و لكن هنا بعض روايات اخري استدلوا بها ايضا فمنها ما رواه في الحدايق عن الصدوق في الفقيه قال قال الصادق عليه السلام ان الله تبارك و تعالي اوحي الي موسي بن عمران ان اخرج عظام يوسف من مصر و وعده طلوع القمر عليه فسأل عمن يعلم موضعه فقيل له هنا عجوز تعلم علمه فبعث اليها فأتي بعجوز مقعدة عمياء فقال تعرفين قبر يوسف قالت نعم قال فاخبريني بموضعه قالت لاافعل حتي تعطيني خصالا تطلق رجلي و تعيد الي بصري و ترد الي شبابي و تجعلني معك في الجنة فكبر ذلك علي موسي (ع) فاوحي الله عز و جل اليه انما تعطي علي فاعطها [ص 22] ما سألت ففعل فدلته علي قبر يوسف فاستخرجه من شاطئ النيل في صندوق مرمر فلما اخرجه طلع القمر فحمله الي الشام فلذلك يحمل اهل الكتاب موتاهم الي الشام و في مستدرك الوسائل بسنده عن الرضا عليه السلام قال ماغضب الله علي بني‌اسرائيل الا ادخلهم مصر و لارضي عنهم الا اخرجهم منها الي غيرها و لقد اوحي الله تبارك و تعالي الي موسي (ع) ان يخرج عظام يوسف منها الي ان قال فاخرجه من النيل في سفط مرمر فحمله موسي (ع) الخبر و قيل له (ع) ان اهل مصر يزعمون ان بلادهم مقدسة قال و كيف ذلك قلت جعلت فداك انهم يزعمون انه يحشر من ظهرهم سبعون الفا يدخلون الجنة بغير حساب فقال لا لعمري ما ذاك كذلك و ماغضب الله علي بني‌اسرائيل و ذكر مثله و عن اميرالمؤمنين (ع) قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان موسي لما امر ان يقطع البحر فانتهي اليه ضربت وجوه الدواب و رجعت فقال موسي يا رب ما لي قال يا موسي انك عند قبر يوسف (ع) فاحمل عظامه و قد استوي القبر بالارض الخبر و من لب اللباب روي ان يوسف لما حضرته الوفاة امر ان يجعل له صندوق من رخام و هيأ لموته الي ان قال فقبض ثم دفن في النيل و اوصي ان يذهب به الي الارض المقدسة ثم ذهب به موسي (ع) اليها و من كامل الزيارة بسنده عن المفضل عن ابي‌عبدالله (ع) قال ان الله تبارك و تعالي اوحي الي نوح (ع) و هو في السفينة ان يطوف بالبيت اسبوعا فطاف بالبيت اسبوعا كما اوحي الله اليه ثم نزل في الماء الي ركبتيه فاستخرج تابوتا فيه عظام آدم (ع) فحمل التابوت في جوف السفينة حتي طاف بالبيت ما شاء الله ان يطوف ثم ورد الي باب الكوفة في وسط مسجدها ففيها قال الله للارض ابلعي ماءك فبلعت ماءها من مسجد الكوفة كما بدء الماء من مسجدها و تفرق الجمع الذي كان مع نوح في السفينة فأخذ نوح التابوت فدفنه في الغري و عن علي بن الحسين المسعودي في اثبات الوصية مرسلا في سياق قصة آدم (ع) [ص 23] و دفن بمكة في جبل ابي‌قبيس ثم ان نوحا حمل بعد الطوفان عظامه في تابوت فدفنه في ظاهر الكوفة فقبره هناك مع قبر نوح في الغري و تابوت اميرالمؤمنين (ع) فوق تابوته في موضع واحد . اقول و صراحة تلك الاخبار في نقل عظامهما عليهما السلام بعد الدفن معلومة الا ان الاصحاب استشكلوا فيهما بانهما من حكم شرع سابق و لا حجة فيه بالنسبة الينا . قال في الحدايق بعد ذكر الخبر في نقل عظام يوسف (ع) و الاشارة الي الخبر في نقل عظام آدم (ع) : و التقريب فيها ان الظاهر من نقلهم ذلك لشيعتهم و تقريرهم عليه جواز ذلك كما وقع في مواضع مثل حديث ذكري حسن علي كل حال المروي عن موسي (ع) و منها جعل المهر اجارة الزوج نفسه مدة كما حكاه الله تعالي عن موسي (ع) في تزويجه ابنة شعيب فان اكثر الاصحاب علي القول بذلك للآية الشريفة و نحو ذلك مما يقف عليه المتتبع و بذلك يظهر ما في قول بعض افاضل متأخري المتأخرين من ان وقوع ذلك في شرع من قبلنا لايدل علي جوازه في شرعنا . اقول اظن انه رحمه الله لم‌يراجع في هذه المسألة الي ما ورد في الاخبار و اكتفي بفتوي بعض الاصحاب بما في الآية مع انهم ايضا مختلفون و في فصل الخطاب عن السكوني عن ابي‌عبدالله عليه السلام لايحل النكاح اليوم في الاسلام باجارة بأن يقول اعمل عندك كذا و كذا سنة علي ان تزوجني ابنتك او اختك قال حرام لانه ثمن رقبتها و هي احق بمهرها و قيل لابي‌الحسن (ع) قول شعيب اني اريد ان انكحك الي ان قيل فالرجل يتزوج المرأة و يشرط لابيها اجارة شهرين يجوز ذلك فقال ان موسي قد علم انه سيتم له شرطه فكيف لهذا بأن يعلم انه سيبقي حتي يفي الخبر . اقول لا تنافي بين الخبرين من جهة اختلاف علة المنع و رواية السكوني صريحة في انه لايحل النكاح اليوم في الاسلام باجارة فكيف يستدل به علي ان نزول الآية للعمل بها ، نعم الا ان نقول ان تخصيص القول في هذه المسألة بأنها لاتحل في الاسلام يومي الي ان [ص 24] هنا بعض الاحكام يجري في جميع الشرايع و هو هكذا حقيقة ، انظر الي ما روي انه سئل ابوعبدالله (ع) عن آدم ابي البشر أكان زوج ابنته من ابنه فقال معاذ الله والله لو فعل ذلك آدم لمارغب عنه رسول الله صلي الله عليه و آله و ماكان آدم الا علي دين رسول الله صلي الله عليه و آله الحديث . و يظهر منه ان الدين واحد و ان الدين عند الله الاسلام و كما يتفق في نبي واحد ان ينسخ بعض احكامه بعضا كما نسخ النبي صلي الله عليه و آله الصلوة الي بيت