بالجملة و تلك النار في الباطن هو القائم المنتظر صلوات الله عليه و طورها فاطمة الصديقة [ص 20] صلوات الله عليها و قد ورد في حواشي القرآن لابي (اع) في تأويل قوله تعالي و ماجعلنا اصحاب النار الا ملائكة ان النار القائم عليه السلام و اصحابه هم الذين يملكون علم آلمحمد عليهم السلام ، و في غير هذا الخبر ايضا شواهد لعلنا ذكرنا شطرا منها في جواب سؤالكم السابق و لميظهر من تلك النار لموسي عليه السلام الا قبس او جذوة كما في الخطبة الطتنجية انا صاحب الطور انا ذلك النور الظاهر انا ذلك البرهان الباهر و انما كشف لموسي شقص من شقص الذر من المثقال و كل ذلك بعلم من الله ذي الجلال الخطبة .
و قوله تعالي او اجد علي النار هدي و الهدي اميرالمؤمنين عليه السلام كما يظهر من اخبار كثيرة منها في تفسير البرهان بسنده عن ابيعبدالله عليه السلام في قوله تعالي ذلك الكتاب لا ريب فيه هدي للمتقين قال الكتاب علي لا شك فيه هدي للمتقين و في خطبة الافتخار انا شجرة الهدي انا علم التقي و في خطبة البيان انا النور الذي اقتبس منه موسي فهدي . فهو عليه السلام الهدي الذي يجده النبي صلي الله عليه و آله علي نار القائم (ع) لانه خاتم الاوصياء صلوات الله عليهم و خاتمهم اعلي منهم و مشرف و مهيمن عليهم و هو المقاتل بيد القائم (ع) قال (ع) في خطبة الافتخار انا الذي املأها عدلا كما ملئت ظلما و جورا بسيفي هذا ، الي ان قال انا صاحب الرايات الصفر انا صاحب الرايات الحمر انا الغايب المنتظر للامر الاعظم . و لا شبهة في فضل اميرالمؤمنين (ع) علي جميع الائمة من ولده (ص) و لايصعب عليك ان هذه المشاهدات في مراتب سير موسي (ع) الي مبدئه و هي اعلي من المرتبة التي كان عليها فكيف يصح ان تأول في الباطن بالائمة عليهم السلام مع ان النبي صلي الله عليه و آله بنفسه افضل منهم فان نسبته صلي الله عليه و آله بحسب الظاهر اليهم بحسب الباطن علي ما ذكرنا اي ان بواطن الائمة (ع) اعلي من ظاهر النبي (ص) المتسمع قول اميرالمؤمنين (ع) في خطبة الطتنجية علمني علمه و علمته علمي ، [ص 21] و المتسمع ان الله سبحانه كلم النبي (ص) في ليلة المعراج بلحن اميرالمؤمنين (ع) ، بالجملة فاميرالمؤمنين (ع) هو الهدي الذي وجده النبي (ص) علي نار القائم (ع) .
و المراد بالقبس و الجذوة بالنسبة الي اهله علي ما عرفت سيفه و سوطه عجل الله فرجه و قد ورد في الكتاب المبين عن عبدالرحيم القصير قال قال لي ابوجعفر (ع) اما لو قام قائمنا لقد ردت اليه الحميراء حتي يجلدها الحد و حتي ينتقم لابنة محمد (ص) فاطمة عليها السلام منها قلت جعلت فداك و لم يجلدها الحد قال لفريتها علي امابرهيم قلت فكيف اخره الله للقائم (ع) فقال له ان الله تبارك و تعالي بعث محمدا (ص) رحمة و بعث القائم نقمة .
و اما المنادي من الشجرة المباركة فالشجرة نفس النبي (ص) فان في اخبار كثيرة انه (ص) اصل الشجرة الطيبة و اميرالمؤمنين فروعها و الائمة من ذريتهما اغصانها و علم الائمة ثمرتها و شيعتهم المؤمنون ورقها و النداء انما يخرج من الشجرة و هو قوله تعالي قل انما انا بشر مثلكم يوحي الي انما الهكم اله واحد و لك ان تقول ان اميرالمؤمنين (ع) هو الشجرة كما اولت به (ع) في اخبار في تفسير آية النور و يخرج النداء منه و ذلك بأن الله هو الولي و هو يحيي الموتي و قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الاسماء الحسني و قد قالوا عليهم السلام نحن والله الاسماء الحسني التي امر الله ان تدعوه بها و في الخطبة الطتنجية بعد ان ذكر بعض علائم الظهور قال فتوقعوا ظهور مكلم موسي من الشجرة علي الطور .
و المراد من النعلين معلوم بعد ما عرفت اهله (ص) فانها و ضرتها نعلاه الذي امر بخلعهما و قد خلعهما حقيقة و خاصة عايشة خلعها و طلقها اميرالمؤمنين (ع) بعد ما خرجت عليه و يناسب ان نصحح ما في بعض الاخبار انهما كانتا من جلد حمار ميت لكن بالنظر الي ما ورد من تزكيتها نقول انها لما مست جسد النبي (ص) فتزكت بالعرض و لكن ينزع عنها هذا الجلد و يبدل بجلد خبيث كما يخطر ببالي من رواية [ص 22] لايحضرني الآن موضعها و قد ضرب الله تعالي مثلهما بامرأة نوح و امرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلميغنيا عنهما من الله شيئا و باطن لهما اسفل من ذلك ابواهما كما هو معلوم في حكمة مشايخنا رضوان الله عليهم و لا حاجة الي التفصيل و نقتصر في هذه الآية الشريفة علي ما ذكرنا و ان الله عز و جل هو العالم بتأويل كتابه .
