و اعلم ان الامور الغيبية لاتتحدد بالامكنة و الاوقات الزمانية قال اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة اصحاب القبور لايتعارفون [ص 42] لليل صباحا و لا لصباح مساءا اي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا . اقول فلاتتوقت بوقت من الاوقات الزمانية بانفسها الا ان يجعل لها مظهر زماني فيوقت المظهر و ينسب الوقت الي الظاهر فيه و كذلك لاتتمكن في مكان زماني الا ان يتمكن المظهر الزماني في مكان فينسب المكان الي الظاهر فيه و اما في عرصة الغيب فمكان الشئ حقيقة مادته و وقته صورته و الغرض من نقل الشئ الي حيث يناسبه و يستحقه تمحض مادته من مسحة مادة غيره اعتبر في مثل الشمس و نورها ان المراد بحسب الظاهر من عود النور اليها و ان كان بخفائه عن ارضنا و لكن الغرض الاصلي من نقله و عوده اليها غير ذلك بل نور الشمس اذا انبث في هذا الفضاء تلون بالوان الارض و الجدران و صار علي خلاف صفة الشمس و بان منها و اذا زالت المقابلة زالت عن النور الوان الارض و الجدران و رجع الي صرافته و سذاجته و شباهته للشمس فمن هنا يقال انه رجع الي الشمس فتدبر فيما ذكرت و اعرف المراد فانه ليس المراد من رجوع النور الي الشمس صعوده اليها ظاهرا و انما المراد منه خلوصه من شوائب الارض فالمؤمن و لو في الدنيا اذا كان فيه من آثار طينة الكافر فقد بعد من اصله و جوهره و عنصره و اذا ازيلت عنه تلك الآثار و زكي و صفي يرجع الي اصله و جوهره و عنصره حيث كان و لايعبؤ بقرب المكان العرضي و بعده قال الشاعر بالفارسية :

گر در يمني با مني پيش مني ور پيش مني بي مني در يمني

فأويس القرني رضوان الله عليه مع كونه في اليمن و عدم لقائه ظاهرا للنبي صلي الله عليه و آله و لكنه آمن به و اتبعه فمن حيث مشايعته و متابعته له صلوات الله عليه و آله كان قريبا منه عارفا به مريا حاكيا لنوره و كان رسول الله صلي الله عليه و آله يقول في حقه اشم رائحة الرحمن من جانب اليمن لانه بمشايعته له صار مخلوقا من نور الله اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله الذي خلق منه و اما [ص 43] عايشة فمع كونها مع النبي (ص) و تضطجع معه في فراش واحد و لكنها كانت بعيدة منه ابعد مما بين السماء و الارض كما لايخفي و مع ذلك الدنيا دار اعراض و لاتظهر الحقايق علي ما هي عليه و اما اذا مات المؤمن و الكافر و تفصلت مسحة كل واحد منهما عن الآخر و عادا الي جوهريهما و لو فرض انهما دفنا ظاهرا في قبر واحد و لكن الطينة الاصلية من المؤمن في هذا القبر عائدة الي السماء و الي الجنة و الي الكعبة و الي المدينة الطيبة و الي وادي السلام و الي شعاع نور محمد و آل‌محمد عليهم السلام و الطينة الاصلية من الكافر في هذا القبر عائدة الي الارض السابعة و الي سجين و الي برهوت و عيون بقر و ذلك لان مكان كل واحد منهما مادته و وقت كل واحد صورته فاذا كانت مادة المؤمن من السماء و من الجنة و من الاراضي الطيبة التي هي سموات و جنات نازلة كما روي في ارض كربلا فلا جرم اذا صفيت من مسحة طينة الناصب فهي حيثما كانت سماء و جنة و عائدة اليها و كذلك مادة الناصب اذا اخذت منها مسحة طينة المؤمن فهي حيثما كانت عائدة الي الارض الخبيثة و طينة خبال و حمأ مسنون فالاولان و ان دفنا في جوار قبر النبي صلي الله عليه و آله و لكنهما رجعا و نقلا بالتفكيك من مسحة نور