قال ايده الله تعالي - و رابعا اني وجدت في كلمات المشايخ اعلي الله مقامهم في بيان السلسلتين الطولية و العرضية رأيت ان الشيخ الاوحد (اع) و مولاي العلامة اعلي الله مقامه يقدمان الجن علي الملائكة في السلسلة الطولية كما في الفائدة الرابعةعشر و فصول الحكمة و ان السيد الاستاد اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه يقدم الملائكة علي الجن و بين القولين بون بعيد فما وجه الجمع بين القولين .
اقول نعم ذكر السيد الاوحد اعلي الله مقامه في الرسالة البهبهانية في جواب [ص 48] السيد علي البهبهاني هذا البيان صريحا ففي سلسلة النزول قدم الملائكة علي الجن و في سلسلة الصعود عد بعد الحيوان الجن ثم الملائكة ثم الانسان و كلاهما متطابق يبعد معه احتمال التصحيف كما ذكرت شفاها لكنه اعلي الله مقامه في الرسالة الجنية التي كتبها في جواب بعض الديانين فيما يتعلق بالجن قد تصدي لاقامة الدليل العقلي زائدا علي النقلي علي وجود الجن و صرح هناك علي انه مخلوق من اشراق نور الانسان الي ان لخص كلامه اعلي الله مقامه و قال : فقد حصل مما بيناه اربع مراتب الاولي الحقيقة الاولي العليا الثانية اشراق نورها الثالثة اشراق الثانية و الرابعة اشراق الثالثة فالرتبة الاولي هي المسماة بالحقيقة المحمدية صلي الله عليه و آله و الرتبة الثانية هي المسماة بحقيقة الانبياء قد ظهرت في مأة الف و اربعة و عشرين الف شخص و فرد ، الي ان قال و المرتبة الثالثة هي المسماة بحقيقة الرعية من الانسان و لا حد لافرادها و لا نهاية لاشخاصها و الكل علي الصورة الانسانية المعتدلة و المرتبة الرابعة هي المسماة بحقيقة الجن و لانعني من الجن الا الحقيقة الواقعة في المرتبة الرابعة الي آخر كلامه و قد كرر هذا البيان و ردده بحيث لايبقي شبهة في مراده . و كذا في كلمات الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه في شرح الزيارة و غيره و ابي العلامة رفع الله مقامه هذا الترتيب موجود و لا اشكال فيه و من المعلوم انه لا اختلاف في مراداتهم رضوان الله عليهم و ان عبروا بتعبيرات مختلفة بانظار متشتتة فمن المحتمل انه نظر في الرسالة البهبهانية الي ما رواه في الرسالة الجنية حيث قال بعد ما عدهم في المرتبة الرابعة كما عرفت الي ان قال بعد بيانات : و للجن ايضا اجناس و اصناف من جهة التكليف و العلم فانواعهم بهذا اللحاظ ثلثة بنظر الاجمال و خمسة علي التفصيل اما الاول فكما في البحار عن الخصال بسنده الي ابيعبدالله عليه السلام انه قال الجن علي ثلثة اجزاء جزء مع الملئكة و جزء يطيرون في الهواء [ص 49] و جزء كلاب و حيات ه ، فالصنف الاول الذي هو الجزء الاول هم المطيعون لله المنقطعون عن اعتبار انفسهم فهم مع الملئكة فيما يجري عليهم و هم اهل الجنة يدخلونها من غير حساب كالملائكة الذين لايجدون ارادة انفسهم و لا ميل انيتهم و الصنف الثاني الذين هم الجزء الثاني هم الذين خلطوا عملا صالحا و آخر سيئا عسي الله ان يتوب عليهم و لذا عبر عنهم بأنهم يطيرون في الهواء فان الهواء له اتصال بعالم النار التي هي وجه المبدأ و (ظ) عالم الماء و التراب الذين هم لهم الوجه الاسفل و اما الصنف الثالث الذين هم الجزء الثالث هم اهل المعاصي و السيئات المعبر عنهم بالكلاب و الحيات فالكلاب اعداء اهل البيت عليهم السلام لأنهم الغرباء و الكلب يعاوي الغريب و يبغضه و الحيات ساير الملل المتفرقة