رسالة في جواب المرحومين المبرورين
الشيخ يوسف و السيد عبدالله البصري
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج زينالعابدين خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم و غاصبي حقوقهم اجمعين الي يوم الدين .
و بعد يقول العبد المسكين ابن محمدكريم زينالعابدين انه قد اتاني كتاب شريف و خطاب منيف من الشيخ الفخيم و الحبر العليم اخي الاعز الولي الحميم مولانا الشيخ يوسف بن الشيخ ابرهيم البصري بصره الله العزيز الكريم للدين القويم و هداه الصراط المستقيم و بعد تشييد مباني الوداد و تأييد معاني الاتحاد امرني بشرح بعض الآيات و فقرة من بعض الدعوات مع اني لست اهلا لحل تلك المعضلات و كشف هذه المبهمات الا ان يشاء الله و يعاملني بحسن ظنه وفقه الله من قولهم عليهم السلام ان الله عند ظن عبده و قولهم صلوات الله عليهم احسن ظنك و لو بحجر يلق الله مطلوبك فيه فانه علي ما يشاء قدير و بالاجابة جدير و قبل الشروع في سرد المسائل كتب ابياتا لست اهلا لما تضمنت و اني اعرف بنفسي منه طيب الله فاه و الله تعالي اعلم بجهلي و قصوري مني و اسأله ان لايؤاخذني بما قال و يجعلني فوق ما اطري علي في المقال فلايخرق الثناء سمعي و لايخرجني من حدي و كان حريا ان لااعيدها في المقام لكنها لما كانت في درجة من الفصاحة و الجودة لماحب ان اتركها و انساها و ان لماكن اهلا لها فان الكلام الحسن و ان لماكن [ص 3] محلا له فله اهل و محل و في المثل المعروف ان الخير يعرف صاحبه .
فقال اطال الله بقاه : بسم الله الرحمن الرحيم
يا سراج الحق من لميأته ظل في يم عميق مغرق
يا حكيما ملك الحكمة مذ قد اتيها باخص الطرق
يا وحيد العصر يا كنزا به اودعت آثار ذي التحقق
يا سماءا سمكها غيب فلم يطمع الطير لها ان يرتقي
جد علي الارض بماء انها ليس الا من سماها تستقي
و افدها عن معاني قوله في الكتاب العربي المطلق :
و هل اتيك حديث موسي اذ رأي نارا فقال لاهله امكثوا اني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس او اجد علي النار هدي فلما اتيها نودي يا موسي اني انا ربك فاخلع نعليك انك بالواد المقدس طوي ما المراد بهذه النار المتجلية لموسي علي نبينا و عليه افضل الصلوة و السلام فكانت مرئية له و ما المراد باهله في هذا المقام و لأي شئ امرهم بالمكث و ما المراد بالقبس و من المنادي له من تلك النار و ما المراد بالنعلين في هذا المقام المأمور بخلعهما و عدم اللبس لهما في ذلك الوادي المقدس .
اقول و الله المأمول في الايراد و القبول مع غاية تبلبل البال و اختلال الحال من مقاسات الانذال و ممارات الجهال الارذال ان بيان هذه الفقرة من قصة موسي (ع) في عدة مواضع من القرآن المجيد احدها في سورة طه و هي تلك الآيات و آخر في سورة النمل و هو قوله تعالي اذ قال موسي لاهله اني آنست نارا سآتيكم منها بخبر او آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون فلما جاءها نودي ان بورك من في النار و من حولها و سبحان الله رب العالمين يا موسي انه انا الله العزيز الحكيم [ص 4] الآيات ، و آخر في سورة القصص و هو قوله تعالي فلما قضي موسي الاجل و سار باهله آنس من جانب الطور نارا قال لاهله امكثوا اني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر او جذوة من النار لعلكم تصطلون فلما اتيها نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة ان يا موسي اني انا الله رب العالمين الآيات ، اقول و آيات الكتاب و ان كانت كل آية منها مشتملة علي ما في كل آية و لكن لايخفي ان لها بحسب الظاهر ايضا خصوصيات بمناسبة المحال و لا تكرار فيها من غير حاجة الا ان العالم بجمع تلك الخصوصيات بعد الله سبحانه الراسخون في العلم و غيرهم لايعلم الا ما علموه صلوات الله عليهم و بالجملة تلك الآيات المباركة بحسب المعني الظاهر واضحة لاتحتاج الي تفسير ظاهر الا انا نذكر بعض الاخبار الواردة في معناها و كيفيتها و كلام الطبرسي (ره) مزيدا للايضاح ثم نرجع الي بيان ما اردتم و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
ففي تفسير البرهان عن علي بن ابرهيم في تفسيره من رواية ابيالجارود عن ابيجعفر عليه السلام في قوله آتيكم منها بقبس يقول آتيكم بقبس من النار تصطلون من البرد او اجد علي النار هدي كان قد اخطأ الطريق يقول او اجد علي النار طريقا و عن الطبرسي روي عن ابيبصير عن ابيجعفر عليه السلام قال لما قضي موسي الاجل و سار باهله نحو بيت المقدس اخطأ الطريق ليلا فرأي نارا فقال لاهله امكثوا اني آنست نارا و في تفسير كنز الدقايق عن علي بن ابرهيم عن ابيجعفر عليه السلام فاقبل نحو النار تقتبس فاذا شجرة و نار تلتهب عليها فلما ذهب نحو النار يقتبس منها اهوت اليه ففزع و عدا و رجعت النار الي الشجرة فالتفت اليها و قد رجعت الي الشجرة فرجع الثانية ليقتبس فاهوت نحوه فعدا و تركها ثم التفت و قد رجعت النار الي الشجرة فرجع اليها الثالثة فاهوت اليه فعدا و لميعقب اي لميرجع فناداه عز و جل الحديث و عن القمي ايضا عن ابيجعفر [ص 5] عليه السلام في نعليه كانتا من جلد حمار ميت ، و نحوه عن الصادق ايضا لكنهما محمولان علي التقية لما سنذكره عن الحجة عليه السلام . و هنا اخبار اخر خارجة عن سياق ظاهر الآيات و نذكرها ان شاء الله في محلها .
