و كذلك الامر في قوله تعالي فانطلقا حتي اذا لقيا غلاما فقتله قال اقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا و قد عرفت من قول اميرالمؤمنين عليه السلام لولده الحسن عليه السلام معناه بحسب التأويل ان اظهار كفر الكافر و ابرازه من القوة الي الفعلية انما هو قتله حقيقة و ان زعم الناس بحسب الظاهر خلافه فعزل اميرالمؤمنين عليه السلام لمعوية (لع) حين ولي الخلافة و اظهار كفره و شقاقه و شقاوته الذاتية انما هو قتله حقيقة و ان زعم الناس انه (ع) تركه حيا و استشهد بنفسه بل هو بشهادته كسب لنفسه المقدسة الحيوة الابدية من قوله تعالي لاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون و بتركه (لع) حيا في الظاهر قتله باشد قتلة حتي انه يتمني الموت في النار من صعوبة هذا القتل و شدته و لايؤتاه و كذلك الحسن عليه السلام بصبره و امهاله لمعوية و بيعته له في الظاهر قتله قتلة كان الموت و القتل الظاهريين عنده راحة و سرورا و ذلك ان اولياء الله (س) بامتحانهم و افتتانهم و تمحيصهم للناس يظهرون كوامن ما ابطن فيهم فان خرج من كمونهم الايمان و التسليم حييوا باحيائهم من قوله تعالي استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و قوله تعالي افمن كان ميتا فاحييناه و جعلنا له نورا اي كان ضالا فهديناه كما ورد في الخبر [ص 30] بمعناه و ان خرج من كمونهم الكفر و العياذ بالله ماتوا و قتلوا و لعل هذا هو معني ما ورد في الاخبار الواردة في التمحيص بغيبة الحجة عجل الله فرجه من نقص الناس في آخر الزمان و قد سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول لايكون هذا الامر حتي يذهب ثلثا الناس فقيل له فاذا ذهب ثلثا الناس فما يبقي فقال عليه السلام اماترضون ان تكونوا الثلث الباقي ، فان فيه اشارة الي انهم يكفرون اماترضون انتم ان تكونوا من المؤمنين المصدقين بالغيب فانه لايخفي ان صرف الحيوة الدنيوية ليست بشئ يرضي به العاقل و ان كان كافرا و اقرب الي الصراحة من ذلك ايضا ما روي عنه (ع) يقول كان اميرالمؤمنين عليه السلام يقول لايزال الناس ينقصون حتي لايقال الله فاذا كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه فيبعث الله قوما من اطرافها يجيئون قزعا كقزع الخريف والله لأني اعرفهم و اعرف اسماءهم و اسماء قبائلهم و اسم اميرهم و هم قوم يحملهم الله كيف شاء من القبيلة الرجل و الرجلين حتي بلغ تسعة فيتوافون من الآفاق ثلثمأة و ثلثةعشر رجلا الحديث . اقول انظر الي قوله لايزال الناس ينقصون حتي لايقال الله فانه كالصريح انهم ينقصون اي يكفرون بالله حتي لايقال الله و قد روي نحن الناس و شيعتنا اشباه الناس و ساير الناس نسناس . و من البين ان نقصانهم بسبب التمحيص و الافتتان قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث خالطوا الناس بالسنتكم و ابدانكم و زايلوهم بقلوبكم و اعمالكم فو الذي نفسي بيده ماترون ما تحبون حتي يتفل بعضكم في وجوه بعض و حتي يسمي بعضكم بعضا كذابين و حتي لايبقي منكم او قال من شيعتي الا كالكحل في العين و الملح في الطعام و ساضرب لكم مثلا و هو مثل رجل كان له طعام فنقاه و طيبه ثم ادخله بيتا و تركه فيه ما شاء الله ثم عاد اليه فاذا هو قد اصابه السوس فاخرجه و نقاه و طيبه و اعاده و لميزل كذلك حتي بقيت منه رزمة كرزمة الاندر لايضره السوس شيئا و كذلك انتم تميزون حتي لايبقي منكم الا عصابة لاتضرها الفتنة شيئا . [ص 31] و الاخبار بهذا المعني كثيرة فبسبب الامتحان يخرج من يخرج الي الكفر فيموت و يستحق القتل الظاهر ايضا و هو قوله تعالي لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا و قد مر تفسيره من الاخبار و ليكن المؤمن ذكيا فطنا ذا فراسة يفهم مواقع الامتحان بعون الله تعالي و هدايته فان كيد الله سبحانه عظيم عظيم و لايأمن مكره الا القوم الخاسرون انظر الي الخبر الطويل في ميعاد نوح عليه السلام لقومه حيث امره تعالي بغرس النواة فتنبت حتي اذا اثمرت جاءهم الفرج فلما اثمرت امرهم ايضا بغرس النواة حتي تثمر و يأتيهم الفرج فخرجت جماعة من قومه من الايمان و ارتدوا لزعمهم خلف الوعد و هكذا الي سبع مرات و في كل مرة خرجت جماعة حتي بقي من جماعة كثيرة نيف و سبعون ثم امره بصنع السفينة و اوحي اليه اني لو جئت بالفرج اول مرة او ثانيتها او ثالثتها كانت بقيت فيهم هؤلاء المنافقون الذين خرجوا من بعد و قد اردت ان اطهر الارض منهم فاعرف من ذلك صعوبة امر الامتحان و اسأل الله الرحمن الرحيم اليقين و الثبات علي الدين و انما طول هذه المدة المديدة من الغيبة انما هو لاجل