المقدس و شرعها الي الكعبة و كذا عدة الوفاة عن السنة الي اربعة اشهر و عشرة ايام و غير ذلك كذلك يمكن ان يتفق الحكم في شرايع جميع الانبياء كحرمة الخمر مثلا قال الرضا (ع) مابعث الله نبيا قط الا بتحريم الخمر ، او يتفق في شرايع بعضهم او يختلف و مع ذلك الدين واحد لا اختلاف فيه و لو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا و رسول الله (ص) يقول ماكنت بدعا من الرسل و قال تعالي ملة ابيكم ابرهيم هو سماكم المسلمين و قال بعد ذكر جماعة من الانبياء اولئك الذين آتيناهم الكتاب و الحكم و النبوة فان يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين اولئك الذين هدي الله فبهداهم اقتده و قال ثم اوحينا اليك ان اتبع ملة ابرهيم حنيفا و قال شرع لكم من الدين ما وصي به نوحا و غير ذلك من الآيات الدالة علي وحدة الدين و هو الاسلام و الشرع شرعه و الآيات في تسمية الانبياء و اممهم بالمسلمين كثيرة لا حاجة الي الاطناب بذكرها و لكن الاشكال في انه لا شك ان تلك الشرايع الخمسة نسخ بعضها بعضا كما روي في الاخبار و قد سئل ابوعبدالله عليه السلام عن اولي العزم من الرسل كيف صاروا اولوا العزم قال لان نوحا بعث بكتاب و شريعة فكل من جاء بعد نوح اخذ بكتاب نوح و شريعته و منهاجه حتي جاء ابرهيم بالصحف و بعزيمة ترك كتاب نوح فكل نبي جاء بعد ابرهيم اخذ بشريعته و منهاجه و بالصحف حتي جاء موسي بالتوراة و شريعته و منهاجه و بعزيمة ترك الصحف فكل نبي جاء [ص 25] بعد موسي اخذ بالتورية و شريعته و منهاجه حتي جاء المسيح (ع) بالانجيل و بعزيمة ترك شريعة موسي و منهاجه فكل نبي جاء بعد المسيح (ع) اخذ بشريعته و منهاجه حتي جاء محمد صلي الله عليه و آله بالقرآن و بشريعته و منهاجه فحلاله حلال الي يوم القيمة و حرامه حرام الي يوم القيمة فهؤلاء اولوا العزم من الرسل . و نحو ذلك خبر آخر عن الرضا عليه السلام فلا شك ان الشرايع السابقة نوعا منسوخة و لكن لايجب في منسوخيتها مخالفة جميع احكام الاسلام مع ما سبق من الاحكام كما هو بديهي ان كثيرا من الاحكام متفقة في جميع الشرايع و ادلته في اخبار آل‌محمد عليهم السلام اكثر من ان تحصي بل و اصول الاحكام متفقة في الجميع و آيات الكتاب كما عرفت مصرحة بذلك بل آمرة باتباعها و مع ذلك لا شك ان شرايع الانبياء الماضين منسوخة في شرع الاسلام و الجمع بين هذين الكلامين يحتاج الي بيان اعلي من البيانات الفقهية الظاهرية القشرية نبينه هنا مجملا بقدر مسيس الحاجة ان شاء الله تعالي و تفصيله يظهر من كتاب الصادق عليه السلام في جواب المفضل بن عمر رضوان الله عليه و هو مذكور في خاتمة سفر الامامة من الكتاب المبين في جوامع فضائلهم (ص) و هو طويل شريف ان هويت فراجع اليه و هو باب شريف من العلم .

فاعلم ان الناس يزعمون ان الاعمال الشرعية في كل شريعة انما هي اعمال مؤثرة نافعة في الدنيا و الآخرة من حيث انفسها مع قطع النظر عن صدورها من الله تعالي علي السنة انبيائه و رسله بحيث لو امكن العلم بها من غير سبيلهم و عمل العامل بها انتفع و بلغ الدرجات العالية في الجنة كما انه ان كان لك جمل امكنك ركوبه و السير الي بلد بعيد و لو وجد هنا مكار اكتريت منه جملا فركبت و سرت تبلغ ذلك البلد و لو اعطاك الامام او النبي ايضا جملا فركبت و سرت تبلغ ذلك البلد ايضا من غير فرق بحسب الظاهر في الحيوة الدنيا فيزعمون ان الصلوة ذات الركعات مثلا علي الوجه المقرر ظاهرا انما هي [ص 26] عمود الدين و هي معراج المؤمن فان اخذت علمها عن النبي (ص) خاتم الانبياء (ص) و عملت بها نفعتك و لو فرض ان علمتها اليوم من طريق احد من ساير الانبياء ايضا و عملت بها نفعتك بل لو فرض ان تعلمها بنظرك و اجتهادك و رأيك ايضا فعملت بها نفعتك و هي بهذه الصورة صلوة من اي سبيل اتتك و ان عملت بها فقد اخذت بعمود الدين و عرجت به الي السموات العلي و ليس كذلك بل هي و لو فرض ان تأتيك بحسب الظاهر علي ما هو معلوم من حكم النبي صلي الله عليه و آله و لكن من غير سبيله و عملت بها مدة عمرك لم‌تنفعك شيئا و انما هي مع فرض صحتها صورة بلا روح كجمل ميت لايحملك الي مقام ابدا و يصير عما قريب جيفة نتنة خبيثة لاتطيق ان تقرب منها فصلوتك هذه بعينها كذلك الم‌تسمع ما في دعاء الاعتقاد عن الكاظم عليه السلام من لااثق بالاعمال و ان زكت و لااراها منجية لي و ان صلحت الا بولايته و الايتمام به و القبول من حملتها و التسليم لرواتها . و الاخبار الدالة علي هذا المعني اكثر من ان تحصي و قد قال تعالي في اعمال هؤلاء و قدمنا الي ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا فلو فرض ان يهوديا او نصرانيا عمل اليوم بجميع شرايع الاسلام و لكن من غير تقليد نبينا صلي الله عليه و آله لم‌ينفعه شيئا كما ان كثيرا من الافرنج عرفوا بتجربتهم حكم بعض احكام شرع الاسلام و عملوا بها فهي و ان نفعتهم في ظاهر الحيوة الدنيا و لكن لاتنفعهم في الآخرة شيئا كما ان كثيرا منهم عرفوا مضار الخمر فتركوا شربها فهو و ان