[ص 2 فهرست] بسم الله الرحمن الرحيم
نضع بين يدي القراء الاعزاء و الباحثين النبلاء هذا الكتاب المبين الذي يبين بوضوح كالشمس في رابعة النهار عقائد الشيخية الفرقة الشيعية الاثنيعشرية و ذلك اني كنت اقرأ في كتاب ( حقيقة البابية و البهائية ) للدكتور محسن عبدالحميد و يخيل الي الناظر في كتابه انه قد عقد فصوله فيما يظهر من تسمية الكتاب علي الكلام في البابية و البهائية و لكني اصبت بالدهشة و الاستغراب حيث انه ابتدأ الكلام في موضوع المتآمرين علي الاسلام و جعل منهم الباطنية ثم عرج بالوقيعة و النيل من المعتقدين بفكرة المهدي المنتظر بصورة عامة و الشيعة بصورة خاصة ثم توجه الي الشيخية مبتدأ الوقيعة بالشيخ النبيل و العلامة الجليل الاستاذ الاوحد الشيخ احمد الاحسائي اعلي الله مقامه و رفع في جنان الخلد اعلامه و جعله اصلا للبابية و البهائية .
فبقيت مستغربا و قد انصب نظري علي المصادر التي استقي منها الكاتب معلوماته عن الشيخية فلماره اعتمد علي كتاب او مصدر واحد و واحد فقط من كتب واحد من علماء الشيخية او تابعيهم فعلمت ان لهذا الكتاب غرضا معينا مع هؤلاء و لما لماكن من اهل التأليف و التصنيف و ان تشرفت بكوني واحدا من اتباع ذلك الطود المنيف مددت يد المسألة لسيدي المعظم و مولاي المفخم اللوذعي الالمعي العلامة السيد علي الموسوي نجل المرحوم المبرور العلامة السيد عبدالله الموسوي اعلي الله درجته ملتمسا منه ايده الله و سدده ان يبين مغالطات هذا الكاتب و يفند مزاعمه و يوضح عقيدة الشيخية و ما نصت عليه كتبهم و رسائلهم و لما تفضل علينا حفظه الله تعالي و اطال عمره بالاجابة و وفقني جل و عز ان استلمها و قد رأيتها كاشفة عن حقيقة الشيخية بالاستدلال الواضح احببت ان اطبعها و انشرها لتكون ضياء تسلط انواره لتضيء الطريق للباحثين الذين يمكن ان يشتبه الامر عليهم اذا ما رأوا امثال تلك الكتب المغرضة فيتيهوا في طريق التحقيق و يشاركوا في طمس الحقائق التاريخية و الوقائع الثابتة بدلا من توضيح معالمها .
[ص 3 فهرست] و ها انا انقل الكتاب مبتدأ بنص المكاتبة بيني و بين ذلك السيد النبيل و العلامة الجليل :
السؤال :
بسم الله الرحمن الرحيم
سماحة العلامة الجليل السيد علي السيد عبدالله الموسوي المحترم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
اما بعد فلقد قرأت كتاب حقيقة البابية و البهائية للدكتور محسن عبدالحميد و قد رأيته في كتابه هذا قد تطرق الي مواضيع تخص في قسم منها الشيخية و مقلديهم و علماءهم و نبزهم بالقاب بذية و اتهمهم بتهم تبرأ ساحتهم علي ما اعلم منها فما رأي سماحتكم فيما ذكر و ارجو من فضيلتكم ان تبينوا اخطاءه و مغالطاته فيما سطر و تجعلوني بذلك شاكرا لكم داعيا بان يطيل الله عمركم أفيدونا مأجورين و السلام عليكم و علي من معكم و رحمة الله و بركاته .
الداعي اخوكم جواد ناصر الاربش
[ص 4 فهرست] الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم
الي عزيزنا الاحشم و ولدنا المكرم جواد ناصر الاربش المحترم سلام الله عليكم و جعل افئدة من الناس تهوي اليكم .
اما بعد فقد زرت رسالتكم الشريفة و حمدت الله علي سلامتكم فالحمد لله علي نعمائه و له الشكر علي آلائه و اما بخصوص الكتاب المذكور فلقد كتبت فيما يخص الشيخية منه كلاما مختصرا جامعا يفيد المنصف اللبيب و قد اوضحت منه ما احتاج الي ايضاح و ادحضت منه الاكاذيب و التلفيقات و بالله المأمول و عليه التكلان في جميع الامور و ستجد ذلك طي هذه الرسالة و السلام عليكم و علي كافة الاخوان و الخلان و رحمة الله و بركاته .
الداعي المحب علي عبدالله الموسوي .
و ختاما اتقدم بالشكر و الثناء الجزيل لسيدي الجليل حيث تفضل علينا باماطة الاستار و تسليط الانوار علي عقائد هذه الفرقة المظلومة سائلا الله سبحانه ان يأخذ بيده و يشد عضده و ان يجعله ركنا نأوي اليه في الشدائد و نبراسا نهتدي بضيائه عند حلول النوائب كما و اسأله سبحانه ان يجعل عملي هذا خالصا لوجهه مبتغيا بذلك رضاه و ان يكون نورا ساطعا يهتدي به الباحثون في دياجي البحث العلمي النزيه انه سميع مجيب .
حقائق علمية و تاريخية
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج السيد علي الموسوي اعلي الله مقامه
[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم ●
الحمد لله و كفي و صلي الله علي محمد نبيه المصطفي و آله و عترته الشرفاء و التابعين لهم النجباء الاتقياء .