ذلك و ان الساعة آتية اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي ثم اذا تزيلوا و محصوا و ميزوا يأتيهم الفرج ان شاء الله تعالي و يعذب الاعداء كما عذب قوم نوح عليه السلام ربنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب و الحجة المنتظر عجل الله فرجه و صلوات الله عليه هو تلك الرحمة من لدنه بالجملة الغرض ان تلك الامتحانات كلها انما هي اسباب لتكفير القوم اي اظهار كفرهم الباطني و هو معني قتلهم و حقيقته انظر الي ما امتحن الله عز و جل بنياسرائيل في صنعهم العجل و عبادتهم له و الخوار الذي جعله الله فيه و قد روي ان موسي (ع) قال العجل من السامري فالخوار ممن قال الله تعالي مني يا موسي انا لما رأيتهم قد ولوا عني الي العجل احببت ان ازيدهم فتنة و روي لما سمع ذلك موسي قال ان هي الا فتنتك تضل بها [ص 32] من تشاء و تهدي من تشاء ، عصمنا الله من الزلل و آمننا من الفتن بحق محمد و آله صلوات الله عليهم . و كذلك القول في خرق السفينة حيث عرفت من قول الصادق (ع) انه مثل فيهم و في شيعتهم و عرفت بعض بواطنه و يمكن تأويله ايضا بأن العقل في الانسان هو الحجة الباطنة و هو مثل الخضر عليه السلام و الروح الملكوتي في مقام التعلم من العقل مثل موسي عليه السلام و النفس الملكوتية سفينتهما التي ركبا فيها و الطبيعة من ورائها هي الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا لكن خضر العقل ان خرق سفينة النفس و كسرها اعرضت عنها الطبيعة و تركها لاهلها و خرقها باقتلاع و انتزاع بعض الاخلاق الردية التي هي الواحها التي طبعت عليها كالكبر و الحسد و البخل و الشقاء و الالحاد و القسوة و غير ذلك مما ترتضيها و تستحسنها الطبيعة فيوجب ميلها اليها و اغتصابها و اذا اقتلعها و حشاها بالخوف و الخشية و التواضع و الخضوع و الخشوع و السخاء و القناعة و غير ذلك مما يخالف الطبيعة و تنزجر منها تتركها و تعرض عنها فعن الصادق ابيعبدالله عليه السلام اقصر نفسك عما يضرها من قبل ان تفارقك و اسع في فكاكها كما تسعي في طلب معيشتك فان نفسك رهينة بعملك و قال اميرالمؤمنين (ع) من لميتعاهد النقص من نفسه غلب عليه الهوي و من كان في نقص فالموت خير له و قال الصادق عليه السلام طوبي لعبد جاهد لله نفسه و هواه و من هزم جند هواه ظفر برضاء الله و من جاوز عقله نفسه الامارة بالسوء بالجهد و الاستكانة و الخضوع علي بساط خدمة الله تعالي فقد فاز فوزا عظيما و لا حجاب اظلم و اوحش بين العبد و الرب من النفس و الهوي و ليس لقتلهما في قطعهما سلاح و آلة مثل الافتقار الي الله و الخشوع و الجوع و الظماء بالنهار و السهر بالليل الخبر . و الاخبار بهذه المعاني اكثر من ان تحصي الا انا راعينا بعض المناسبات في الالفاظ و الغرض ان من باب ان كل شئ فيه معني كل شئ و خاصة الانسان فانه هو المختصر من اللوح المحفوظ [ص 33] تجري فيه تلك الامثال و تلك الامثال نضربها للناس لعلهم يعقلون و قال اميرالمؤمنين (ع) فيما نسب اليه :
دواؤك فيك و ماتشعر و داؤك منك و ماتبصر
و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر
و لك ان تجعل النفس الامارة المطيعة للطبيعة الغلام الذي طبع عليه و علي كتفه انه كافر فيقتله العقل كما صرح بقتله في الخبر الاخير و الجدار الذي اقامه هو النفس القدسية التي موادها التأييدات العقلية و فعلها المكتنز فيه المعارف الربانية و الغلامان اليتيمان هما الفؤاد من حيث نفسه و حيث ربه و حيث ربه و هو الاكبر اولي بالكنز كما في الخبر في تفسير الآية و اعلم ان استخراج المعاني المتكثرة من الاخبار المتفرقة مشكل جدا و لايسعني الوقت مع اني لست من اهله و لااحب ان اقول شيئا برأيي فنقتصر بما ذكرنا و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
ثم ان جناب السيد عبدالله اخا السائل حرسهما الله و هو حاضر قد شرفنا بلقائه اضاف الي السؤال بعض اسولة اخري و امرني بالجواب و اسأل الله عز و جل ان يوفقني للجواب عنها ايضا .
قال ايده الله تعالي في كتابه : اما بعد فاني ارجو من فضلكم العلي و عميم كرمكم السوي ان تفيدوني اولا عن رجل توفي و عند حضور اجله و قبل رحلته و انتقاله اوصي الي ابنه و جعله وصيا علي ماله و تنفيذ وصاياه و بعد مدة حضرت الوصي الوفاة و قبل حلول وفاته ايضا اوصي بوصايا و اقام علي تنفيذها آخر و لميذكر لوصيه ما جري له من وصية ابيه المتوفي بل جعله وصيا مطلقا فوصي الابن يلزمه العمل بوصايا الاب و انفاذها ام لا و ايضا هل يلزمه العمل اذا كان عالما بأن الابن لمينفذ وصايا ابيه و في حال جهله لايلزمه ذلك ام في كل حال يلزمه .