نفعهم في الدنيا و لكن لاينفعهم في الآخرة و لاينجيهم من عذاب جهنم و اما قول ابي‌عبدالله عليه السلام من ترك الخمر للناس لا لله صيانة لنفسه ادخله الله الجنة ، فلعله لان من ترك شربه يبقي له عقله و العقل يجانب السيئات الموبقات بصرافته و يسارع الي كثير من الخيرات كما يظهر من الاخبار الواردة في ذم الخمر و ارتكاب شاربه الموبقات من الذنوب و اما ان ارتكبها مع ذلك مع انه لم‌يشرب الخمر فلها حكمها [ص 27] و آثارها معها فتدبر بالجملة و الحاصل ان من تمامية الاعمال الشرعية و حيوتها و احيائها للعامل بها ان تكون مأخوذة من الشارع المقدس صلوات الله عليه و آله قال تعالي استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم فالاخذ عنه صلوات الله عليه و آله و نية اطاعته و تقديمه بين يدي عمله مأخوذة في مهية العمل بحيث لولاها كأنه لم‌يعمل شيئا قال تعالي اطيعوا الله و اطيعوا الرسول ثم فسر ذلك بقوله من يطع الرسول فقد اطاع الله و من تولي فماارسلناك عليهم حفيظا و يقولون طاعة فاذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول و الله يكتب ما يبيتون فاعرض عنهم و توكل علي الله و كفي بالله وكيلا و هو بمفهوم الشرط دال علي ان من لم‌يطع الرسول فلم‌يطع الله و ان عمل ما عمل و ان طاعة الله بعينها هي طاعة الرسول (ص) و لا طاعة له سواها كما هو واضح عند المطيعين . ثم اعلم ايضا انه تعالي بعث انبياءه و رسله تتري بحسب مصالح العباد و ليس انه في زمان نوح (ع) مثلا لم‌يكن و لم‌يوجد الا نوح (ع) فاضطر تعالي و العياذ بالله الي ان يرسله الي الناس و في زمان ابرهيم (ع) لم‌يكن الا ابرهيم فارسله ليس الامر كذلك بل هو تعالي بعد ما رأي صلاح خلقه ان يخلق نوح و يرسله اليهم خلقه و بعثه و بعد ما رأي صلاح خلقه ان يخلق ابرهيم (ع) و يبعثه خلقه و بعثه و لايعجزه شئ و لايسبق امره شئ و الكل بيده تعالي و امره فهي بمشيتك دون قولك مؤتمرة و بارادتك دون نهيك منزجرة و مع ذلك ايضا مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم فاذا كان صلاح كل نبي و امته و سؤالهم ان يوجده و يبعثه اليهم اوجده و بعثه فصلاح اهل زمان آدم (ع) ان يأخذوا دين الله تعالي من لسان آدم (ع) و يطيعوا الله باطاعة آدم و صلاح اهل زمان ابرهيم (ع) ان يأخذوا دين الله سبحانه من لسان ابرهيم (ع) و يطيعوه باطاعته و هكذا بالنسبة الي كل نبي و صلاح زماننا الذي هو اشرف الازمان ان يأخذوا دين الله سبحانه من لسان خاتم الانبياء صلوات الله [ص 28] عليه و عليهم و اشرفهم و يطيعوه باطاعته فدين الله تعالي اليوم مركب من اصل و فرع اصله الاخذ عن نبينا صلوات الله عليه و آله و الاوصياء من بعده و الامناء المنصوبة من قبلهم و فرعه تلك الاعمال الشرعية المعلومة و لا تحقق للفروع الا بالاصول و لا ظهور للاصول الا بالفروع و هما معا مقرونان لاينفكان قال (ع) كذب من زعم انه يعرفنا و هو متمسك بفرع غيرنا . فاذا كان الاصل و الفرع متلازمين و اردت الاتيان باحدهما دون الآخر ماامكنك ذلك حقيقة و ان شبه لك ظاهرا في عرصة الاعراض و انما هو كورد صنعته من بعض الخرق و لا اصل له في الارض فهو خرق ملونة بالوان معجبة لكن لاينفع شيئا و اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة و هكذا الامر هنا و لو تدبرت فيما ذكرت و عرفت ما قلت ثم قست شريعة كل رسول الي ذلك الرسول عرفت ان الاخذ عنه خاصة في زمانه مأخوذ في شريعته بل هو روحها و اصلها بحيث لولاه لم‌تكن شيئا فكل عمل مشروع اليوم في شرع نبينا صلي الله عليه و آله عملت به لكن من حيث انه كان كذا في شرع نوح عليه السلام او شرع موسي (ع) و لم‌تنو و لم‌ترد انه من شرع نبينا محمد صلي الله عليه و آله فلم‌تعمل شيئا و لم‌تمتثل بل لم‌تسلم و انما انت يهودي مثلا ان نويت انك تعمل به لانه من شرع موسي عليه السلام فقط و نصراني ان نويت انك تعمل به لانه من شرع عيسي (ع) فقط و هو بهذه النية منسوخ اليوم و ان كان الحكم بعينه ثابتا في شرع نبينا صلي الله عليه و آله و لكنه من شرط العمل به اليوم ان تعمل به لان محمدا صلي الله عليه و آله شرعه و اوصياؤه الائمة الطاهرون صلوات الله عليهم ابلغوه الي امنائهم المنتجبين و هؤلاء الامناء رضوان الله عليهم ابلغوه الينا فنحن نعمل به بهذه الشروط و لو عملنا و العياذ بالله فاقدين لهذه الشروط لم‌ينفعنا شيئا و لم‌نعمل بشرع نبينا (ص) و لو فرض ان اخذنا به لانه من شرع بعض الانبياء الماضين (ع) فقد اخذنا بشرع منسوخ [ص 29] و لم‌نعرف الناسخ من المنسوخ قال الله تعالي ما ننسخ من آية او ننسها نأت بخير منها او مثلها و قال ابوعبدالله عليه السلام من كانت له حقيقة ثابتة لم‌يقم علي شبهة هامدة حتي يعلم منتهي الغاية و يطلب الحادث من الناطق عن الوارث بأي شئ جهلتم ما انكرتم و بأي شئ عرفتم ما ابصرتم ان كنتم مؤمنين انتهي ، فخذ بتمام هذا الكلام و كن به ضنينا من غير اهله فانه من مكنون العلم و مخزونه قال الصادق عليه السلام في رسالته الي مفضل ثم