انا متبعون لكتاب الله و النبي و آله سلام الله عليهم و اما غيرنا فاكثر اعتمادهم علي عقلهم الناقص غير الموزون و لا شئ في الدنيا ابور من ذلك ● . . . الي آخر كلامه علا مقامه .

[ص 30] و لقد احسن و اجاد في بيانه و تكلم و افاد في تبيانه و ليس بعد كلامه كلام و لنختم المقال في هذا الموضوع الذي طالما كثر فيه القيل و القال في الاماكن و المحال .

و اما ان ادلته الفلسفية مستقاة من مذهب الفيلسوف المشهور ملا صدرا فهو كسابقه في البطلان فانه لم‌يعتمد في ادلته الحكمية علي احد من الفلاسفة غير ما اخذه عن اهل بيت النبوة و الطهارة و ما وجده في اخبارهم و احاديثهم كما صرح بذلك مرارا و تكرارا و وجد مطابقة ذلك في كتبه عيانا ، هذا و هو قد رد علي الملا صدرا اشد الرد في كتابيه : ( شرح المشاعر و شرح العرشية ) و بين فيهما اخطاءه و انه نهج في كثير مما ذهب اليه نهج الصوفية و اليك انموذجا مما كتبه في شرح العرشية حيث قال في الصفحة الثالثة بعد ما ذكر قول المصنف :

اقول : قوله اذكر طائفة من المسائل الربوبية اه‍ مثل قوله في المشاعر و قد نبهت علي كثير من بطلان دعواه هناك في شرحنا علي المشاعر و ربما نذكر هنا شيئا يظهر للناظر فيه بطلان هذه الدعوي في كثير من كلامه و انه خرج عن طريقة الباحثين و المعلمين الا في بعض المواضع فانه خرج عن بعض كلامهم الي اسوأ مما قالوا و اقبح مما ذكروا و ان كان قولهم اكثره لايجري علي قواعد الدين و لاينطبق علي سنة سيد المرسلين صلي الله عليه و آله اجمعين و ذلك لان دعواه انه لايقول الا بقول محمد و آله الطاهرين صلي الله عليه و آله الطيبين و لو كان الامر كما قال لماذهب الي ان الخلق من الله سبحانه بالسنخ و هذا المذهب عند اهل البيت كفر و زندقة و لما قال بسيط الحقيقة كل الاشياء و معطي الشئ ليس بفاقد له في ذاته و لا في ملكه و امثال ذلك مما ينكرونه و يبرؤون منه و ممن ذهب اليه و يأتي بيان كثير من بطلان دعواه في مواضعها . . . الي آخر كلامه علا مقامه ● .

و من التدبر فيه و في كتابه شرح المشاعر يعلم علي القطع و اليقين ان له طريقة في التحقيق غير طريقة صاحب المشاعر و العرشية و هي طريقة اهل البيت عليهم السلام كما انه قد بين بطلان اقواله التي يستند فيها علي اقوال الصوفية او علي غيرهم من الملل الباطلة .

و ذكر اعلي الله مقامه ايضا في الصفحة السابعة من نفس الكتاب في [ص 31] الفرق بين طريقته و طريقة المصنف قوله :

و اعلم ايها الناظر في كلامي اني اعتقد اني اذا قلت قولا فاني املي علي كاتبين لايغادران صغيرة و لا كبيرة فلاتتوهم علي ان بيني و بين المصنف شيئا من عداوة او حقد او حسد او تكبر او شئ حداني الي الرد عليه غير بيان الحق فاني انا و انت مسؤلان و لاتتوهم انه كما يجوز عليه الغلط و الغفلة يجوز علي لانك اذا تتبعت كتبه وجدته يميل في عباراته و اعتقاداته لمثل ابن‌عربي و عبدالكريم الجيلاني و ابن عطاءالله و احزابهم و يأول كلام اهل البيت عليهم السلام علي كلامهم و يحمله علي مراد اعدائهم و لا كذلك انا و تتبع كلامي ستجد كل قول و كلام فيه لايطابق صريح كلامهم و ما دلوا عليه قد زيفته و ابطلته بادلتهم عليهم السلام ان افتريته فعلي اجرامي و انا بريء مما تجرمون و اسمع كلام المصنف في دعواه حيث يقول الهي ان افتخرت فبما انعمت علي و قد امرت : و اما بنعمة ربك فحدث ، ثم اسمع ما اقول له يا شيخ ان الله سبحانه امر نبيه (ص) الذي قد ثبت ان الله سبحانه انعم عليه بنور الولاية و النبوة و صدقه بالمعاجز الباهرة الزاهرة و اما ما سواه فلاتصل اليه نعمة من الله عز و جل الا بتبليغ النبي (ص) و ارادته عنه تعالي و لايثبت لمدعيه شئ منها الا بالاخذ عنه و الاتباع له و اللزوم له في مأخذ النعمة المدعي ثبوتها فان كان قول المدعي من قوله و اعتقاده علي سبيل اعتقاده و تحديده علي نهج تحديده فله ان يقول و الا فلا ● .