اقول الظاهر انه لا خلاف في جواز ايصاء الوصي الي غيره في تنفيذ وصايا [ص 34] الموصي الاول اذا كان مأذونا من عنده في الايصاء و لا خلاف ايضا في عدم الجواز اذا منعه عن الايصاء الي غيره و انما الخلاف فيما لو سكت و لميأذن و لميمنع و المشهور علي ما ذكره بعض الاصحاب عدم الجواز و هو الاقرب لعموم قول الحجة عليه السلام لايحل لأحد ان يتصرف في مال غيره بغير اذنه ، و تجويز بعضهم له قياسا علي تجويز التوكيل للوصي في تنفيذ الوصية مما لايجوز فان التوكيل فيه ايضا لا دليل عليه الا من باب اطلاق الادلة و مع تسليم جواز التوكيل ايضا قياس مع الفارق فان الوصي في حيوته قد يمكنه النظر فيما فعله الوكيل و رده الي الحق ان تخلف عنه و اما بعد موته فلايمكنه النظر في عمل الوصي و هنا حديث لايخلو من الاجمال و تردد الاصحاب في معناه و الظاهر انه يؤيد المشهور و هو ما روي عن محمد بن الحسن الصفار عن ابيمحمد (ع) انه كتب اليه رجل كان وصي رجل فمات و اوصي الي رجل هل يلزم الوصي وصيته (كذا) الرجل الذي كان هذا وصيه فكتب عليه السلام يلزمه بحقه ان كان له قبله حق ان شاء الله . و احتمل الاصحاب وجوها في معني الجواب لا جدوي في التعرض لنقلها لبعدها عن موضع السؤال لكن قال ابي العلامة اعلي الله مقامه قوله يلزمه بحقه الخ ، لايخلو من اجمال و الظاهر ان معناه يلزم الوصي الثاني بقرينة السؤال بحقه اي بحق الموصي الاول ان كان له اي للموصي الاول قبل الوصي الاول حق . اقول و حاصل هذا المعني الذي هو اسدها و اقربها يؤيد المشهور اي ان اذن له الموصي الاول و حمل هذا الحق عليه ان يوصي الي غيره فاوصي لزم الوصي الثاني حقه و مفهوم الشرط يدل علي انه ان لميأذن له الموصي الاول لميلزم الوصي الاخير و هذا فيما اذا اوصي الوصي الاول الي الثاني بالايصاء و اما اذا اطلق اي سكت كما عبرتم فلا شبهة في انه لايلزم الوصي الثاني العمل بوصايا الموصي الاول و انما يرجع الامر فيها الي الحاكم فان عينه ايضا لتنفيذها فهو و الا فان عين غيره تكفل بها و الله العالم .
[ص 35] قال وفقه الله تعالي : و ثانيا عن معني هذا الخبر الذي ذكره صاحب العوالم في مقتله في مخاطبة الحسين (ع) اخته زينب (ع) الي ان قال (ع) جدي خير مني و ابي خير مني و امي خير مني و اخي خير مني و الكلام في قوله (ع) و امي خير مني فكيف تكون الزهراء (س) افضل من الحسين (ع) كما يعطيه ظاهر الخبر و مقام الزهراء مقام الارض للحقيقة المحمدية (ص) و ان الائمة الثمانية سلام الله عليهم اجمعين افضل منها كما وجدت ذلك في بعض اجوبة مشايخنا العظام و رسائل لظالظنا الفخام اعلي الله تعالي في عليين لهم المقام و رفع في الدارين لهم الاعلام و اذا قلت ان المراد من الام المذكورة في الخبر ليست هي الزهراء و انما المراد منها اميرالمؤمنين (ع) فيكون الاب رسول الله (ص) فما معني الجد ح و هل يصح لي ان اقول ان لفظة خير في الخبر المذكور لايراد منها التفضيل بل يراد منها انهم فرع مني و يكون ذلك في الشهادة لا غير كما انه سيد الشهداء .
اقول اما ما احتملتم في معناه اولا فبعيد كما تنبهتم و لا حاجة الي التفصيل و اما الاحتمال الثاني فاقرب الا انه ايضا بحسب الظاهر خارج عن سياق الخبر و خاصة لوجود الجد و الاب و الاخ و هم افضل منه (ص) حقيقة و خروجه عن سياق الخبر لان التسلية انما تحصل بذكر مصائب سابقة مضت هي اعظم و اكبر من مصيبته صلوات الله عليه و روحي فداه و اذا فرضنا ان يكون مصابهم بجدهم و ابيهم و امهم و اخيهم صلوات الله عليهم فروعا لمصيبته (ع) و اجزاءا لها و هو سيد الشهداء كان مصابه روحي فداه اعظم من الكل و ذكر الفروع لايوجب التسلي عن الاصل و المثل في ذلك ما اذا مثلوا رجلا و قطعوا بعض اعضائه مثلا ثم ارادوا قتله فتسليه انت فتقول اصبر لا بأس عليك فقد قطعوا بعض اناملك مثلا و قتلك رأسا اهون منه فانه لا شك ان قتله رأسا اشد و اصعب من قطع بعض انامله البتة و لايحصل التسلي له بتذكره ذلك فالظاهر بعد هذا المعني ايضا عن سياق الخبر [ص 36] و ان لميكن من معاريض كلامهم (ص) ببعيد و قد قالوا عليهم السلام انا نتكلم بالكلمة و نريد منها سبعين وجها لنا من كلها المخرج و لكن نقول من باب المقدمة ان لهم صلوات الله عليهم مراتب لاتحصي كما هو معلوم اجمالا و كل مرتبة منهم لها احكام معلومة و لهم فيها نسب تخص تلك المرتبة و تجري فيها احكامها خاصة فأعلي مراتبهم صلوات الله عليهم مرتبة