و ذكر الطبرسي رحمه الله في معني الآيات : ثم خاطب الله سبحانه نبيه تسلية له مما ناله من اذي قومه و تثبيتا له بالصبر علي امر ربه كما صبر موسي (ع) حتي نال الفوز في الدنيا و الآخرة فقال و هل اتيك حديث موسي هذا ابتداء اخبار من الله تعالي علي وجه التحقيق ان لميبلغه حديث موسي فهو كما يخبر الانسان غيره بخبر علي وجه التحقيق فيقول هل سمعت بخبر فلان و قيل انه استفهام تقرير بمعني الخبر اي و قد اتيك حديث موسي اذ رأي نارا عن ابنعباس قال و كان موسي رجلا غيورا لايصحب الرفقة لئلاتري امرأته فلما قضي الاجل و فارق مدين خرج و معه غنم له و كان اهله علي اتان و علي ظهرها جوالق فيها اثاث البيت فاضل الطريق في ليلة مظلمة و تفرقت ماشيته و لمينقدح زنده و امرأته في الطلق فرأي نارا من بعيد كانت عند الله نورا و عند موسي نارا فقال عند ذلك لاهله و هي بنت شعيب كان تزوجها بمدين امكثوا اي الزموا مكانكم قال مقاتل و كانت ليلة الجمعة في الشتاء و الفرق بين المكث و الاقامة ان الاقامة تدوم و المكث لايدوم اني آنست نارا اي ابصرت نارا لعلي آتيكم منها بقبس اي بشعلة اقتبسها من معظم النار تصطلون بها او اجد علي النار هدي اي اجد علي النار هاديا يدلني علي الطريق و قيل علامة استدل بها علي الطريق و الهدي ما يهتدي به فهو اسم و مصدر قال السدي لان النار لاتخلو من اهل لها و ناس عندها فلما اتيها قال ابنعباس لما توجه نحو النار فاذا النار في شجرة عناب فوقف متعجبا من حسن ضوء تلك النار و شدة خضرة تلك الشجرة فسمع النداء من الشجرة و هو قوله نودي يا موسي اني انا ربك و النداء الدعاء علي طريقة يا فلان فمن فتح الالف من اني فالمعني نودي بأني و من كسر [ص 6] فالمعني نودي فقيل اني انا ربك الذي خلقك و دبرك قال وهب نودي من الشجرة فقيل يا موسي فاجاب سريعا مايدري من دعاه فقال اني اسمع صوتك و لااري مكانك فاين انت فقال انا فوقك و معك و امامك و خلفك و اقرب اليك من نفسك فعلم ان ذلك لاينبغي الا لربه عز و جل و ايقن به و انما علم موسي ان ذلك ( هذا خل ) النداء من قبل الله تعالي لمعجز اظهره الله سبحانه كما قال في موضع آخر اني انا الله رب العالمين و ان الق عصاك الي آخره و قيل انه لما رأي شجرة خضراء من اسفلها الي اعلاها يتوقد فيها نار بيضاء و سمع تسبيح الملائكة و رأي نورا عظيما لمتكن الخضرة تطفي النار و لا النار تحرق الخضرة تحير و علم انه معجز خارق للعادة و انه لامر عظيم فالقيت عليه السكينة ثم نودي اني انا ربك و انما كرر الكناية لتأكيد الدلالة و ازالة الشبهة و تحقيق المعرفة فاخلع نعليك اي انزعهما و قيل في السبب الذي امر بخلع النعلين اقوال احدها انهما كانتا من جلد حمار ميت عن كعب و عكرمة و روي ذلك عن الصادق (ع) و ثانيها كانتا من جلد بقرة زكية و لكنه امر بخلعهما ليباشر بقدميه الارض فتصيبه بركة الوادي المقدس عن الحسن و مجاهد و سعيد بن جبير و ابنجريح و ثالثها ان الحفاء من علامة التواضع و لذلك كانت السلف تطوف حفاة عن الاصم و رابعها ان موسي (ع) انما لبس النعل اتقاءا من الانجاس و خوفا من الحشرات فآمنه الله مما يخاف و اعلمه بطهارة الموضع عن ابيمسلم ، الي آخر كلامه الذي هو خارج عما نحن بسدده ، و ذكر (ره) في سورة النمل و القصص ايضا نحوا من ذلك بمناسبة كل آية .