اني اخبرك ان الدين و اصل الدين هو رجل و ذلك الرجل هو اليقين و هو الايمان و هو امام امته و اهل زمانه فمن عرفه عرف الله و دينه و من انكره انكر الله و دينه و من جهله جهل الله و دينه و لايعرف الله و دينه و شرايعه بغير ذلك الامام كذلك جري بأن معرفة الرجال دين الله الرسالة و هي طويلة شريفة في شرح هذا المعني و ان عرفت ما ذكرت قدرت علي الجمع بين منسوخية شرايع الانبياء الماضين و ثبوت احكام موافقة في جميع الشرايع او بعضها و مع ذلك لايسعنا الاخذ بما مر من الشرايع الا بامضاء و تثبيت من نبينا محمد صلي الله عليه و آله و ان كان الكل منه و لم‌ينزل علي نبي من انبياء الله شئ الا و قد نزل عليه اولا ثم منه اليهم كما في الخبر من تفسير النعماني فاول ما يصل امره الي رسول الله صلي الله عليه و آله لقربه الي ملكوته ثم ساير الانبياء علي طبقاتهم انتهي . و لكن في مقام الفصل في هذا العالم الامر علي مقتضاه فما لم‌يأت محمد صلي الله عليه و آله كان الشرع شرع عيسي (ع) و منهاجه و بعد ما اتي النبي صلي الله عليه و آله فقد رجع الامر علي مبدئه و لايسع احدا ان يعمل الا بشرعه و دينه و منهاجه صلوات الله عليه و آله فان حمل نوح عليه السلام عظام آدم (ع) من جبل ابي‌قبيس الي الغري فهو شرعه الذي شرعه الله تعالي له و لامته ان لم‌يكن مختصا به و كذلك ان اوصي يوسف عليه السلام بحمل عظامه الي بيت المقدس و حملها موسي عليه السلام فهو من شرعهما و هو [ص 30] الحق و لكن اليوم ان امضي نبينا صلي الله عليه و آله حكمهما و امرنا بالعمل به او رخص لنا في ذلك فهو و ان الله تعالي يحب ان يؤخذ برخصه كما يحب ان يؤخذ بعزائمه و لكن ان لم‌يرخص فالحكم المعلوم نوعا ان شريعة نبينا صلي الله عليه و آله ناسخة لجميع الشرايع و يجب علينا الوقوف موقف السمع و النطق او الفعل او التقرير علي ما هو مقرر في مقامه بالجملة ففيما نحن فيه اما عمل موسي و نوح عليهما السلام فمعلوم و نقل الائمة عليهم السلام لعملهما قرينة صالحة لارادة العمل به و الا لصرحوا انه خاص بهم و لايجري في شرعنا لحرمة النبش و لم‌يفعلوا ثم ان شهادة جماعة من الاصحاب بوجود رواية دالة علي جواز النقل مؤيدة له كل التأييد ثم ان العمل بمقتضاها في مثل المفيد و المرتضي رحمهما الله اعظم شاهد علي صحة الرواية و اعتبارها و يكفينا في الدلالة علي ان حكاية نقل عظام آدم و يوسف عليهما السلام انما هو لارادة العمل بها و تخصيص عمومات حرمة النبش بها و كذلك الاخبار الواردة في مدح المشاهد المشرفة و شمول شفاعتهم صلوات الله عليهم لمن دفن بها مع وضوح عدم ارادة هجر الاوطان و الاجتماع فيها حتي يجيء اجلهم و يدفنوا فيها للزوم الحرج و العسر المنفيين في الشريعة فلا جرم ارادوا بها التحريص علي النقل بعد الدفن الا ان لمقام التقية الشديدة المعلومة من حال الخلفاء لم‌يأمروا به علانية بل و من هذه الجهة لم‌يدون الاصحاب الرواية التي شهدوا بوجودها في كتبهم حذرا من التعييب عليهم و امثال ذلك كثير فيما يختص بالشيعة المخلصين كالشهادة بالولاية في الاذان مثلا فانه يخطر ببالي من حكاية الشيخ رحمه الله في المبسوط ان فيها رواية شاذة او نادرة و لم‌تشذ و لم‌تندر الا لمقام التقية الشديدة و كتمان الاصحاب لها و مع ذلك ادخلوا الامر بها في العمومات كما ثبت في محله و اما اليوم لما قل تعصب الناس و تصلبهم في دياناتهم و اشتهر الحرية بينهم وسع الامر علي الشيعة و الحمد لله و لا شك ان [ص 31] للتقية مقامات خاصة و اذا خرجت عنها ترتفع البتة فانه لو بني علي التقية عند وجود الموانع عن اظهار الحق و عدمها خفي الدين بالمرة و لم‌يعرف الحق من الباطل و بالجملة لا مانع ان شاء الله تعالي من نقل الموتي و لو بعد الدفن الي المشاهد المشرفة صلوات الله علي مشرفيها و رزقنا الالتجاء بهم في قرب جوارهم و الدخول في شفاعتهم نعم ينبغي ان يراعي الحرمة و لايحمل اليها مع وجود رائحة كريهة او دم او قيح توجب اشمئزاز النفوس و التنفر و التضرر فان فيه هتك لحرمة الاموات و الاحياء و تعييب من الاعداء و اما بغير ذلك فلا مانع منه ان شاء الله تعالي .

قال سلمه الله و ابقاه و من كل مكروه وقاه : و ايضا اني قد وجدت خبرا مرويا عن ابيعبدالله الصادق (ع) ما معناه ان الله سبحانه خلق سبعين الف ملك يقال لهم النقالة يحملون الاموات و يضعون كلا في الموضع الذي يستحقه و الناس لايشعرون بهم هذا حاصل الخبر و معلوم انهم لاينقلون الابدان العرضية لانه لم‌ير و لو مرة ان بدنا ظاهريا نقل من موضعه و وضع في محل آخر و انما المراد نقل الابدان الاصلية و لكن في هذا اشكال و هو ان البدن الاصلي في غيب هذا البدن العنصري و لايفارقه ابدا فكيف يمكن نقله و بقاء هذا الجسد لانه ح يخلو منه هذا الجسد و المفروض انه لايمكن افتراقهما و ان تبينوا لي كيفية هذا النقل فاني لااتصوره ان يكون كنقل شئ من مكان الي مكان آخر و اني اتصور ان يكون بنحو آخر فالمرجو ان تبينوا لي حقيقته و كيفيته و السلام عليكم اولا و آخرا .