الوحدة كما تقرأ في الزيارة اشهد ان ارواحكم و نوركم و طينتكم واحدة و اولهم محمد و آخرهم محمد و كلهم محمد صلوات الله علي محمد و آلمحمد و يجري لآخرهم ما يجري لاولهم و دون ذلك لهم مرتبة هم فيها بعضهم من بعض و لهذا الوصف معنيان اعلي و اسفل يجري الاعلي في الاعلي و الادني في الادني فالاعلي بأن تقول بعضهم من بعض اي كل بعض من تمامية البعض الآخر بحيث لايقوم احدهما الا بالآخر و لو فرض افتراقهما هنا لميكن احدهما شيئا تاما كما قال اميرالمؤمنين (ع) لسائل عن معني الشئ و نصف الشئ اما الشئ فكافر مثلك و اما نصف الشئ فمؤمن مثلي . فهم في هذا المقام متحدون في غاية الوحدة و اما الادني فهو في مقام ادني من ذلك كل واحد منهم تام في حد نفسه الا ان بعضهم من بعض و اخوان بعضهم لبعض و ذرية بعضها من بعض فكما ان الاخوة بعضهم من بعض اي كلهم اجزاء لابيهم و معذلك كل واحد منهم تام في حد نفسه كذلك هم صلوات الله عليهم هنا اخوان بعضهم من بعض ثم دون ذلك عرصة الشخصية في عالم الناسوت و هنا بينهم (ص) انساب ظاهرة علي ما تعلم و المثل في ذلك ان الجسم المطلق في نفسه تام كامل و له اجزاء بعضها من بعض و لايتفصل بعضها عن بعض ثم انه يتفصل في مقام العرش و الكرسي و هما بابان من اكبر ابواب الغيوب الا ان العرش هو الباب الباطن و الكرسي هو الباب الظاهر و مع ذلك هما اخوان ثم ان الشمس خلقت من نور العرش و القمر من نور الكرسي و كل واحد منهما ابن عم بالنسبة الي الآخر و العرش [ص 37] و الكرسي و الشمس و القمر كلها امثال للجسم و كل ذلك امثال للحقيقة المحمدية صلوات الله عليها و تلك الامثال نضربها للناس و ضربنا لكم الامثال و كل ذلك راجع اليهم صلوات الله عليهم و نحو ذلك يجري الامر في نسبة بعضهم الي بعض ففي مقام اشهد ان ارواحكم و نوركم و طينتكم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض علي المعنيين و في المقام الثاني اخوان بعضهم لبعض و ذرية بعضها من بعض و فاطمة صلوات الله عليها اختهم و في المقام الثالث بينهم النسب علي ما هو الظاهر فعلي عليه السلام في مقام نفس النبي (ص) كما في آية المباهلة و في مقام اخوه صلوات الله عليهما كما قال (ص) علي اخي و اتخذه اخاه و في مقام ابن عم له صلوات الله عليهم و لاينافي بعض تلك النسب بعضا فان لكل منها مقاما خاصا و كذا فاطمة (ع) في مقام متحدة معهم و في مقام هي ام ابيها كما كنيت به و في مقام اخت ابيها و هي اخت النبوة و عصمة المروة و انها لاحدي الكبر نذيرا للبشر و في مقام بنت ابيها و كذلك تجري النسب بينها و بين الولي و جميع ذريتها (ص) ففي مقام متحدة معهم و في مقام امهم جميعا و من هنا يؤل قوله تعالي و اذ استسقي موسي لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتاعشرة عينا ان موسي (ع) هو موسي الاول محمد صلي الله عليه و آله و عصاه علي عليه السلام في مقام الكلية و الحجر فاطمة عليها السلام في مقام الكلية فانبجست منه اثنتاعشرة عينا اثنتاعشرة اماما اولهم علي عليه السلام فهي هنا امهم اجمع و في مقام هي صلوات الله عليها نفس علي (ع) و زوجته و خلق لكم من انفسكم ازواجا و ام الائمة الاحدعشر صلوات الله عليهم و لكل من تلك المقامات احكام لاتجري في غير مقامها كما ان لهم (ع) في كل مقام صفات و فضايل و درجات تختص بذلك المقام و ان عرفت هذه النكتة و وضعت كل شئ موضعه سهل لك كثير من المشكلات في ابواب علمهم و احاطتهم و غيرهما بحسب الباطن و الظاهر [ص 38] و كذلك في الاحكام الذي لهم في كل مقام كالبحث عن علمهم بالسم اذا شربوه و عدمه و القائهم انفسهم في التهلكة و علمهم الاحاطي و الحضوري و الحصولي و غير ذلك من انواع المشكلات بالجملة فالاحكام تتفاوت بحسب اختلاف المقامات و هذا جار في كل مقام اليس انك في الحضر تتم صلوتك و في السفر تقصر و في الخوف و الحرب قد يقصر عن حد السفر ايضا و في حال السلامة تصلي قائما و في حال المرض قاعدا او مضطجعا و قد يرفع الصلوة باغماء او غير ذلك و كذلك الامر في المقامات المختلفة هنا بل اولي و اولي باختلاف الاحكام فمولاتنا فاطمة عليها السلام و ان كانت في مقام دون درجة ساير الائمة عليهم السلام و لكنها في الظاهر امهم و لها فضلها حتي انها من جهة كونها بنت رسول الله صلي الله عليه و آله و جزءا له و بضعة منه فلها حرمة خاصة لاتساوي حتي بالنسبة الي اميرالمؤمنين عليه السلام لها حرمة لاتساوي معها احد من