انتهي كلامه الشريف الذي يظهر لمن دقق فيه مخالفة طريقته اعلي الله مقامه لطريقة الفيلسوف الملا صدرا و مدي اعتماده علي اهل البيت عليهم السلام في كل ما يقول و كل ما يذهب اليه .

و اما قوله : و ترشح كلماتهم بانهم يعتقدون في الامير كرم الله وجهه نحو ما يعتقد الفلاسفة في العقل الاول بل ادهي و امر ، فقول باطل و عن حلية الاعتبار عاطل يأباه كلامهم في كتبهم و طريقتهم في كتابتهم فانهم بعيدون كل البعد عن عقائد الفلاسفة الباطلة و ان كان هناك شئ لايؤوب الي الاخبار و احاديث الائمة الاطهار فليدلونا عليه .

[ص 32] ثم يطرد الدكتور مقالته فيقول : اما اعتقادهم في القيامة فهو اعتقاد باطل مخالف لنصوص القران الكريم و السنة النبوية الشريفة و اجماع الامة اذ انهم لايعتقدون بقيامة الجسد و يؤولون علامات الساعة تأويلات باطنية تتفق مع مسلكهم في انكار البعث و القيامة ● .

اقول كل هذه مختلقات و مفتريات لاتمت الي الحقيقة بصلة و انه والله لعار علي الشخص ان ينقلها في كتابه فضلا عن ان يعتقد بها و يرسلها ارسال المسلمات . فكتب الشيخ المرحوم حاضرة و كتب تلامذته الآخذين عنه ايضا موجودة و كلها عارية عن هذه الترهات و المختلقات التي لاتليق الا بسلة المهملات و لقد شرحوا اعلي الله مقامهم هذه المسألة بالتفصيل و لم‌يتركوا فيها مجالا لطاعن و لا مهمزا لناقد . فقد ذكرها الشيخ المرحوم (اع) في كثير من كتبه و منها كتابه ( حياة النفس ) و كتابه ( شرح الزيارة الجامعة ) . و ذكرها السيد المرحوم السيد كاظم في كثير من رسائله و منها رسالة عقائد السيد كاظم و ذكرها المرحوم الحاج محمدكريم و هو تلميذ السيد المرحوم و القائم مقامه في كثير من كتبه و منها كتاب الفطرة السليمة و كتاب ارشاد العوام و كشف المراد في علم المعاد و ذكرها المرحوم ولده و القائم مقام ابيه من بعده الحاج محمد في رسالته الناصرية . . . و لهم رسائل متعددة في ذلك من ارادها فليطلبها من مظانها .

و اني انقل هنا للانموذج بعضا منها ليتبين كذب الكاتب جليا واضحا و فريته علي المؤمنين :

قال المرحوم الشيخ احمد (اع) في رسالته حيوة النفس في الصفحة الثامنة تقريبا ما هذا نصه :

الباب الخامس في المعاد و يجب ان يعتقد المكلف وجود المعاد يعني عود الارواح الي اجسادهم يوم القيامة ● .

و قال المرحوم السيد كاظم (اع) في رسالته اصول العقائد في الباب الخامس في المعاد و حشر الارواح و الاجساد ما هذا ترجمته :

فيبعث الحق تعالي اسرافيل فيأمره بنفخ الصور نفخة النشور و البعث فتطير الارواح فتدخل كل روح في جسدها في القبر فتخرج من القبر و تنفض التراب عن رأسها فعند ما تقوم القيامة و هذا معني المعاد يعني عود الارواح الي اجسادها . و بهذا قال في رسائله الاخري مثل رسالة كشف الحق و غيرها .

[ص 33] و قال المرحوم الحاج محمدكريم اعلي الله مقامه في مقدمة رسالته العملية الجامع لاحكام الشرايع صفحة ١٤ :

و يجب ان يعتقد ان جميع ما اخبر به النبي صلي الله عليه و آله من الرجعة و المعاد الجسماني و احياء العظام الرميم و جنة البرزخ و ناره و جنة الآخرة و نارها و الصراط و الميزان و الحشر و النشر و القضاء و منبر الوسيلة حق و انه عرج بجسمه الشريف الي السموات و سدرة المنتهي و كلم الله تكليما ● انتهي . و كذا ذكر في ساير كتبه الاخري .