اما بعد فقد عرض علي في الآونة الاخيرة كتاب ( حقيقة البابية و البهائية ) للدكتور محسن عبدالحميد و قد ذكر فيه بعض المواضيع التي عالجها كما يخيل اليه بالبحث النزيه و الدراسة العلمية و لما انه ذكر في مقدمة الكتاب قوله : و سأكون شاكرا لاولئك الذين يبصرونني باخطائي و اتعهد بانني سوف اثبت ما قد نبهوني اليه في طبعة قادمة ان شاء الله ● ، فاني اقول خدمة للحقيقة و التاريخ و ايمانا مني بان الحقايق لايمكن لاي شخص سترها و طمسها و ان بذل قصاري جهده لان الرسول صلي الله عليه و آله و سلم يقول : علي كل حق حقيقة و علي كل صواب نور ، و الله سبحانه و تعالي يقول في كتابه المجيد ● : مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت و فرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين باذن ربها و مثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها من قرار ، فالكلمة الطيبة هو الحق و الحق يعلو و لايعلي عليه و الكلمة الخبيثة هي الباطل و الباطل زهوق فلا بد و ان تسفر الحقيقة عن وجهها و ان طال الزمن و ان كان هناك من يبطن خلاف ما يظهر و يتربص بالمؤمنين الدوائر فلا بد و ان يفضحه الله للملأ لان عليه سبحانه احقاق الحق و ابطال الباطل كما قال تعالي في كتابه : ليحق الحق و يبطل الباطل ● و لا بد و ان يظهر سوء ما ابطنه علانية بحيث لاينخدع به احد فان الله لايصلح عمل المفسدين ، و لايفلح الساحر حيث اتي ، اللهم الا ان يريد الشخص ان يخدع نفسه و يغشها فذلك امر آخر و الله سبحانه لايجبره علي اختيار الرشاد و اذا اختار بسوء اختياره البطلان و الفساد ، تركه و شأنه و شمله قوله تعالي : لعنهم الله بكفرهم ● و الا فان حجة الله هي الحجة البالغة و الحجة البالغة هي التي يحتج بها علي الجاهل فيعلمها بجهله كما [ص 3] يحتج بها علي العالم فيعلمها بعلمه . و الذي يؤاخذ عليه الدكتور و يؤخذ به انه عرض علي بساط البحث بعض المواضيع التي يعتقد بها جماعات كثيرة ممن يعيشون معه علي اديم هذه الارض الطيبة و التربة الخصبة في هذا الوطن العزيز السنين الطويلة و الاعوام المديدة و ذري معتقداتهم ذرو الريح الهشيم و هم امة من اخوانه مسلمون يؤمنون بالله و برسوله و اوليائه صلوات الله عليهم و يتبعونهم في كل شئ و يتصفون بصفاتهم الطيبة و يتخلقون باخلاقهم الحسنة و يأتمرون باوامرهم و ينتهون بنواهيهم و يقتدون باتباعهم الآخذين عنهم باحسان و المقتفين اثرهم بايمان و لايقولون بشئ من هوي انفسهم غير ما يأخذونه عنهم و لهم مساجد يؤدون بها الصلوات الخمس و يصومون شهر رمضان و يحجون البيت الحرام و يؤدون ما عليهم من الزكوة و يشهدون جماعة المسلمين و يطيعون اولياء الامور و يلتزمون بتعاليمهم و لايخالفونهم في نظمهم و قوانينهم بل لايسوغ علماؤهم المخالفة لاولياء الامور باي نحو من الانحاء كما هو الثابت لديهم عملا و المثبت في كتبهم مفصلا و يحافظون قصاري جهدهم علي شعائرهم الدينية و اعمالهم الشرعية التي احتوت عليها الشريعة المحمدية و تكون منهم رجال لهم وظائف علي اختلاف درجاتهم فصار منهم دكاترة و اطباء و مهندسون و مدرسون و معلمون و ضباط و جنود و رؤساء دوائر و عمال و فلاحون و كسبة . و الكل بحمد الله يخدم وطنه خدمة خالصة و يؤدي ما عليه من حقوق و واجبات كما هو المشاهد و الثابت عند جميع الناس و صار لهم علماء حكماء و لهم مصنفات و مؤلفات كثيرة في مختلف العلوم و الفنون في الفقه و الاصول و المنطق و النحو و الصرف و الحكمة الالهية و الطب و الرياضيات و الهيئة بحيث تجاوزت مؤلفاتهم الف مصنف و مؤلف كما جاء تعداد ذلك في كتاب فهرست كتبهم و قد نبزهم الدكتور مع الاسف الشديد بالقاب بذية و وسمهم بسمات غير مرضية تمجها آذان السامعين و تشمئز منها قلوب المؤمنين دونما اي مستند علمي او تاريخي يستند عليه من اقوالهم و آثارهم انفسهم او اقوال علمائهم في كتبهم التي صنفوها و الفوها و دليل المرء كلامه و اقراره في حياته و كتبه و آثاره بعد وفاته ،
ان آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا الي الآثار [ص 4]
اذ انه ليس لك ان تقول او تكتب ما شئت فان الله تعالي يقول : ان السمع و البصر و الفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤلا ● فالكاتب محاسب عما يكتب و يملي علي ملكيه الموكلين به من قبل رب لايغادر صغيرة و لا كبيرة الا احصاها . نعم من كان له دليل او برهان فليأت به فانه يقبل منه و قد جعل الله آية الصدق و علامته البرهان فقال تعالي : قل هاتوا برهانكم ان كنتم صادقين ● و لميجعل التهجم و التهريج علي المؤمنين و كيل التهم لهم و تشويه الحقائق دليل امر من الامور . و في الحقيقة كان اللازم الاعراض عن الكتابة لان اللغو و البذاء لا جواب لهما عندنا و العمل بقوله تعالي : اذا مروا باللغو مروا كراما و اذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ● لكن الكتاب مطبوع بتعضيد من جامعتنا جامعة بغداد المحترمة التي تربي نشأنا الجديد و جيلنا الحديث . و الطالب بلا شك يأخذ من استاذه و يتعلم منه ما يملي عليه و يتقبله تقبل المسلمات و يتلقاه تلقي البديهيات فلعل في الكتابة و بيان الحقيقة يكون رفعا للشبهات الواردات و بيانا للمبهمات و من هنا يحصل للانسان تكليف شرعي يلزم به عدم السكوت و التفوه بما هو الحق في المقام اذا فلنجلس مع الدكتور علي طاولة التشريح العلمي و التحقيق التأريخي فيما ذكر عن موضوع المرحوم المبرور الشيخ احمد الاحسائي (اع) و الشيخية و لنحضر وسائله الدقيقة و آلاته التي تكشف عن الواقع و الحقيقة و تزيل الغبار و تمزق الحجب و الاستار و تذهب المين و تجلي الغشاوة من العين فعسي ان يشع النور للدكتور و غيره من القدح و ينجاب السحاب عن الشمس .