النساء و لاتدخل معها امرأة في حبالة نكاح اميرالمؤمنين (ع) و لها بالنسبة الي الائمة عليهم السلام فضل الامومة و يلزمهم شكرها و تعظيمها و الاحسان اليها و قال تعالي ان اشكر لي و لوالديك الي المصير و بالوالدين احسانا و هي و ان لمتكن افضل منهم في المقامات العالية و لكن في الدنيا لا بد لهم من تفضيلها و تكريمها و تعظيمها انظر الي ما روي ان النبي صلي الله عليه و آله جلس ليلا يحدث اصحابه فقال يا قوم اذا ذكرتم الانبياء الاولين فصلوا علي ثم صلوا عليهم و اذا ذكرتم ابي ابرهيم عليه السلام فصلوا عليه ثم صلوا علي الخبر . مع انك تعلم ان ابرهيم (ع) من شيعتهم و نورهم و شعاعهم قال تعالي و ان من شيعته لابرهيم و قد ورد في تفسيره انه سأل ربه ان يجعله من شيعة محمد و آلمحمد (ص) و قد استجاب دعوته و مع ذلك يقول (ص) اذا ذكرتم ابي ابرهيم (ع) فصلوا عليه ثم صلوا علي و ليس ذلك الا للابوة الظاهرة التي صرح بها و امر بتقديم الصلوة عليه رعاية للادب الظاهر و كذلك [ص 39] الامر هنا بل اولي و اولي فان مولاتنا فاطمة (ع) و ان لميكن لها فضل ذريتها و هم افضل منها لكنها مع ذلك بالنسبة اليهم من طينة واحدة و نور واحد و ليس الفرق بينهم كالفرق بينهم و بين ابرهيم عليه السلام فانه من آثارهم (ص) و النسبة بينه و بينهم طولية كالشعاع من المنير و اما فاطمة (ع) بالنسبة اليهم كالضوء من الضوء و النسبة هنا عرضية كنسبة درجات نور واحد بعضها الي بعض و مادة درجات النور واحدة الا ان بينها فرقا يسيرا من جهة قرب المبدء و بعده فاذا اضيف الي هذا الفرق اليسير حرمة الامومة الظاهرة يثبت لها فضل لا بد من رعايتها علي ان الظاهر من الاخبار ان لها صلوات الله عليها في المقامات الشخصية تقدما من جهة انهم (ص) صوروا في رحمها علي حسب عصمتها و طهارتها فعن النبي صلي الله عليه و آله في حديثه مع سلمان رضوان الله عليه خلقني الله من صفاء نوره فدعاني فاطعته و خلق من نوري عليا فدعاه الي طاعته فاطاعه و خلق من نوري و نور علي فاطمة فدعاها فاطاعته و خلق مني و من علي و من فاطمة الحسن و الحسين فدعاهما فاطاعاه الخبر و عن موسي بن جعفر (ع) في صفة خلقهم (ص) من نور العظمة و الجلال و هو نور لاهوتي ، الي ان قال فلما اراد ان يخلق محمدا صلي الله عليه و آله منه قسم ذلك النور شطرين فخلق من الشطر الاول محمدا (ص) و من الشطر الآخر علي بن ابيطالب (ع) و لميخلق من ذلك النور غيرهما خلقهما الله تعالي بيده و نفخ فيهما بنفسه من نفسه لنفسه و صورهما علي صورتهما و جعلهما امناء له و شهداء علي خلقه و خلفاء علي خليقته و عينا له عليهم و لسانا له اليهم قد استودع فيهما علمه و علمهما البيان و استطلعهما علي غيبه و جعل احدهما نفسه و الآخر روحه لايقوم واحد بغير صاحبه ظاهرهما بشرية و باطنهما لاهوتية و ظهروا للخلق علي هياكل الناسوتية حتي يطيقوا رؤيتهما و هو قوله و للبسنا عليهم ما يلبسون فهما مقام رب العالمين و حجابا [ص 40] خالق الخلايق اجمعين بهما فتح الله بدء الخلق و بهما يختم الملك و المقادير ثم اقتبس من نور محمد فاطمة ابنته كما اقتبس نوره من نوره و اقتبس من نور فاطمة و علي الحسن و الحسين كاقتباس المصابيح الحديث و قد ذكرت كثيرا من عباراته لاشتمالها علي بيان بعض مراتبهم . فاذا اقتبس نورهما (ص) من نور فاطمة و علي في مقام الفصل كاقتباس المصابيح و الضوء من الضوء كان لفاطمة و علي (ص) فضل سبقهما و تقدمهما كما قيل :
و هو بسبق حائز تفضيلا مستوجب ثنائي الجميلا
علي انك تعلم انهم (ص) من نور واحد و طينة واحدة و فضل اولهم يلحق بآخرهم و فضل آخرهم يلحق باولهم انظر الي الحديث الطويل الشريف في افتخار الحسين (ع) و هو في حجر رسول الله (ص) علي ابيه اميرالمؤمنين (ع) و مع ذلك لاميرالمؤمنين فضله و سبقه و تقدمه و مع ذلك بعضهم من بعض و ثبوت فضل لاحدهم لاينفيه عن الآخر بل يثبته له و يؤكده و لايقوم احدهم الا بالآخر انظر الي الاخبار المأثورة في ان الامام يعلم علم رسول الله و الائمة السابقين صلي الله عليهم بزيادة خمسة و معذلك ورد انه اذا كان ذلك عرض علي رسول الله و الائمة السابقين ثم علي صاحب العصر (ع) فلاينافي شئ من ذلك ثبوت درجاتهم و مقاماتهم و مع ذلك اولهم محمد و اوسطهم محمد و آخرهم محمد و كلهم محمد و صلي الله علي محمد و آلمحمد و لا حاجة الي التفصيل باكثر من ذلك فان لكل كلام منهم مقاما لا بد من وضعه في مقامه فتدبر .
