رسالة في جواب المرحومين المبرورين
السيد هاشم البصري و اخيه السيد عبدالله البصري
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج زينالعابدين خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطيبين و رهطه المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .
و بعد يقول العبد الاثيم و الفاني الرميم زينالعابدين بن كريم بن ابرهيم انه قد اتاني كتاب شريف و خطاب منيف من صاحب المحامد و المكارم و المآثر و المعالم سيدنا السيد هاشم ابن المرحوم المبرور الصفي الوفي السيد علي البصري رحمه الله و بلغ نجله الزكي ما يتمناه و امرني بالجواب عن مسألة شريفة و معضلة لطيفة و انا في غاية تبلبل البال و اختلال الحال من جهة انقلاب الزمان و تغير الدهر الخوان و عروض الاعراض و طروء الامراض و مع ذلك لميسعني لعلو رتبته و قرب منزلته الا اسعاف طلبته و الجواب عن مسألته فاسأل الله الكريم الوهاب بحق السادة الاطياب صلوات الله عليهم ما طلع نجم و غاب ان يلهمني الصواب و يوفقني علي رفع النقاب عن وجه الخطاب كما احب ذلك الجناب و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
قال وفقه الله تعالي : يا مولانا ما معني قول موسي علي نبينا و آله و عليه افضل الصلوة و السلام للخضر عليه السلام هل اتبعك علي ان تعلمني مما علمت رشدا ما هذا الرشد الذي اراده موسي (ع) من الخضر عليه السلام ان يعلمه اياه و هل كان [ص 3] موسي عليه السلام عالما به ام لا و اذا كان يعلمه فما معني سؤاله للخضر (ع) و ما معني ايضا قول الخضر لموسي عليه السلام انك لنتستطيع معي صبرا و كيف تصبر علي ما لمتحط به خبرا و المفروض ان الخضر (ع) كان يدين الله عز و جل بموسي (ع) و كيف يحيط بشئ لميكن موسي (ع) محيطا به و المفروض ان موسي (ع) من اولي العزم و ما معني هذه السفينة التي ركبا فيها و خرق الخضر لها و ما معني الغلام الذي قتله الخضر (ع) و الجدار الذي اقامه و السلام عليكم اولا و آخرا و رحمة الله و بركاته .
اقول اولا قد كتبتم لفظ الخضر (ع) بالظاء اخت الطاء و هو بالضاد اخت الصاد من الخضرة و اسمه عليه السلام كما رواه في البرهان بسنده عن جعفر بن محمد (ع) انه قال ان الخضر كان نبيا مرسلا بعثه الله تبارك و تعالي الي قومه فدعاهم الي توحيده و الاقرار بانبيائه و رسله و كتبه و كان آيته انه كان لايجلس علي خشبة يابسة و لا ارض بيضاء الا ازهرت خضراء و انما سمي خضرا لذلك و كان اسمه تاليا بن هلكان بن عامر ( ملكان بن عابر خل ) بن ارفخشد بن سام بن نوح الحديث . اقول و في بعض النسخ عن الجمهور بليا بن ملكان و يحتمل في كل منهما التصحيف و نقل غير ذلك ايضا و المأثور هو المتبع . ثم انه لا شك ان موسي عليه السلام كان اعلم من الخضر (ع) كما روي في البحار عن ابيعبدالله عليه السلام قال كان سليمان اعلم من آصف و كان موسي اعلم من الذي اتبعه و عنه (ع) قال كان موسي اعلم من الخضر و عنه (ع) ذيل الخبر الاول و هو طويل شريف بين فيه قصتهما و بعض اسرار الآيات الي ان قال (ع) في معني الخشية و اشراك الخضر في ضمير خشينا و وقع في نفسه ان الله تعالي ذكره جعله سببا لرحمة ابوي الغلام فعمل فيه وسط الامر من البشرية مثل ما كان عمل في موسي (ع) لانه صار في الوقت مخبرا و كليم الله موسي (ع) مخبرا و لميكن ذلك باستحقاق للخضر (ع) المرتبة علي موسي (ع) [ص 4] و هو افضل من الخضر بل كان لاستحقاق موسي للتبيين . اقول فهذه الاخبار تدل علي افضلية موسي من الخضر (ع) و اعلميته لكن في خبر عن رسول الله صلي الله عليه و آله انه لما كلم الله موسي تكليما و انزل الله عليه الالواح و فيها كما قال الله و كتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة و تفصيلا لكل شئ و رجع موسي الي بنياسرائيل فصعد المنبر فاخبرهم ان الله قد انزل عليه التورية و كلمه قال في نفسه ماخلق الله خلقا اعلم مني فاوحي الله الي جبرئيل ادرك موسي فقد هلك و اعلمه ان عند ملتقي البحرين عند الصخرة رجل اعلم منك فصر اليه و تعلم من علمه فنزل جبرئيل علي موسي (ع) و اخبره فذل موسي في نفسه و علم انه اخطأ ، الي آخر ما ذكره صلي الله عليه و آله من امرهما ثم قال الراوي فحدثني محمد بن علي بن بلال عن يونس قال اختلف يونس و هشام بن ابرهيم في العالم الذي اتاه موسي (ع) ايهما كان اعلم و هل يجوز ان يكون علي موسي حجة في وقته و هو حجة الله علي خلقه فقال قاسم الصيقل فكتبوا الي ابيالحسن الرضا (ع) يسألونه عن ذلك فكتب في الجواب اتي موسي العالم فاصابه في جزيرة من جزائر البحر اما جالسا و اما متكئا فسلم عليه موسي فانكر السلام اذ كان بارض ليس بها سلام فقال من انت قال انا موسي بن عمران قال انت موسي بن عمران الذي كلمه الله تكليما قال نعم قال فما حاجتك قال جئت لتعلمني مما علمت رشدا قال اني وكلت بامر لاتطيقه و وكلت بامر لااطيقه الحديث . و حاصل الجواب ان كل واحد منهما عليهما السلام كان موكلا بعلم لايطيقه الآخر فهو اعلم منه في ذلك العلم كما ان الآخر اعلم من صاحبه في علمه الخاص به و هو الحق الا انه معذلك لا شك ان موسي عليه السلام من اولي العزم و خضر (ع) و ان كان نبيا مرسلا علي بعض الروايات دون بعض لكنه لميكن في رتبة موسي (ع) و موسي (ع) اعلم منه (ع) و افضل كما وجدت في الاخبار لكنه (ع) معذلك لميكن عالما بكل شئ [ص 5] و يومي الي ذلك قوله تعالي و كتبنا له في الالواح من كل شئ موعظة و تفصيلا لكل شئ فان من في قوله من كل شئ يدل علي التبعيض و في حواشي القرآن لابي العلامة اعلي الله مقامه من الخبر : لميقل كل شئ ، و هو اشارة الي هذا المعني و من هنا فسر قوله و تفصيلا لكل شئ حيث يظهر منه العموم و ينافي التبعيض انه تفصيل لكل شئ مما ذكر فيها حتي يرتفع التنافي و الغرض انه (ع) لميؤت علم كل شئ ، و يؤيد هذا المعني ايضا ما روي في آصف (ع) عن ابيعبدالله (ع) في حديث عن سدير الصيرفي الي ان قال يا سدير المتقرأ القرآن قال بلي قال فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله قال الذي عنده علم من الكتاب انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك قلت اجل قال فهل عرفت الرجل و هل علمت ما كان عنده من علم الكتاب قلت اخبرني به جعلت فداك قال قدر قطرة من الماء في البحر الاخضر فما يكون ذلك في علم الكتاب قلت ما اقل هذا قال يا سدير ما اكثر هذا ان ينسبه الله عز و جل الي العلم الذي اخبرك به يا سدير فهل وجدت فيما قرأت من كتاب الله عز و جل ايضا قل كفي بالله شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب قلت قد قرأته قال فمن عنده علم من الكتاب افهم ام من عنده علم الكتاب كله قلت لا بل من عنده علم الكتاب كله قال فاومأ بيده الي صدره الشريف و قال علم الكتاب والله كله عندنا و عن سيف التمار قال كنا مع ابيعبدالله عليه السلام جماعة من الشيعة في الحجر فقال علينا عين فالتفتنا يمنة و يسرة فلمنر احدا فقلنا ليس علينا عين قال و رب الكعبة و رب البيت ثلث مرات لو كنت بين موسي و الخضر لاخبرتهما اني اعلم منهما و لانبأتهما بما ليس في ايديهما لان موسي و الخضر اعطيا علم ما كان و لميعطيا علم ما هو كائن و ان رسول الله صلي الله عليه و آله