و لا بد لنا من بيان مقدمة مستنبطة من اخبار آلمحمد عليهم السلام يستعان بها في معرفة المعني المراد و حل المشكلات و لا حول و لا قوة الا بالله فاعلم ان الله سبحانه خلق اول ما خلق مشيته بنفسها كما قالوا عليهم السلام خلق الله المشية بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية فجعل نفسها فيها آية تعريفه و تعرفه و تصرفه و تجليه تجلي لها بها و بها [ص 7] امتنع منها و اليها حاكمها و القي في هويتها مثاله فاظهر عنها افعاله ثم تجلي بها اول ما تجلي بالامكان الجايز و هو الماء الذي منه كل شئ حي و قالوا عليهم السلام اول ما خلق الله الماء و قد يختلف التعبير عنه بالفاظ اخر و لا ضير اذا كان حيوة كل شئ به فيمكن التعبير عنه بكل شئ الا ان الاقرب منه اقرب و الامثل امثل بالجملة ثم انه لامكانيته لميكن يوجد و يقوم بلا تمثل كما قال عليه السلام في تنزيه الله تعالي لميمثل فيكون موجودا و حاصله ان ما سواه سبحانه من تمامية وجوده التمثل و هو قولهم (ع) الظهور تمام البطون و البطون تمام الظهور و ما لمتكن كليات الحكمة تامة في ظهورها تامة في بطونها كانت الحكمة ناقصة من الحكيم و ان كان قادرا فتجلي بالعقل الاول اول الاكوان و هو اول ما يتم به وجود الامكان و من هنا قالوا عليهم السلام فيه انه اول ما خلق الله اذ لولاه لميكن وجود للامكان الجايز و لا الراجح ثم امره بالادبار كما هو مذكور في الاخبار و الاحري ان نذكر هنا ما رواه المفضل بن عمر الجعفي عن الصادق عليه السلام في حديث شريف كما روي في الكتاب المبين حتي تعلم مراتب ادباره قال صلوات الله عليه كنا نسبحه و نمجده و نقدسه في ستة اكوان كل كون منها ما شاء الله من المدي قال المفضل يا سيدي فمتي هذه الاكوان ● قال يا مفضل اما الكون الاول فنوراني لا غير و اما الكون الثاني فجوهري لا غير و اما الكون الثالث فهوائي لا غير و اما الكون الرابع فمائي لا غير و اما الكون الخامس فناري لا غير و اما الكون السادس فاظلة و ذر ثم سماء مبنية و ارض مدحية الحديث . اقول نقل اخي العلامة عن ابي العلامة اعلي الله مقامهما في هامش كتاب المبين كلاما في شرح الخبر انقله بطوله [ص 8] لكثرة محصوله قال (اع) : الكون النوراني مادتهم التي هي وجودهم لما قال اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر و قال اميرالمؤمنين عليه السلام خلقنا من نور الله الحديث ، فهذا الكون مقام الحقيقة و الوجود و الماء الاول و الكون الجوهري العقل لقوله العقل جوهر دراك الحديث ، و جميع الخلق مما سواه اظلاله و اعراضه لان الكل مقامات ادباره للخبر المعروف و اما الكون الهوائي فهو الروح قال الصادق (ع) في قوله و نفخت الآية ان الروح كالريح و انما سمي روحا لانه اشتق اسمه من الريح و انما اخرجه علي لفظ الريح لان الارواح مجانس للريح الخبر ، و اما الكون المائي فهو النفس لأنها مقام التصوير و قبول التقدير و بطن الام و مزاجها مزاج الماء و اليه الاشارة بقول علي (ع) صور عارية عن المواد الحديث ، و بحر صاد المخلوق تحت العرش باعتبار و قال رسول الله صلي الله عليه و آله في خبر خلق العقل فجعل العلم نفسه و الفهم روحه الخبر ، و اما الكون الناري فهو الطبع الياقوتة الحمراء و النار المخلوقة من الشجرة كما في الآية الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا و اما الاظلة و الذر فالاظلة المواد و الذر المثال جمعهما في كون واحد لان المواد لاتتحصص الا في الامثلة و ذلك ما روي عن ابيجعفر عليه السلام في حديث فكانوا اشباح نور بين يدي الله فقيل و ما الاشباح قال ظل النور ابدان نورانية بلا ارواح و عنه عليه السلام في خلق الخلق ثم بعثهم في الظلال الحديث انتهي كلامه علا مقامه و زيد في اكرامه و من عجايب شرحه (اع) لهذه الفقرة من الخبر انه كما اظن لمير من هذا الخبر الا هذه الفقرة برواية الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه لكنا من بعده رضوان الله عليه عثرنا علي الخبر بطوله في اصل حسين بن حمدان و نقله اخي (اع) منه في خاتمة سفر الامامة في جوامع فضائلهم و من نظر اليه بطوله يجد شواهد هذا الشرح في كلام الصادق (ع) علانية فشكر الله سعي مولاي ابي (اع) في اتباع آلمحمد عليهم السلام و موافقة كلامه لكلامهم [ص 9] صلوات الله عليهم و ان لميره بعينه و ليس هذا الا من جدهم و جهدهم في المتابعة و نسأل الله ان يوفقنا ايضا لها و يوردنا موردهم رضوان الله عليهم .