النبي صلي الله عليه و آله الي اودية جهنم و سلمان و ابوذر رضوان الله عليهما و ان دفنا في المداين و الربذة و لكن طينتهما الاصلية رجعت الي النبي (ص) بالخلوص و التخلص من اعراض الدنيا او نقول ان النبي (ص) معهما الاتري كيف يحضر عند خروج روح المؤمن فانه صلوات الله عليه و آله معه و ان الله لمع المحسنين الا انه في الدنيا لابتلائه بغواشي الاعراض لايراه و اذا ازيلت الغواشي وجده معه حيث يحب و الكافر ايضا يراهما من بعيد حيث يبغض فالمراد من هذا النقل غير النقل العرضي المكاني الاتري مع ما نقلنا صدر البحث من نقل سلمان و ابي‌ذر الي جوار النبي (ص) و نقل هذين الي حيث يستحقان ان مولانا الحجة المنتظر عجل الله فرجه اذا [ص 44] ظهر يأمر بنبش قبريهما من جوار قبر النبي (ص) و اخراجهما و صلبهما ثم يحييهما و يحرقهما فلو نقلا قبل ذلك بالنقل المكاني العرضي لم‌يحتج الي اخراجهما فنقلهما اولا نقل وصفي اي ازيل عنهما نور النبي صلي الله عليه و آله فنقلا الي حيث يستحقان الم‌تر ما روي في تفسير قوله تعالي الشمس و القمر بحسبان ما معناه ان المراد منهما هما ، الاتسمع الناس يقولون شمسا هذه الامة و قمراهم فاذا كان يوم القيمة اخذ نورهما و هو صورة الاسلام و ترك جرمهما في جهنم و عند الموت ايضا يحصل مثل ذلك و قد روي ان من مات فقد قامت قيمته و المسألة بحمد الله واضحة لا حاجة الي التفصيل لكني وجدت عبارة للشيخ الاوحد (اع) في هذا المعني في الرسالة البرزخية شرح معني التربة و النقل الي موضعها الي ان قال : لكن الاموات تختلف احوالهم فان لم‌ينقله اهله فمنهم من تنقله الملائكة في ايامه بغير مهلة لاجل اسباب يعلمها هو سبحانه و ان كان ماحصل له سبب موجب لنقله بلا مهلة بقي في قبره الي ان تأكله الارض من جسده كل الاعراض و تبقي طينته الاصلية خاصة فتحمله الملائكة الطبيعيون بها الي آخر كلامه علا مقامه و هو صريح في ان النقل المذكور للبدن الاصلي لكن كان في العبارة سقط كتبناها كما وجدنا و الحمد لله الذي جعل كلماتنا مأخوذة من كلامه و ساير ما ذكرنا ايضا مأخوذة من ساير كلماته الا انه لايسعني الاستشهاد لكل كلمة كلمة و كلام آخر منه (اع) في الرسالة القطيفية : ان من اكله السبع اذا اغتذي به انما يغتذي باعراضه التي مزجت بطينته من العناصر من المأكل و المشرب و اما طينته فانها لاتتغير و لايطرؤ عليها الاضمحلال لأنها من جنس الفلك الاطلس فاذا اغتذي بالاعراض خلصت منه الطينة الاصلية و رجعت الي قبره الاصلي اي طبيعته التي اشار اليها سبحانه بقوله و ما انت بمسمع من في القبور يعني بهم المنكرين الاحياء و تلك الطبيعة ظهرت في طينة قبره المحسوس و قبره موضع تربته التي ماثها الملك في نطفته فترجع تلك الطينة [ص 45] الاصلية الي موضع تلك التربة و لا فرق بين من يأكله حيوان في بر او بحر او يحترق لان الطينة الاصلية لاتتسلط عليها معدة و لا نار . اقول و كفي بهاتين العبارتين شارحا لحقيقة المراد و بالجملة انتم بحمد الله من اهل المعرفة و نفس سؤالكم يشهد بها و اذا فحصت عن ادلة ما ذكرت في الاخبار و عبارات المشايخ الاخيار وجدت كثيرا منها دالا علي ما ذكرنا بلا غبار .

ثم انك يا اخي سألت مشافهة عن معني ما روي في كلب اصحاب الكهف انه يدخل الجنة و نحوه و عن حشر الحيوانات ، فاحببت ان اضيف الي هذه البيانات بيان ذلك ايضا ان شاء الله تعالي .