و الفرق المختلفة و لما كان الجن للطافة بنيتهم يظهرون بصورة اعمالهم في هذه الدنيا فالكفار علي صور الكلاب و الحيات و امثالها من الصور الشيطانية و المؤمنون الكاملون متصلون بالملائكة في الصورة الظاهرة يتلقون عنهم و يستأنسون بهم و يستعينون في التدابير بهم اذ يشملهم عموم قوله تعالي الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن اولياؤكم في الحيوة الدنيا و في الآخرة و المؤمنون الناقصون من العصاة يطيرون في الهواء و ينصبغون بصبغ ما يجاورهم و قلوبهم محفوظة منعقدة علي الولاء لآل الله و هم عصاة الشيعة عسي الله ان يتوب عليهم قال (ع) و عسي موجبة ، الي آخر كلامه اعلي الله مقامه . اقول فهؤلاء الاصناف الثلثة اما صنف الحيات و العقارب بالمعني الذي ذكره روحي فداه فهم من مراتب السلسلة الظلمانية كما لايخفي و اما الذين يطيرون في الهواء فهم الجن المسمون المعروفون بهذا الاسم المعبر عنهم بالجن في السلسلة الطولية و اما الجزء الذي مع الملائكة و ان كانوا حقيقة من الجن و اعلاهم و اشرفهم لكن بالنظر الي هذا الخبر لعله [ص 50] سماهم في الرسالة البهبهانية بالملائكة علي ان ساير الطبقات ايضا قد يسمون الملائكة كالملائكة العالين و المراد منهم محمد و آلمحمد (ع) الذين لميؤمروا بالسجود لآدم (ع) و الكروبيين و المراد منهم حقايق الانبياء كما يظهر من الخبر في مشاهدة موسي (ع) نور الرب تعالي و كذلك حقايق المؤمنين من الانس يسمون بالملائكة كما يدل عليه ما روي في تأويل قوله تعالي و ماجعلنا اصحاب النار الا ملائكة ان النار القائم (ع) و الملائكة هم الذين يملكون علم آلمحمد (ع) . و كذا روي في تأويل قوله تعالي تنزل الملائكة و الروح ان الروح فاطمة و الملائكة المؤمنون الذين يملكون علم آلمحمد عليهم السلام . و كذلك الامر في المرتبة الرابعة و هي مرتبة الجن كما ظهر من هذا الخبر ان جزءا منهم مع الملائكة و شرحه السيد الاوحد بما ذكرنا فبهذا النظر سماهم في الرسالة البهبهانية بالملائكة و اما عده الجن ايضا في المرتبة الخامسة فلعله (اع) اراد منه لحوقهم بهؤلاء الملائكة الذين هم الجزء الاول و يؤيد ذلك انه قال في صفة الملائكة الذين عدهم في المرتبة الرابعة و هم انما خلقوا من شعاع نور الانسان و ذكر في صفة الجان الذين عدهم في المرتبة الخامسة الجان المخلوقون من نار الشجر الاخضر الذي خلق من فاضل طينة الانسان فلعله اراد من الرابعة و الخامسة نوعا واحدا الا ان الرابعة اعلاهم و اشرفهم و الخامسة اخسهم و ادناهم كما في الانبياء و المرسلين حيث انهم جميعا من الرتبة الثانية و النجباء و النقباء حيث انهم جميعا من اهل الرتبة الثالثة . نعم بناءا علي ما ذكرنا يأتي الاشكال في اسقاطه الملائكة بمعناها الخاص و هم الملائكة المخلوقون في عالم المادة دون الطبيعة اذ لميذكر بعد الجان الا البهائم و الحشرات في المرتبة السادسة و لكن ارجو ان يرتفع هذا الاشكال ايضا بما اشير اليه من التحقيق الانيق من كلام ابي العلامة اعلي الله مقامه في السلسلة الطولية و هو انه لما اسقط الجن و الملائكة عند تعداد مراتب السلسلة الطولية ذكر [ص 51] ثلثة فصول آخر الرسالة الشريفة و بين فيها علة الاسقاط و نحن ان اردنا نقل تمام ما كتب روحي فداه طال بنا المقال و لكن نشير الي ما يكتفي به الناظر هنا و انتم حرسكم الله رأيتم الرسالة الشريفة و تكفيكم الاشارة ان شاء الله .