بالجملة فالكون النوراني هو الذي عبرنا عنه بالماء و الامكان الجايز و هو الفؤاد و الحقيقة كما شرحه ابي العلامة (اع) و الكون الجوهري هو العقل كما عرفت ثم ادبر في مراتب ساير الاكوان حتي نزل الي تراب هذا العالم فصار جميع ما كان له بالفعل في المراتب العالية هنا بالقوة فصار حيوته موتا و علمه جهلا و قدرته عجزا و وحدته و بساطته تكثرا و اختلافا و هكذا ثم امره الله بالاقبال فاقبل و نشأ منه اختلاف المواليد و تفاوت الدرجات في حكاية الفعليات و الكمالات بحسب القابليات و لا شك ان العود علي البدأ و الرجوع الي المواطن الاصلية انما يكون بالصعود في مراتب نزل منها كسلم نزلت من اعلاه الي اسفله في مراق بعضها دون بعض فاذا اردت العود علي البدأ صعدت في تلك المراقي بعكس ما نزلت فيصعد المولود من عرصة الطبايع العنصرية المتفرقة الي عرصة الجمادات الجامعة لها علي نحو التجاور ثم الي عرصة المعادن التي هي اوحد من الجماد بالنسبة ثم الي عرصة النباتات التي هي اوحد من المعدن و يحكي قليلا من ارض عالم المثال ثم الي عرصة الحيوانات التي هي اوحد و الطف من النبات و يحكي من الجوزهر قمر عالم المثال ثم الي عرصة الاناسي و يحكي من ساير افلاك ذلك العالم ثم يشرف علي دخوله حوزة الانبياء و يحكي شمس ذلك العالم و هي مقام الطبع و النار المتوقدة المخلوقة من الشجرة المباركة ثم يحكي الكرسي من حيث ظاهره فيدخل في حوزة الانبياء في مقام انا بشر مثلكم و هي مقام الشجرة المباركة شجرة النفس القدسية ثم يدخل موطنهم الاصلي و هو مقام باطن الكرسي عرصة الروح الملكوتية و هي مقام النبوة العامة ثم الي العرش مظهر العقل الكلي و هو مقام محمد و آلمحمد صلوات الله عليهم و لا كل احد يصل الي جميع تلك الدرجات بل لكل [ص 10] درجة اهل و هم الذين بدئوا منها و يرجعون اليها و لايسع من دونها الصعود اليها و ما منا الا له مقام معلوم .
بالجملة و الكلام هنا في مقامات الانبياء و درجاتهم صلوات الله عليهم و لا شك انهم في سيرهم احث و اسرع ممن دونهم بمراتب و لكنهم معذلك يسيرون في مقام الصعود من الاسفل الي الاعلي المتر قوله تعالي في يوسف عليه السلام و لما بلغ اشده و استوي آتيناه حكما و علما و كذلك نجزي المحسنين و المتسمع ما روي في ابرهيم عليه السلام عن ابيجعفر عليه السلام ان الله اتخذ ابرهيم عليه السلام عبدا قبل ان يتخذه نبيا و اتخذه نبيا قبل ان يتخذه رسولا و اتخذه رسولا قبل ان يتخذه خليلا و اتخذه خليلا قبل ان يتخذه اماما فلما جمع له هذه الاشياء و قبض بيده قال له يا ابرهيم اني جاعلك للناس اماما فمن عظمها في عين ابرهيم قال يا رب و من ذريتي قال لاينال عهدي الظالمين . اقول و كذلك الامر في جميعهم صلوات الله عليهم فانهم بحسب الظاهر يسيرون من الاسفل الي الاعلي الي ان يصل كل منهم الي مبدئه و موطنه الاصلي نعم لآلمحمد عليهم السلام شأن آخر في مقام الكلية يختص بهم و هم اول ما خلق الله و لايسبقهم سابق و لايلحقهم لاحق و لايطمع في ادراكهم طامع و لكن ساير الانبياء الامر فيهم علي ما اشرنا فيسيرون في مراتب الصعود باقدام امتثالاتهم رتبة رتبة و معذلك هم في كل مقام اعدل و اصفي و اتم و اكمل من جميع من معهم في ذلك المقام من ساير الخلق و لايلحقهم شين ابدا ابدا و لو في منازلهم الدانية و ان كانوا كلما صعدوا درجة ازرأوا علي انفسهم ما كانوا عليه و استغفروا و تابوا منه و لكن كلما كانوا عليه في كل مقام حسن لهم فيه حتي يصعدوا من ذلك المقام و هو قولهم عليهم السلام حسنات الابرار سيئات المقربين . بالجملة و بعبارة اخري ترجع الي الاولي اقول ان الله سبحانه خلق كل احد و كل شئ من وجود و مهية و روح و طبيعة الا انهما في عامة الخلق كونيان و في الثقلين [ص 11] خاصة كونيان و شرعيان ففي الانبياء (ص) و المؤمنين ايضا روح و طبيعة و الروح فيهم من روح الله و طبايعهم بالنسبة الي الروح علي خلاف كينونة الله و هو قوله تعالي يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي بروحي نطقت و بطبيعتك تكلفت ، الا ان مخالفة الطبيعة مع الكينونة في ساير المؤمنين اكثر من الانبياء بداهة و في الانبياء ايضا في مبدأ سيرهم اكثر من منتهاه بل و من اوساط سيرهم و صعودهم ايضا و كلما رفعت لهم علما وضعت لهم حلما ليس لمحبتي غاية و لا نهاية و الطبيعة نوعا في مقامها مظلمة سافلة ارضية مخالفة لنور سماء الكينونة و كلما صفت و اعتدلت و تلطفت شابهت اوائل جواهرها اي روحها و ضاقت بها الارض حتي تسمو و تعرج الي دوين سماء الكينونة فتشتعل بنورها كالادخنة الكبريتية التي تصعد من الارض حتي تدنو من كرة النار و تنعقد بتأثير برودة الزمهرير و تشتعل و تصير شهابا قبسا و هو قول اميرالمؤمنين (ع) في حديث الفلسفة من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و من سما الي ما يرتقيه فقد تخلق بالاخلاق النفسانية و من تخلق بالاخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان فقد دخل في الباب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الغاية مغير و قال عليه السلام خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت اوائل جواهر عللها و اذا اعتدل مزاجها و صح منهاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد . اقول الخبر الاول صريح في اعتدال الطبيعة و صفاء المزاج حتي يستضيء بنور الروح و النفس و يصير سراجا وهاجا و الثاني ايضا و ان صرح فيه بالنفس الناطقة و لكن الظاهر ان المراد منها ايضا النفس الظلية البرزخية و يومي اليه قوله (ع) شارك بها السبع الشداد .