و لنرو اولا بعض اخبار المقام ثم نذيلها ببعض ما قيل في هذه المسألة و بعض بيانات مشايخنا رضوان الله عليهم و توضيح بعض ما رزقنا الله فهمه من كلماتهم فروي في الكتاب المبين عن الصادق (ع) لايكون في الجنة من البهائم سوي حمارة بلعم بن باعور و ناقة صالح و ذئب يوسف و كلب اصحاب الكهف و عن ابي‌ذر قال بينا انا عند رسول الله صلي الله عليه و آله اذا انتطحت عنزان فقال النبي صلي الله عليه و آله اتدرون فيم انتطحا فقالوا لاندري قال لكن الله يدري و سيقضي بينهما و عن السكوني باسناده ان النبي صلي الله عليه و آله ابصر ناقة معقولة و عليها جهازها فقال اين صاحبها مروه فليستعد غدا للخصومة و قال موسي بن جعفر عليه السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله استفرهوا ضحاياكم فانها مطاياكم علي الصراط و عن اميرالمؤمنين (ع) في خطبة له ان الله تبارك و تعالي اذا برز لخلقه اقسم قسما علي نفسه فقال و عزتي و جلالي لايجوزني ظلم ظالم و لو كف بكف و لو مسحة بكف و نطحة ما بين الشاة القرناء الي الشاة الجماء فيقتص الله للعباد بعضهم من بعض حتي لايبقي لأحد عند احد مظلمة ثم يبعثهم الله للحساب ● و عن الصادق عليه السلام انه [ص 46] قال اي بعير حج عليه ثلث سنين يجعل من نعم الجنة و روي سبع سنين و قال اميرالمؤمنين (ع) في حديث الاعرابي في بيان النفوس في صفة النفس الحيوانية سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودها و يضمحل تركيبها . اقول ذكرت الخبر الاخير لتكون علي ذكر منه حتي تعرف المراد ان شاء الله .

و قال المجلسي رحمه الله في البحار في باب محاسبة العباد : و اما حشر الحيوانات فقد ذكره المتكلمون من الخاصة و العامة علي اختلاف منهم في كيفيته و قد مر بعض القول فيه في الابواب السالفة ، و قال الرازي في تفسير قوله تعالي و اذا الوحوش حشرت قال قتادة يحشر كل شئ حتي الذباب للقصاص ، و قالت المعتزلة ان الله تعالي يحشر الحيوانات كلها في ذلك اليوم ليعوضها علي آلامها التي وصلت اليها في الدنيا بالموت و القتل و غير ذلك فاذا عوضت عن تلك الآلام فان شاء الله ان يبقي بعضها في الجنة اذا كان مستحسنا فعل و ان شاء ان يفنيه افناه علي ما جاء به الخبر ، و اما اصحابنا فعندهم انه لايجب علي الله شئ بحكم الاستحقاق و لكنه تعالي يحشر الوحوش كلها فيقتص للجماء من القرناء ثم يقال لها موتي فتموت انتهي ، اقول الاخبار الدالة علي حشرها عموما و خصوصا و كون بعضها مما يكون في الجنة كثيرة سيأتي بعضها في باب الجنة و في باب الركبان يوم القيمة و قد مر بعضها كقولهم عليهم السلام في مانع الزكوة تنهشه كل ذات ناب بنابها و يطأه كل ذات ظلف بظلفها . ثم نقل المجلسي رحمه الله عن الصدوق في الفقيه ثلثة اخبار مما روينا احدها خبر السكوني و الآخر في البعير الذي حج عليه و الآخر في استفراه الاضحية . و قال في باب صفة المحشر نقلا عن الطبرسي (ره) في تفسير قوله تعالي يا ليتني كنت ترابا : و يقول الكافر في ذلك اليوم يا ليتني كنت [ص 47] ترابا اي يتمني ان لو كان ترابا لايعاد و لايحاسب ليتخلص من عقاب ذلك اليوم ، و قال عبدالله بن عمر اذا كان يوم القيمة مدت الارض مد الاديم و حشر الدواب و البهائم و الوحوش ثم يجعل القصاص بين الدواب حتي يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء التي نطحتها ، قال مجاهد يقاد يوم القيمة للمنطوحة من الناطحة ، و قال المقاتل ان الله يجمع الوحوش و الهوام و الطير و كل شئ غير الثقلين فيقول من ربكم فيقولون الرحمن الرحيم فيقول لهم الرب بعد ما يقضي بينهم حتي يقتص للجماء من القرناء انا خلقناكم و سخرناكم لبني آدم و كنتم مطيعين ايام حيوتكم فارجعوا الي الذي كنتم كونوا ترابا فتكون ترابا فاذا التفت الكافر الي شئ صار ترابا يتمني فيقول يا ليتني في الدنيا علي صورة خنزير رزقي كرزقه و كنت اليوم اي في الآخرة ترابا و قيل ان المراد بالكافر هنا ابليس عاب آدم بأن خلق من تراب و افتخر بالنار فيوم القيمة اذا رأي كرامة آدم و ولده المؤمنين قال يا ليتني كنت ترابا انتهي .