قال ايده الله تعالي : و ايضا ما التسع الآيات التي اوتيها موسي عليه السلام بقوله تعالي في سورة الاسراء و لقد آتينا موسي تسع آيات بينات .
اقول في سورة الاسراء و لقد آتينا موسي تسع آيات بينات فاسأل بنياسرائيل اذ جاءهم فقال له فرعون اني لاظنك يا موسي مسحورا و في سورة النمل ايضا و ادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات الي فرعون و قومه انهم كانوا قوما فاسقين فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين و قد ذكر الطبرسي رحمه الله في آية سورة الاسراء : اي و لقد اعطينا موسي تسع دلالات و حجج واضحات و اختلف في هذه الآيات التسع فقيل هي يد موسي و عصاه و لسانه و البحر و الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم عن ابنعباس و الضحاك و قيل الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم و البحر و العصا و الطمسة و الحجر اليد و السنين و نقص من الثمرات و الطمسة هي دعاء موسي و تأمين هرون و قال الحسن مثل ذلك الا انه جعل الاخذ بالسنين و نقص من الثمرات آية واحدة و جعل التاسعة تلقف العصا ما يأفكون . اقول و في البرهان بسنده عن ابيعبدالله (ع) في جواب بعض اليهود اذ قالوا اخبرنا عن آيات التسع التي اوتيها موسي بن عمران قال العصا و اخراج يده من جيبه بيضاء و الجراد و القمل و الضفادع و الدم و رفع الطور و المن و السلوي آية واحدة و فلق البحر قالوا صدقت و عن ابيجعفر (ع) في هذه الآية قال الطوفان و الجراد و القمل و الدم و الحجر و العصا و يده . اقول و فيه سقط كما يظهر من ساير الاخبار و سئل ابوعبدالله (ع) عنها فقال الجراد و القمل و الضفادع و الدم و الطوفان و [ص 23] البحر و الحجر و العصا و يده ، و عن ابيجعفر (ع) مثله من غير ملاحظة الترتيب و نحوه عن علي بن ابرهيم من غير اسناد الي الخبر . اقول و آيات موسي (ع) كانت اكثر من ذلك و كل تسع منها يمكن ان يكون مصداقا للآية لكن هذه الآيات المعينة المعدودة في الاخبار و كلام المفسرين ينبغي ان تكون تفسيرا لآية الاسراء التي سألتم عنها خاصة حيث لميصرح فيها بأنها مما ارسل بها موسي (ع) الي فرعون بل تشمل بنياسرائيل و فرعون و قومه فان بعضها يخص بنياسرائيل كالحجر مثلا اي رفع الطور و المن و السلوي و كانت تلك من بعد هلاك فرعون و الاخبار المفسرة لها كثير منها مصرحة بآية الاسراء و الباقي ايضا حمل عليها خاصة حيث نقلها الاصحاب في ذيل آية الاسراء و اما آية سورة النمل حيث يقول سبحانه في تسع آيات الي فرعون و قومه فالظاهر انها لو فسرت بتسع من آياته التي اظهرها لفرعون و قومه يكون اولي و لا مانع منه فان فلق البحر يشتمل علي عدة آيات من فلقه و جعله طرايق و تشبيك المياه الحاجزة بين الطرايق ثم الطوفان فان اخرجنا الحجر و المن و السلوي مما وقع بعد هلاك فرعون من هذه التسع المذكورة في آية النمل و عددنا بعضا من هذه الجزئيات التي وقعت في حيوة فرعون فلعله لميكن به بأس و الله العالم . و هنا رواية ذكرها الطبرسي (ره) في المجمع لعلها من روايات العامة قال : و قيل انها تسع آيات في الاحكام روي عبدالله ابن سلمة عن صفوان ( عنوان خل ) بن عسال ان يهوديا قال لصاحبه تعال حتي نسأل هذا النبي قال فأتي رسول الله (ص) فسأله عن هذه الآية فقال هو ان لاتشركوا بالله شيئا و لاتسرقوا و لاتزنوا و لاتقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق و لاتمشوا بالبريء الي سلطان ليقتله و لاتسحروا و لاتأكلوا الربوا و لاتقذفوا المحصنة و لاتولوا للفرار يوم الزحف و عليكم خاصة يا يهود ان لاتعتدوا في السبت فقبل يده و قال اشهد انك نبي . اقول و ليس من تعدد معاني آيات الكتاب ببعيد و هذه الرواية ايضا [ص 24] تناسب آية سورة الاسراء كما نقلها الطبرسي ايضا ذيلها حيث لميصرح فيها باتيان الآيات الي فرعون بل قال تعالي فاسأل بنياسرائيل و اما آية النمل حيث قيدها سبحانه بفرعون فلاتناسب هذا المعني كما لايخفي فان اتيان آيات الاحكام الي قوم انما هو بعد ايمانهم برسالة الرسول و اما قبل الايمان به فالآيات المأتية اليهم انما هي المعجزات و خوارقات العادات البينة الواضحة التي يشهدها المخالف و المؤالف و اما آيات الاحكام و ان كانت حقيقة معجزة نزلت اليهم (س) بعلم الله جل و عز و لكن لايعرف ذلك المنكر الجاهل البتة و هذا واضح بين خلافا لمذهب اهل البدع في آخر الزمان حيث ينكرون المعجزات الخارقة للعادة بالمرة و يخصون