و بعبارة اخري من باب ان كل شئ فيه معني كل شئ اقول ان لنفوس الانبياء (س) ايضا في درجات ترقياتها [ص 12] مراتب : الاولي درجة الالهام فتصير ملهمة بالخير ثم يجتهد في العمل و يلوم نفسه علي صدور بعض ترك الاولي منه فيصير لوامة فيبسط له و يوفق للطاعة ثم يقبض عنه فيصدر منه بعض ترك الاولي ثم يبسط له فيلوم نفسه علي ما صدر منه و هكذا يكون حتي يطمئن و يسكن و يعطي السكينة و الوقار و الثبات علي الطاعة من قوله تعالي في ابرهيم (ع) لما قال رب ارني كيف تحيي الموتي قال اولمتؤمن قال بلي و لكن ليطمئن قلبي فهو مقام الاطمينان و توطين النفس علي الطاعة و ان كانت مخالفة لطبيعته و هو مقام النفس المطمئنة و هي مقام التسليم ثم يرق حجاب مخالفة الطبيعة فتصير راضية لاتهوي و لاتطلب و لاتريد الا ما اراد الله تعالي الي ان يرضاها الله فتصير مرضية الي ان تؤمر بالدخول في عباد الله فيظهر منها كنه العبودية فانها جوهرة كنهها الربوبية فتنادي حينئذ بقوله اني انا الله .
بالجملة و الحاصل ان الطبيعة اذا كانت مخالفة لنور الكينونة كل المخالفة تسفلت و اخلدت الي الارض و اتبعت هواها و ساخت في عرصة الاضداد و انحرف منهاجها و لميعتدل مزاجها و لمتشابه الروح و اوائل جواهر عللها فلمتستضئ بنورها كتراب كثيف غليظ بارد لايشتعل بالنار و ان مسته بل و لعله يوجب خمود النار او ضعفها و اما المادة اللطيفة المستعدة للاشتعال كالادهان اللطيفة اذا قربت من النار تلطفت و تبخرت و تدخنت و اشتعلت فالقت النار فيها مثالها و اظهرت عنها افعالها و يتفاوت ظهور النار و بروزها في مراتب الشعلة بحسب تفاوت صفاء الدخان و كدورته و لطافته و غلظته فانه في اول تكونه لكثرة غلظته و كثافته و رطوبته بالنسبة الي رتبة اعلي منه يشتعل و لكن يري منه نار زرقاء مظلمة و ذلك لاختلاط سواد الدخان من حيث طبيعته مع صفرة النار بالنسبة ثم اذا تلطف و صعد قليلا و قلت ارضيته اتضح لونه في الجملة و ابيض لبقاء آثار الرطوبة بعد الي ان تقل الرطوبة الرابطة بين اجزاء الدخان و تشتد حرارة النار و تتكلس اجزاء [ص 13] الدخان و هو بذاته اسود فيقتضي الحمرة هنا الي ان تتفتت اجزاء الدخان لنفاد الرطوبة الرابطة فيبقي توتج اسود و يقتضي الكمودة ثم يعلوه سواد محسوس بالجملة و الحاصل ان طبيعة الدخان اذا قربت من النار و تلطفت تشتعل علي ما عرفت في مراتبه و المرتبة التي تجدي اهل الظاهر و ينتفعون منها مرتبة بياضه الفاشي الواضح الظاهر فانه اظهر مراتب الشعلة و اجلاها فهو دخان ضيء بل زيت يضيء فان الدخان هو الاجزاء المتهبأة من الزيت فهو زيت متهبأ مشتعل قال الله تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار و انت ان كان لك مشعر تدرك النار الجوهرية اعلي من الزيت لا بد لك من كشف سبحته و مشاهدة النار الجوهرية فيه اعلي منه فتدبر فيما ذكرت حتي تقف علي حقيقة المراد ان شاء الله فقوله تعالي اذ رأي نارا هي اول مراتب اشتعال طبيعته عليه السلام بنور الشجرة و الشجرة بنفسها اعلي مقاما من النار فانها مادتها و هي مقام تدلي النفس الي الطبع و النفس هي الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام في مقام انا بشر مثلكم او الشجرة مقام النفس الملكوتية و الطين من مقام الروح الملكوتي الذي هو مقام آدم عليه السلام بحسب ذاته و النار حاصلة من الشجرة و من الطين بعد تنزله مرتين ففي كنز الدقايق عن القمي بسنده عن اسحق بن جرير قال قال ابوعبدالله (ع) اي شئ يقول اصحابك في قول ابليس خلقتني من نار و خلقته من طين قلت جعلت فداك قد قال ذلك و ذكره الله في كتابه قال كذب ابليس يا اسحق ماخلقه الا من طين ثم قال قال الله الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فاذا انتم منه توقدون خلقه الله من ذلك النار و من تلك الشجرة و الشجرة اصلها من طين . اقول و