اعطي علم ما كان و ما هو كائن الي يوم القيمة فورثناه من رسول الله صلي الله عليه و آله وراثة و في خبر الطائر الذي اتي موسي [ص 6] و الخضر عليهما السلام و رمي من ماء البحر قطرات و تحيرا في معناه و شرحه لهما الصياد انه اشار برمي الماء من منقاره الي السماء و الارض و المشرق و المغرب الي انه يبعث نبي بعدكما تملك امته المشرق و المغرب و يصعد الي السماء و يدفن في الارض و اما رميه الماء في البحر يقول ان علم العالم عند علمه مثل هذه القطرة و ورث علمه وصيه و ابن عمه فسكن ما كنا فيه من المشاجرة و استقل كل واحد منا علمه بعد ان كنا معجبين . اقول و لست بصدد التفصيل و الا فان الاخبار اكثر من ذلك و الغرض ان موسي (ع) لميكن عالما بكل شئ و ان روي في البرهان عن ابيعبدالله عليه السلام ان الله تبارك و تعالي لما انزل الالواح علي موسي انزلها عليه و فيها تبيان كل شئ كان او هو كائن الي ان تقوم الساعة و عن علي عليه السلام في خبر الرهط الذي اتوا النبي صلي الله عليه و آله من اليمن و اتوا بالواح موسي و كتابه فاعطاه عليا (ع) قال (ع) ان فيه علم ما خلق الله منذ قامت السموات و الارض الي ان تقوم الساعة و يؤيدهما ظاهر قوله تعالي ثم آتينا موسي الكتاب تماما علي الذي احسن و تفصيلا لكل شئ و هدي و رحمة لكن جمع ابي العلامة اعلي الله مقامه في حواشي القرآن بين الآيات و الاخبار بأن الله سبحانه انزل عليه في الالواح علم بعض الاشياء الا ان من باب ان كل شئ فيه معني كل شئ فكأنه انزل عليه تفصيل كل شئ . اقول و ليس هذا كالعلم بكل شئ في حد نفسه و الاحاطة بكل شئ و تجد في الكتاب قول الخضر (ع) و كيف تصبر علي ما لمتحط به خبرا فمن البين ان موسي (ع) لميكن محيطا بكل شئ فلايخفي عليه شئ كما ان الخضر (ع) ايضا لميكن محيطا بكل شئ و كل منهما كان موكلا بعلم لايطيقه الآخر و مع ذلك الفضل لموسي (ع) و ان اردنا التفصيل في بيان ذلك لطال بنا المقال .
و اعلم ان لمولانا الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه في جواب السيد حسين بن السيد عبدالقاهر كلاما في هذا المعني ليس فوقه كلام و ان كان سؤالكم عن هذا [ص 7] المعني خاصة لميكن بأس بأن نحيلكم علي تلك الرسالة الشريفة بل هي اولي و هي مطبوعة في جوامع الكلم في الجلد الثاني و لعله موجود عندكم لكن لما اشتمل سؤالكم علي اشياء اخر مما يتعلق بتلك الآيات لزمني الجواب ايضا و اشير الي ما ذكره اعلي الله مقامه مجملا و احيل التفصيل علي تلك الرسالة المباركة فقال (اع) ما حاصله ان العلم قسمان قسم يتعلق بتكاليف المكلفين من الاعمال بالاعتقادات و الآداب الشرعية و علم الاخلاق و ما يتبعها و قسم يتعلق باحوال البدا و العلل و القدر و القضاء و ارتباطهما بالمقدرات و المقتضيات و مظاهر العدل و تعلقاته ، فالاول هو الذي ارسل الله به الرسل و انزل به الكتب و اقام له الدلالات و نصب لاجل ابلاغه الحجج لعدم استغناء المكلفين عن ذلك و الثاني ليس كذلك فيكون العالم بالاول كموسي (ع) حجة علي كل مكلف حتي علي العالم بالثاني اذا لميكن عالما بالاول كخضر (ع) لعدم حاجة المكلفين الي الثاني و عدم استغنائهم عن الاول اذ به قوام دينهم و دنياهم و معتقداتهم و ليس كذلك العلم الثاني و ان كان له فضله في حد نفسه و نظيره في التمثيل المجتهد العام القائم بجميع الاحكام للمقلدين فانه حجة عليهم و فيهم العالم بعلم الطب الذي يكون حجة علي ذلك العالم العام فيما يضطر اليه من معالجة المرض الذي هو فيه و ان كان ذلك العالم اعلم من الحكيم و حجة عليه في ساير الاحكام هذا مع ان شرف العلم بشرف المعلوم و صفاء العقل بصفاء المعقول و كان معلوم موسي عليه السلام و معقوله و هو الله و صفاته و افعاله و احكامه و مراداته اشرف و اعلي و اصفي من معلوم الخضر و معقوله من هذه المسائل و امثالها و معرفته بالله اعلي من معرفة الخضر بالله و هذا ظاهر و اما وجه صعوبة هذا العلم الثاني و عدم الاطلاع عليه فلعدم حاجتهم اليه فحجب عنهم علم ما لايحتاجون اليه و لما جعل الخضر (ع) موكلا بذلك توجه الي الاستعداد بقبوله و لو توجه موسي الي ذلك لناله باسهل من [ص 8] استعداد الخضر و لكنه ليس مما يعنيه و لا مما يراد منه كما اريد من الخضر . و المثل في ذلك ان من كانت له عين حادة يري من البعد الي خمسة فراسخ مثلا او اكثر و هو متوجه اليه خوف بغتة العدو مثلا ربما يغفل عن شئ قريب منه و لايراه و هنا آخر يتوجه الي ذلك الشئ القريب و يراه لكن ليست له مثل عينه الحادة فلو نظر صاحب العين الي ذلك الشئ القريب رآه احسن و اوضح منه البتة لكنه باهتمامه في امر بغتة العدو لايصرف نظره عن ذلك البعد و ان احتاج الي العلم بذلك الشئ القريب سأل الناظر اليه العالم به و ليس ذلك من نقص في عينه او قصور منها لكنه مشغول عنه بامر اهم و اعظم فتفهم و قد ذكرت هذا المثل توضيحا لمراده (اع) و الاولي و الاشهي ان ترجع الي كلامه رفع الله شأنه فان فيه مطالب عالية تركتها اختصارا ، فموسي عليه السلام بحسب استعداده و صفاء طويته كما قال تعالي يا موسي اني اصطفيتك علي الناس برسالاتي و بكلامي فخذ ما آتيتك و كن من الشاكرين كان قادرا علي النظر الي ما كان ينظر اليه الخضر (ع) و يلهم اليه لكنه لما اراد الله سبحانه منه هضم نفسه و كسرها و ذلها و الاعتراف بافتقارها اليه تعالي في كل شئ كما قال رب اني لما انزلت الي من خير فقير و كان يشكو بذلك الجوع عند ربه اتي الخضر (ع) و سأله عن هذه المسائل . و اعلم ان الافراد المتكثرة في كل مقام لا بد فيها من وجدان و فقدان و فعلية و قوة و كون و امكان و يستثني من ذلك مقام آلمحمد عليهم السلام في اعلي مقاماتهم فان ارواحهم و نورهم و طينتهم واحدة طابت و طهرت بعضها من بعض و اولهم محمد و آخرهم محمد و كلهم محمد صلوات الله عليهم و فضلهم واحد و علمهم واحد كما في اخبارهم و هو شجرة العلم التي خصت بهم و منع من قربها آدم (ع) و جميع ذريته الا هم و المنع منع كوني ايجادي لايمكنهم التخلف عنه و اكل آدم عليه السلام منها لميكن من نفس الشجرة و لكن كان من شبهها و ظهورها في مقام آدم عليه السلام [ص 9] كما في الاخبار و هو معني هبوطه الي الدنيا و اقباله اليها و آلمحمد عليهم السلام ايضا يقبلون اليها بامر الله سبحانه و لكن من باب احاطتهم (ع) لايغفلون عن العليا فلايثبت لهم هبوط دون صعود و قد قال سيدنا الحسين عليه السلام و روحي فداه في دعائه الهي امرتني بالرجوع الي الآثار و كسوة الانوار لهداية الاستبصار فارجعني اليك منها كما دخلت اليك فيها مصون السر عن النظر اليها مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها الدعاء فتدبر فيه تشرب صافيا . فهم في هبوطهم لايهبطون لصيانة سرهم عن النظر اليها بعصمة الله تعالي و اما آدم عليه السلام و ساير ذريته فقد كان تعمل فيهم البشرية بمقتضي قوله سبحانه يا آدم روحك من روحي و طبيعتك علي خلاف كينونتي و كان يحصل لهم هبوط دون صعود و اقبال و ادبار و توجه و اعراض فعن جعفر بن محمد عليهما السلام في حديث مر بعضه و ان موسي لما كلمه الله تكليما و انزل عليه التورية و كتب له في الالواح من كل شئ موعظة و تفصيلا لكل شئ و جعل آيته في يده و عصاه و في الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم و فلق البحر و غرق الله عز و جل فرعون و جنوده عملت البشرية فيه حتي قال في نفسه ما اري ان الله عز و جل خلق خلقا اعلم مني فاوحي الله عز و جل الي جبرئيل يا جبرئيل ادرك عبدي موسي قبل ان يهلك و قل له ان عند ملتقي البحرين رجلا عابدا فاتبعه و تعلم منه الحديث . اقول و هذا من اقباله (ع) علي نفسه و اعراضه عما سواه و غفلته اي تركه للنظر و هذا و ان كان عصيانا و قصورا بالنسبة الي مقام آلمحمد عليهم السلام الذين لايشغلهم شأن عن شأن و اما بالنسبة الي موسي عليه السلام فمهما لميثبت علي هذا الاعتقاد و كان ذلك من الوسوسة في الخلق التي روي في الخبر عنهم عليهم السلام انه لميخل منها نبي فمن دونه فليس بعصيان ينافي نبوته (ع) اذ لايسعه الا ذلك و لايكلف الله نفسا الا وسعها و الا ما آتاها بالجملة فالانبياء لتعدد افرادهم [ص 10] و تكثرها و ان كانوا في غاية الوحدة الممكنة في حقهم لكنهم معذلك مختلفون متعددون و اختلافهم بحسب صورهم و موادهم الشخصية و الصورة مقام الفعلية و هي مقام العلم الذي هو حضور المعلوم عند العالم فاختلافهم و تعددهم بحسب علمهم الذي يلزمه عملهم ففيهم صلوات الله عليهم وجدان و فقدان لا محالة و ان لميكن ذلك في حقهم بنسبة بعضهم الي بعض مثل ما في ساير الناس فان ساير الناس ربما لايمكن للفاقد منهم علم ما يعلمه العالم ابدا و ربما يمكنهم التعلم منه بعسر شديد او بيسر علي اختلاف حالهم و اما الانبياء سلام الله عليهم في نسبة بعضهم الي بعض فليس امرهم كذلك و لعلهم ان ارادوا علم شئ مما لا يعلمون علموه بالنظر او بمجاهدة يسيرة و رياضة مثلا ، نعم ان كانوا امروا بامر لايسعهم الغفلة عنه اخذوه عن غيرهم و ليس اخذهم به عن غيرهم الا مثل انك في البيت فتأمر خادمك بالنظر الي الصبح او المغرب مثلا و ليس ذلك لعجز منك عن النظر بل كنت مشغولا بامر آخر فامرت الخادم بالنظر اليه و كذلك الامر هنا تقريبا و من هنا ورد اخبار كثيرة و آيات في علم سليمان بما لميعلمه داود عليهما السلام كما قال تعالي في الحكومة في النافشة ففهمناها سليمان و كلا آتينا حكما و علما بل و علم هدهد و النملة بما لميعلمه سليمان (ع) و يروي ان لقمان (ع) كان يأتي داود (ع) و يعظه و ورد ايضا عن احدهما عليهما السلام الخضر و ذوالقرنين كانا عالمين و لميكونا نبيين . اقول و مع ذلك تري اتباع موسي للخضر و كل ذلك من هذا الباب فان كل واحد من الانبياء (ص) له جهة خدمة لايسعه الغفلة عنها و قد يرجع فيما سواها الي غيره من نبي او ملك او انس او جن او حيوان مثلا او سماء او ارض قال الله تعالي في حق ابرهيم علي نبينا و آله و عليه السلام فنظر نظرة في النجوم فقال اني سقيم فان كل ذلك من معلومات الله و مظاهر علمه و العلم عين المعلوم و الانبياء بانفسهم و ان كانوا وسائط نزول علمه سبحانه الي المعلومات [ص 11] و وقوعه عليها و لكن في المقامات الشخصية يستنبطون علمهم من كل شئ بل في مقام آلمحمد عليهم السلام ايضا كذلك في المقامات الشخصية و الفرق بينهم صلوات الله عليهم و بين الانبياء ان كلا منهم بحسب ذاته صاحب النفس الكلية الالهية حقيقة و هي الواسطة الكبري بين مشية الله تعالي و جميع المشاءات و هي محيطة بكلها و اما الانبياء سلام الله عليهم فكل واحد منهم يحكي شأنا من شئون هذه النفس المباركة بحسب ظهورها في درجتهم و في مقام الشخصية البشرية ايضا كذلك علي ما يسع هذا المقام فالانبياء يأخذون نصيبهم هنا من جهة ذواتهم تارة و من الجهات الظاهرة اخري و آلمحمد عليهم السلام ايضا كذلك بالنسبة الي كلية مقامهم فبحسب الظاهر قد يقال ينقر في آذانهم و قد يقال يأتيهم بها راكب و قد يقال ينصب لهم عمود ينظرون فيه و قد يقال بينهم و بين كل ارض تر و مجمل القول انهم صلوات الله عليهم في مقام الشخصية يستنبطون علمهم من كل شئ و اذا شاؤا ان يعلموا علموا و اما الانبياء فليس امرهم بهذه المثابة فانهم اولا لايتجاوزون مبدأهم الذي هو دون مقام آلمحمد (ع) و في مقامهم ايضا لهم تعينات و تشخصات فالغوث الاعظم عجل الله فرجه محيط بما دونه في ذاته و في مقام الشخصية ايضا بنسبة احاطته يعلم بتعليم الله تعالي ما شاء اذا شاء و اما الاركان الاربعة الذين هم من الانبياء (س) كل واحد منهم بحسب قابليته مأمور بجهة من الجهات ناظر في تلك الجهة و ان كان له حاجة في ساير الجهات فالطريق الاسهل اليها الرجوع الي من وكل بتلك الجهة من اخوانه و ان امكنه و لو بجهد ان ينظر بنفسه اليها و يستنبطها من مقامها الا ان هضم النفس و انكسارها و الاعتراف بفقرها الذي اريد منها لايحصل بذلك و لعله هو الرشد الذي طلبه موسي (ع) من سؤاله الخضر حيث قال هل اتبعك علي ان تعلمني مما علمت رشدا اي ذا رشد فان هذا الرشد لميكن يحصل له بنظره بنفسه فان معني الاتباع هو ترك ما يريد التابع [ص 12] لما يريد المتبوع و فيه من الانكسار و الخضوع ما لايخفي و اما النظر بنفسه ففيه شائبة القياس الممنوع المتر فيما قاله الخضر (ع) لموسي عليه السلام اولا و بعد ما انكر عليه ما رأي منه قال له الخضر انك لنتستطيع معي صبرا لأني وكلت بعلم لاتطيقه و وكلت انت بعلم اطيقه ● قال موسي بل استطيع معك صبرا فقال له الخضر ان القياس لا مجال له في علم الله و امره و كيف تصبر علي ما لمتحط به خبرا قال موسي ستجدني ان شاء الله صابرا و لااعصي لك امرا فلما استثني المشية قبله قال فان اتبعتني فلاتسألني عن شئ حتي احدث لك منه ذكرا فقال موسي (ع) لك ذلك علي فانطلقا حتي اذا ركبا في السفينة خرقها الخضر (ع) فقال له موسي (ع) اخرقتها لتغرق اهلها لقد جئت شيئا امرا قال الماقل لك انك لنتستطيع معي صبرا قال موسي لاتؤاخذني بما نسيت اي بما تركت من امرك و لاترهقني من امري عسرا فانطلقا حتي اذا لقيا غلاما فقتله الخضر (ع) فغضب موسي و اخذ بتلبيبه و قال له اقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال له الخضر ان العقول لاتحكم علي امر الله تعالي ذكره بل امر الله يحكم عليها فسلم لما تري مني و اصبر عليه فقد كنت علمت انك لنتستطيع معي صبرا الحديث . فانظر الي قوله له (ع) اولا و آخرا و اعرف منه ان الترقي الي عرصة البقاء يستلزم الفناء من حيث نفسه و اتباع امر الآمر و التسليم له و الرضا بقضائه انظر في الفلسفة التي هي مرآت الحكماء ان الاكاسير لاتترقي و لاتزداد السعة و النفوذ و الانبساط الا بانحلالها في مقامها و حل العقد المانعة لها المقيدة الحاصرة الصادة اياها عن انبساطها حتي تتلطف و تصفو و تزول عنها الاعراض و الغرائب ثم تنعقد علي صورة عليا و طور اشرف و الطف فتنبسط فيما القيت عليها و تغوص في اعماقها و كذلك الامر هنا لمتبلغ [ص 13] الانبياء (س) درجة البقاء الا بفنائهم و الغناء الا بفقرهم و الوجود الا بعدمهم قال النبي صلي الله عليه و آله الفقر فخري و به افتخر و اما قوله صلي الله عليه و آله كاد الفقر ان يكون كفرا ، فهو الفقر الذي يوجب الامساك علي ما يجد زعما منه ان بقاءه و نعيمه فيه فيعسر عليه مفارقته و اذا اشغل نفسه بامساكه قصر همه عن اخذ غيره فانه ماجعل الله لرجل من قلبين في جوفه و بالجملة لا حاجة الي التفصيل باكثر من ذلك .