قال سلمه الله تعالي : و ثالثا ما معني الخبر الذي ذكرتموه دام فضلكم في جواب الشيخ محمدباقر اليزدي فيما كتب ابوعبدالله (ع) الي عبدالله النجاشي الي ان قال فقال يا محمد ان الله يقرأ عليك السلام و يقول اشتققت للمؤمن اسما من اسمائي سميته مؤمنا فالمؤمن مني و انا منه الي آخر فاقول انه سبحانه و تعالي ليس [ص 41] له من حيث ذاته اسم ينبأ عنه و لا صفة تقع عليه لتكون موضع الاشتقاق و انما اسماؤه تعبير و صفاته تفهيم فما معني هذا الاشتقاق و ان كان من حيث التجلي و الظهور بالفعل فكل شئ من مخلوقات الله سبحانه مشتق من اسم من اسمائه فمن اين جاءت الخصوصية و هنا ايضا اشكال آخر في الفقرة الثانية و هو قوله تعالي و انا منه .
اقول قد سأل الملا محمد بن الملا ابرهيم النهبنداني ابي العلامة اعلي الله مقامه عن هذا الخبر بعينه الا انه لميذكر وجه الاشكال و اجابه ابي رفع الله درجته عن بعض ما اشرتم اليه من الاشكال و لكن زدتم بعض الاشكالات و انا اقدم كلام ابي روحي فداه تيمنا ثم نذيله بالجواب عما استشكلتم فيه ان شاء الله و لا حول و لا قوة الا بالله .
قال رضوان الله عليه : الاشكال في الفقرتين فمن عرف الاولي عرف الثانية فان المراد بقوله المؤمن مني ليس انه جزء ذاتي او من جنس ذاتي قطعا فالمراد انه من نوري الذي خلقته كما روي في تفسير ان المؤمن ينظر بنور الله اي النور الذي خلق منه و ان الله خلق المؤمن من نوره و صبغه في رحمته و ان الله خلق المؤمن من نور عظمته و جلال كبريائه الي غير ذلك من الاخبار فالمراد ان مادة المؤمن من نوري او من جنس نوري و اما انا منه فالمراد بقوله انا هو ذلك النور الذي خلق منه و عرف به نفسه و وصف به نفسه له و تجلي به له كما في المنقول عن الانجيل يا ابن آدم اعرف نفسك تعرف ربك ظاهرك للفناء و باطنك انا و المراد بالباطن هو ذلك النور و هو تجلي الله سبحانه له بالانانية العبودية جوهرة كنهها الربوبية و ليس كنهها ذات الله بالبداهة فهي الربوبية اذ مربوب و هي الانانية الظاهرة فالمؤمن من ذلك النور و ذلك النور من المؤمن ، و كل الي كل مضاف و منسوب ، فلا اشكال و الحمد لله .
اقول اما الاشكال في كونه مني و انا منه فيرتفع ببيانه الشريف و لا شبهة في انه لايرجع شئ من ذلك الي ذاته تعالي و خاصة لما صرح به اولا في قوله اشتققت للمؤمن اسما من اسمائي ثم [ص 42] فرع عليه باقي الكلام فانه لا شك ان اسماءه عز و جل مخلوقة له و عن ابيعبدالله عليه السلام في خبر ليس بين الخالق و المخلوق شئ و الله خالق الاشياء لا من شئ يسمي باسمائه فهو غير اسمائه و الاسماء غيره و الموصوف غير الواصف فمن زعم انه يؤمن بما لايعرف فهو ضال و سأل اباجعفر الثاني عليه السلام رجل فقال اخبرني عن الرب تبارك و تعالي اله اسماء و صفات في كتابه و هل اسماؤه و صفاته هي هو فقال ابوجعفر عليه السلام ان لهذا الكلام وجهين ان كنت تقول هي هو انه ذو عدد و كثرة فتعالي الله عن ذلك و ان كنت تقول هذه الاسماء و الصفات لمتزل فان لميزل محتمل معنيين فان قلت لمتزل عنده في علمه و هو يستحقها فنعم و ان كنت تقول لمتزل صورها و هجاؤها و تقطيع حروفها فمعاذ الله ان يكون معه شئ غيره بل كان الله تعالي ذكره و لا خلق ثم خلقها وسيلة بينه و بين خلقه يتضرعون بها اليه و يعبدونه و هي ذكره و كان الله سبحانه و لا ذكر و المذكور بالذكر هو الله القديم الذي لميزل و الاسماء و الصفات مخلوقات و المعني بها هو الله الحديث . فاسماؤه تعالي اذا كانت مخلوقات و يقول تعالي اشتققت للمؤمن اسما من اسمائي سميته مؤمنا فهو صريح في ان بعض خلقي مشتق من بعض ثم اذا فرع علي ذلك قوله فالمؤمن مني و انا منه يستلزم من ذلك ان لايرجع شئ منه الي ذاته بداهة الا انه كما قال (ع) ان الاسماء و الصفات مخلوقات و المعني بها هو الله فتعني انت بذكره باسمائه اياه لان الاسم ما انبأ عن المسمي و صفة لموصوف و الصفة تدل علي الموصوف كذلك الله ربنا اذا خاطب خلقه فلا محالة يخاطبهم بما يعقلون و يعرفون كما في الخبر و الخلق انما عقلوا عن الله و عرفوه من حيث عرفهم نفسه و انباهم عن نفسه فالله سبحانه ايضا بضمير المتكلم يشير الي ذلك الذي عرفوه و تجلي لهم به و هو اولي به منه كما قال الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و لايرجع شئ من ذلك الي ذاته و المسألة [ص 43] ان شاء الله واضحة .