المعجز بآيات علي سبيل آيات الاحكام و قد يقولون ان لنا معجزات و لكن لايراها من لميؤمن بنا و لميصدق فآمنوا اولا حتي تروا من بعده المعجزات و هذا كلام تضحك منه الثكلي و مخالف لسنة جميع الانبياء حيث كانوا يأتون بالمعجز لمخالفيهم المنكرين الزاما للحجة عليهم ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و هؤلاء الكفرة يقولون آمنوا اولا من غير مشاهدة آية معجزة حتي تروا من بعده المعجزات بالجملة و الحاصل ان آيات الاحكام و ان كانت حقيقة معجزات و لكن لاتتم الحجة بها علي الجهال و اما خوارق العادات فهي معجزات ظاهرة باهرة بالنسبة الي كل احد كما لايخفي ، بالجملة و من باب ان ظاهر الآيتين انما هو اشارة الي المعجزات الخارقة للعادة كما هو معلوم من الاخبار المفسرة المذكورة اولا يمكن ان يقال ان تفسيرها بآيات الاحكام كما في الخبر الاخير من باب التأويل اي التأويل الاصطلاحي اي نقل الكلام عن مفاده الظاهر الي ما في عرضه كتأويل الماء او الطعام بالعلم مثلا و نحن ايضا نكتفي في تأويل الآية الي ما يظهر من تلك الرواية فنأول التسع الآيات المعجزات بتسع آيات من الاحكام من غير انكار للمعجزات الظاهرة الخارقة للعادة و احكام النبي صلي الله عليه و آله و سننه حقيقة كلها معجزات اي يعجز الجن و الانس عن الاتيان بمثلها كما ان كتابه (ص) [ص 25] معجز لايأتون بمثله و كذلك الامر في احكام ساير الانبياء صلوات الله عليهم و لايضر عدم معرفة الجهال وجه اعجازها كما لايضر عدم معرفة اغلب الناس بوجه اعجاز القرآن و كثير منهم لايعرفون ذلك و لايصدقون باعجازه الا بمعونة ساير معجزات النبي (ص) فيعرفون بساير المعجزات صدقه فيصدقوه في قوله ان الكتاب معجز و الا فانك ان نظرت الي ما ذكره كثير من العلماء في بيان وجه اعجاز القرآن و دققت النظر في كلماتهم و رجعت الي كلمات ابي العلامة اعلي الله مقامه في هذا المعني و ما ذكره في نقصان تعريفاتهم لاتضح لك ان الفحول من علمائنا لايدرون وجوه اعجاز القرآن و من لميعرف وجوه اعجازه كيف يقدر علي معرفة اعجازه الا ان يصدق بذلك بمعونة ساير المعجزات و كذلك الامر في اعجاز الاحكام الالهية و ان لميعرفه اكثر الناس لفرط جهلهم بحكمها بل اقول ان معرفة اعجاز الاحكام الالهية عند المنصف غير المكابر الذي له ادني مسكة اسهل من معرفة اعجاز القرآن بمراتب الا ان ينظر في بعض الاحكام المندرجة فيه فيعرف بعض حكمها و كفاك ان بعض حكماء الافرنج قد يعرفون بعض حكم احكام النبي صلي الله عليه و آله و عللها بطول التجارب و خاصة فيما يتعلق بالسياسيات و الطبيعيات التي تدبروا و تفكروا فيها و رجعوا الي احكامه صلوات الله عليه فيها و لو انصفوا عرفوا ان من كان اميا لميتعلم من احد و قومه كلهم جهال و معذلك خرج يحكم بامثال تلك الاحكام التي يعجز العلماء الحكماء عن فهم حكمها و احصاء عللها فليس ذلك الا انه بالوحي من عليم حكيم البتة اذ كل احد يعرف ان البشر المخلوق من التراب من حيث نفسه جاهل فان وجدته عالما حكيما فلايخلو اما ان علمه بشر مثله و اما ان خلقه الله العليم القادر الحكيم هكذا عليما حكيما و اخرج من كمونه العلم ابتداءا و لا ثالث بداهة و من البين انه لميكن في ذلك الزمان احد يعلم النبي (ص) فيتعلم منه و لو كان لاشتهر امره كما اشتهر امره (ص) [ص 26] و قد قال سبحانه قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا و هدي و بشري للمسلمين و لقد نعلم انهم يقولون انما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون اليه اعجمي و هذا لسان عربي مبين و قد نقل في البرهان عن القمي ان لسان الذي يلحدون اليه و هو لسان ابيفكيهة مولي بنيالحضرمي كان اعجمي اللسان و كان قد اتبع نبي الله و آمن به و كان من اهل الكتاب فقالت قريش هذا والله يعلم محمدا علمه بلسانه يقول الله و هذا لسان عربي مبين . اقول و بديهي ان الاعجمي لايقدر علي تعليم لسان العرب و ساير الجهال ايضا لايقدرون علي تعليم العلم و الحكمة بداهة الا ان يكون الله عز و جل يعلمه و الا فبغير تعليم الله حقيقة او بغير تعليم خلق مثله ظاهرا لايمكن ان يصير عالما معلما لكن نحن نقول سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم فعلمت النبي (ص) بروحه الذي اوحيت اليه و علمتنا به ما شئت ، و بالجملة نقتصر بهذا التأويل فانه لاينبغي التأويل بل لايجوز من غير دليل و لماعثر عجالة علي ما يفيد المعني التأويلي سواه .