فاقول و بالله المأمول و عليه التكلان في جميع الامور ان سيادة الدكتور قد اعتمد فيما حقق و استند فيما حلل و دقق عن المرحومين المبرورين الشيخ احمد الاحسائي و السيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامهما و عن اتباعهما الموسومين بالشيخية علي الغرباء عن الشيخية و البعداء عنهم و لمتكن لهم صلة بينهم . فاعتمد علي كتاب ( البابيون و البهائيون ) لعبدالرزاق [ص 5] الحسني و ( مطالع الانوار ) لمحمد زرندي و ( البصرة تستأصل الشيخية للشيخ الخالصي ) و ( دائرة المعارف الاسلامية ) . و هذه كلها ليست كتب علماء الشيخية و لا كتب اتباعهم الآخذين عنهم و لاتمت اليهم بصلة لا من قريب و لا من بعيد و انما هي كتب من ناواهم و ضادهم و عاداهم و تقول عليهم و جاء بمخاريق هائلة و اباطيل مضللة و بث الدعايات السيئة ضدهم و عزا الي الشيخية و علمائهم و مقلديهم ما هم برآء منه و بعيدون عنه بعد النجم من يد المتناول فالاعتماد علي هذه الكتب و امثالها في التحقيق و التحدث عنها بقول اعدائها الذين تربصوا بها الدوائر و ارادوا الوقيعة بها غاية في عدم الانصاف و نهاية في الحيف و الاعتساف لاسيما في عقائد امة مؤمنة مسلمة . فهل يتصور ان هذه الطائفة من الامم البائدة التي ذهبت بمعالمها صروف الدهر و محت آثارها كوارث الزمان حتي جيء الآن يتحدث عنها بما تمليه الاهواء كلا فانهم موجودون نصب العين و كتبهم موجودة و رسائلهم حاضرة و بالامكان الاتصال بهم و بكتبهم في كل وقت ان لمتكن هناك دوافع و اغراض اخري تمنع من ذلك و لو كان الانسان منصفا لسأل علي الاقل ان لميمكنه البحث عن الكتب و مدارستها من احد علمائهم الموجودين لذلك .
اقول ان كل ما كتب و حرر بخصوص هذا الموضوع افتراء لا صحة له و افتئات لا اساس له و هذا قولنا علي الاجمال و اما التفصيل في بعض المقال و بعض ما يخطر بالبال بعون الله المتعال مع تزاحم الاشغال و كثرة الاعمال فانظروا الي ما يتلي بكمال الانصاف و العدل و دقق في مطاويه بميزان العقل المستنير بالنقل و حقق في معانيه بروح الدين و الشرع و انبذ العصبية جانبا و اقوال المغرضين بعيدا و اجعل الله علي و عليك شاهدا و رقيبا و لك علي ان لااقول الا الحق و لااتكلم الا بالصدق و لااذكر الا ما نعتقده بقلوبنا و نعمله باركاننا و نقوله بالسنتنا و ما رأيناه من مشائخنا باعيننا و الا عميت و سمعناه منهم بآذاننا و الا صمت و طالعناه في كتبهم و الا فنيت فان باطننا بحمد الله عين ظاهرنا و ظاهرنا عين باطننا و لانقول بشئ من هوي انفسنا فاننا نعلم علما يقينا ان كل ما نقول او نكتب فانما نمليه علي حافظين [ص 6] لايغادران صغيرة و لا كبيرة الا احصياها فيكون كل ذلك مثبتا في صحيفة اعمالنا و نلاقي به غدا ربنا و يحاسبنا عليه فلا غموض في عقيدتنا كما يدعي البعض و لا لغز في طريقتنا و طريقة مشايخنا اذ لانخشي في ما نقول او نعمل بالنسبة الي امر الدين و الشرع المبين من احد الا الله سبحانه و هو سبحانه عالم السر و الخفيات و عالم بما ظهر و بطن فنحن علي ما نعتقده و يعتقده علماؤنا الذين نقلدهم ديننا و نتبعهم في طريقتنا شيعة اثناعشرية نوالي اهل البيت و نتبع طريقتهم و نقول بقولهم و نقتفي آثارهم و نعمل باخبارهم و كل عقيدة غير هذا الذي ذكرت مرفوضة و كل قول ينسب الينا و الي مشايخنا مما لايؤوب الي اقوال محمد و آلمحمد عليهم السلام و لايصدر عنهم فهو باطل و زبد زائل .
و لنبدأ اولا بتعريف الشيخية و رئيسهم و مقلدهم ( المرحوم العلامة الشيخ احمد الاحسائي اعلي الله مقامه ) .
فلقد ذكر الدكتور الكاتب في شأنهم بعنوان احمد الاحسائي و الشيخية في صفحة ( ٥١ ) من كتابه ● ما هذا نصه : لمتنقطع مؤامرات الباطنية علي العقيدة الاسلامية في التأريخ حتي في القرون الأخيرة حيث نري ان الباطنية تتجدد علي يد شيخ فاسد العقيدة غامض الفكرة و الاسلوب يثير حوله جوا من التقديس الكاذب و هو ( الشيخ احمد الاحسائي ) الذي ولد سنة ١١٦٦ للهجرة ١٧٥٣ ميلادية و الذي اسس طريقة في مذهب الشيعة الامامية سميت فيما بعد بالشيخية . و قد نقل ذلك من الكتاب ( البابيون و البهائيون ) لعبدالرزاق الحسني مفضلا له - علي ما يبدو - علي غيره من الكتاب ، و مرجحا له علي غيره من النقاد و البحاث . و لعل ذلك لحاجة في نفسه قضاها و الا فان الكاتبين عن هذا الشيخ المرحوم و العلماء التابعين له كثيرون و قد ترجمت احوالهم في كثير من كتب رجال هذا العصر و كتب المستشرقون عنهم شيئا كثيرا و نشرت احوالهم في الصحف و الجرائد و المجلات و الرسائل و هم بين قادح غلبت عليه العداوة و العصبية و مادح لميستكمل المدح و البحث الا ان كل ما روي عن الرجال الموثقين فهو صحيح و اوثق تلك المصادر عند علمائنا الاعلام و مشائخنا الكرام ما كتبه [ص 7] الشيخ المرحوم نفسه في شرح احواله في حال صغره و تعلمه و عباداته و مجاهداته و مناماته الصادقة بالتماس ولده المرحوم محمدتقي و هي مطبوعة و منتشرة ، ثم رسالة المرحوم ولده الشيخ عبدالله و هي كرسالة ابيه في مطالبها و لاتختلف عنها الا في بعض الالفاظ اليسيرة ، ثم كتاب ( دليل المتحيرين ) للمرحوم العلامة السيد كاظم الرشتي اعلي الله مقامه فانه قد ذكر فيه نبذة من حياة استاذه المرحوم الشيخ العلامة و ذكر طريقته في كسب العلوم و الرسوم التي لاتخالف طريقة اهل البيت عليهم السلام و ذكر كتبه التي كتبها في مختلف العلوم و الفنون و بعض ما جري عليه من ابناء الزمان و بين فيها ايضا احواله و ما جري عليه من القوم و المجادلة معهم