فاعلم انه ذكر في الفصل الاول ما حاصله ان الوجودات منها تامة و منها ناقصة فالتامة ما يمكن فيه بالقوة جميع ما في عرصته بحيث يمكن ان يربي و يلطف و يكمل و يرقق و يدبر حتي تخرج تلك القوة من قوته الي الفعلية محفوظة المادة و منها ما هي ناقصة كنفس تلك الفعلية من حيث هي حيث انها خالية عن القوة و الاستعداد و لايمكن انقلابها و استحالتها الي فعلية اخري و المثل فيهما الشمعة المثلثة مثلا فالشمعة من حيث نفسها وجود تام لها قوة التثليث و التربيع و غيرهما و يمكن محو تثليثها و استخراج التربيع منها فهي وجود تام اذا خرجت منه فعلية كانت الحصة المادية باقية محفوظة و اما نفس التثليث من حيث هو فلا قوة له و لايمكن تغييره و استحالته الي التربيع او غيره مثلا و لايفرض فيه الترقي و التنزل و لو فرض انقلاب المثلث اي المادة المثلثة و صيرورته مربعا ليس ان التثليث صار تربيعا و لكن الشمعة انقلبت في الصور و قد فصل هذا البيان باكمل تبيان الي ان قال فلاجل ذلك انحصر المواليد التي تكون في الملك تامة باتفاق الحكماء بالحيوان و النبات و الجماد زعما منهم ان الانسان من جنس الحيوان و قد صرح مشايخنا في غير مقام ان المواليد اربعة الانسان و الحيوان و النبات و الجماد و عدوا الثلثة من حدود القوابل و الانسان المقبول و قد صرحوا في غير كتاب ان كل شئ لا بد و ان يدور ثلث دورات لاستكمال قابليته و دورة لاستكمال مقبوله و الدورات الثلث دورة للجمادية و دورة للنباتية و دورة للحيوانية و الدورة الواحدة دورة الانسان و وجهه ايضا ظاهر فان اثر المؤثر ان لميؤثر الا في ظاهر الشئ يحدث منه التركيب الجمادي و ان اثر في طبيعته حسب يحدث منه النبات و ان اثر في فلكيته ايضا [ص 52] يحدث منه الحيوان فان تمت المراتب و اعتدلت ظهر عليها الانسان و هو المقبول و لو كان الجن و الملائكة من هذه الكلمات التامات لماانحصر المواليد و القوابل و المقبول فيها و لكان لهم وجود خارجي جسماني في عالم الاجسام و لكن الامر ليس كذلك و الوجودات التامة ما عددناه عليك ، اقول توضيحا ان كليات المواليد هذه الاربعة و لكن بينها برازخ قد تلحق بالاعلي و قد تلحق بالاسفل فالمعدن باقسامه برزخ بين الجماد و النبات و امثال البواريخ و هي حيوان ينبت من الارض و متصل بها بسرته و يرتع حوله حتي يموت و هو برزخ بين النبات و الحيوان و امثال الدب و القرد برازخ بين الحيوان و الانسان و البرازخ ملحقة باحد الطرفين و هي ايضا من المواليد التامة و اما الانبياء و الائمة (ع) فهم ايضا من مراتب الانسان و ان كان النسبة بينهم و بين ما دونهم طولية بل الانسان حقيقة هو هم و دونهم اشباههم كما روي نحن الناس و شيعتنا اشباه الناس ، و اما الجن و الملائكة فليس لهم ابدان جسمانية علي حذو تلك الاربعة و انما هم صور عالية عن المواد خالية عن القوة و الاستعداد و لايترقي الملك او الجني فيصير انسانا و ليس لهم ابدان من عرصة المواد تقبل الترقي و ان كان الجن اجمع بالنسبة و من هنا صاروا مكلفين و فيهم شقي و سعيد و لكن لايخرج عن حد الجنية و الملك لايخرج عن حد الملكية و ان عبد مدي الدهر .
بالجملة ثم بين معاني الملائكة في الفصل الثاني و حاصل كلامه اعلي الله مقامه ان للملك اطلاقات فمنها ما اشرنا اليه بدلالة الاخبار ان منهم العالين و الكروبيين و المؤمنين الذين يملكون علم آلمحمد عليهم السلام و هم الكلمات التامة علي ما عرفت و يجري هذا المعني فيما دونهم من الكلمات التامة حتي روي ان من الملائكة لمن باقة بقل خير منه و قد يطلق الملائكة و يراد بها ذرات الوجود و حدوده و لهم بهذا اللحاظ شأن واحد فمنهم ركوع لايسجدون و منهم سجود لايركعون و هكذا و هذا المعني ايضا يعم جميع مراتب السلسلة اي [ص 53] فعليات و الصور الحاصلة في كل مرتبة فانها من حيث انفسها لاتقبل الانقلاب و ان جاز انقلاب المادة تحتها و حكايتها لفعلية اخري اعلي منها او اسفل او في عرضها فان الصورة الجمادية لاتنقلب فتصير