كونه من الطين لايوجب مساواته مع آدم عليه السلام لانه تنزل عن مقام آدم (ع) حتي خلق منه ابليس ففي البرهان قال ابوعبدالله عليه السلام ان ابليس قاس نفسه بآدم فقال خلقتني من نار و خلقته من طين فلو قاس الجوهر الذي خلق منه [ص 14] آدم بالنار كان ذلك اكثر نورا و ضياءا من النار و قال عليه السلام لابيحنيفة لاتقس فان اول من قاس ابليس حين قال خلقتني من نار و خلقته من طين فقاس ما بين النار و الطين و لو قاس نورية آدم بنورية النار عرف فضل ما بين النورين و صفاء احدهما علي الآخر انتهي . فلميخلق ابليس من ذات الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام .
بالجملة فالنار التي رآها موسي عليه السلام من جانب الطور هي مقام اشتعال الطبيعة و الطور ايضا مقام جبل الطبيعة الذي اندك عند تجليه سبحانه لموسي عليه السلام و لبنياسرائيل فأتاها موسي (ع) و ترك اهله بل و امرهم بالمكث و الوقوف حيث كانوا فلايأتوا معه فيمنعوه عن مشاهدة النار الفاشية الظاهرة كما تأمر النار في الشعلة المرئية بتنزل الرطوبات و الغلايظ المتعلكة من الدهن حتي تري بيضاء نقية في اواسط الشعلة كما عرفت في التمثيل لكن قد عرفت ان لطائف الرطوبات الرابطية موجودة بعد في الشعلة و لاجلها تمنع النار الجوهرية عن بروزها علي ما هي عليه فمن اجل ذلك امره الله بخلع النعلين و هما هنا تلك الرطوبات التي تقي الشعلة عن التفرق و تأثير الهواء و الرياح فيها و قد روي في كنز الدقايق عن الحجة القائم عليه السلام في حديث طويل قيل فاخبرني يا بن رسول الله عن امر الله لنبيه موسي عليه السلام فاخلع نعليك انك بالواد المقدس طوي فان فقهاء الفريقين يزعمون انها كانت من اهاب الميتة قال (ع) من قال ذلك فقد افتري علي موسي و استجهله في نبوته لانه ماخلا الامر فيها من خصلتين اما ان يكون صلوة موسي فيها جايزة او غير جايزة فان كانت صلوته جايزة جاز له لبسها في تلك البقعة و ان كانت مقدسة مطهرة فليست باقدس و اطهر من الصلوة و ان كانت صلوته غير جايزة فيها فقد اوجب علي موسي عليه السلام انه لميعرف الحلال من الحرام و علم ما جاز فيه الصلوة و ما لميجز و هذا كفر قيل فاخبرني يا مولاي عن التأويل فيها قال عليه السلام ان موسي ناجي ربه بالواد المقدس [ص 15] فقال يا رب اني قد اخلصت لك المحبة مني و غسلت قلبي عمن سواك و كان شديد الحب لاهله فقال الله تعالي اخلع نعليك اي انزع حب اهلك من قلبك ان كانت محبتك لي خالصة و قلبك من الميل الي من سواي مغسول و في البرهان عن الصادق (ع) يعني ارفع خوفيك يعني خوفه من ضياع اهله و قد خلفها تمخض و خوفه من فرعون انتهي . اقول انظر الي صراحة دلالة قوله صلوات الله عليه و عجل الله فرجه فيما ذكرنا و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله و الحاصل ان النعل هنا من اسفل مقام الطبيعة من الغلايظ و الكثافات التي هي اشد مخالفة لمقام الكينونة و ينشأ عنها حب الاهل و المال و الولد و انما اموالكم و اولادكم فتنة و هي التي تمنع الانسان عن الخلوص و الصفاء في العبادة و التوجه الي وجه الله سبحانه و هي التي لا بد من كشف سبحتها و لايصعب عليك ما نهينا في الشرع عن تضييع الاهل و المال فان كل امر اذا كان لله لميحجب عن نور الله و اذا كان لميل النفس اعمي بصرها عن مشاهدة نوره تعالي و اول النعلين في الرواية الاخيرة بخوفيه من ضياع اهله و من فرعون لان الخوف في النفس حال يتقي بها الانسان مما يخاف فيتحذر منه و يفر كما قال موسي عليه السلام ففررت منكم لما خفتكم و لولا الخوف لميفر الانسان و لميسلم منه كما ان الجماد و النبات ليس لهما نفس خائفة فلايفران مما يرد عليهما من كسر او قطع او قلع او غير ذلك و لكن الحيوان و الانسان يفران مما يخافان و قد يسلمان منه فالخوف للنفس حقيقة بمنزلة النعل تتقي بها عن الاذي المتوهم .