اقول لنرو اولا ما عثرنا عليه من الاخبار في هذا المعني ثم نذكر ما عرفنا الله عز و جل من معانيها و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم ففي الكتاب المبين عن ابي‌بصير قال حججت مع ابي‌عبدالله عليه السلام حتي زار قبر جده صلي الله عليه و آله بالمدينة و زرنا معه و قال له رجل من بني‌يقظان يا ابن رسول الله انهم [ص 32] يزعمون انهم يزورون ابابكر و عمر ( في هذه القبة خ ) فقال عليه السلام مه يا اخا يقظان انهم كذبوا فوالله لو نبش قبرهما لوجدوا مكانهما سلمان و ابوذر (كذا) فوالله انهما احق بهذا الموضع من غيرهما قال ابوبصير فقلت له يا ابن رسول الله كيف يكون انتقال الميت و وضع آخر مكانه فقال عليه السلام يا ابامحمد ان الله عز و جل خلق سبعين الف ملك يقال لهم النقالة ينتشرون في مشارق الارض و مغاربها يأخذون اموات العباد يدفنون كلا منهم مكانا يستحقه و انهم يسلبون جسد الميت من نعشه و يضعون آخر مكانه من حيث لاتدعون ( يدرون خ‌ل ) و لاتشعرون و ما ذلك بعيد (كذا) و ما الله بظلام للعبيد و سمع اميرالمؤمنين (ع) يقول ادفنوا موتاكم اني شئتم فلو كانوا صلحاء ابرار لنقلهم الملائكة الي جوار بيت الله المحرم و مدينة رسوله المعظم و لو كانوا فساقا اشرارا لنقلتهم الملائكة الي حيث يجدونه اهلا له . اقول و هذا الخبر ايضا يؤيد ان النقل الي المواطن الشريفة كان معمولا بين الاصحاب فتدبر في لحن الخبر تجد و عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان لله تعالي ملائكة ينقلون اموات العباد حيث يناسبهم . اقول و قد ذكرنا خبرين آخرين في جواب السؤال السابق احدهما عن ميثم التمار في السؤال عن نقل امه الي طيبة و الآخر في عبد قتل مولاه فاتوا به الي عمر فأمر بقتله و منعه اميرالمؤمنين عليه السلام الي ان امر بنبش قبر المقتول فلم‌يجدوه و قال انه حشر مع قوم لوط و نحوه رواية اخري رويت في معالم الزلفي اطول من هذه الرواية و تلك الاخبار ظاهرة في نقل الاجساد و هنا بعض اخبار اخر في نقل الارواح منها ما قيل لابي‌عبدالله عليه السلام ان اخي ببغداد و اخاف ان يموت بها فقال مايبالي حيث ما مات اما انه لايبقي مؤمن في شرق الارض و غربها الا حشر الله روحه الي وادي السلام قيل له و اين وادي السلام قال ظهر الكوفة اما اني كأني بهم قعود يتحدثون و عن حبة العرني عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث [ص 33] في وادي السلام لو كشف لك لرأيتهم حلقا حلقا محتبين يتحادثون فقلت اجسام ام ارواح فقال ارواح و ما من مؤمن يموت في بقعة من بقاع الارض الا قيل لروحه الحقي بوادي السلام و انها لبقعة من جنة عدن . اقول و لعله يمكن الجمع بين هذين و بين الاخبار الأولة في نقل الاجساد فانه ورد في الروح ايضا في جواب الزنديق انه جسم لطيف البس قالبا كثيفا و لكن لا حاجة الي تأويل بعيد عن الظاهر و نضع كلا في موضعه ان شاء الله و هنا اخبار اخر يظهر منها معني قولهم (ع) ان الاموات ينقلون الي حيث يناسبهم او مكانا يستحقه فعن رسول الله صلي الله عليه و آله لما خلق الله آدم اشتكت الارض الي ربها لما اخذ منها فوعد ان يرد فيها ما اخذ منها فما من احد الا يدفن في التربة التي خلق منها و عن احدهما عليهما السلام قال من خلق من تربة دفن فيها و سمع ابوعبدالله عليه السلام ان النطفة اذا وقعت في الرحم بعث الله عز و جل ملكا فأخذ من التربة التي يدفن فيها فماثها في النطفة فلايزال قلبه يحن اليها حتي يدفن فيها . اقول فالظاهر من تلك الاخبار ان المراد من نقلهم الي حيث يناسبهم و يستحقونه انما هو نقلهم الي تلك التربة التي خلقوا منها فلنفحص عن معني هذه التربة ثم نذيله بما قدر الله عز و جل من معني ما سألتم ان شاء الله .