نباتا و انما تنقلب المادة و تتصفي فتحكي النباتية من مقام اعلي و الصورة النباتية لاترجع فتصير جمادا و انما تتخلل اجزاؤه و تختلف فتفر النباتية و تبقي الاجزاء جمادا لا حراك له و هذا معني ان لكل منها شأنا واحدا و عملا واحدا و لايحتمل فيه الترقي و التنزل بالجملة فهذا المعني ايضا يجري في جميع المراتب بحسب فعلياتها و قد يطلق الملائكة و يراد بها الرابطة بين الفعل و المفعول و المشية و المشاء و هذا المعني ايضا يجري في جميع المراتب و لايخص بمقام دون مقام فان الكل انما يحدث بين مشية و مشاء و لا بد من رابطة بينهما قال ابي اعلي الله مقامه لكنهم في المقام ● الاول و الثاني و الثالث مضمحلون متلاشون لغلبة المالكية و حيث الرب و الفعل فيهم و في مقام ● المواد الدهرية التي هي الرب الشهودي متعينون متميزون متشخصون يظهر آثارهم و اعمالهم المتسمع ما روي ان الملائكة لايدركون ما في نفس المؤمن من الذكر و ان المؤمنين اذا اجتمعوا و تذاكروا سرا من فضائل آلمحمد عليهم السلام يتفرق الملائكة عنهم لعدم قابليتهم لاستماع سرهم بالجملة مقام تبينهم المادة و لذلك عدوا بعد الجن الذي رتبتهم الطبايع فافهم ان كنت تفهم فليس لهم خصوصية في السلسلة الطولية و عد المشايخ الملائكة فيها لاظهار هذا السر بالسر ثم لما حصحص الحق و اسفر عن محياه اظهر السيد الاستاد اجل الله شأنه علي ما بلغني ان الملائكة لا خصوصية لهم في السلسلة الطولية و انما هو لذكر درجة اختيارهم و هو ما ذكرناه فتدبر و انصف . اقول فحاصل الكلام ان الملائكة بمعانيها [ص 54] الثلثة انما تجري في جميع مراتب السلسلة و لا خصوصية لهم بمقام دون مقام فبهذا النظر ان قلنا ان تعدادهم في الرسالة البهبهانية في المرتبة الرابعة و هي مقام الجن من عرصة الطبيعة انما هو من هذا الباب فسمي بعض الجن بالملائكة كما وجدت في الخبر ان جزءا من الجن مع الملائكة كان قريبا من الصواب . و اعلم انه قد سألني بعض الاخوان سابقا عن سر اختصام اهل الملأ الاعلي و عروج اميرالمؤمنين (ع) للحكم بينهم الي السماء كما في بعض الاخبار مع ان الملائكة لايقع بينهم اختصام و كذا عن عصيان بعضهم كفطرس و صلصائيل و غيرهما و قد بينت في جوابه علي ما يخطر ببالي ان هذا من هذا الباب و الملك قد يطلق علي بعض الارواح الجامعة بالنسبة و هم ليسوا من الملائكة بمعناها الاخص الذين لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون .
بالجملة و من باب تمامية البيان اشير الي ما ذكره في الفصل الثالث ايضا و هو آخر الكتاب ان الجن ايضا و هم المخلوقون من نار الشجرة ايضا وجودات ناقصة الا انهم اتم و اكمل من الملائكة و فيهم صلوح الترقي و التنزل و لذلك كلفوا و ارسل اليهم الرسل الا انهم ليسوا بصلوح المواليد المذكورة و انما هم حقايقهم من جهات الطبيعة المتحصصة في المواد المتميزة بالامثلة فهم ارواح برزخية مثالية و هم برازخ بين الانسان و الحيوان و لاجل ذلك صورهم مشوهة بين الانسان و الحيوان فهم لاجل نقصانهم بقوا في عالم الارواح كالحدود الروحانية علي ما شرحنا الي ان قال نعم رتبتهم فوق الملائكة و الحيوان فان لاحظنا نقصان حقايقهم و عدم تمامية كلمتهم لمنعدهم من السلسلة الطولية فانهم ليسوا بكلمة و ان لاحظنا انهم اجمع من الملائكة و فيهم قوة الترقي في الجملة عددناهم فيها ، الي آخر ما بين روحي فداه اقول فبهذا النظر احتملنا ان تكون المرتبة الرابعة المسمون اهلها بالملائكة و كذا المرتبة الخامسة المسمون اهلها بالجن في كلام السيد الاوحد (اع) كلتاهما من مراتب الجن و هو قريب [ص 55] كما عرفت بقراين ما ذكرنا و الله العالم بحقايق خلقه و حكمها ، و لنختم الكلام بما ذكرنا اذ اتينا بما هو المقصود علي ما وسعني في المقام في تلك الايام و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
و قد تمت الرسالة في ليلة السبت الثالث و العشرين من شهر شوال المكرم سنة ١٣٤١ حامدا مصليا مستغفرا راجيا عفو ربه .