و اما اشتقاق الاسماء بعضها من بعض فأمر معلوم قد صرحوا به في اخبارهم و في ادعية كثيرة منها ما في دعاء بعد صلوة جعفر اسألك باسمك الذي شققته من عظمتك و اسألك بعظمتك التي شققتها من كبريائك و اسألك بكبريائك التي شققتها من كينونتك و اسألك بكينونتك التي شققتها من جودك و اسألك بجودك الذي شققته من عزك و اسألك بعزك الذي شققته من كرمك و اسألك بكرمك الذي شققته من رحمتك و اسألك برحمتك التي شققتها من رأفتك و اسألك برأفتك التي شققتها من حلمك و اسألك بحلمك الذي شققته من قدرتك و اسألك بقدرتك التي شققتها من سلطانك و اسألك باسمائك كلها و اسألك باسمك المهيمن العزيز القدير علي ما تشاء من امرك . اقول الاشتقاق هو اقتطاع فرع من اصل و يحتمل فيهما ثلثة وجوه الاول ان يكون الاصل اعلي و الفرع اسفل كاشتقاق النوع من الجنس و الصنف من النوع و الفرد من الصنف و انما يكون ذلك بالنسبة الي ظهور العالي بالظهور المجموعي فيشتق منه السافل هنا لا من ذات العالي كالماء المطلق لايشتق منه ماء خاص و لايكون شقا منه و جزءا و هو لايتجزي بل يظهر بكله في جميع الافراد لكن يظهر اولا بالظهور المجموعي ثم يشتق من المجموع جزء و جزء و هنا يتصور الاشتقاق فتدبر و الثاني ان يكون الاصل في الظاهر اسفل و الفرع اعلي كاشتقاق النبات من الجماد و الحيوان من النبات و في هذا القسم ايضا لايشتق العالي من ذات السافل و انما يكون العالي في قوته و كمونه فيستخرج منه بالتصفية و التلطيف و هو بنفسه مقدم عليه وجودا و حقيقة مؤخر عنه ظهورا و قد يكون الاصل و الفرع من عرض واحد كساير الفعليات الزمانية و هي ما يشترك في المادة و يتميز بحسب الصورة و كل ذلك من آيات الله سبحانه و مظاهر انواره المنبئة عنه الدالة عليه و هي اسماؤه و صفاته و هذا الذي ذكرنا هو معني اشتقاق بعض الاسماء من بعض و لسنا بصدد التفصيل و الغرض ان الاشتقاق انما يكون في [ص 44] التجليات في مراتب الافعال و المفاعيل و هو واضح .
و اما قولكم فكل شئ من مخلوقات الله سبحانه مشتق من اسم من اسمائه فمن اين جاءت الخصوصية ، فيحتاج رفع الاشكال فيه الي بيان مقدمة و هي انه لا شك ان الله سبحانه خلق الخلق لمعرفته و هي الغاية المنظورة من جميع خلقه و لا فرق في ذلك بين مجموع الخلق و اجزائه فان المجموع خلق لاجل المعرفة و كذلك كل جزء جزء ،
و في كل شئ له آية تدل علي انه واحد
و سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و اينما تولوا فثم وجه الله فكل شئ في حد نفسه آية تعريفه سبحانه و تعرفه و سواء في ذلك الكلي و الجزئي و المجموع و الافراد و الاجزاء و العالي و السافل و كلهم عرفوه بما وصف به نفسه لهم به و عبدوه و سبحوه كما امرهم به و ان كل من في السموات و الارض الا آتي الرحمن عبدا ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين يسبح لله ما في السموات و ما في الارض و في الزيارة يسبح الله باسمائه جميع خلقه الا انه لايخفي ان تعريفه سبحانه نفسه لكل شئ انما يكون بما جعل فيه من نوره و آيته لا ازيد منه و لا اقل و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها اي ما عرفها و من البين اختلاف الآيات في الدلالة فلا كل آية تدل علي كل ما تدل عليه الآية الاخري فبعضها اكمل و بعضها انقص و بعضها اجمع و بعضها اقل جامعية و بعضها يدل علي كمال و بعضها علي كمال آخر و هكذا الا ان الكل بحسب الآئية آيته تعالي دالة عليه منبأة عنه و كل يصفه بما تجلي له به فالنملة تصفه بأن له زبانيتين و كل حيوان يصفه بما هو عليه و الحجر و المدر و النبات و الانسان و السماء و الارض و ما بينهما كل واحد منها يعرفه و يصفه بلسان حاله و مقاله بما هو عليه و كلها انواره و آياته الا انه لا شك ان تلك المعرفة الحاصلة للكثرات ناقصة لاتليق بشأنه تعالي و انما اراد سبحانه من خلق الخلق المعرفة الكاملة و مثال هؤلاء الناقصين كالعميان و الفيل لميعرفوه الا من طريق اللمس فبعضهم قال انه خرطوم طويل و بعضهم قال [ص 45] انه اسطوانة لما لمس يده و بعضهم قال انه عظم طويل لما لمس نابه و هكذا كل واحد منهم لمس منه شيئا و وصفه به و صدقوا فيما قالوا الا ان كلا منهم علم منه شيئا و غاب عنه اشياء فلميعرفه بكماله و اما البصير فينظر اليه بنظر واحد و يعرفه بهيئته و اعضائه كلها و كذلك الامر هنا و لله المثل الاعلي اراد الله سبحانه من خلق الخلق المعرفة الكاملة و هذه الكثرات الجزئية لمتعرفه بها و ليس انه سبحانه اراد من كل جزء جزء المعرفة الكاملة و عجز عن خلقهم بحيث يسعهم المعرفة الكاملة هيهات ان يكون كذلك و لكنه سبحانه علم كلا منهم علي ما هو عليه و خلقه علي ما