بالتي هي احسن و ذكر ايضا فيها كتبه و مصنفاته و الكتاب بالعربية و قد طبع و نشر ، ثم كتاب ( هداية الطالبين ) للمرحوم العلام الحاج محمدكريم خان اعلي الله مقامه و هو تلميذ السيد المرحوم السيد كاظم و القائم مقامه بعده و مرجع الشيخية بعد استاذه فقد ذكر فيه احوال المرحومين و بعض احواله و ماجرياته و هو مطبوع و منتشر الا انه باللغة الفارسية ، ثم كتاب ( تذكرة الاولياء ) للمرحوم نعمةالله الرضوي الشريف و هو كتاب شرح فيه احوال المرحوم الحاج محمدكريم اعلي الله مقامه و احوال من جاء من بعده من اولاده مثل المرحوم الحاج محمد خان و المرحوم الحاج زينالعابدين خان اعلي الله مقامهما القائمين مقام ابيهما اللذين صارا مرجع الشيخية و محل تقليدهم بعد ابيهما ، ثم كتاب ( فهرست كتب الشيخ الاوحد الشيخ احمد الاحسائي و سائر المشايخ ) للمرحوم العلامة الحاج ابيالقاسم خان اعلي الله مقامه و قد ذكر فيه جملة وافية من احوال المرحوم الشيخ احمد و المرحوم السيد كاظم و المرحوم الحاج محمدكريم و ولديه القائمين مقامه و جملة من احواله نفسه باسلوب رشيق و طور انيق بمجلدين : المجلد الاول شرح فيه احوالهم و المجلد الثاني خصصه لذكر كتبهم و مصنفاتهم بالتفصيل و عدد رسائلهم و دروسهم و مواعظهم و قد طبع و نشر الا انه بالفارسية و قد ترجمه المرحوم والدي اعلي الله درجته الي العربية و هو في طريقه الي الطبع . و يوجد كتب اخري ايضا في شرح احوال هؤلاء المشايخ الكرام [ص 8] و اللضالض العظام اعلي الله لهم المقام و هي لاتقل اعتبارا عن تلك الكتب المذكورة الا انها لاتزال خطية مثل كتاب ( نور الانوار ) للمرحوم العالم الفاضل الميرزا علينقي القمي المشتهر بالهندي و كان تلميذا للمرحوم السيد كاظم ، و كتاب ( تنبيه الغافلين و سرور الناظرين ) للمرحوم السيد هادي الهندي و قد ذكر هذان الفاضلان احوال المشايخ الثلاث المرحوم الشيخ احمد و المرحوم السيد كاظم و المرحوم الحاج محمدكريم و جميع ما فيهما من المطالب موافق لما تقدم من الرسائل الموثوق بها و المعتمد عليها ، و قد ظهر كتاب في الآونة الاخيرة يسمي ( مكتب شيخي از حكمت الهي شيعي ) للبروفسور هنري كربين استاد جامعة التحقيقات العالية في سربن و قد ذكر فيه احوال الشيخية من المرحوم الشيخ احمد الاحسائي الي المرحوم الحاج ابيالقاسم ابراهيمي باسلوب رشيق و قد اعتمد فيه علي مصادر صحيحة و كتب معتبرة و قد طبع الكتاب باللغة الفرنسية مع ترجمته باللغة الفارسية و نشر في كثير من الاقطار الاوروبية و الآسيوية ، و قد اجمعت هذه الكتب و غيرها علي ان المرحوم الشيخ احمد عالم شيعي اثناعشري اخذ علومه من اخبار اهل البيت عليهم السلام و تعلم فنونه من احاديثهم الصحيحة و لميخالفهم قيد شعرة ، حتي ان المطالع لو طالع كتابه ( شرح الزيارة الجامعة ) لوجده حديثا واحدا من اوله الي آخره متصلا باهل العصمة و الطهارة و قد اجازه العلماء الاعلام المعاصرون له باجازات مطولة و لقبوه بالالقاب المبجلة و عظموه و بجلوه و اكرموه مثل المرحوم بحرالعلوم الطباطبائي و المرحوم الشيخ جعفر النجفي صاحب كتاب كشف الغطاء و المرحوم المبرور الميرزا مهدي الشهرستاني و المرحوم الشيخ حسين آل عصفور و المرحوم المولي العلي المير سيد علي و صور اجازاتهم مطبوعة في كراس علي حدة و في ( دليل المتحيرين ) و ( هداية الطالبين ) و ( هداية المسترشد ) حتي ان المبرور السيد بحرالعلوم قال في اجازته له التي كتبها بخط يده : و بعد فلما كان من حكمة الله البالغة و نعمته السابغة ان جعل لحفظ دينه و احكامه علماء مستحفظين لشرائعه و احكامه صار يتلقي الخلف عن السلف ما استحفظوا من علوم اهل الحكمة و الشرف فبلغوا بذلك اعلي المراتب و نالوا به اتم المواهب و كان ممن اخذ بالحظ الوافر الاسني و فاز بالنصيب [ص 9] المتكاثر الاهني زبدة العلماء العاملين و نخبة العرفاء الكاملين الاخ الاسعد الامجد الشيخ احمد ابن الشيخ زينالدين الاحسائي زيد فضله و مجده و علا في طلب العلي جده و قد التمس مني ايده الله تعالي ، الي ان قال : فسارعت الي اجابته و قابلت التماسه بانجاح طلبته لما ظهر لي من ورعه و تقواه و نبله و علاه فاجزت له وفقه الله لسعادة الدارين و حباه بكل ما تقر به العين رواية الكتب الاربعة ● الي آخر كلامه الشريف . فهل يقال ان هؤلاء العلماء العظام و السادة الكرام قد اشتبه عليهم الامر في هذا الكلام او اجازوا من لميكن اهلا للاجازة في هذا المقام حاشاهم ثم حاشاهم فانهم اجل قدرا و اعظم منزلة من الاشتباه او عدم المعرفة بالاشخاص و هم اساطين الشريعة و المعول عليهم في حفظ الدين و الشرع المبين في تلك الاوقات و قد كان المرحوم بحرالعلوم علي ما نقل المرحوم الشيخ عبدالله في شرح احوال ابيه المرحوم الشيخ احمد (اع) يعظم الشيخ كثيرا قال الشيخ عبدالله فعظم الوالد في عينه حتي انه اذا اقبل عليه بعد تلك سواء كان في مباحثته او غيرها يقبل علي الوالد بكله و لايجعل لاحد نصيبا ما دام الوالد موجودا عنده فاذا خرج منه التفت السيد الي من حضره و يقول العجب كل العجب كيف يظهر هذه الدرة من مثل تلك الاصداف و لقد ظهر هذا الرجل بآية من آيات الله دالة علي قدرته حين اخرج من بلد خالية من العلماء و الحكماء و هم اهل بادية و رساتيق نهاية ترقيهم ان يعرف المتبحر منهم مسائل صلاته و ما يتعلق بها من مبيح و مبطل فيخرج هذا الرباني الذي لميبق لاهل الفضل باقية محتويا علي الباطن و الظاهر ان هذا الا الفضل من الله يؤتيه من يشاء ● انتهي كلامه الشريف .