و اما في الباطن فنقول ان موسي (ع) كما عرفت هو الموسي الاول (ص) و بنواسرائيل امته و هو عبدالله و ابو امته (ص) و امهم وصيه عليهما السلام كما في اخبار كثيرة من قوله (ص) انا و علي ابوا هذه الامة ، و فرعون و قومه ايضا معلومون معروفون اخرجوا تفرعنهم من البطون بل و فرعون موسي بن عمران اخذ التفرعن عن هؤلاء حقيقة و لميبلغ مبلغهم فانهم اصل كل شر و من فروعهم كل فاحشة و آيات موسي الاول (ص) هم الائمة من ولده عليهم السلام كما هو معلوم من الاخبار و هم الشهود علي نبوته (ص) و الشاهد لا بد ان يكون عالما بما يشهد به و ماكان يعرفه (ص) بالنبوة احد الا اوصياؤه (ع) قال صلي الله عليه و آله يا علي ماعرفني الا الله و انت و عن سليم بن قيس قال قال رجل لاميرالمؤمنين عليه السلام اخبرني بافضل منقبة لك قال ما انزل الله في كتابه قال و ما انزل فيك [ص 27] قال افمن كان علي بينة من ربه و يتلوه شاهد منه قال انا الشاهد من رسول الله الخبر و عن ابيجعفر عليه السلام قال انما نزلت افمن كان علي بينة من ربه يعني رسول الله صلي الله عليه و آله و يتلوه شاهد منه يعني عليا اميرالمؤمنين اماما و رحمة و من قبله كتاب موسي اولئك يؤمنون به فقدموا و اخروا في التأليف . اقول و الحاصل ان عليا و الائمة من ولده صلوات الله عليهم شهود النبي صلي الله عليه و آله علي نبوته و بيناته و آيات الله التي اوتيها و الاخبار نادية بذلك ففي البحار عن ابيعبدالله عليه السلام في قوله عز و جل هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب قال اميرالمؤمنين و الائمة (ع) و اخر متشابهات قال فلان و فلان و فلان فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم و هم اميرالمؤمنين و الائمة (ع) و سئل (ع) عن قول الله و ماتغني الآيات و النذر عن قوم لايؤمنون قال الآيات الائمة و النذر الانبياء و قال ابوجعفر عليه السلام ان عليا آية لمحمد (ص) و ان محمدا يدعو الي ولاية علي عليه السلام و سئل العبد الصالح عليه السلام عن قول الله عز و جل ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات قال البينات هم الائمة . و الاخبار بهذه المعاني كثيرة لا حاجة الي التفصيل فالآيات المأتية محمدا صلي الله عليه و آله الي امته الائمة صلوات الله عليهم و هم آياته (ص) علي نبوته و لايصعب عليك كون بعض آيات موسي عليه السلام بل اكثرها نقمات فانهم ايضا نعمة الله علي الابرار و نقمته علي الفجار و باب باطنه فيه الرحمة و ظاهره من قبله العذاب و آيات موسي عليه السلام ايضا كانت كذلك و يحكي ان ماء البحر كان يشربه السبطي فيكون ماءا عذبا زلالا و يشربه القبطي و يصير دما في فيه حتي ان بعض القبط كان يأخذ الماء من فم السبط فاذا دخل في فيه صار دما عبيطا و ذلك لان الامر ينزل من عند الله علي نحو واحد و [ص 28] يتغير في قوابل الخلق و ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و قال انزلنا من السماء ماءا فسالت اودية بقدرها و نعم ما قال الشاعر :
كقطر الماء في الاصداف در و في فم الافاعي صار سما
و كذلك الامر في آلمحمد عليهم السلام و هم بالنسبة الي اوليائهم رحمة و بالنسبة الي اعدائهم نقمة فبالنسبة الي الاعداء قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة بعد انصرافه من صفين انا عذاب الله الواصب ، الي ان قال انا اضراس جهنم القاطعة انا رحاؤها الدائرة و في خطبة الافتخار انا عذاب اهل النار ، الي ان قال انا الصاعقة علي الاعداء و في خطبة البيان انا موسي انا مونس المؤمنين ، الي ان قال انا عصاء الكليم و به آخذ بناصية الخلق اجمعين ، الي ان قال انا الذي اهلكت الجبارين و الفراعنة المتقدمين بسيف ذيالفقار و فيها انا صاحب الطور و الكتاب المسطور و فيها انا جاوزت موسي في البحر و اغرقت فرعون انا عذاب يوم الظلة و فيها انا آيات الله الكبري التي اراها فرعون . اقول و امثال ذلك في خطبه و اخبارهم صلوات الله عليهم كثيرة و لسنا بصدد التفصيل و الغرض انهم آيات محمد (ص) الي قومه و علاماته و براهين صدقه و لولاهم و لولا اتيانه (ص) بهم و تعريفه لهم كانت نبوته و رسالته ناقصة و لما اراد الله عز و جل تكميل دينه و رسالته انزل اليه بلغ ما انزل اليك في علي و ان لمتفعل فمابلغت رسالته و بعد ان بلغ و شرح و اوضح انزل عليه اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا بالجملة فاميرالمؤمنين (ع) هو آية محمد (ص) و عصاه التي يتوكأ عليها و يهش بها علي غنمه و يمير اليهم العلم و له فيها مآرب اخري لايمكن احصاؤها و جميع آيات محمد (ص) و معجزاته انما كانت تظهر به و قد قال عليه السلام محمد صاحب الدلالات و انا صاحب المعجزات ، كما ان موسي عليه السلام ايضا كان يظهر معجزاته او كثيرا منها بعصاه و لا حاجة الي التفصيل بازيد من ذلك .