و اما قولكم و المفروض ان الخضر (ع) كان يدين الله عز و جل بموسي (ع) و كيف يحيط بشئ لميكن موسي (ع) محيطا به و المفروض ان موسي (ع) من اولي العزم فاقول لايخفي انه (ع) كان يدين الله بموسي (ع) و مع ذلك لايرد الاشكال لوجوه منها ما عرفت من كلام الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه ان تلك الامور امور وراء الديانة الشرعية و خضر عليه السلام كان تابعا لموسي (ع) في الديانة الشرعية و قد كان موسي (ع) محيطا عالما بها بتعليم الله سبحانه غير محتاج فيها الي سؤال الخضر (ع) و اما في تلك الامور الخارجة عن الديانة الشرعية فقد كان موسي (ع) محتاجا الي الخضر (ع) بحسب الظاهر و هو الباب اليها و قد قدر الله سبحانه ان يؤتي كل شئ من بابه و قال ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و اتوا البيوت من ابوابها و قد عرفت ذلك في كلام الشيخ الاوحد (اع) من مثال المجتهد العام و الطبيب الذي كان من مقلديه و اروي سماعا ان نبيا من الانبياء ابتلي بمرض فسأل الله سبحانه عن دوائه فاوحي اليه دواءا فاستعمله و لمينجح فيه فسأله ثانيا فامره الله تعالي بالرجوع الي الطبيب فلما رجع اليه وصف له ذلك الدواء بعينه فاستعمله و برئ فسأل الله تعالي ثانيا عن علة عدم التأثير اولا و تأثيره ثانيا فاوحي الله اليه اني قد جعلت الطبيب بابا في العلاج و قدرت الرجوع اليه و جعلت الاثر في كلامه و لايحضرني الخبر بعينه فارويه بلفظه و لعل المعني محفوظ و بالجملة فخضر عليه السلام اذا [ص 14] كان بابا لتلك الامور دون موسي (ع) بحسب الظاهر و موسي (ع) كان بابا للامور الشرعية فكل واحد منهما محيط بما هو من شأنه و لايرد المحظور و منها مع تسليم ان هذه الامور ايضا تتعلق بالديانة و لكن الاحاطة التامة في كل ما يتعلق بالديانة ممنوعة في كل مقام و لاتجب دائما بحسب الظاهر المتر ما في قصة يحيي (ع) من كلام رسول الله صلي الله عليه و آله كان زكريا اذا اراد ان يعظ بنياسرائيل يلتفت يمينا و شمالا فان رأي يحيي (ع) لميذكر جنة و لا نارا فجلس ذات يوم يعظ بنياسرائيل و اقبل يحيي قد لف رأسه بعباءة فجلس في غمار الناس و التفت زكريا يمينا و شمالا فلمير يحيي فانشأ يقول حدثني حبيبي جبرئيل (ع) عن الله تبارك و تعالي ان في جهنم جبلا يقال له السكران في اصل ذلك الجبل واد يقال له الغضبان لغضب الرحمن تبارك و تعالي في ذلك الوادي جب قامته مأة عام في ذلك الجب توابيت من نار في تلك التوابيت صناديق من نار و ثياب من نار و سلاسل من نار و اغلال من نار فرفع يحيي (ع) رأسه فقال واغفلتاه من السكران ثم اقبل هائما علي وجهه فقام زكريا (ع) من مجلسه فدخل علي ام يحيي فقال لها يا ام يحيي قومي فاطلبي يحيي فاني قد تخوفت ان لاتراه الا و قد ذاق الموت الحديث . فانظر الي عدم احاطة زكريا بيحيي (ع) ح مع مقامه بين الناس و مخاطبا بخطابه و نظائره كثيرة و تلك امور ظاهرية و الغرض عدم لزوم الاحاطة بجميع متعلقات التكليف فان منها المكلف و لايجب الاحاطة به كما في كثير من الحجج و منها ان المحيط بشئ انما احاطته في مقام يسع الاحاطة و هي من شأنه و هو عرصة النفس مثلا و اما في الظاهر و عرصة الشخصية فهي حاجبة و مانعة عن الاحاطة و لاينافي عدمها هنا ثبوتها هناك كما انك بحسب نفسك عالم بجميع مسائل النحو مثلا محيط بها و لكن في الظاهر ففي كل آن ناظر في مسألة غافل عن غيرها فتدبر فللانبياء في انفسهم تكاليف باطنية و ظاهرية هم اعلم بها و في كل [ص 15] مقام يعملون بمقتضاها و قد وجدت هنا في قصص يحيي (ع) حديثا يناسب هذا المعني اذكره هنا قال الصادق (ع) ان رجلا جاء الي عيسي بن مريم (ع) فقال له يا روح الله اني زنيت فطهرني فأمر عيسي (ع) ان ينادي في الناس لايبقي احد الا خرج لتطهير فلان فلما اجتمع و اجتمعوا و صار اليه الرجل في الحفرة نادي الرجل في الحفرة لايحدني من لله تعالي في جنبه حد فانصرف الناس كلهم الا يحيي و عيسي (ع) فدنا منه يحيي فقال له يا مذنب عظني فقال له لاتخلين بين نفسك و بين هواها فتردي قال زدني قال لاتعيرن خاطئا بخطيئته قال زدني قال لاتغضب قال حسبي . اقول فالانبياء يأخذون موعظتهم من كل احد حتي ممن عصي و تاب و لايأنفون من شئ اذا كان فيه رضا ربهم عز و جل و من ذلك اتباع موسي (ع) للخضر (ع) فتدبر و لا حاجة الي التفصيل باكثر من ذلك .
و اما قولكم و المفروض ان موسي (ع) من اولي العزم قلت نعم هو مفروض واقع لا ريب فيه و لكن اولا لا كل احد من اولي العزم يبلغ مبلغ الاحاطة التامة الكاملة و انما هو خاص بالخاتم صلي الله عليه و آله و موسي (ع) و ان كان اعلم و افضل من الخضر (ع) و هو مأمور بهداية المكلفين و دلالتهم الي غاية الايجاد و الغاية مقدمة وجودا علي المكلف و ان كانت مؤخرة ظهورا و نفس ذلك دليل علي افضلية موسي (ع) لتقدم ما امر به علي كل شئ دونه بخلاف ما امر به خضر (ع) فانه من مقتضيات العدل التي لايقوم بها المكلف بنفسه و لايؤمر بها كالتقديرات النازلة من السماء في معاملة الله مع خلقه و تلك امور دون الغاية المقصودة من الخلق و بلوغهم اليها بالجملة و الغرض ان موسي (ع) و ان كان افضل من الخضر (ع) و من اولي العزم من الرسل و لكنه بالنسبة اليه لميبلغ رتبة المؤثرية و الاحاطة التامة الكلية و هما اخوان و ان كان موسي (ع) اكبر و له فضله و يختص ببعض ما يختص به الاب كالحبوة المختصة بالاخ الاكبر في الشرع الظاهر و لكنها علي التحقيق تحسب من سهمه من ميراثه و لايزاد علي غيره [ص 16] من الورثة كمية و ان زيد كيفية و كذلك الامر في الباطن تقريبا و بالجملة فموسي (ع) و ان كان من اولي العزم من الرسل لكن لايجب في حقه الاحاطة التامة بالفعل و نفس احتياجه الي التعلم دليل علي عدم الاحاطة كما لايخفي .