بالجملة و قولكم و ما المراد من القبس ، القبس الشعلة و قيل جمرة و لايخفي ان الطبيعة المحدودة المتعينة الشخصية و خاصة من حيث اسفلها لاتطمع في اتيان النار كلها اليها الا ان تكون من غاية الجهل بحيث لاتعرف حدها و تتعدي طورها فتطمع فيما لايسعها كما قال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي ابلغ الاسباب اسباب السموات فاطلع الي اله موسي [ص 16] و جهل لعنه الله فانه تعالي لاتدركه الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و قد ورد في ادب الدعاء عن اميرالمؤمنين عليه السلام من سأل فوق قدره استحق الحرمان و قال (ع) في حديث يا صاحب الدعاء لاتسأل ما لايحل و لايكون . فالطبيعة المحدودة المشخصة لايسعها الاتيان بكل النار الي اهلها و لكن يؤتيهم قبسا او جذوة من النار كما في آية اخري و هي عود غليظ سواء كان في رأسه نار او لمتكن و لذلك بينه بقوله من النار .
و اما قولكم و من المنادي له من تلك النار اقول لميصرح في هذه الآية الشريفة بمخرج النداء و لكن في آيات سورة القصص قال تعالي فلما اتاها نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة ان يا موسي فمخرج النداء هو الشجرة النابتة من شاطئ الوادي الايمن و لميكن من تلك النار كما زعمتم و انما ذلك لان بقايا الرطوبات الناشئة من الطبايع موجودة بعد في تلك النار الفاشية البيضاء كما عرفت في التمثيل بالشعلة و هي مانعة عن بروز النداء منها الاتري ان من غلبت علي لسانه الرطوبة صار الكن او الثغ و لايفصح بالحروف اعتبر من قوله (ع) و يضيق صدري و لاينطلق لساني فارسل الي هرون و قوله و احلل عقدة من لساني ، فنفس تلك النار ليست منشأ بروز النداء و لكن النداء يبرز من الشجرة التي هي اعلي و اصفي من تلك النار و يظهر هذا المعني من قول موسي عليه السلام ايضا حيث قال او اجد علي النار هدي و لميقل من النار و لا في النار قال في تفسير الكنز : و معني الاستعلاء في علي ان اهلها مشرفون عليها او مستعلون المكان القريب منها . اقول فنفس موسي عليه السلام يصرح بأن سبيل الهداية او الهادي اعلي من النار و هو المنادي بقوله اني انا الله و لميقل علي سبيل الحتم بل قال علي الترجي بقوله لعلي آتيكم منها بقبس او اجد علي النار هدي لما لايجوز الحتم علي الله عز و جل ، قال تعالي و لاتقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله علي ان وجود اهله معه المستلزم [ص 17] للطبيعة البشرية المانعة عن الوصول و الرجاء الحاصل له (ع) بمشاهدة النار اوجب له التردد فأتي بالفاظ الترجي لكن امرهم بالمكث حسما لمادة الحرمان و طلبا لدرجة الايقان فان درجات الانبياء انما تتفاوت بزيادة اليقين كما روي عن سيد المرسلين عليه و آله صلوات المصلين . بالجملة فمخرج النداء هو الشجرة و هي نابتة من شاطئ الوادي الايمن و الوادي الايمن مقام العقل و الشجرة التي هي النفس القدسية نابتة علي شاطئها و قد ورد في النفس القدسية ان موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية و ورد ايضا ان من عرف نفسه فقد عرف ربه فلا جرم تدعو الي مولاها و تشير الي معناها كما في الخبر فالمنادي من الشجرة هو الله سبحانه كما يشعر به الآيات الشريفة في سورة طه و القصص بقوله نودي يا موسي اني انا الله رب العالمين حيث اتي بضمير المتكلم و في سورة النمل ايضا يقول تعالي انه انا الله العزيز الحكيم و ظاهر ضمير المتكلم ان ضمير الغايب في انه ايضا للشأن لا للاشارة الي الغايب فتدبر و في سورة الشعراء صرح بأن المنادي هو الله سبحانه حيث قال تعالي و اذ نادي ربك موسي ان ائت القوم الظالمين قوم فرعون الاتتقون فلا اشكال بحسب الظاهر في ان المنادي هو الله تعالي و لاجل ذلك سمي عليه السلام كليم الله كما هو معلوم و لتعلم ان صحة هذه التأويلات المستنبطة من اخبار آلمحمد عليهم السلام لاتوجب عدم وقوع تلك الوقايع بحسب الظاهر فان الظاهر عنوان الباطن و لا باطن الا بالظاهر و بالعكس و قد اخطأ المتصوفة و اهل البدع الجديدة لعنهم الله حيث زعموا خلو البواطن و التأويلات عن الظواهر و كلها ثابت في مواقعها كما هو ثابت و محقق عندنا و الحمد لله قال تعالي قد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون .
بالجملة و اذا ظهر بعض التأويلات فلا علينا ان نشير الي بعض البواطن و لا حول و لا قوة الا بالله و اعلم ان موسي عليه السلام في الباطن يأول بالنبي صلي الله عليه و آله غالبا بمناسبات لاتخفي و قد روي في [ص 18] حواشي القرآن لابي اعلي الله مقامه عن علي بن الحسين عليهما السلام و الذي بعث محمدا صلي الله عليه و آله بالحق بشيرا و نذيرا ان الابرار منا اهل البيت و شيعتهم بمنزلة موسي و شيعته و ان عدونا و اشياعهم بمنزلة فرعون و اشياعه . اقول و اول الابرار و اولاهم محمد صلي الله عليه و آله و يومي الي ذلك ما روي عنه (ص) متواترا من قوله لعلي عليه السلام انت مني بمنزلة هرون من موسي الا انه لا نبي بعدي و قول اميرالمؤمنين عليه السلام مخاطبا للنبي (ص) حين كان يقاد ليبايع ابابكر و الحبل في عنقه يا بن ام ان القوم استضعفوني و كادوا يقتلونني ، حيث جعله (ص) خاصة بمنزلة موسي عليه السلام و شواهد هذا المعني كثيرة في الاخبار الا انه لايسعني الوقت للتتبع .
و اهله صلي الله عليه و آله عايشة و ما اشبهها بزوجة موسي (ع) و قد روي في البحار بسنده عن عبدالله بن مسعود قال قلت للنبي صلي الله عليه و آله من يغسلك اذا مت فقال يغسل كل نبي وصيه قلت من وصيك يا رسول الله قال علي بن ابيطالب فقلت كم يعيش بعدك يا رسول الله قال ثلثين سنة فان يوشع بن نون وصي موسي عاش من بعده ثلثين سنة و خرجت عليه صفراء بنت شعيب زوج موسي فقالت انا احق بالامر منك فقاتلها فقتل مقاتلتها و اسرها فاحسن اسرها و ان ابنة ابيبكر سيخرج علي علي في كذا و كذا الفا من امتي فيقاتلها فيقتل مقاتلتها و يأسرها فيحسن اسرها و فيها انزل الله تعالي و قرن في بيوتكن و لاتبرجن تبرج الجاهلية الاولي يعني صفراء بنت شعيب . اقول ظاهر الكتاب و صريح كثير من الاخبار انها كانت بنت شعيب (ع) و لكن في البحار عن ابنعباس قال اسم اب امرأة موسي الذي استأجره يثرون صاحب مدين ابن اخي شعيب (ع) و اسم احدي الجاريتين ليا و يقال حنونا و اسم الاخري صفورا و هي امرأة موسي . اقول و عن وهب و غيره ايضا نحو من ذلك و لعل هذا اشبه و لاينافيه ما يظهر من الكتاب انها ابنة شعيب (ع) فان جهات تلك الاستعمالات كثيرة كما [ص 19] في آزر عم ابرهيم (ع) حيث ذكر باسم ابيه لما كان يحضنه بعد ابيه تارخ فلعل صفوراء ايضا كانت ابنة يثرون لكن كان شعيب (ع) يحضنها علي انها و ان كانت ابنة شعيب (ع) ظاهرا لكن اعراض الدنيا كثيرة فلعلها من جهة امها تغيرت النطفة الطيبة في رحمها . بالجملة و في البحار ايضا عن الصادق (ع) في حديث ثم ان يوشع بن نون قام بالامر بعد موسي صابرا من الطواغيت اللأواء و الضراء و الجهد و البلاء حتي مضي منهم ثلثة طواغيت فقوي بعدهم امره فخرج عليه رجلان من منافقي قوم موسي بصفراء بنت شعيب امرأة موسي في مأة الف رجل فقاتلوا يوشع بن نون فغلبهم و قتل منهم مقتلة عظيمة و هزم الباقين باذن الله تعالي ذكره و اسر صفراء بنت شعيب و قال لها قد عفوت عنك في الدنيا الي ان نلقي نبي الله موسي فاشكو ما لقيت منك و من قومك فقالت صفراء واويلاه والله لو ابيحت لي الجنة لاستحييت ان اري فيها رسول الله و قد هتكت حجابه و خرجت علي وصيه بعده . اقول و هو قول النبي صلي الله عليه و آله لتسلكن سنن من كان قبلكم النعل بالنعل و القذة بالقذة حتي انهم لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه ، او ما بمعناه فانظر الي متابعة منافقي هذه الامة مع منافقي قوم موسي (ع) و الحاصل ان اهل نبينا صلي الله عليه و آله التي امرها بالمكث هي عايشة و الظاهر ان الامر بالمكث من باب المداراة ظاهرا و هو في الباطن تهديد و تخويف و تبعيد كقوله قل تربصوا فاني معكم من المتربصين و قوله لعلي آتيكم منها بقبس ايضا من باب المداراة و التعليل فانه صلوات الله عليه و آله كان يعلم انه لايأتيهم بنار يستدفئون به بل يأتيهم بنار تحرقهم و لكن عللهم ظاهرا لما لميظهروا بعد كفرهم و نفاقهم علنا و موسي عليه السلام ايضا علي ما اذكره من التواريخ لميرجع الي اهله في تلك البرية و انما اتتهم جماعة اخري و حملوهم .