[ص 29] و لك ان تقول ان الائمة صلوات الله عليهم نفس النبي (ص) و منه كالضوء من الضوء و لا فرق بينه و بينهم و اشهد ان ارواحكم و نوركم و طينتكم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض و آياتهم انما هي انوارهم و آثارهم و اشعتهم و هم شيعتهم و انما سميت الشيعة شيعة لأنهم خلقوا من شعاع نورهم و اي آية للمنير انور و ابين من نوره بل ظهوره بانواره لا غير و قد سمع ابوعبدالله (ع) يقول بشر المخبتين بالجنة بريد بن معوية العجلي و ابوبصير ليث بن البختري المرادي و محمد بن مسلم و زرارة اربعة نجباء امناء الله علي حلاله و حرامه لولا هؤلاء لانقطعت آثار النبوة و في حديث آخر عنه (ع) لو لميكن في الارض مؤمنين كاملين اذا لرفعنا الله اليه و انكرتموا الارض و انكرتموا السماء . اقول و الاخبار نادية بأنهم الآيات الدالة علي ائمتهم و انهم الوسائل اليهم و سبل معرفتهم و كثير منها مذكور في الكتاب المبين و ان شئت فارجع اليه و كفاك قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و لك ان تقول ان اولي العزم من الرسل ثم الرسل ثم الانبياء سلام الله عليهم ثم الابواب و النواب ثم النقباء الكليون ثم النجباء الكليون ثم النقباء الجزئيون ثم النجباء الجزئيون ثم الصلحاء من ساير المؤمنين انما هم آياتهم التسع هدانا الله بهم اليهم (ص) و جعلنا من المخلصين في ولايتهم و معرفتهم بجاه محمد و آله صلي الله عليهم .
قال حرسه الله تعالي : ثم ما المراد بالنفس التي سأل الامام (ع) معرفتها في الدعاء الذي امر الشيعة بمداومته بقوله اللهم عرفني نفسك ، ثم الضمير الفاعل المستتر في عرفني لمن يعود ، ثم اني اقول روحي فداكم كيف يتجه في هذا الدعاء بالنسبة الي غير الامام (ع) من الاتباع ان يذكر من المقام الاعلي و يسأل معرفته كما ذكر الامام عليه السلام من الاعلي علي ان الامام (ع) انما ذكر من [ص 30] الاعلي لتهتك الستر لغلبة السر و اما الغير فليس كذلك حتي يسأل من المقام الاعلي اولا لما ان السير له في قوس الصعود من الاسفل الي الاعلي كما تدل عليه آية القري و اذا كان كذلك اذا كيف يتوجه منوا علي بالبيان فانكم اهله .
اقول ان درجات الخلق تترامي من الاعلي الي الاسفل و من الاسفل الي الاعلي و كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و ما منا الا له مقام معلوم و قال عيسي عليه السلام بحق اقول لكم لايصعد الي السماء الا ما نزل منها ، و كما ان السفلي لايتجاوز ما وراء مبدئه كذلك العلوي لاينزل بذاته الي مقام السفلي اذ لايسعه الاتري ان السماء بكبرها لايتمكن في البيضة بصغرها و هو من المحال و مما لايكون و لو اراد احد ان يدخل السماء بكبرها في البيضة قسرا و جبرا لانكسرت البيضة البتة فلمتكن بعد بيضة لكن الحكيم تعالي شأنه اذا اراد ادخال السماء في البيضة يأخذ اشباح اطراف السماء و نواحيها و يجمعها و يصغرها بقدر بيضة حتي تسعها البيضة و هو معني قوله عليه السلام انه تعالي يقدر علي ادخالها في اصغر من البيضة ثم مثل بادخال شبح نصف السماء في ثقبة عينك و هي بقدر شعر خنزير و من البين ان السماء بعينها لمتدخل في عينك و انما دخلتها بشبحها و ظلها الذي هو من السماء كالشعاع من المنير و يدل عليها دلالة علي حسبه لا علي حسب السماء في مقامها و حيزها الاتري ان كل ذوي الاعين ينظرون الي السماء و يرونها و لايدركون منها الا قليلا و اذا حاولوا معرفة السماء بكيفياتها الخاصة باعينهم خابوا و خسروا البتة و ما اسخف اقوال هيويي الافرنج حيث يزعمون انهم يعرفون بمناظرهم من السماء اشياء خفية لميعرفها ساير الناس و يقيسون امر السماء بالارض و هم يرون بقاء السماء علي حالها نوعا و اختلاف الارض و استحالة اجزائها حتي عناصرها العبيطة بعضها الي بعض و قياس الباقي الخالد علي المتغير المتجدد مما لاينبغي بداهة الا انهم لخفة عقولهم اولا حاولوا معرفة تلك الاشياء البعيدة عن الابصار [ص 31] بآلات قاصرة ثم لخفتها ايضا قاسوا امر السماء بالارض بالجملة و الحاصل ان الشئ الكبير العظيم بذاته لايتمكن في الشئ الصغير الحقير الا ان يتمكن فيه بشبحه المنفصل عنه و ظله فيخفي فيه كثير مما هو واضح ظاهر في ذي الشبح بذاته و السماء و الارض كلتاهما جسم قريب من الآخر و ادراك بعضها لبعض سهل هين و اذا تباين الشيئان كالعوالم العالية و الدانية فقرب بعضها من بعض اقل و ادراك بعضها بعضا اعسر و اشكل و صعود الداني الي العالي بذاته او نزول العالي الي الداني بذاته مما لايكون و لايسع مقام الداني العالي ابدا الا بظهور العالي في مرآت قابلية الداني و انما هو علي حسبه لا علي حسب العالي كما ان ظهور الروح في البدن انما هو علي حسب البدن لا علي حسب