و اما قولكم و ما معني هذه السفينة التي ركبا فيها الي آخر فاعلم ان تلك الامور كلها امثال ضربها الله سبحانه كما قال و تلك الامثال نضربها للناس لعلهم يعقلون و لها حكم لاتحصي و لايحيط بها الا الذي انزلها او الذي انزلت اليه و لايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم و نحن ايضا نقتفي آثارهم صلوات الله عليهم فيما بلغنا عنهم و عرفنا منها و لا حول و لا قوة الا بالله و صلي الله علي محمد رسول الله و آله آل الله قال الصدوق رحمه الله في العلل بعد ما روي حديثا طويلا في هذا الباب ان موسي عليه السلام مع كمال عقله و فضله و محله من الله تعالي ذكره لميستدرك باستنباطه و استدلاله معني افعال الخضر عليه السلام حتي اشتبه عليه وجه الامر فيه و سخط جميع ما كان يشاهده حتي اخبر بتأويله فرضي و لو لميخبر بتأويله لماادركه و لو بقي في الفكر عمره فاذا لميجز لانبياء الله و رسله صلوات الله عليهم القياس و الاستنباط و الاستخراج كان من دونهم من الامم اولي بأن لايجوز لهم ذلك و سمعت اباجعفر محمد بن عبدالله بن طيفور الدامغاني الواعظ بفرغانة يقول في خرق الخضر عليه السلام السفينة و قتل الغلام و اقامة الجدران تلك اشارات من الله لموسي عليه السلام و تعريضات الي ما يريد من تذكيره لمنن سابقة لله عز و جل عليه نبهه عليها و علي مقدارها من الفضل ذكره بخرق السفينة انه حفظه في الماء حين القته امه في التابوت و القت التابوت في اليم و هو طفل ضعيف لا قوة له فاراد بذلك ان الذي حفظك في التابوت الملقي في اليم هو الذي يحفظهم في السفينة و اما قتل الغلام فانه كان قد قتل رجلا في الله عز و جل و كانت تلك زلة عظيمة عند من لميعلم ان موسي (ع) نبي فذكره [ص 17] بذلك منته عليه حين دفع عنه كيد من اراد قتله به و اما اقامة الجدار من غير اجر فان الله عز و جل ذكره بذلك فضله فيما آتاه في ابنتي شعيب حين سقي لهما و هو جائع و لميبتغ علي ذلك اجرا مع حاجته الي الطعام فنبهه عز و جل علي ذلك ليكون شاكرا مسرورا و اما قول الخضر لموسي (ع) هذا فراق بيني و بينك فان ذلك كان من جهة موسي (ع) حيث قال ان سألتك عن شئ بعدها فلاتصاحبني فموسي عليه السلام هو الذي حكم بالمفارقة لما قال فلاتصاحبني الي آخر كلامه . اقول ليس من دأبنا نقل اقوال الناس و لكن لما كان هذا الكلام من محمد بن عبدالله بن طيفور بقرينة وجود بعض مضامينه في الاخبار و كذا اعتماد الصدوق رحمه الله عليه يتبادر الي الذهن ان يكون كله مأخوذا من الاخبار و لو من اخبار متفرقة و اما نفس محمد بن عبدالله فلااعرفه و لماجد ترجمته فيما حضرني من كتب الرجال و معلوم انه ليس بمثابة الاخبار المأثورة في هذا المضمار و الله العالم و لا ريب ان حكم افعال الله سبحانه و افعال حججه لاتنحصر في واحدة او اثنتين فلتكن هذه ايضا منها و لا ضير و كلامه واضح متين و لا غبرة عليه و لايحتاج الي شرح . و هنا بعض اخبار عن اهل البيت سلام الله عليهم و عن ابنعباس في كلام طويل ذكره لبعض اهل الشام و جعل هذه القصة كلية مثلا لاميرالمؤمنين عليه السلام في افعاله و للمخالفين له و انكارهم عليه حيث جعلهم بمنزلة موسي (ع) في انكاره علي الخضر في افعاله و جعل الخضر (ع) بمنزلة اميرالمؤمنين (ع) في كون جميع افعاله صوابا و بامر الله عز و جل و امر رسوله صلي الله عليه و آله و وجوب التسليم له فيما فعل و هو حق و يجب التسليم لاميرالمؤمنين (ع) البتة الا انه يختلج ببالي انه وقع منهم هذا التمثيل و التنظير من باب المداراة في مقام المجادلة بالتي هي احسن لمقام التقية اذ لميكونوا يقدرون علي اظهار كفر القوم و ارتدادهم بالمرة حيث انكروا علي اميرالمؤمنين (ع) و ناصبوه و خالفوه فشبهوهم بموسي (ع) [ص 18] في جهله في الظاهر بحكم افعال خضر (ع) و هيهات هيهات ان يشبهوا في انكارهم و مخالفتهم بموسي (ع) و يكون المثل مثلهم الا ان من البين انهم لما لميقدروا علي التصريح بكفر القوم و ارتدادهم و جهلهم و خروجهم من جملة الحق و ارادوا استمالتهم و هدايتهم و دلالتهم الي الرشد ذكروا امثال ذلك من العبارات و هذا باب عظيم في كيفية المجادلة ان لاينكر الانسان علي خصمه في كل ما يقول اول مرة و لايطلب منه التسليم ابتداءا بمر الحق بل يكتفي منه ان يردده فيما اعتقد و يدخل عليه الريبة فيه حتي اذا ارتاب شككه ثم اوصله الي مقام الظن بحقية خلافه ثم يزيده في الدلالة و اقامة الدليل علي الحق حتي يوجب له الاطمينان و اليقين و لو اراد منه انكار ما في يده اول مرة و التصديق بمر الحق لميفعل بداهة بل اوجب له الاعراض بالكلية بحيث لايصغي الي باقي الكلام ابدا اعتبر ذلك بفعل ابرهيم عليه و علي نبينا و آله و عليه السلام لما رأي كوكبا فقال هذا ربي فلما افل قال لااحب الآفلين فلما رأي القمر بازغا قال هذا ربي فلما افل قال لئن لميهدني ربي لاكونن من القوم الضالين فلما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي هذا اكبر فلما افلت قال يا قوم اني بريء مما تشركون فانظر كيف ماشا معهم اولا ثم رددهم و عرفهم ان الذي يعرضه الافول لايكفي لما بعد افوله علي انه بنفسه في تصرف الغير و كذلك ثانيا و زاد عليهم انا نطلب من يهدينا اليه و يدلنا عليه و يقضي حوائجنا و يجبر فقرنا لا الذي لايثمر و لايغني من شئ و معذلك كان يداريهم و يظهر لهم انه لعل ما نريد في غيرهما حتي رأي الشمس بازغة فقال هذا ربي هذا اكبر تقريبا لمرادهم و مراده حتي افلت فقال يا قوم اني بريء مما تشركون اني وجهت وجهي للذي فطر السموات و الارض حنيفا مسلما و ما انا من المشركين فاوقفهم علي التوحيد ، و كذلك الامر هنا تشبيه هؤلاء الضلال بل الكفار بموسي (ع) انما هو من هذا القبيل و ليس هذا بمثل حقيقي لهم و لعلك تنبهت بما ذكرنا ان [ص 19] هذه الكلمات في تلك الآيات لمتكن من اعتقاد ابرهيم (ع) بل و لا احتمال صدقها بل كان يتكلم بما يشبه كلام القوم بحسب ما يفهمون و الا فهو علي سبيل الاستفهام الانكاري عند نفسه و معذلك نقلهم اولا من الارضيات الي السماويات لان دأب قوم نمرود كان عبادة الاصنام المنحوتة من الخشب التي كانوا ينحتونها بايديهم و بالآلات المعدة للنحت فنقلهم اولا من هذا الامر الشنيع الي عبادة السماويات التي لمتعمل ايديها اقلا في صنعها و هي مؤثرة باشعتها في الارضيات ثم نقلهم عنها ايضا من الادني الي الاعلي حتي اوقفهم علي الحق و الغرض انه لميكن ذلك منه (ع) عن جهالة او اعتقاد شرك فيعاب عليه و العياذ بالله كما زعمه بعضهم بالجملة و هذا من علم المجادلة و نحو ذلك فعل الرسول الثالث الذي ارسله عيسي (ع) الي انطاكية و قال تعالي حكاية عنه فعززناهما بثالث و قد حكي انه اتي القوم و اظهر انه من اهل دينهم حتي اطمأنوا به ثم هداهم الي الحق تدريجا و كذلك الامر فيما نحن فيه تشبيه هؤلاء النصاب الكفرة بموسي النبي عليه السلام لميكن الا من باب المداراة و المماشاة كي يستميلوهم الي الحق و الي الصراط المستقيم و ليس الا كتسميتهم بالمسلمين و المحمديين و هي في الحقيقة من الاسماء التي ماانزل الله بها من سلطان و لا حاجة الي زيادة تحقيق في بيان ذلك .