و كذلك ساير مشايخنا اعلي الله مقامهم ذكروا ذلك و هذا لا اشكال فيه و اعتقادهم صريح غاية في الصراحة بوجوب الاعتقاد بالمعاد الجسماني و لكن الاشكال في معرفة كيفيته و كيفية عود الارواح الي اجسادها و معرفة جسم الانسان الذي يحشر عليه في يوم القيامة و هل ان جسمه هذه الاعراض العارضة التي يلبسها مرة و يخلعها اخري و هي دائما في تغير مستمر و تبدل دائم ؟ و اذا تفكر الانسان مليا و رجع الي الاخبار و جاس خلال الديار علم ان جسم الانسان الاصلي ليس هذه الاعراض العارضة المتغيرة و انما هذه مأخوذة من ثمار الارض و لحومها و نباتاتها و جسم الانسان هو الجسم الاصلي الذي لايتغير و لايتبدل الصحة لاتغيره و المرض لايبدله فهو هو في جميع الاحوال من دون تغيير و لا تبديل و هذا هو الجسم الاصلي الذي يحشر عليه الانسان و هو الذي يدخل به الجنان ان اطاع و سبقت له من الله الحسني و يقوي علي النعيم الدائم و يدخل النيران ان عصي و يتحمل العذاب المستمر و هذه الاعراض العارضة التي ليست من جسم الانسان الاصلي يلقيها في التراب اذ ان كل شئ يعود الي اصله و لايتجاوز ما وراء مبدئه . قال علي عليه السلام اذا فارق الروح الجسم يرجع كل واحد الي ما منه بدأ و ما منه خلق و الذي يعود الي الآخرة هو جسم الانسان الاصلي الذي خلق منها و اما الاعراض العارضة فتلقي في اماكنها و جسم الانسان الاصلي بالنسبة الي الاعراض في المثل مثل سحالة الذهب في دكان الصائغ فاذا غسلت بالماء ذهب عنها ما علق بها من التراب و بقي الذهب خالصا من دون شائبة شئ من الاعراض و جسم الانسان الاصلي موجود في هذا الجسم العرضي بحيث لو وزن في يوم القيامة [ص 34] لم‌يزد عنه في الدنيا مقدار ذرة و لم‌ينقص عنه مقدار ذرة و هذا ما اوضحه مشائخنا اعلي الله مقامهم و بينوه بتكرار حتي لايشتبه الامر علي الاغيار الطاعنين في المؤمنين الاخيار مستندين في ذلك علي اخبار الرسول صلي الله عليه و آله و اهل بيته . ففي الكتاب المبين عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث : كل ابن آدم يبلي الا العجب و في رواية عجب الذنب ● و عن ابي‌عبدالله عليه السلام سئل عن الميت يبلي جسده ؟ قال نعم حتي لايبقي لحم و لا عظم الا طينته التي خلق منها فانها لاتبلي تبقي في القبر مستديرة حتي يخلق منها كما خلق اول مرة . اقول و طينته التي خلق منها هي جسمه الاصلي لا هذه الفضولات العرضية التي اكتسبها من الاعراض العارضة و لو كانت هذه الفضولات و الاعراض جسم الانسان الاصلي و تعود اليه في الآخرة لاحتاج الي ما يحتاج اليه في الدنيا من الطعام و الشراب العرضيين و انتابته الاعراض و الامراض و لاحتاج الي التبرز و لبنيت له المستشفيات و هيأت له المرافق الصحية و جيء له بالممرضين و الممرضات و صارت الآخرة دنيا و صارت مخزنا للفضلات و القاذورات و هذا لايتقبله من له ادني مسكة من عقل . و مقصود الشيخ المرحوم اعلي الله مقامه من قوله الجسد العنصري لايعود هو هذه الفضلات العارضة و الكثافات المكتسبة من الدنيا لاتعود في الآخرة و انما الذي يعود في الآخرة هو الجسم الاصلي و هو جسم الا انه مصفي عن الاعراض و مطهر عن الامراض . فالمعاد جسماني كما بينه المرحوم الشيخ احمد (اع) في كتبه بالكيفية التي ذكرها لا بالكيفية التي يتصورها العوام او بعض العلماء . . . و له كلام كامل في هذا الشأن يستحق ان يكتب بالنور علي وجنات الحور في كتابه شرح الزيارة عند شرحه فقرة اجسادكم في الاجساد ● و من اراد الاطلاع عليه فليراجع الكتاب المذكور فانه موجود و منتشر و لكن القوم شبه عليهم جهلا او للاغراض فنسبوا الشيخ و اتباعه انكار المعاد الجسماني و هرجوا عليهم عند العوام و شهروا بهم لدي الخاص و العام و اختلقوا مفتريات و جاؤوا بالقبائح العظيمة و نسبوها الي اولئك الاعلام و كلما نصحوهم [ص 35] لم‌ينتصحوا و كلما وعظوهم لم‌يتعظوا لذلك حدث الانقسام و عملوا ما عملوا من الفرقة بين الانام و التعدي علي المؤمنين الكرام و بقينا لحد الآن نعاني مما حدث في تلك الايام و الي الله المشتكي . حتي انهم احضروا يوما من الايام المرحوم السيد اعلي الله مقامه في مجلس من مجالسهم ليناقشوه في امر اعتقاده و اعتقاد استاذه في امر المعاد و جرت محاورة طويلة بينهم و اني انقلها هنا بطولها لكثرة محصولها و فوائدها الجمة و لخدمة الحقيقة و التأريخ الصحيح .