و تقول تلك الكتب ايضا ان الشيخ كان مولده في الاحساء في سنة ١١٦٦ في قرية تدعي ( المطيرفي ) و ترعرع فيها و تعلم العلم من معدنه و تدارسه من منبعه و هو اخبار اهل البيت عليهم السلام و علوم شيعتهم [ص 10] اعلي الله لهم المقام ● . اقول و له الي الآن مسجد كان يصلي فيه و دار لحد الآن تنسب اليه يزورها الزائرون المارون في تلك الاطراف و يتبركون بآثاره في تلك الاكناف . ثم خرج منها مع من خرج فرارا من الغزو الوهابي و رحل عنها مع من رحل خوفا علي الاهل و العيال من الاستباحة فجاء الي العراق و زار العتبات المقدسة و سكن البصرة مترحلا في اماكن متعددة منها و سافر الي ايران للتشرف بالمشهد المقدس و عرفه علماء يزد و اقام بينهم سنين عديدة محترما معززا مكرما اغلقوا مدارسهم لسماع دروسه و تركوا مساجدهم للصلوة خلفه و عكفوا علي كتبه و علومه يدرسونها و يبحثونها و يتعلمون منها علوم آلمحمد عليهم السلام و ما اوضحه لهم مما كان دارسا من العلوم و عافيا من الرسوم و رحل في تلك الاثناء الي اصفهان و بقي شهرا فيها حتي احصي المصلون خلفه في مسجد جامعها فبلغوا علي رواية اثنيعشر الفا و علي رواية اخري ستةعشر الفا و الكل كان يقر بجلالته و علو امره و رحل الي كرمانشاه و بقي بها سنتين منشغلا في التدريس و بقي زمانا علي هذه الحال منشغلا بالوعظ و التدريس و الحل و الارتحال الي ان بدت بوادر النفاق و ظهرت حسيكة الخلاف و الشقاق حسدا و حنقا من بعض الجهال الخائفين علي دراهم العجم و الطالبين للدنيا الدنية و هدر فنيق الغاوين و بدت شقاشق الشياطين علي لسان عجلها في قزوين فقال ان الشيخ لايقر بالمعاد الجسماني و يقول بان الجسد العنصري لايعود و هذا كفر و الشيخ نعوذ بالله كافر و الشيطان قد جمع حزبه و استجلب خيله و رجله و تعاونوا فيما بينهم علي تكفير ذلك الطود الاعظم و البحر الخضم و قد جاؤا شيئا ادا تكاد السموات يتفطرن منه و تنشق الارض و تخر الجبال هدا و وقع الانقسام و الاختلاف و لو شاء الله مااختلفوا ● .
و تقول تلك الكتب صار للشيخ اتباع و مقلدون سموا بالشيخية نظرا لاتباع ذلك الشيخ العظيم و العيلم الكريم و لميكونوا فرقة جديدة و لا قسيمين للاثنيعشرية بل هم بعينهم اثناعشرية يعتقدون بما يعتقده [ص 11] الاثناعشرية باصول الدين و لايخالفونهم في امر التوحيد و النبوة و الامامة و العدل و المعاد يوم القيامة و الاقرار بساير صفات الله من العلم و الحكمة و السمع و البصر و غيرها و معرفة الاولياء و البراءة من الاعداء و يعملون ما استطاعوا بمسائل الفقه و فروعه كما هي واردة في ابواب الفقه و الكتب العملية نعم قد يوجد في مسائل الفروع بعض الخلافات بينهم و بين العلماء و وجود الخلاف في مسائل الفروع بين العلماء معروف و مشتهر و ليس بمنكر من القول و قلما تجد مسألة من المسائل الفرعية لميقع الاختلاف فيها بين العلماء و ذلك لايوجب كفرا و لا فسقا و لا فساد عقيدة ابدا ● .
و تقول تلك الكتب ان كثيرا من العلماء كتبوا عنه الكتب و شرحوا احواله و بينوا صفاته و علاماته و كانوا مجمعين علي فضله لميختلف منهم اثنان فكان المرحوم المبرور الحاج محمدابراهيم الكلباسي الذي هو المرجع لجميع ايران و العراق و الهند يحترم الشيخ غاية الاحترام و اذا جاء المرحوم الشيخ الي اصفهان يعطل درسه و يصلي خلفه ، و صاحب الروضات اطراه كثيرا و شرح احواله و بين مرتبته العلمية في كتابه ( روضات الجنات ) فلقد قال في كتابه ( روضات الجنات في احوال العلماء و السادات ) في الجزء الاول صفحة ٢١٦ ما هذا نصه : ترجمان الحكماء المتألهين و لسان العرفاء و المتكلمين غرة الدهر و فيلسوف العصر العالم باسرار المباني و المعاني شيخنا احمد بن الشيخ زينالدين بن الشيخ ابراهيم الاحسائي البحراني لميعهد في هذه الاواخر مثله في المعرفة و الفهم و المكرمة و الحزم و جودة السليقة و حسن الطريقة و صفاء الحقيقة و كثرة المعنوية و العلم بالعربية و الاخلاق السنية و الشيم المرضية و الحكم العلمية و العملية و حسن التعبير و الفصاحة و لطف التقدير و الملاحة و خلوص المحبة و الوداد لاهل بيت الرسول الامجاد بحيث يرمي عند بعض اهل الظاهر من علمائنا بالافراط و الغلو مع انه لا شك من اهل الجلالة و العلو ● الي آخر ما ذكر .