و هنا بعض اخبار اخر يستفاد منها بعض الحكم فمنها ما رواه في البحار في حديث طويل عن ابيعبدالله عليه السلام و كان مثل السفينة فيكم و فينا ترك الحسين البيعة لمعوية و كان مثل الغلام فيكم قول الحسن بن علي لعبدالله بن علي لعنك الله من كافر فقال له قد قتلته يا ابامحمد و كان مثل الجدار فيكم علي و الحسن و الحسين . اقول قال المجلسي رحمه الله في شرح الخبر اما كون ترك الحسين (ع) البيعة لمعوية لعنه الله شبيها بخرق السفينة لانه (ع) بترك البيعة مهد لنفسه المقدسة الشهادة و بها انكسرت سفينة اهل البيت [ص 20] صلوات الله عليهم و كان فيها مصالح عظيمة منها ظهور كفر بنيامية و جورهم علي الناس و خروج الخلق عن طاعتهم و منها ظهور حقية اهل البيت عليهم السلام و امامتهم اذ لو بايعه الحسين (ع) ايضا لظن اكثر الناس وجوب متابعة خلفاء الجور و عدم كونهم عليهم السلام ولاة الامر و منها ان بسبب ذلك صار من بعده من الائمة آمنين مطمئنين ينشرون العلوم بين الناس الي غير ذلك من المصالح التي لايعلمها غيرهم و لو كان ما ذكره المورخون من بيعته (ع) له اخيرا حقا كان المراد ترك البيعة ابتداءا و لايبعد ان يكون في الاصل يزيد بن معوية فسقط الساقط الملعون هو و ابوه . اقول الوجوه المذكورة في كلامه رحمه الله صحيحة و قد اقام الحسين صلوات الله عليه اعلام سفينتهم و نشر شراعها الي آخر الدهر و اضاء نوره علي كل احد انظر الي شيوع ذكره و اقامة مأتمه ارواحنا فداه بين جميع اصناف الخلق و استماعهم لذكره و اعتقادهم بمظلوميته و ظلم ظالميه و توسلهم به و الاستشفاء بتربته حتي ان النصاري و الهنود عرفوا ذلك و يقيمون مأتمه (ع) و يتوسلون به و يرون منه (ع) آثارا و عجائب حتي ان بعض الهنود في ايام عزائه علي ما سمعت يدخلون النار بالتوسل به (ص) و لايبالون و لايحترقون فان لميكونوا يعتقدون فيه الحق كيف يمكن ان يروا تلك الآثار و الغرض انه عليه السلام بشهادته احيي نفسه و ادام ذكره و نشر امره و لاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون و اي حيوة ابدية اكتسب صلوات الله عليه لنفسه و لشيعته و الداخلين في سفينة ولايته و هذه الايام بعد من ايام شهادته و عدم الاخذ بثاره و ابتلاء اصحابه و شيعته من بعده و تري اشتداد ظهور امره يوما فيوما فكيف اذا جاء وليه القائم المنتظر عجل الله فرجه و سهل مخرجه و جعلنا من الطالبين بثاره معه فيأخذ بعض ثاره حتي يرجع بنفسه صلوات الله عليه فيأخذ بثاره و يعمر خمسين الف سنة مع غلبة و شوكة و سلطنة لايقدر قدرها و لايعرف [ص 21] شأنها كما في اخبارهم صلوات الله عليهم بل الخمسون الف ايضا تقريبي و الا فانه سلطنة دائمة و ملك لا نفاد له و الغرض ان هذا بعض ما اكتسبه عليه السلام لنفسه و ذريته و اصحابه بما تحمل من الشهادة و هو البقاء في الفناء في ظاهر الحيوة الدنيا و الا فاين و اني و متي و كيف يدرك ما اعطاهم الله تعالي بخرقهم سفينتهم صلوات الله عليهم و هو فتق باطنه رتق و فصل حقيقته وصل و الله تعالي يقول انا ديته و في الخبر يأتيه عز و جل و يجلس معه علي السرير بالجملة و اعلم ان قوله (ع) فيكم و فينا ترك الحسين البيعة يمكن ان يؤخذ كلاما واحدا فيكون تركه البيعة و شهادته (ع) مثل خرق السفينة فيهم و في شيعتهم جميعا و هو حق و قد حفظ شيعته صلوات الله عليه ايضا بشهادته عن الضلالة و الكفر و كثير من البلايا و الامراض و القتل العام و نهب اموالهم جميعا و اوجبت غفران ذنوبهم و نجاتهم من عذاب الدنيا و الآخرة و غير ذلك مما لايحصي كثرة و لكن يمكن ان يكون قوله مثل السفينة فيكم كلاما تاما يعني ان منكم من هو مثل السفينة ثم عطف عليه قوله و فينا ترك الحسين البيعة اي مثل السفينة فينا ترك الحسين (ع) فان المثل يجري في شيعتهم خاصة ايضا من جهات شتي و منها ما روي في منتهي المقال بسنده عن عبدالله بن زرارة قال قال لي ابوعبدالله اقرأ مني علي والدك السلام و قل له انما اعيبك دفاعا مني عنك فان الناس و العدو يسارعون الي كل من قربناه و حمدنا مكانه لادخال الاذي فيمن نحبه و نقربه و يذمونه لمحبتنا له و قربه و دنوه منا و يرون ادخال الاذي عليه و قتله و يحمدون كل من عيبناه فاعيبك لانك رجل اشتهرت بنا و بميلك الينا و انت في ذلك مذموم عند الناس فيكون ذلك رافع شرهم عنك يقول الله عز و جل اما السفينة فكانت الآية الي ان قال لا والله ماعابها الا لكي تسلم من الملك فافهم المثل يرحمك الله فانك والله احب الناس الي و احب اصحاب ابي الي حيا و ميتا فانك افضل سفن ذلك البحر القمقام الزاخر و ان [ص 22] من ورائك لملكا ظلوما غصوبا يرقب عبور كل سفينة صالحة ترد من بحر الهدي ليأخذها غصبا فيغصبها و اهلها فرحمة الله عليك حيا و رحمته و رضوانه عليك ميتا و لقد ادي ابناك الحسن و الحسين رسالتك احاطهما الله و كلاهما و رعاهما و حفظهما بصلاح ابيهما كما حفظ الغلامين . اقول و قد كان في النسخة بعض النقص و اتممته من كنز الدقايق و انظر انه (ع) جعله مثلا لبعض شيعتهم و قد كانت امثال زرارة متعددين منهم يونس بن عبدالرحمن رضوان الله عليه و قد ورد في فضله روايات حتي انه روي ان يونس في زمانه كسلمان في زمانه و مع ذلك يروون اخبارا في ذمه و منهم جابر بن يزيد الجعفي رضوان الله عليه فانه ايضا من نظراء سلمان (اع) علي ما يظهر من الاخبار و مع ذلك يروون فيه الذم و يروي انه امره الامام عليه السلام باظهار الجنون فكان يركب القصب و يعدو في السكك و هذا من التعييب الذي حفظه الامام (ع) به حيث يحكي ان بعض الخلفاء امر بقتله فقيل له انه جن فتركوه و من تعييبهم لشيعتهم ما ابتلوا به من الفقر و الفاقة و المسكنة و الاستضعاف في ظاهر حالهم فان الاعداء لو رأوا فيهم القوة و الشدة و الغنا و العظمة و الهيبة لميتركوهم يعيشون في الدنيا ابدا و كل من قوي امره و ارتفع مكانه كثرت اعداؤه و نفوه عن جديد الارض و قد رأي الله عز و جل صلاحهم فيما ابتلاهم به في ظاهر الحيوة الدنيا و من اشد اعدائهم الشيطان و النفس الامارة بالسوء و لو ظهر لشيعة آلمحمد عليهم السلام ما لهم من الفضل و الدرجات و المقامات حقيقة في ظاهر الحيوة الدنيا قلما يسلم منهم من شر الشيطان و من شرور انفسهم الا من عصمه الله و شواهد ما ذكرنا كثيرة في الاخبار لكن لا حاجة الي التفصيل لوضوح المسألة و الغرض ان المثل يجري في آلمحمد عليهم السلام اولا و في شيعتهم ثانيا ايضا و كونهم