فاعلم انهم سلام الله عليهم عبروا عن تلك التربة بتعبيرات متكثرة فمنها ما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام ان في الجنة لشجرة تسمي المزن فاذا اراد الله ان يخلق مؤمنا اقطر منها قطرة فلاتصيب بقلة و لا ثمرة اكل منها مؤمن او كافر الا اخرج الله عز و جل من صلبه مؤمنا و منها ما قال ابوجعفر عليه السلام المؤمن اخو المؤمن لابيه و امه لان الله خلق طينتهما من سبع سموات و هي طينة الجنان ثم تلا رحماء بينهم فهل يكون الرحيم الا برا وصولا و قال ابوعبدالله عليه السلام ان الله عز و جل لما اراد ان يخلق آدم عليه السلام بعث جبرئيل (ع) في اول ساعة من يوم الجمعة فقبض [ص 34] بيمينه قبضة بلغت قبضته من السماء السابعة الي السماء الدنيا و اخذ من كل سماء تربة و قبض قبضة اخري من الارض السابعة العليا الي الارض السابعة القصوي فأمر الله عز و جل كلمته فامسك القبضة الاولي بيمينه و القبضة الاخري بشماله ففلق الطين فلقتين فذرأ من الارض ذرؤا و من السماوات ذروا فقال للذي بيمينه منك الرسل و الانبياء و الاوصياء و الصديقون و المؤمنون و السعداء و من اريد كرامته فوجب لهم ما قال كما قال و قال للذي بشماله منك الجبارون و المشركون و الكافرون و الطواغيت و من اريد هوانه و شقوته فوجب لهم ما قال كما قال ثم ان الطينتين خلطتا جميعا و ذلك قول الله عز و جل ان الله فالق الحب و النوي فالحب طينة المؤمنين التي القي الله عليها محبته و النوي طينة الكافرين الذين نأوا عن كل خير الحديث و منها ما سمع علي بن الحسين عليهما السلام يقول الطينات ثلثة طينة الانبياء و المؤمن من تلك الطينة الا ان الانبياء من صفوتها هم الاصل و لهم فضلهم و المؤمنون الفرع من طين لازب كذلك لايفرق الله بينهم و بين شيعتهم و قال طينة الناصب من حمأ مسنون فاما المستضعفون فمن تراب لايتحول المؤمن عن ايمانه و لا ناصب عن نصبه و لله المشية فيهم و عن جابر الجعفي قال كنت مع محمد بن علي عليهما السلام فقال يا جابر خلقنا نحن و محبونا من طينة واحدة بيضاء نقية من اعلي عليين فخلقنا نحن من اعلاها و خلق محبونا من دونها فاذا كان يوم القيمة التفت العليا بالسفلي الحديث و عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان في الفردوس لعينا احلي من الشهد و الين من الزبد و ابرد من الثلج و اطيب من المسك فيها طينة خلقنا الله عز و جل منها و خلق شيعتنا منها فمن لم‌يكن من تلك الطينة فليس منا و لا من شيعتنا و هي الميثاق الذي اخذ الله عز و جل علي ولاية علي بن ابيطالب عليه السلام و في حديث آخر فسر هذا المعني الي ان قال فاذا اراد الله ان يخلق خلقا علي ولاية [ص 35] علي بن ابيطالب عليه السلام امر ذلك الملك فأخذ من تلك الطينة فرمي بها في النطفة حتي يصير الي الرحم منها يخلق و هي الميثاق . اقول و امثال هذه الاخبار من كل نوع كثيرة مروية في الكتاب المبين و قد اخرنا هذين الخبرين الاخيرين ليكونا شارحين لما سبق رافعين لاشكال عظيم و هو انه اذا كانت طينة المؤمن من بدأ خلقه من عليين و طينة الكافر من بدأ خلقه من سجين فأي مدح للمؤمن في ايمانه و اي ذم للكافر في كفره و ان تدبرت فيهما عرفت ان هذه هي الطينة الشرعية في الخلق الثاني و ذلك ان للناس خلقين خلقا كونيا هم فيه امة واحدة و خلقا شرعيا هم فيه منهم شقي و سعيد و هو قوله تعالي كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين فالامة الواحدة و هو حال استضعافهم خلقوا من تراب كما مر في الخبر عن علي بن الحسين عليهما السلام و اما بعد التبشير و الانذار و اجابة المؤمن للميثاق يحدث له خلق ثان و له طينة و هي من عليين و بعد انكار المنكر يحدث له خلق ثان و له طينة و هي من حمأ مسنون و يصرح بهذا المعني ما في الزيارة الجامعة الكبيرة علي ما رواه المحدث النوري (ره) و جعل صلواتنا عليكم و ذكرنا لكم و ما خصنا به من ولايتكم و عرفناه من فضلكم طيبا لخلقنا و طهارة لانفسنا و تزكية لنا و كفارة لذنوبنا اذ كنا عنده بكم مؤمنين الزيارة ، و نحو من ذلك في الرواية المعروفة بالجملة فالحاصل ان المراد من هذه الطينة التي يعبر عنها تارة بطينة السماوات و تارة بطينة الجنان و تارة بالماء العذب و تارة بطينة الانبياء و تارة بطينة آل‌محمد عليهم السلام و نورهم و شعاعهم كلها هي ميثاق الولاية و اعلم ان الطينة الكونية اذا صبغت بالصبغة الشرعية الطيبة تتحول تحتها و تصير طينة طيبة من عليين و من السماوات و من نور آل‌محمد عليهم السلام و شعاعهم و اذا تصورت بالصورة الخبيثة تحولت تحتها بطينة خبال و حمأ مسنون و الارضين و سجين قال علي عليه السلام [ص 36] خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت اوائل جواهر عللها و اذا اعتدل مزاجها و صح منهاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد . اقول فاذا شارك بها السبع الشداد فلا جرم صارت الطينة من طينة السموات و اذا شابهت اوائل جواهر عللها صلوات الله عليهم صارت من نورها و شعاعها اي حكت نورها و شعاعها فهي من حيث النورانية صارت اثرها كما ثبت في السلسلة الطولية ثم ان النفس الناطقة التي قال (ع) خلق الانسان ذا نفس ناطقة اصلها و طينتها ما ذكره اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الاعرابي قوة لاهوتية بدأ ايجادها عند الولادة الدنيوية مقرها العلوم الحقيقية الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية سبب فراقها تحلل الآلات الجسمانية فاذا فارقت عادت الي ما منه بدأت عود مجاورة لا عود ممازجة و في حديث كميل لها خمس قوي فكر و ذكر و علم و حلم و نباهة و ليس لها انبعاث و هي اشبه الاشياء بانفس الملئكة و لها خاصيتان النزاهة و الحكمة . اقول التعبيرات المذكورة في الخبرين و ان كانت تليق بانفس المؤمنين خاصة و لكن لها معاني كونية تجري في جميع النفوس فان النفس الناطقة ايا كان ليس لها انبعاث من هذا البدن العرضي و هي اشبه الاشياء بانفس الملائكة و موادها التأييدات العقلية اي الشعور و الادراك الكوني و فعلها المعارف الربانية فان الناس كونا كلهم عارفون بالله و لئن سألتهم من خلق السموات و الارض ليقولن الله و يسبح لله ما في السموات و ما في الارض بالجملة و الغرض ان النفس الناطقة