اقول نقلت عبارات العامة لتكون علي بصيرة مما ذكروا و ظاهر اقوالهم انهم اخذوها من رواياتهم و اكثرها مصرحة بأنها بعد حشرها تفني الا ما نقل عن المعتزلة من قولهم فان شاء الله ان يبقي بعضها في الجنة اذا كان مستحسنا فعل و المراد من فنائها ممازجتها في التراب كما هو صريح قول اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الاعرابي و الحاصل من اقوالهم و رواياتهم ان لها حشرا ثم فناءا و لكنه في اي مقام و اي موقف فلم‌يميزوا شيئا من ذلك .

و قال الشيخ الاوحد الامجد اعلي الله مقامه في حيوة النفس : فصل - و لما كان الحشر انما هو ليتم مقتضي العدل الحق وجب اعادة كل ذي روح لاجل ان يجازي بعمله من خير و شر و يؤخذ له الحق ممن تعدي عليه و ظلمه و يؤخذ منه الحق لمن ظلمه فهذه الاحوال الثلثة و هي مجازاة المكلف بعمله من خير و شر و اخذ حقه ممن ظلمه و اخذ الحق منه لمن ظلمه شامل كل ذي روح من جميع الحيوانات من الانس و الجن [ص 48] و ساير الشياطين و الحيوانات بجميع انواعها الا ان ذلك في كل شئ بحسبه بل النوع الواحد كذلك قال الله سبحانه و لكل درجات مما عملوا و الدليل علي ان كلا من الحساب و الحشر عام لكل الحيوانات الناطقة و الصامتة قوله تعالي و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم مافرطنا في الكتاب من شئ ثم الي ربهم يحشرون و قوله عليه السلام ليقتصن للجماء من القرناء و قوله (ع) و لايظلم ربك احدا يدل بتأويله انه يأخذ الحق لذي الحق و ان كان من الناطقين للصامتات و من الصامتات للناطقين بل يحشر بعض الجمادات كالحجارة ( كالاحجار خ‌ل ) المعبودة من دون الله و الاشجار و غيرهما و يقتص منها لرضاها بذلك في اصل كونها لقوله تعالي انكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم انتم لها واردون فان قلت كيف ترضي و ليس لها عقول و لا شعور قلت ان لها عقولا و شعورا بنسبة كونها و لذا قال سبحانه لو كان هؤلاء آلهة ماوردوها بضمير العقلاء لأنها لو لم‌تكن لها عقول لقال ماوردتها و انما قال ماوردوها بضمير العقلاء لدلالة ان لها عقلا و مثل ذلك قوله تعالي فقال لها و للارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين و لم‌يقل طائعات . فصل - و اما القصاص من الجمادات و الاشجار فانه في الدنيا كما وردت به الاخبار الكثيرة مثل ان زمزم افتخرت علي الفرات فاجري الله فيها عينا من صبر و مثل قوله (ع) لو طغي جبل علي جبل لهده الله و امثال ذلك كثير و انما كانت عقوبة الجمادات و النبات مثل ما ورد ان الارض السبخة و الماء المالح و النبات المر كالبطيخ المر لما عرضت عليها ولاية محمد و اهل بيته (ص) و لم‌تقبل جعلت مرة و مالحة انما جعلت عقوبتها في الدنيا لأنها ليس لها اختيار كلي قوي فينتظر بها الي الآخرة حتي ان ترجع و لان ادراكها كلي ● لتكون رتبتها تصل الي الآخرة بل اختيارها جزئي لايكاد يرجي رجوعها و ادراكها جزئي لاتكون [ص 49] رتبته من نوع الآخرة و انما اخرت عقوبة الاصنام الي الآخرة و ان كانت جزئية لاجل التبكيت لمن يعبدها من دون الله . اقول الفصل الثاني و ان كان خارجا عما كنا بسدده و لكن ذكرناه ليكون شارحا لما في الفصل الاول ان شاء الله كما سيأتي . و قال ابي العلامة اعلي الله مقامه في الفطرة السليمة : و اما الحيوانات فيحشرون تحت عرصة القيمة المخصوصة بذوي النفوس الناطقة في ظل القيمة و هو الدنيا و لم‌اجد في اخبارنا ما يدل علي انها تحشر يوم القيمة الكبري نعم للعامة فيه اقوال و روايات و ما روي في اخبارنا من الركبان يوم القيمة و دخول بعض الدواب الجنة و غيرها فليس بنص في حشر هذه الوحوش يوم القيمة و قوله سبحانه و اذا الوحوش