من سفن النجاة مما لا شك فيه و لاسيما العلماء منهم و الاخبار في فضلهم اكثر من ان تحصي فلو هويت راجع الي الكتاب المبين . [ص 23] بالجملة ثم قال المجلسي رحمه الله في بيان الخبر الذي مر ايضا و اما ما تضمن من قول الحسن (ع) لعبدالله بن علي فيشكل توجيهه لانه كان من السعداء الذين استشهدوا مع الحسين صلوات الله عليه علي ما ذكره المفيد و غيره و القول بأنه (ع) علم ان لو بقي بعد ذلك و لميستشهد لكفر بعيد و الظاهر ان يكون عبيدالله مصغرا بناءا علي ما ذكره ابنادريس انه لميستشهد مع الحسين (ع) ردا علي المفيد و ذكر صاحب المقاتل و غيره انه صار الي المختار فسأله ان يدعو اليه و يجعل الامر له فلميفعل فخرج و لحق بمصعب بن الزبير فقتل في الوقعة و هو لايعرف قوله فقال له اي اميرالمؤمنين (ع) قد قتلته اي سيقتل بسبب لعنك او هذا اخبار بأنه سيقتل كما قتل الخضر الغلام لكفره . اقول تصحيفات النسخ يقل الاعتماد و المجلسي رحمه الله هنا يقول كذلك لكن في احوال اولاد اميرالمؤمنين (ع) مرة روي من الخرايج عن سعيد بن هبةالله عن ابيالجارود عن ابيجعفر (ع) قال جمع اميرالمؤمنين (ع) بنيه و هم اثنيعشر ذكرا فقال لهم ان الله احب ان يجعل في سنة من يعقوب اذ جمع بنيه و هم اثنيعشر ذكرا فقال لهم اني اوصي الي يوسف فاسمعوا له و اطيعوا و انا اوصي الي الحسن و الحسين فاسمعوا لهما و اطيعوا فقال له عبدالله ابنه دون محمد بن علي يعني محمد بن الحنفية فقال له اجرأة علي في حيوتي كأني بك قد وجدت مذبوحا في فسطاطك لايدري من قتلك فلما كان في زمان المختار اتاه فقال لست هناك فغضب فذهب الي مصعب بن الزبير و هو بالبصرة فقال ولني قتال اهل الكوفة فكان علي مقدمة مصعب فالتقوا بحرورا فلما حجز الليل بينهم اصبحوا و قد وجدوه مذبوحا في فسطاطه لايدري من قتله . ثم قال المجلسي (ره) في بيانه اتاه اي اتي عبدالله المختار ليبايع المختار له بالامامة فقال المختار له لست هناك اي لاتستحق الامامة . اقول فهنا يروي عبدالله و وجدته في الخرايج كذا بعينه و ليكن هذا هو الذي لعنه الحسن عليه السلام [ص 24] بقوله لعنك الله من كافر . ثم روي المجلسي (ره) بعد ثلث قوائم من كتاب الغارات لابرهيم بن محمد الثقفي عن مغيرة الضبي قال لما نكح علي (ع) ليلي بنت مسعود النهشلي قالت مازلت احب ان يكون بيني و بينه سبب منذ رأيته فاقام مقاما من رسول الله صلي الله عليه و آله فذكر انه ولدت له عبيدالله بن علي فبايع مصعبا يوم المختار . اقول فانظر انه اولا يروي عن الباقر عليه السلام باسم عبدالله ثم يروي عن بعض المورخين باسم عبيدالله فبحسب الظاهر الصحيح ان يكون عبدالله كما في الخبر الذي كلامنا فيه و هو ايضا مروي عن ابيعبدالله عليه السلام الا ان التصحيف محتمل في النسخ و الله العالم . ثم ان ما ذكره المجلسي (ره) من معني قول اميرالمؤمنين (ع) قد قتلته يا ابامحمد قريب في الظاهر الا ان الاقرب في الباطن ان يكون المراد ان تكفيرك الآن له هو قتله فان الموت هو الكفر كما ورد في تأويل آيات كثيرة كقوله تعالي يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي قال ابوعبدالله (ع) في حديث فالحي المؤمن الذي يخرج طينته من طينة الكافر و الميت الذي يخرج من الحي هو الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن فالحي المؤمن و الميت الكافر ، و نحوه في اخبار كثيرة الا انه ان كفر ظاهرا و اظهر كفره من نفسه فهو موت علي العادة و اما ان لميظهره بعد و يخفيه و الحسن عليه السلام يظهره لعلمه بكفره باطنا او بأنه سيكفر فكأنه قتله لان القتل ايضا موت حصل بسبب خاص سوي الاسباب العامة فتدبر فقوله عليه السلام قتلته يا ابامحمد اي اظهرت كفره و هو معني قتله فمن هنا اعرف التأويل في اصل الآية كما سنشير اليه ان شاء الله . ثم قال المجلسي رحمه الله في بيان الخبر الذي كلامنا فيه و اما مثل الجدار فلعل المراد ان الله تعالي كما حفظ العلم تحت الجدار للغلامين لصلاح ابيهما فكذلك حفظ العلم لصلاح علي و الحسن و الحسين في اولادهم الي ان يظهر القائم (ع) للخلق او حفظ الله علم الرسول (ص) باميرالمؤمنين [ص 25] للحسنين (ص) فاقام عليا للخلافة بعد ان اصابه ما اصابه من المخالفين و الله يعلم ، اقول و كلاهما صحيح و الثاني اصح و من معانيه ايضا ان الله سبحانه حفظ علم الرسول (ص) باقامة علي و الحسن و الحسين صلوات الله عليهم لساير الائمة عليهم السلام فانك تعلم ان عليا و الحسن و الحسين (ع) لابتلائهم بمقاسات اعدائهم لميقدروا علي اظهار احكام الشرع و توضيح الحقايق و جل ما ظهر من الشرع الانور كان من علي بن الحسين عليهما السلام الي آخر الائمة و خاصة الصادقين (ع) حتي سمي مذهب التشيع مذهبا جعفريا و قد حفظ الله عز و جل علم الرسول (ص) و شرعه و دينه باقامة علي و الحسن و الحسين حتي اخرجها الائمة من ولدهم صلوات الله عليهم فاقامتهم كاقامة الجدار لحفظ ما تحته من الكنز . و اما ما ذكرت من الوجه الثاني في كلام المجلسي (ره) انه الاصح فلما يظهر مما روي في البرهان و الكنز من قول الحسين عليه السلام و روحي فداه لنافع بن الازرق يا بن الازرق اني اخبرت انك تكفر بي و باخي و تكفرني (خ) قال له نافع لئن قلت ذلك لقد كنتم الحكماء و معالم الاسلام فلما بدلتم استبدلنا بكم فقال له الحسين (ع) يا بن الازرق اسألك عن مسألة فاجبني عن قول الله لا اله الا هو و اما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة و كان تحته كنز لهما الي قوله كنزهما من حفظ فيهما قال ابوهما قال فايهما افضل ابويهما ام رسول الله صلي الله عليه و آله و فاطمة (ع) قال لا بل رسول الله و فاطمة بنت رسول الله قال فما حفظهما حتي خلي بينهما و بين الكفر فنهض ثم نفض ثوبه ثم قال قد نبأنا الله عنكم معشر قريش انتم قوم خصمون . اقول النسختان فيهما بعض التصحيف و صححت الخبر منهما و يستفاد منه ان الابوين الصالحين رسول الله و فاطمة صلوات الله عليهما و آلهما و الجدار الذي اقامه الله تعالي علي عليه السلام و كان تحته كنز للغلامين و هما الحسن و الحسين صلوات الله عليهما فبلغا اشدهما و استخرجا كنزهما من عند اميرالمؤمنين [ص 26] عليه السلام و تمتعا به و لميكفرا بالله طرفة عين ، فكأن هذا الخبر شرح و توضيح و تبيين لاجمال قول الصادق عليه السلام حيث قال و كان مثل الجدار فيكم علي و الحسن و الحسين اي مثل الجدار فيكم علي عليه السلام