مؤمنا كان او كافرا بذاتها ليست مخلوقة من هذه الاعراض و انما هي من الملكوت الا انها ظهرت في عرصة الناسوت علي المواد العرضية المناسبة لحكايتها كما فصله مشايخنا رضوان الله عليهم و هي حيث دهريتها و كليتها التي لاتتحدد بحدودها و لاتنبعث منها كالماء المطلق الذي هو دهرية المياه الخاصة و هو داخل فيها لا كدخول زماني في زماني كالماء في الكوز مثلا [ص 37] و خارج عنها لا كخروج زماني من زماني فان وجد ماء زماني حكي الماء الدهري و ان لم‌يوجد فالماء الدهري ثابت في دهره غير ظاهر في عرصة الزمان و ان وجد الماء الزماني فالماء الدهري ظاهر فيه ما دام صلوحه لحكايته فاذا جف و لم‌يصلح للحكاية ارتفع الماء الدهري من هنا و هذا ظاهر الا انا نزيد شيئا آخر توضيحا و تقريبا لما نحن بسدد بيانه انه اذا ركب ماء و تراب مثلا فهذا الشئ المركب من حيث مائيته فرد للماء المطلق و هو ظاهر فيه في مائيته بالذات و في ترابيته المركبة مع المائية بالعرض لمجاورتها مع المائية التي هي فرد من افراد الماء المطلق و تلازمهما هنا معا بالعرض و اذا جف هذا المركب و نفد مائيته بالمرة ارتفع الماء المطلق و لم‌يظهر بعد في الجزء الترابي وحده و بقي بنفسه في دهره فاذا عرفت التمثيل قلنا ان النفس الناطقة في زيد و عمرو انما هي في ذاتها من آثار النفس الكلية و قائمة بها كما هو ثابت في محله و ظهورها في البدن الدنيوي ظهور دهري كظهور الماء المطلق في افراده تقريبا الا ان البدن الدنيوي لما كان من عرصة الاعراض و فيه مما سوي افراد نفس زيد الخاصة بها اعراض اخر فما دامت الافراد الخاصة بنفس زيد مع تلك الاعراض فلنفس زيد ظهور في افرادها بالذات و في اعراضها بالعرض و اذا تفرقت الاصول و الاعراض اعني ما من نفس زيد و من غيرها ارتفعت نفس زيد عن الظهور في الاعراض و رجعت الي افرادها الخاصة بها و هذا التفرق بين الاصول و الاعراض انما يحصل بالموت لان الاصول انما هي اظلال و اشباح من النفس الناطقة ظهرت في مرآت البدن و هي قائمة بها كقيام الظل بالشاخص و الموت سبب لاعراض الشاخص و هو الروح عن مرآت البدن الا انه ما دامت اعراض البدن مجتمعة و لها تناسب ما مع اصوله و حكاية ما عنها فللشاخص ايضا توجه ما الي المرآت و ان لم‌يكن كتوجهه حال حيوته و من هنا يتوجه الي البدن ثانيا و يناشد حامليه و غاسله ان يداروا مع جسده و بعده ايضا يزور قبره [ص 38] و يطلع علي زائره و كل ذلك من باب وجود تلك الاجزاء الاصلية اي ظل النفس و شبحها في البدن فلها علاقة و توجه بالنسبة اليها ثم ان لم‌تكن له مفارقة و تمحض تام تبقي الاجزاء الاصلية مع اعراض البدن كأنها مدرة الي ان تتخلص بنفخ الصور و ان كانت لها مفارقة و تمحض اذا تفرقت الاجزاء تخلصت منها الاجزاء الاصلية و التئمت و تألفت ثانيا لخروج الغرايب العرضية عنها و توجهت الي حيث الروح و النفس فظهرت فيها ثانيا و قامت حية في عالم الرجعة و اعلم ان الاعراض الزائلة التي ليست من نفس زيد و لا اليها ليست مما تستلزم الاصول فتكون معها و في باطنها و انما هي كثوب لبسته ثم خلعته و تركته او كدابة ركبتها ثم نزلت عنها و خليتها تروح و اما الاجزاء الاصلية فهي منك هبطت و تنزلت الي ان ظهرت في تلك الاعراض و عليها ثم تخلصت عنها و رجعت الي حيث الروح مكتسبة لكمالات حصلتها في نزولها كما انك تسير من بلدك الي بلد آخر و تأخذ هناك لنفسك علايق لا بد لك منها في ذلك البلد فتحصل هنا علوما و صنايع و اخلاقا و اعمالا ثم تترك العلايق اللازمة لذلك البلد في مقامها و تتجرد و ترجع الي بلدك مع ما تعلمت من العلوم و الآداب و تنتفع بها في بلدك و لنرو هنا بعض الاخبار لتري شواهد ما قلنا مذكورة فيها ففي الكتاب المبين عن ابي‌عبدالله (ع) سئل عن الميت يبلي جسده قال نعم حتي لايبقي لحم و لا عظم الا طينته التي خلق منها فانها لاتبلي تبقي في القبر مستديرة حتي يخلق منها كما خلق اول مرة و عن هشام بن الحكم انه قال الزنديق للصادق (ع) اني للروح بالبعث و البدن قد بلي و الاعضاء قد تفرقت فعضو في بلدة تأكلها سباعها و عضو باخري تمزقه هوامها و عضو قد صار ترابا بني به مع الطين حائط قال ان الذي انشأها من غير شئ و صوره علي غير مثال كان سبق اليه قادر ان يعيده كما بدأه قال اوضح لي ذلك قال ان الروح مقيمة في مكانها روح المحسن في ضياء و فسحة و روح المسيء في ضيق [ص 39] و ظلمة و البدن يصير ترابا منه خلق و ما تقذف به السباع و الهوام من اجوافها مما اكلته و مزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لايعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الارض و يعلم عدد الاشياء و وزنها و ان تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب فاذا كان حين البعث مطرت الارض مطر النشور فتربو الارض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب اذا غسل بالماء و الزبد من اللبن اذا مخض فيجتمع تراب كل قالب فينقل باذن الله تعالي الي حيث الروح فتعود الصور باذن المصور كهيئتها و تلج الروح فيها فاذا قد استوي لاينكر من نفسه شيئا . اقول قال الله تعالي ربنا امتنا اثنتين و احييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل الي خروج من سبيل فهنا موتان و حيوتان قبل القيمة فحيوة دنيوية و حيوة برزخية و موت دنيوي و موت برزخي و في هذا الخبر لم‌تفصل الاربعة او اقتصر في البيان بحال المستضعفين الذين لايرجعون و الا فاهل الرجعة ترابهم بمنزلة الذهب في التراب الا ان فيه بعض الاعراض الطبيعية البرزخية لكن مع ذلك اذا تخلص بالموت الدنيوي من الاعراض الهبائية الدنيوية يجتمع مستديرا و يرجع الروح اليه و يحيي في البرزخ حتي يموت ثانيا و يتفسخ في ارض ذلك العالم و تؤخذ عنه اعراضه الطبيعية ايضا فيصير بمنزلة ذهب خالص عن الاعراض الهبائية و الطبيعية و تعود الصورة باذن المصور كهيئتها و تلج الروح فيها فيخرج في عرصة المحشر و الغرض انه اذا تخلص الذهب من التراب ترك التراب خارج العالم و لا مدخلية له في خلق الذهب بعد و ان كان لا بد منه ابتداءا في خلق الذهب و لكن اذا وجد و صار بالفعل كان وجود التراب بعد ذلك فضلا و عرضا لا حاجة اليه كما لايخفي فاعراض البدن بمنزلة ذلك التراب الفاضل لايعبؤ به و يترك خارج العالم .