الروح انظر الي الخيال و البدن الظاهر مع ان الخيال اقرب العوالم العالية الي الابدان الجسمانية و معذلك يسير الخيال شرقا و غربا و سماءا و ارضا في اقل وقت و اذا اراد اظهار سيره و سرعته في البدن لميحك منه الا شيئا يسيرا في زمان طويل و النفس الملكوتية ابعد من الاجسام من الخيال بكثير و لايمكن للبدن حكاية قدس النفس و تجردها ابدا و قدس العقل و تجرده بالنسبة الي النفس كنسبة تجرد النفس بالنسبة الي البدن و كذلك الفؤاد بالنسبة الي العقل ثم العقل الي النفس و النفس الي الجسد فكيف يمكن ظهور الفؤاد علي ما هو عليه في البدن الجسماني الظاهر و تلك المراتب عرضية مترتبة اعني انها مشتركة في الجوهر و لكن درجاتها في اللطافة و الكثافة و الاحاطة و المحاطية و السعة و الضيق مختلفة و لايقوم عال منها مع الداني في حيزه الا بنحو من الظهور كما مثلنا فان كانت النسبة بين المراتب طولية يعني ان مادة الداني من ظل مادة العالي و صورته من ظل صورته فبينونتهما اكثر بل بينونة المراتب المترتبة كانت من درجات بينونة العزلة فيفرض قوة بعض في بعض و لكن بينونة الاثر عن المؤثر و المؤثر عن الاثر وصفية و لايكادان يجتمعان بل وجود المؤثر يمتنع مع الاثر و الاثر يمتنع مع المؤثر و ان كان المؤثر [ص 32] مع امتناع الاثر معه اولي به منه و اظهر فيه من نفسه في عرصة الظهور و يدركه في حد الظهور و هو اللطيف الخبير و اما الاثر فلايدرك من المؤثر شيئا الا ما ظهر له به في نفسه لا غير فلايدرك من المؤثر شيئا الا ما ادركه في نفسه من نفسه من حيث دلالته علي ربه و قد قال اميرالمؤمنين (ع) لسلمان و ابيذر ان معرفتي بالنورانية هي معرفة الله عز و جل و معرفة الله عز و جل بالنورانية هي معرفتي . فلايدرك الاثر من المؤثر شيئا الا ما ادرك منه في نفسه التي هي اثره و نوره و من عرف نفسه فقد عرف ربه يا بن آدم اعرف نفسك تعرف ربك و في السلسلة الطولية التي كل دان اثر للعالي تكون النسبة بين الداني و العالي القريب منه كذلك و نسبة هذا العالي الي اعلي منه ايضا كذلك و هكذا فالعالي الاعلي الاعلي ابعد و ابعد من الداني و لايدرك منه الا ما يدرك في نفسه من العالي القريب من حيث حكايته عن العالي البعيد و الكل راجع الي نفسه و انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ،
دواؤك فيك و ماتشعر و داؤك منك و ماتبصر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
ثم انا قد نقول ان الاسماء كلها مسمية علي تلك المعاني من حيث بروزها فيك لاشتراط المناسب بين الاسم و المعني و الانبياء و الرسل ايضا يتكلمون بلساننا و علي قدر عقولنا و قال تعالي ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه و قال صلي الله عليه و آله انا معاشر الانبياء نكلم الناس علي قدر عقولهم ، و قد نقول انها و لو كانت موضوعة علي المعاني الحقيقية بوضع خاص لكنها مستعملة في جميع اشباحها و اظلالها كأنها موضوعة عليها بوضع عام كالشمس حيث انها موضوعة علي الجرم السماوي لكنها مستعملة في جميع انوارها و اشعتها حيثما كانت كأنها موضوعة عليها و هذا هو الوضع الخاص و الموضوع له العام الذي يذكره مولاي اعلي الله مقامه و حقيقة بعد حقيقة اذ لا شبهة ان اطلاق الشمس علي النور الواقع علي الجدار [ص 33] لايكون مجازا كاطلاق الاسد علي الرجل الشجاع مع عزلة احدهما عن الآخر و ليس كالحقيقة الاولي فيكون هذا النور الواقع علي الجدار ايضا شمسا كما ان الجرم السماوي شمس كما ان زيدا رجل و عمروا ايضا رجل و لا تبعية لاحدهما بالنسبة الي الآخر في كونه رجلا لكن معذلك هذا النور ايضا يطلق عليه الشمس بداهة لتبعيته لها و ظهورها فيه و اولويتها به فلا جرم قالوا انه حقيقة بعد حقيقة و الكل موضوعات له بوضع خاص كالسراج الموضوع علي الشعلة المعينة ثم صدقه و استعماله علي جميع اشباحه في المرايا و لكن ما ندرك من موضوعاته العامة هو الشبح المنطبع في اعيننا لا غير علي ان الاشباح المنطبعة في اعيننا و الشبح المتصل بالسراج كلها من عرض واحد لكن لاندرك منها الا ما عندنا فكيف يكون الامر بالنسبة الي المؤثر الذي ليس في عرض الآثار و لايذكر معها و لاتذكر الآثار معه فنحن لاندرك من الحقيقة الاولي و الثانية الا الثانية فقط و لانستعمل اللفظ في محاوراتنا الا علي الثانية و العالي ايضا في مخاطبته ايانا لما كان لايكلمنا الا علي قدر عقولنا فمراده منا تلك الثانية و تكليفه ايانا انما يقع علي تلك الثانية الاتري النبي (ص) في معراجه يصعد الي السموات العلي فيري الشمس في مدارها في كل درجة حتي قالوا نحن بطرق السماء اعلم منا بطرق الارض لكن اذا قال لنا انه اذا طلعت الشمس فافعل كذا و اذا غربت افعل كذا