و مثل الغلامين الحسن و الحسين عليهما السلام و اعلم ان تعدد المعاني اذا كانت كلها موافقة لاخبارهم عليهم السلام مأخوذة منها غير مضر بل الحق هو التعدد و القرآن له معان لاتحصي و قد روي انه لو كان الكتاب اذا نزلت الآية في رجل ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية مات الكتاب و السنة لكنه حي يجري فيمن بقي كما جري فيمن مضي . فمعاني آيات القرآن متعددة بل و تزيد يوما فيوما و يجري فيمن بقي كما جري فيمن مضيو اعجب من ذلك انه يتفق ان تفسر آية واحدة في المؤمنين تارة و في الكفار اخري نحو قوله تعالي انا عرضنا الامانة علي السموات و الارض و الجبال فابين ان يحملنها و اشفقن منها و حملها الانسان انه كان ظلوما جهولا فقد يقال ان الانسان في الباطن هو الاول و قد كان ظالما جاهلا و قد يقال ان الانسان اميرالمؤمنين علي عليه السلام و قد كان مظلوما مجهول القدر و انما ذلك لجواز استعمال الظلوم و الجهول بمعني الفاعل و المفعول و كذلك الامر هنا لفظ الجدار من باب اطلاقه يصلح للمعنيين بل و معان كثيرة فانه يمكن تأويله بمؤمن و يمكن تأويله بكافر و يمكن تأويله بمستضعف و درجات كل من الثلاثة لاتحصي و ذلك ان الله سبحانه يحفظ الآباء ليخرج منهم الابناء لما يعلم من ايمان الابناء و يحفظ لهم القوي المذخورة في الآباء كي يخرجوها الابناء ففي الكتاب المبين قيل له ما بال اميرالمؤمنين عليه السلام لميقاتل مخالفيه في الاول قال لآية في كتاب الله عز و جل لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا اليما قيل قلت و ما يعني بتزايلهم قال ودايع مؤمنون في اصلاب قوم كافرين فكذلك القائم عليه السلام لنيظهر ابدا حتي تخرج ودايع الله عز و جل فاذا خرجت ظهر علي من ظهر من [ص 27] اعداء الله عز و جل جلاله فقتلهم و في البرهان في تفسير قوله تعالي و قالوا لننؤمن لك حتي تفجر لنا من الارض ينبوعا الآيات عن العسكري (ع) في محاجة رسول الله صلي الله عليه و آله مع المشركين الي ان قال لابيجهل و حكي له من قول الله تعالي لابرهيم (ع) بعد ما دعا علي بعض العصاة بالهلاك فمنعه عن الدعاء عليهم الي ان قال و اما كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من اصلابهم مؤمنون فارفق بالآباء الكافرين و اتأني بالامهات الكافرات فارفع عذابي عنهم ليخرج ذلك المؤمن من اصلابهم فاذا تزايلوا احل بهم عذابي و حل بهم بلائي ، الي ان قال رسول الله (ص) ان الله تعالي يا اباجهل انما دفع عنك العذاب لعلمه بأنه سيخرج من صلبك ذرية طيبة عكرمة ابنك و سيلي من امور المسلمين ما ان اطاع الله فيه كان عند الله جليلا و الا فالعذاب نازل عليك و كذلك ساير السائلين لما سألوا من هذا انما اخروا لان الله علم ان بعضهم سيؤمن بمحمد (ص) و ينال به السعادة فهو لايقتطعه عن تلك السعادة و لايبخل بها عليه او من يولد منه مؤمن فهو ينظر اباه لايصال ابنه الي السعادة و لولا ذلك نزل العذاب بكافتهم الحديث . اقول الاب الصالح لجميع هذه الذرية آدم و نوح (ع) و هو الآدم الثاني و ابرهيم (ع) ابو اكثر كثير منهم و اسحق و يعقوب (ع) و النبي و الائمة صلوات الله عليهم و روي عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان الله يحفظ ولد المؤمن لابيه الي الف سنة و ان الغلامين كان بينهما و بين ابويهما سبعمأة سنة ، علي انه روي عنهم عليهم السلام ان الآباء ثلثة آدم (ع) لميلد الا مؤمنا و ابليس لميلد الا كافرا و ابو الجان ولد كافرا و مؤمنا . فان عرفت سلسلة النسب بحسب الباطن الواقع عرفت ان تلك السنين من عرصة الاعراض و رب مؤمن يتولد اليوم و هو من صلب آلمحمد عليهم السلام بغير فصل او بفصل واحد او بفصلين علي حسب درجاتهم و الله سبحانه يحفظ الوسايط الظاهرة لتخرج [ص 28] تلك الذرية الطيبة لصلاح آبائهم محمد و آلمحمد صلوات الله عليهم و ما اكثر الاخبار الدالة علي ان المؤمنين من ذرية محمد و علي صلوات الله عليهما و آلهما و هم يتاماهم و جل الاخبار و الآيات الواردة في اليتامي يجري فيهم بالطريق الاولي انظر في تفسير العسكري (ع) الي تلك الاخبار و قر بها عينا فالله سبحانه يحفظ الوسائط لصلاح الآباء ليخرج يتاماهم فان كان الوسائط بانفسهم مؤمنين فبخ بخ و قد جمع فيهم سببان او اسباب علي حسب ما يخرج منهم من الذرية الطيبة و ان لمتكن الوسائط مؤمنين فقد يشملهم العناية في الدنيا ببركة من يخرج منهم المتسمع ما يحكي عن مالك الاشتر رضوان الله عليه ان قتل يوما او ليلة في صفين جماعة كثيرة و اميرالمؤمنين (ع) قتل بذلك العدد بزيادة واحد فاختلج في خلد مالك (ره) شئ فمر عليه اميرالمؤمنين (ع) و قال يا مالك اني اقتل من اقتل و انظر في ولده الي سبعين بطنا فان كان يخرج منه مؤمن تركته و الا قتلته و انت تقتل من قدرت و غلبت عليه و لاتنظر في شئ و هذا من دأبهم صلوات الله عليهم في جميع حروبهم و يقيمون الجدار ليخرج منهم الذرية الطيبة و يحوزوا كنوزهم التي اودعها الله في بواطن خلقه و لاتعجب من كون الكنوز في بطونهم مع كونهم في الظاهر كفارا مشركين كما ان نطفة المؤمن بنفسه في اصلابهم و لاتضرها شئ و انما هي كدرة في بطن مدرة لاتضرها شئ حتي تخرج منها كذلك كنوزهم في بطون هذه الوسائط و روي انه لاتحقر اللؤلؤة النفيسة ان تجتلبها من الكباء الخسيسة و روي عن ابيجعفر عليه السلام ان لنا اوعية نملأها علما و حكما و ليست لها باهل فمانملأها الا لتنقل الي شيعتنا فانظروا الي ما في الاوعية فخذوها ثم صفوها من الكدورة تأخذونها بيضاء نقية و اياكم و الاوعية فانها وعاء سوء فنكبوها و قال الصادق (ع) ان الحكمة لتكون في قلب المنافق فتلجلج في صدره حتي يخرجها فيوعيها المؤمن . اقول و ان عممت الكلام في هذا المقام ايضا [ص 29] انفتح لك باب آخر و وجدت سلسلة اخري من سلاسل النسب قال النبي صلي الله عليه و آله الآباء ثلثة اب من ولدك و اب من زوجك و اب من علمك . فسلسلة المعلمين ايضا سلسلة الآباء فمنهم معلموا الخير و هم مؤمنون ايضا و لهم فضلهم و منهم معلموا الخير ايضا لكنهم بانفسهم من الاوعية السوء فيقيمهم الله تعالي لحفظ الكنوز المستودعة فيها ليوصلوها الي اربابها و من هو احق بها منها بالجملة فللآية معان لاتحصي و لانعلمها من الظاهر و ظاهر الظاهر و الباطن و باطن الباطن و التأويل و باطن التأويل و غيرها و قد اشرت الي يسير منها مما استنبطنا من اخبارهم صلوات الله عليهم .