و اما قولكم ان البدن الاصلي في غيب البدن العنصري اقول نعم ما دام لم‌تتفرق الاصول و الاعراض فالاصول في غيبها بل ظاهرها و يري منها و يعرف و اما اذا [ص 40] تفرقت الاصول و الاعراض فهي بمنزلة التراب الذي يغسل من الذهب و الوسخ الذي يغسل من الثوب يذهب علي وجهه و ليس الثوب في باطن الوسخ و لا الذهب في باطن التراب و تلازمهما سابقا عرضي لا حقيقة له و انك تأتي المغسل و تغسل ثوبك و تترك الاوساخ و الكثافات هناك و تذهب بثوبك الي بيتك و كذلك تأخذ رماد دكان الصائغ مثلا و تأتي المغسل فتغسله و تأخذ سحالة الذهب و تترك الرماد يذهب جفاءا و اما ما ينفعك من الذهب تأتي به الي مخزنك فهذا الذهب كان في غيب الرماد حين اجتماعهما بالعرض و اما اذا تفصلا ذهب الرماد علي وجهه و ليس الذهب في ظاهره و لا باطنه لانه لا منه و لا اليه و كان عرضا له و زال الآن الاتري في الانسان ان تلك الاعراض كانت تتبدل فيه دائما و من البين انها لو كانت من جوهريته ماكانت تتبدل و الجواهر تعرف جوهريتها بعدم التغيير و التبديل فتدبر و احب ان احتج علي هذا الذي ذكرت ايضا من اخبار آل‌محمد عليهم السلام لتكون علي بصيرة و تعلم ان مشايخنا رضوان الله عليهم لم‌يقولوا شيئا الا بدلالة و هداية من آل‌محمد عليهم السلام و تعرف به معني نقل الارواح و الابدان ايضا الي حيث يناسبها و يستحقها ان شاء الله تعالي و هنا حديثان مفصلان مذكوران في الكتاب المبين احدهما عن ابرهيم ابي اسحق الليثي و الآخر عن اسحق القمي اروي بعضه قال ابوجعفر الباقر (ع) ان الله عز و جل لما كان متفردا بالوحدانية ابتدأ الاشياء لا من شئ فاجري الماء العذب علي ارض طيبة طاهرة سبعة ايام مع لياليها ثم نضب الماء عنها فقبض قبضة من صفاوة ذلك الطين و هي طينتنا اهل البيت ثم قبض قبضة من اسفل ذلك الطينة و هي طينة شيعتنا ثم اصطفانا لنفسه فلو ان طينة شيعتنا تركت كما ترك طينتنا لمازني احد منهم و لاسرق و لالاط و لاشرب المسكر و لااكتسب شيئا مما ذكرت و لكن الله عز و جل اجري الماء المالح علي ارض ملعونة سبعة ايام و لياليها ثم نضب الماء [ص 41] عنها ثم قبض قبضة و هي طينة ملعونة من حمأ مسنون و هي طينة خبال و هي طينة اعدائنا فلو ان الله عز و جل ترك طينتهم كما اخذها لم‌تروهم في خلق الآدميين و لم‌يقروا بالشهادتين و لم‌يصوموا و لم‌يصلوا و لم‌يزكوا و لم‌يحجوا البيت و لم‌تروا احدا منهم بحسن خلق و لكن الله تبارك و تعالي جمع الطينتين طينتكم و طينتهم فخلطهما و عركهما عرك الاديم و مزجها بالمائين فما رأيت من اخيك المؤمن من شر لفظ او زنا او شئ مما ذكرت من شرب مسكر او غيره فليس من جوهريته و لا من ايمانه انما هو بمسحة الناصب اجترح هذه السيئات التي ذكرت و ما رأيت من الناصب من حسن وجه و حسن خلق او صوم او صلوة او حج بيت او صدقة او معروف فليس من جوهريته انما تلك الافاعيل من مسحة الايمان اكتسبها و هو اكتساب مسحة الايمان قلت جعلت فداك فاذا كان يوم القيمة فمه قال لي يا اسحق لايجمع الله الخير و الشر في موضع واحد اذا كان يوم القيمة نزع الله عن رجل مسحة الايمان فردها الي شيعتنا و نزع مسحة الناصب بجميع ما اكتسبوا من السيئات فردها الي اعدائنا و عاد كل شئ الي عنصره الاول الذي منه ابتدأ امارأيت الشمس اذا هي بدت الاتري لها شعاعا ظاهرا مضيئا متصلا بها او باينا منها قلت جعلت فداك الشمس اذا هي غربت بدا اليها الشعاع كما بدأ منها و لو كان بائنا منها لمابدا اليها قال نعم يا اسحق كل شئ يعود الي جوهره الذي منه بدئ الحديث . و خبر ابرهيم اطول من ذلك و ابين و نحوهما خبر آخر عن ابي‌بصير عن ابي‌عبدالله عليه السلام اخصر منهما و الغرض ان الاجزاء الاصلية التي هي طينة المؤمن مزجت بطينة الناصب و لا بد من تفريقهما و اعادة كل طينة الي اصلها و من البين انه اذا اعيدت كل طينة الي اصلها لاترجع ثانيا الي الاعراض التي تخلصت منها و ليس منها في شئ .