فلا جرم يريد منها الشمس الطالعة علينا في منازلنا و بيوتنا فعن ابياسامة او غيره قال صعدت مرة جبل ابيقبيس و الناس يصلون المغرب فرأيت الشمس لمتغرب انما توارت خلف الجبل عن الناس فلقيت اباعبدالله عليه السلام فاخبرته بذلك فقال لي و لم فعلت ذلك بئس ما صنعت انما تصليها اذا لمترها خلف جبل غابت او غارت ما لميتجللها سحاب او ظلمة تظلها و انما عليك مشرقك و مغربك و ليس علي الناس ان يبحثوا . اقول آخر الخبر مطلق و ليس فيه ان لايبحثوا عن الشمس فقط بل كلما لميؤتنا [ص 34] الله ليس علينا البحث عنه قال الله تعالي لايكلف الله نفسا الا ما آتاها علي ان البحث عما لميؤتنا مما لايسعنا و الله سبحانه يقول لايكلف الله نفسا الا وسعها ، و ورد لاتكلفوا ما لمتكلفوا ، بل و لعل البحث عما لميؤتنا فوق طاقتنا فكيف نكلف به و ليس الله بظلام للعبيد علي انك تعلم ان التكاليف الشرعية كلها لمنافع العباد قال تعالي قل ما سألتكم من اجر فهو لكم و قال في القدسي ماخلقتكم لاربح عليكم بل خلقتكم لتربحوا علي . فكلما امر الله به او نهي عنه انما هو لمنافع العباد و رعاية صلاحهم و فسادهم و النفع و الصلاح انما يحصل للشئ بمشاكله و الضرر و الفساد انما يحصل بمخالفه الاتري ان صلاح الماء في مائيته فيما يحفظ عليه مائيته و فساده فيما يفنيه فلو سلطت عليه النار افنته البتة و كذلك بالنسبة الي النار و لو سلطت عليها الماء افناها فصلاح كل شئ و مدده و قوته فيما هو من جنس مادته و فساده و ضعفه فيما هو خلاف مادته فلو كلف المخلوق من التراب بالارتزاق من النسيم مثلا افناه و لا بد له من الارتزاق و الاستمداد من الترابيات و كذلك الجن و الملائكة المخلوقون من النار و النور لا بد لكل واحد منها من الاستمداد بما هو من جنس مادته البتة و يجري هذا الامر في كل مقام علي حسبه حتي ان مولاي ابي العلامة اعلي الله مقامه ذكر في طبه ان صلاح اهل كل اقليم في اطعمة و ادوية خاصة تنبت و تولد في اقليمهم و اراضيهم لا فيما يحصل في ساير الاقاليم حتي انه يخطر ببالي من الخبر ان المسافر يحمل من تراب بلده و موطنه شيئا و مهما ورد ماءا يطرح من تراب بلده شيئا في آنيته و يصب عليه من ذلك الماء فيحركه ثم يدعه يرسب التراب ثم يشرب من مائه و انما ذلك لحصول المناسبة و المشاكلة لمزاجه و طبعه حتي يصير اصلح و انسب من ذلك الماء الصرف و كذلك الامر في التكاليف الشرعية نوعا و في معارفهم و عقايدهم يراعي الحكيم في كلها المناسبة لحال المكلف و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و الا وسعها و قل كل [ص 35] يعمل علي شاكلته نعم كل شئ و كل احد له في مقامه و حده جهتان جهة الي مبدئه بها بقاؤه و دوامه و حيوته و نفعه و صلاحه و خيره و جهة الي مهيته و منتهاه بها فناؤه و زواله و موته و ضره و فساده و شره و لكل واحدة من الجهتين مقتضيات فان عمل بمقتضيات المبدأ و ترك مقتضيات المنتهي اوجبت له الدوام و البقاء و الخلود و التنعم و التلذذ و ان عمل بمقتضيات المنتهي و ترك مقتضيات المبدأ اوجبت له الفناء و الزوال و الدثور و التألم و المثل في ذلك نور الشمس اذا وقع علي حجر مثلا فله نورانية من جهة مبدئه و هو الشمس اي نورها و ظلمانية من جهة الحجر فان عمل فيه بمقتضي النورانية فاذيب الحجر و صفي و صقل حتي صار مرآتا صيقلية اشتدت فيه النورانية و الفشو و اللمعان و التلألأ و ان عمل فيه بمقتضي ظلمانية الحجر الغاسق و اضيفت اليه كثافات و اغبرة و اتربة ضعفت فيه النورانية و تقوت الظلمانية البتة و لكن علي اي حال لايخرج الحجر عن حده و مقامه و رتبته و لاتنزل الشمس السماوية بذاتها اليه و لكن يشتد صفاؤه و صقالته و حكايته عن نور الشمس الظاهر فيه فيترقي هذا النور الظاهر فيه حتي يصير كأنه شمس سماوية و لا فرق بينه و بينها الا انه نورها و ظهورها و معذلك لميتجاوز ما وراء مبدئها و مبدؤها هو هذا النور الواقع عليه المنطبع فيه لا الشمس السماوية بذاتها فانه لا ذكر للحجر مع الشمس في سمائها اولا و آخرا فافهم ذلك و تدبر فيه حتي تعرف انه مع ان الله تعالي لميكلف نفسا الا ما آتاها و الا وسعها و لكن ان عمل العبد بمقتضي ما كلفه مولاه اوجب له الترقي و السمو الي اعلي ما امكن فيه و هو مبدؤه الذي اخذت مادته منه و قد سمعت ما رويته في المسألة السابقة من قول اميرالمؤمنين (ع) اليس من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه ، و اثر النفس هو مبدؤه الذي منتهي صعوده اليه و جهته الي ربه التي اشرنا اليها و الجزئي مبدؤه جزئي و منتهاه جزئي [ص 36] و لايخرج عن حد جزئيته و الكلي مبدؤه كلي و منتهاه كلي بالنسبة الي الجزئيات و انما يصعد في عروجه الي اعلي ما يمكن فيه .
فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم ان هذه النفس المباركة القائمة بالسنن بالنسبة الي الائمة صلوات الله عليهم انما هي ما ظهر لهم بهم في مقام كونهم اول ما خلق الله و هي الكينونة العليا بنظر و مقام نفس المشية التي خلقت بها بنظر آخر فانها اذا عرفت بالاسمية فهي من المعاني العليا التي اشار اليها بقوله عليه السلام اما المعاني فنحن معانيه و نحن امره و يده و لسانه و علمه و حقه و من درجات الاسمية المسمائية ايضا فانها ايضا اسم علي المعني الاعم و اذا عرفت بأنها لا اسم لها و لا رسم فهي من البيان الذي هو ان تعرف الله بأنه ليس كمثله شئ و تعبده و لاتشرك به شيئا و هو كما ذكرتم من اختصاص معرفته بهم صلوات الله عليهم و هو قول النبي (ص) يا علي ماعرف الله الا انا و انت ، و هو علي ما عرفوه لايدركه احد ممن دونهم و لايكلفون بمعرفته و لايراد منهم معرفته في المحاورات فانه مقام امتناع الخلق معه و كيف يكلف المخلوق بشئ حيث هو ممتنع بالمرة بل اقول ان آلمحمد صلوات الله عليهم ايضا في مقاماتهم التي يسمون فيها باسمائهم او باسماء الله تعالي التي قال عليه السلام نحن والله الاسماء الحسني التي امر الله ان تدعوه بها لميكلفوا بهذه المعرفة و هي مقام اعرفوا الله بالله و لا شئ غيره يعرفه بل المعلمة و المعرفة لنفي الخلاف و هنا لا خلاف و قوله (ع) عرفني من باب ضيق اللفظ و الا فهو هو وحده لا شريك له و بالجملة هذا المعني فوق البيان و انما هو شأن اهل العيان لا امثالنا من العميان . و اما بالنسبة الي ساير الخلق علي طبقاتهم في درجاتهم فاعلم انه سبحانه قد تجلي لجميع خلقه في درجاتهم و مقاماتهم علي حسب ما هم عليه اذ لميكونوا يعرفون فوق ما هم عليه و العالم يعرفه بعلمه و الجاهل بجهله و الله سبحانه اراد من كل واحد منهم ما آتاهم و وسعهم [ص 37] المتسمع ما يحكي ان موسي بن عمران عليه السلام مر براع يناجي ربه و يقول في مناجاته اين انت يا الهي حتي آتيك بالحليب و الزبد و حتي اخيط ثوبك و انقيه عن الاوساخ فزبره موسي (ع) و قال يا هذا ما هذه الكلمات التي تناجي بها ربك و هو احد صمد لايأكل طعاما و لايلبس ثوبا فتحير الراعي و بقي لايدري ما يقول فمضي عنه موسي عليه السلام فاوحي الله اليه يا موسي لم منعت عبدي عن مناجاتي و ماكان يعرفني حق معرفتي و ماكنت اريد منه الا ماكان يعقله و الله سبحانه يقول معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده انا اذا لظالمون فلميرد سبحانه و تعالي من كل احد الا بقدر علمه و معرفته و لو بني علي عدم قبول ما دون حق المعرفة لميقبل توحيد احد سوي محمد و آلمحمد صلوات الله عليهم بل و لا منهم لأنهم ايضا يقولون ماعرفناك حق معرفتك و دائما يقولون رب زدنا علما و الله سبحانه يزيدهم بلا نهاية و من البين انه تعالي ان لميكن فوق ما لايتناهي بما لايتناهي و كان و العياذ بالله محدودا و هم ايضا قد بلغوا اقصي مراتب العلم و المعرفة ماكان هناك شئ يزيد عليهم و كان سؤال رسول الله صلي الله عليه و آله في قوله رب زدني علما لغوا و عبثا نعوذ بالله و ليس كذلك بداهة و دائما يعملون و يسألون و دائما يزيدهم بلا نهاية و فلك وجودهم (ص) دائما يسري و فيض عطائه تعالي دائما يجري فكل مقام سابق لهم بالنسبة الي اللاحق دونه و من حقهم ان يقولوا في كل مقام ماعرفناك حق معرفتك فكيف يقبل منهم ما هم عليه في كل مقام و ان لميقبل منهم فكيف يقبل من غيرهم ممن دونهم فلا جرم هو عز و جل يقبل منهم و من كل من وحده و عبده في حده و مقامه فالله سبحانه تجلي في جميع مراتب خلقه بنوره و ظهر نوره في كل مقام علي حسب قابليته و اذا غلب السر و هتك الستر في مقام كل احد بنسبة حاله و مقامه و كشف سبحات حدود انيته ظهرت منه الحقيقة علي حسبه و سميت بنفس الله تعالي في [ص 38] مقامه علي حسب حاله و اذا عرف نفسه فقد عرف ربه و ان كان كل احد بالنسبة الي من هو فوقه مشركا في عبادته و توحيده و مايؤمن اكثرهم بالله الا و هم مشركون و لكن ليس كل ذلك شركا لايغفر بل الشرك الذي لايغفر ما كان في مقامه و حده بنسبة معرفته فان اشرك معذلك لميغفر له و اما اذا وحده في حده و ان كان مشركا بالنسبة الي من فوقه و لكنه شرك مغفور اذ ليس في وسعه تركه مهما لميتجاوز مقامه و كل شئ لايتجاوز ما وراء مبدئه و تقرأ في الدعاء تدلج بين يدي المدلج من خلقك و كلما تقدم اليه شبرا يتقدم اليه شبرين كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية فالعبد في نفسه لايعرف و لايدرك من نفس الله تعالي شيئا الا ما تجلي له به في نفسه و النبي العادل الرأوف الرحيم اذا دعاه و امره بالتوحيد لايريد منه الا ما يتمكن منه و يسعه و يعرفه و لايقدر احد علي عبادته و توحيده علي ما هو تعالي اهله في ذاته فان قدر العبد علي توحيده يقدر علي ما ظهر له به منه و من باب ان كل احد في حده اذا عمل بمقتضي توحيده في حده يزداد سعة و نورا و بصيرة فهو ابدا في نفسه مقصر اذ يراه تعالي خارجا عن حده و لايبلغ الي كنه معرفته فافهم ذلك و تدبر فيه .