[ص 12] و كذا المرحوم الميرزا حسين النوري مدحه في كتابيه نفس الرحمن في فضائل سلمان و دار السلام فيما يتعلق بالرؤيا و المنام ، و كان يلقبه بالعارف المحدث في نفس الرحمن ● و في دار السلام نقل له بعض مناماته الصادقة التي رأي فيها الائمة الاطهار صلوات الله عليهم و كان الشيخ عبدالله صاحب كتاب ( فلاسفة الشيعة ) يثني عليه كثيرا في كتابه المذكور فلقد قال في صفحة ١١٣ : كان من رجالات الشيعة اللامعين الذين اخذوا باسباب المعرفة و الفكر و الفلسفة و الكلام و الفقه و العرفان الي جانب تمرسه بالطب و الرياضيات و النجوم و الكيمياء ( الصنعة ) و علم الاعداد و الكلمات و الحديث و الاصول و كانت حياته فريدة من نوعها فقد انفقها علي العلم و الانتاج ، الي آخر ما ذكر .
و تقول تلك الكتب انه اقام في كربلا في اواخر عمره بقصد ان تكون منيته هناك فيدفن بجوار سيدالشهداء الا ان نفاق المنافقين و تهريج المهرجين لميدع له مجال الاقامة و فضل الفرار علي القرار بحكم ففروا الي الله فرحل قاصدا لبيت الله الحرام علي طريق المدينة المنورة فلما وصل الي قرية هدية و هي علي ثلاث مراحل من المدينة المنورة وافته رسل ربه تدعوه الي اللحوق بسادته فلبي النداء و ارتحل عن هذا العالم الضيق الفاني الي العالم الفسيح الباقي و استبدل الاعداء بالاحباء و كان ذلك في سنة ١٢٤١ للهجرة ● .
و تقول تلك الكتب ان الشيخية و الكشفية شئ واحد الا ان مخالفي الشيخية ارادوا ان ينبزوهم بهذا اللقب فقالوا كشفية مأولين اياه علي تأويل قبيح و يريدون به انهم قد كشف الغطاء عن قلوبهم فيرون العلوم و الاحكام و لايحتاجون الي نبي و وصي و لا الي ولي و حاشاهم من ذلك فانهم يبرؤون من كل هذه النسب الباطلة و هم احرص من غيرهم علي متابعة النبي و الوصي و الولي و موالاتهم .
هذا ما تقوله تلك الكتب ملخصا عنها و لكن الدكتور قد اغفل هذه الكتب جميعا و نبذها الي الوراء و اخذ [ص 13] مصادر كتابته و تحقيقه من الحسني و الزرندي و الخالصي و غيرهم من الحاقدين علي هذه الطائفة و المتحملين علي هذه الجهة الآمنة فمزجوا حشوا رثا من الاضاليل و الاباطيل و اتحفوا بها اهل التحقيق و التدقيق لا لامر الله يعقلون و لا من اوليائه يقبلون حكمة بالغة فماتغني الآيات و النذر عن قوم لايؤمنون ، أليس هذا جزافا من القول ؟ و سخافة في التحقيق التاريخي ؟
ثم اعود الي كلمات الدكتور حيث جعل هذه الطائفة و رئيسها من الفرق الباطنية الضالة و رمي شيخهم و مقلدهم بفساد العقيدة و غموض الفكرة و انه يثير حوله جوا من التقديس الكاذب ● .
فاقول ان فرق الباطنية متعددة كالاسماعيلية و الخطابية و الصوفية علي ما قيل و نقل عنهم فماادري اي هذه الفرق يقصد ؟ و اي مذهب من هذه المذاهب الفاسدة يريد ؟ الا ان الظاهر انه يريد علي ما يبدو القائلين بسقوط العبادات مدعين بذلك الوصول حتي ان بعضهم علي ما نقل قد فسر هذه الآية الشريفة : و اعبد ربك حتي يأتيك اليقين ● بانه اذا وصل الي اليقين ساغ له ارتكاب جميع الملذات و المحرمات فالله سبحانه يشهد بان المرحوم الشيخ احمد يبرأ من هذه العقيدة الفاسدة و غيرها من العقايد المضلة التي اعتقد بها اولئك الفرق المنحرفة و كذا اتباعه الآخذون منه و المقلدون له فانهم عرفوا بمحافظتهم علي العبادات و اقامة الصلوات و اداء الزكوات و صيام الشهر المبارك و حج البيت و اعمال الخير و فعل البر و هذا هو المشهور عنهم و المعروف علانية عندهم حتي ان المرحوم الشيخ (اع) كان قد ضعف في آخر ايامه عن القيام للصلوة فكان يعلق حبلا في سقف البيت و يستعين به للقيام في الصلوة ● .
و هذه الكتب العملية التي كتبها و اثرت عنه و طبعت مثل ( الرسالة الحيدرية ) و ( الرسالة الصومية ) في المجلد الثاني من كتاب ( جوامع الكلم ) الذي جمع فيه جل رسائل الشيخ المرحوم و كلها كتب عمل [ص 14] و فتوي له و لمقلديه هي خير معين علي تفهم عقيدته و اعماله . فهل يتصور انه كتبها لغيره و يتجنب هو عن العمل بها ؟ ذلك ظن الذين لايوقنون . ثم انه اعلي الله مقامه رد علي هذه المقالة و علي غيرها من مقالاتهم الفاسدة اشد الرد و اوضح فساد عقيدتهم و بين للملأ قبح مقالتهم حتي لاينخدع بقولهم احد و اليك انموذجا مما كتبه في المجلد الاول من ( جوامع الكلم ) في رسالته المسماة ( بالتوبلية ) :
قال السائل : و كلام الصوفية المنهي عن اتباعهم .