علمه الا ان الغرض الاصلي من خلق الخلق باجمعهم المعرفة الكاملة و خلق فيهم من علم انه يسعه ذلك و يصلح له و خلق آية جامعة او آيات جامعة بالنسبة و اراهم اياها و كلفهم بمعرفته من طريقها فتلك الآيات الجامعة هي ما لها خصوصية به تعالي و منسوبة اليه و هذا امر جار في كثير من الاشياء الاتري انه تعالي خلق خلقه اجمع لنفسه و لايشركه في خلقه احد و معذلك يقول لموسي بن عمران (ع) و اصطنعتك لنفسي و كذلك يقول لمحمد صلي الله عليه و آله خلقتك لاجلي و خلقت الخلق لاجلك و كذلك يقول تعالي هو معكم اينما كنتم و ما من نجوي ثلثة الا هو رابعهم و لا خمسة الا هو سادسهم و لا ادني من ذلك و لا اكثر الا و هو معهم فليس شئ الا و الله سبحانه معه بلا نهاية و لا تحديد و مع ذلك يقول سبحانه ان الله مع الصابرين و يقول ان الله مع المتقين و ان الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون فهذه معية زائدة فاضلة اختصت بها هؤلاء دون من خالفهم و امثال ذلك كثيرة و من ذلك قوله فالمؤمن مني و انا منه اي هو من نوري و نوري منه كما عرفت من الاخبار في كلام ابي اعلي الله مقامه مع ان جميع الخلق خلقوا من نوره و ليس الا الله و فعله و نوره حتي ان الظلمة خلقت من نوره و هي نوره و في الدعاء يا من الظلمة عنده ضياء و مع ذلك قالوا اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله [ص 46] اي النور الذي خلق منه كما فسروه به فان لميكن للمؤمن خصوصية في خلقه من نور الله لميكن له مدح في تشريفه به و كل ذلك يفسر و يشرح بما ذكرنا ان الخلق كلهم بحسب الكون من نور الله و كلهم عبيده و كلهم اسماؤه و صفاته و يسبح الله باسمائه جميع خلقه و اما بحسب الشرع فهو كما عرفت المؤمن مخلوق من نور الله دون غيره و غيره مخلوق من الظلمة او مما بين النور و الظلمة اذ مرادنا من النور النور الموافق لصفة المنير المشابه له و المؤمن مخلوق من هذا النور و اما ساير الخلق فلميخلقوا من هذا النور و انما خلقوا من نور علي خلاف صفة المنير فهو ظلمة بالنسبة الي ذلك النور و كذلك الائمة و الانبياء (ص) و المؤمنون رضوان الله عليهم عباده خاصة كما صرح به في آي كثيرة من الكتاب انهم من عبادي الصالحين و قال نزلنا علي عبدنا و اشهد ان محمدا عبده و رسوله (ص) فلو كانت هذه العبودية ما تشمل جميع الخلق لميكن لهم فيه فضل بل هي عبودية كنهها الربوبية كونا و شرعا بخلاف سائر الناس حيث انهم عباد آبقون قد خلعوا عن رقابهم ربقة العبودية و حسبوا انفسهم احرارا اماتقرأ في الدعاء في الصباح و المساء الحمد لله الذي جعلني عبدا و لميتركني حرا و العبد له ثلثة حروف العين و هي علمه بالله و الباء و هي بونه عن ساير الخلق و الدال و هي دنوه من الله و اين تلك الصفات في ساير الخلق و كذلك قلنا انهم كونا كلهم اسماؤه و صفاته و اما بحسب الشرع فليس كذلك و الاسم ما انبأ عن المسمي و كيف ينبأ عن الله من ينكره و يعبد غيره و اتخذ الهه هواه و ان شئت ان تسميهم كلهم اسماءه فقل ان الائمة و الانبياء (ص) و المؤمنون اسماؤه الحسني و غيرهم اسماؤه السوئي كل علي حسب شأنه و لله الاسماء الحسني فادعوه بها و ذروا الذين يلحدون في اسمائه فان الطاعن في اسمائه المائل العادل عنها الجائر الظالم بالنسبة اليها يخرج بنفسه عن الاسمية اسميته لله سبحانه و يصير اسما للشيطان صفة له منبأ عنه [ص 47] من اصغي الي ناطق فقد عبده ان كان الناطق ينطق عن الله فقد عبد الله و ان كان الناطق ينطق عن الشيطان فقد عبد الشيطان و كذلك المنبأ عن شئ الدال عليه هو اسمه فان كان ذلك الشئ هو الله فهو اسم الله و ان كان هو الشيطان فهو اسم الشيطان بالجملة فالمؤمن من الله و اسمه مشتق من اسمه تعالي فهو مؤمن يؤمن علي الله فيجيز امانه كما في الخبر و من استهانه فقد بارز الله بالمحاربة اليس انه اذا كتب في لوح اسمه تعالي فان مسسته بغير طهارة فقد اسأت الادب الي الله تعالي مع انه لا شك ان هذا مداد جري علي لوح و هو حادث مخلوق و لكن معذلك لما كان ينبأ عن الله و يدل عليه و المعني به هو الله فان اسأت الادب اليه فقد اسأت الي الله و كل معاملة عاملت معه فقد عاملت مع الله فزيارته زيارة الله و هجرانه هجران الله و حبه حب الله و بغضه بغض الله حتي ان اطعامه اطعام الله و سقيه سقي الله و كل معاملة معه معاملة مع الله بالجملة فوجه الخصوصية هو هذا ان المؤمن اسمه و علامته مشتق من اسم الله و آيته و علامته كونا و شرعا و اسمه الخاص الاخص الذي اشتق منه اسم المؤمن محمد و آلمحمد (ع) و هم والله اسماؤه الحسني و صفاته العليا و اما غير المؤمن فلا الا بحسب الكون و لا فخر فيه و لا ذخر فتدبر .