فقال (اع) في الجواب : اعلم ان هؤلاء كانوا يتكلمون في الحقائق التي عرفوها بعبارة تخالف الشرع ظاهرا و تنافي الايمان بل الاسلام في اللفظ و ان ارادوا بها معني صحيحا فان السنتهم كافرة في كثير من المواضع و ان كانت قلوبهم بخلاف ذلك و يجري عليهم في مواضع قوله تعالي : و لعنوا بما قالوا ● و كانت لهم طرق يخالفون فيها الشريعة : فمنها ان منهم من يترك العمل مدعيا بالوصول و ان العمل يشغل من هو بين يدي الملك و لايعلم ان استحضار ذلك هو الذي بين يدي الملك و هو بالقلب و العمل بالجوارح هي خدمتها للملك و كونها بين يديه و كذلك الحركات و البصر فان العبادة و الخدمة مقسمة علي الجوارح و القلب و اللسان و الاعراض كالحركات و غيرها فايها لميقم بما كلف به لميشكر . و منهم من يستمع الملاهي و يستمع الالحان المطربة مدعيا ان النفس خلقت من حركات الافلاك و نفوسها فاذا سمعت هذه الاصوات و الملاهي طربت و تذكرت اوطانها و اوطارها و اطوارها فانصرفت عن هذا العالم فصافحت الملائكة و صعدت الي الملكوت و ادركت حظها و جهلوا ما حققوا في مثل هذا المقام ان هذه الملاهي انما حرمت لان النفس لاتتجاوز عنها بل تتنقل في حركات الملاهي و نغمات الغناء لما بينهما و بين النفس من المناسبة لان الغناء فضلات نفسانية عجزت النفس عن ابرازها في الفاظ دالة فاخرجتها الحانا و كذلك الملاهي بجميع اصنافها فانها تحكي الحان الافلاك علي ما قرر في الموسيقي فلاتزال النفس مشتغلة بتلك الاصوات و النغمات تنتقل معها و تسير بها في مكان سحيق فهي في [ص 15] الحقيقة اشد من الغفلة و لهذا سماه الشارع عليه السلام ملاهي لان النفس في غير تلك قد تلتفت الي اوطانها فتشاهد و قد تغفل و اما في هذه الحال فهي محجوبة فايما حركت توجهت اليه لما بينهما من المناسبة فقبل ان تتوطن اتاها مناسب آخر نقلها عن الاول و هكذا فلاتزال تلعب بها الريح و تتخطفها الاطيار ليس لها تصرف في نفسها فهي في الحقيقة ابدا غريبة ما دامت في تلك الحال قد غربت عن الاوطان و شردها عن مساكنها الشيطان . و لهم كلام ما اشبهه بالحق لانهم مزجوا حقا بباطل و ليلبسوا عليهم دينهم و لو شاء ربك مافعلوه فذرهم و ما يفترون . و منهم من حصر المدلولات الشرعية علي الامور الباطنية في الانسان و قالوا انما اراد الشارع هذا الذي عندنا و ليس شئ سواه ،
و لكل رأيت منهم مقام شرحه في الكتاب مما يطول
و لايخفي حال هذه الجماعة و هم الذين نهي عن اتباعهم لان من اقوالهم ما يخالف الشرع و من اعمالهم و من علومهم و من استعمالهم فمن تبعهم وقع فيما هم فيه و لنقبض العنان . . . الي ان قال في بيان اهل الحق الذين تكلموا في الباطن : فاهل الحق الذين باطنهم لايخالف ظاهر الشريعة و لا باطنها و ظاهرهم طبق باطنهم و قولهم يصدق فعلهم . . . الي ان قال : و هم الذين يعلمون الباطن الذي هو طبق الظاهر و مطابقته للظاهر علامة صحته و يعلمون الظاهر الذي هو طبق الباطن و مطابقته للباطن علامة صحته و الي هذا المعني اشار الصادق عليه السلام كما رواه الحسن بن سليمان الحلي من تلامذة الشهيد الاول و هو شريك بن فهد يروي في كتاب مختصر بصاير سعد بن عبدالله باسناده عن الهيثم بن عروة التميمي قال قال ابوعبدالله عليه السلام يا هيثم التميمي ان قوما آمنوا بالظاهر و ( كفروا ) بالباطن فلمينفعهم ذلك شيئا ( و جاء قوم من بعدهم فآمنوا بالباطن و كفروا بالظاهر فلمينفعهم ذلك شيئا و لا ايمان ظاهر الا بباطن و لا باطن الا بظاهر . ه ) و كما روي في معرفة علي بالنورانية و الروايات علي ذلك اي علي ان صحة كل بمطابقة الآخر كثير و ان الباطن هو مكنون العلم . . . الي آخر كلامه علا مقامه ● .
[ص 16] و قد بين المسألة باحسن بيان و اوضحها باحسن تبيان و استدل علي تفصيلها بالاخبار الساطعة المنار كما هي سجيته في جميع مطالبه التي تكلم عنها و من بيانه يعلم انه لا كل من قال بالباطن رمي بالاعتقاد الفاسد و القول الكاسد و لو بني الامر علي رمي كل من كان له كلام في معرفة البطون و الظهور علي فساد الاعتقاد قبل ان يعرف منه المقصود لماقام للاسلام عمود و لااخضر له عود و لامكن رمي كل احد بالفساد بالتأول و التقول عليه و هذا لايقره عقل و لا وجدان كيف و ان اخبار النبي و آله صلوات الله عليهم طافحة بامثال هذه المطالب ؟ و لقد ورد الكثير منها من الجانبين في معرفة بطون القرآن و تأويلاته فلقد ورد في تفسير ( مرآة الانوار ) لابيالحسن العاملي عن العياشي و غيره عن جابر قال سألت اباجعفر عليه السلام عن شئ من تفسير القرآن فاجابني ثم سألت ثانية فاجابني بجواب آخر فقلت جعلت فداك كنت اجبت في هذه المسألة بجواب غير هذا قبل اليوم فقال لي يا جابر ان للقرآن بطنا و للبطن بطنا و ظهرا و للظهر ظهرا يا جابر و ليس شئ ابعد من عقول الرجال من تفسير القرآن ان الآية لتكون اولها في شئ و آخرها في شئ و هو كلام متصل ينصرف علي وجوه ● و روي من الجانب الآخر عن النقاش في تفسيره عن ابنعباس انه قال جل ما تعلمت من التفسير من علي بن ابيطالب (ع) ان القرآن انزل علي سبعة احرف ما منها حرف الا و له ظهر و بطن و ان عليا علم الظاهر و الباطن ● و عن الغزالي في احياء العلوم و الحافظ ابونعيم في حلية الاولياء عن ابنمسعود قال ان القرآن نزل علي سبعة احرف ما منها حرف الا و له ظهر و بطن و ان علي بن ابيطالب عنده منه علم الظاهر و الباطن ● . و الاحاديث بهذا المضمون كثيرة فلاينبغي المبادرة بتسفيه عقيدة شخص بمجرد وجود هذه المطالب في كلامه و ما يدريك انه قد اخذها من اهلها و صيرها في محلها فتكون قد رددت علي الله في عرشه و كل من اتهم المرحوم الشيخ احمد اعلي الله مقامه بكل ذلك او ببعضه فاما انه لميفهم مراده او قصد الوقيعة به لانه مااخذ هذه [ص 17] المواضيع و بيانها الا من ائمة الهدي كما صرح بذلك في رسائله كما في كتابه شرح الفوائد حيث قال في المقدمة : و انا قد ذكرتها علي نحو ماعثر عليه الحكماء و لا وقف عليه العلماء لانهم يأخذون تحقيقات علومهم بعض عن بعض و انا لما لماسلك طريقهم و اخذت تحقيقات ما علمت عن ائمة الهدي عليهم السلام لميتطرق علي كلماتي الخطأ لاني ما اثبت في كتبي فهو عنهم و هم عليهم السلام معصومون عن الخطاء و الغفلة و الزلل و من اخذ عنهم لايخطئ من حيث هو تابع . . . ● الي آخر كلامه الشريف الذي قد طبقه عمليا لان القول وحده لايكفي دون التطبيق العملي و رأينا انه اعلي الله مقامه قد طبق ذلك في جميع مطالبه التي ذكرها و منها ما تقدم ذكره في شرح المطلب المتقدم حيث استدل علي ما ذهب اليه اهل الحق من اهل الباطن بالاخبار المتقدمة و لو فرضنا انه قد حصل لبعضهم التشابه في كلامه و لميفهموا المعني المقصود من مرامه لكان اللازم عليهم علي ما يقتضيه الاحتياط في الدين الرجوع الي المحكم من كلماته و رد المتشابه اليه و هذه سجية المؤمنين و طريقة المحتاطين لدينهم لا التهريج عليه و التشهير به و كلامه المحكم الذي ليس فيه شائبة الخلاف و التشابه هو ما ذكره في رسالته حياة النفس المطبوعة عدة طبعات و المنتشرة في كثير من الاقطار الاسلامية و قد ذكر فيها اصول الاعتقاد بالدليل و البرهان طبقا لما ذكره الشيعة الاثناعشرية في اصول عقايدهم و قد رتبها علي خمسة ابواب : الباب الاول في الاصل الاول في توحيد الله و معرفته و الباب الثاني في الاصل الثاني و هو العدل و الباب الثالث في النبوة و الباب الرابع في الامامة و الباب الخامس في المعاد ● و ذكر في جميع هذه الاصول من الادلة و البراهين العقلية المستنيرة بالنقلية علي هذه الاعتقادات ما يقتضيه المقام و ما يعرفه كل من له شعور و اعتناء في الدين و امر الشرع المبين و ذكرنا انه كانت له عدة رسائل فقهية عملية كان عليها عمله و عمل مقلديه طيلة حياته فلو وجد شئ من التشابه في كلامه لكان اللازم حمله علي هذا الكلام المحكم في امثال هذه الرسائل .
[ص 18] بالجملة اطلت الكلام ليتبين الرشد من الغي في شخصية هذا المظلوم العلام فكم من فرية افتروها و كم من كذبة عليه كذبوها نابذين قوله تعالي : انما يفتري الكذب الذين لايؤمنون بآيات الله ● خلف ظهورهم فالمشتكي الي الله و الحكم رسوله و اولياؤه و قد تبين مما تقدم انه لا غموض ايضا في فكرته كما ادعي فاني احيلك من ذلك علي معاينة و هي كتبه و آثاره المطبوعة و المنتشرة في بلدنا و ساير البلدان فليطالعها الانسان بامعان و ليدقق في مطاويها باتقان فانها و ايم الله تنبئ عن الحكمة و الموعظة الحسنة و المجادلة بالتي هي احسن علي حذو ما ورد في قوله تعالي : ادع الي سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي احسن ● مستندا في كل ما يقول و يذهب اليه علي الآيات القرآنية و الاحاديث النبوية و الاخبار المعصومية و لايظلم الانسان نفسه بعدم الاعتناء بها و التحقيق فيها فان ذلك ظلم فاحش للنفس .
و اما ما ينقله البعض من وجود تلفيقات في مطالبه و مختلقات في رسائله و مخترعات اخترعها برأيه و ابتدعها بفكره لميكن لها من تلك الموازين المذكورة اصل و لا اساس فهو عار عن الصحة خال عن الحقيقة و كل ذلك تهم و افتراءات نعم انه كان اعلي الله مقامه صاحب فنون و علوم كثيرة و تكلم عن عوالم الغيب و الشهادة و ذكر تحقيقات في كثير من العلوم و تدقيقات في كثير من الرسوم فله تحقيقات كثيرة في الالهيات و معرفة حقائق الاشياء و له في اصول الدين و اصول الفقه و فروعه كتب كثيرة كما له في علم الالفاظ و الاعداد و علم التجويد و القراءة و الخط اليد الطولي و له في علم الموسيقي و النغمات و العلم الطبيعي و العلوم الغريبة و صناعة الفلسفة و الهيئة و غير ذلك ● باع واسع و له في بيان ذلك اصطلاحات خاصة في تلك العلوم و لا ريب انه لايمكن لانسان معرفتها الا بمعرفة مقدماتها و اصطلاحاتها كساير العلوم المتوقف فهمها علي معرفة الاصطلاحات و المقدمات مثل علم الهندسة و الرياضيات و الفلك [ص 19] و يحتاج في فهم ذلك كله الي دراسة و اخلاص في النية و العمل و من دون تلك لايتسني لاحد الفهم . فكتب الشيخ المرحوم (اع) تحتاج الي دراسة و معرفة بالاصطلاحات و المقدمات .