حشرت ليس بنص في حشر هذه الوحوش في المحشر الاكبر هذا و الوحوش اسم للبهائم البرية و مقتضي ظاهر الآية ان البهائم الاهلية ليست تحشر و لايقول به القائلون بحشرها و يحتمل فيها انه يكون المراد حشر الكفار علي صورة الوحوش لقوله تعالي ان هم الا كالانعام و قوله (ع) الناس كلهم بهائم و لان الصورة الانسانية لاتدخل النار و سموا بالوحوش بازاء الانس المأنوس الآنس بالحق و اهله و حديث الامير (ع) نص علي ان عودها عود ممازجة فلا بد من التأويل فيما يدل علي حشرها كتأويل عود الاكفان هذا و الادلة العقلية المستنيرة بنور الهداية دالة علي عدم عودها مع الاناسي في القيمة الكبري فالوحوش المحشورة يوم القيمة اصول هذه الوحوش لقوله سبحانه و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم اي خلقت من ظلكم و هي علي صفتكم فالكفار بانفسهم علي صورة الوحوش و جميع اعمالهم و صفاتهم علي صورة الوحوش لان الاثر علي صفة مؤثره و هذه الوحوش في الدنيا قوالب دنياوية عرضية تحكي تلك الاعمال و الصفات كما ان التقوي اصل اللباس و لباس التقوي ذلك خير و من اتقي الله بالامتثال في استجادة كفنه يحشر بذلك اللباس المصبوغ بصبغ الكفن المتعلق به فافهم فكذلك [ص 50] من استفره اضحيته يركب مطية امتثاله المتعلق بها المصبوغ بصورتها للتعلق بها فيكون ذلك الامتثال مطيته علي الصراط و البعير الذي حج عليه ثلثا او سبعا يكون من نعم الجنة اي جنة الدنيا اي الامتثال لانه يسار عليه الي طاعة الله و يبارك عليها في الدنيا و حسنات الدنيا ظل حسنات الآخرة و هي من حظائر الحظائر او كما عرفت في الاضحية فافهم و اما ما روي من اقتصاص الجماء من القرناء ثم صيرورتها ترابا فليس من طرقنا بالجملة محشر الحيوانات قبل يوم القيمة و دونها و في ايام الدنيا و يصل اليهم من النعيم و العذاب علي حسب اعمالهم في الدنيا فحشرهم في الدنيا و جنتهم و نارهم في الدنيا لا غير و كذلك حشر النبات و الجماد و ما قال الله سبحانه انكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم فالما مصدرية يعني انكم و عبادتكم غير الله حصب جهنم و ان كانت موصولة ايضا يراد بها اصل الاصنام و حقيقتها و عبادتهم المصبوغة بها للتعلق بها فيحشر حقيقة صورة تلك الاصنام مقترنة بعباداتهم و انما كل ذلك لنص اميرالمؤمنين (ع) بأن عودها عود مجاورة (كذا) ● و لأنها مركبة من اشياء و هي اشياء عرضية لا ذاتية فافهم ان كنت تفهم و الا فاسلم تسلم .

اقول اما عبارات شيخنا الاوحد اعلي الله مقامه و رفع في الدارين اعلامه فاكثرها مجملات لو لم‌تكن عبائر ابي العلامة رفع الله مقامه شارحة لها ماكان يعرف منها شئ الا بعض الظواهر و لايعلم رطنه الا ولد بطنه فاثباته الحشر و المجازاة لكل ذي روح علي اجماله يوقعنا في اشكال عظيم لكن معذلك قوله رضوان الله عليه الا ان ذلك في كل شئ بحسبه الخ ، يومي الي ثبوت الفرق بينها و الي الدرجات المختلفة بحسب ما عملوا كونا و شرعا و يشير الي ذلك ايضا قوله تعالي و ما منا الا له مقام معلوم فان من البين الذي لا شك فيه ان [ص 51] الحيوانات عديموا العقول كما صرح به في اخبار كثيرة و في حديث المفضل في حكم الاشياء في عدة مواضع منه صرح الصادق عليه السلام بأن الحيوانات لا عقل لها و لا روية و ما يري منها من آثار الشعور و العقل فانما هي امور طبيعية جعلها الله تعالي فيها من باب اللطف و اثبات الشيخ الاوحد (اع) لها بل للجمادات العقل ليس المراد منه العقل الشرعي بل و لا الكوني الانساني و انما المراد منه الانفعال الطبيعي الذي لايخلو منه كل مخلوق و الجمادات اقلها انفعالا ثم النباتات ثم الحيوانات ثم الانسان و هو اول العقلاء المكلفين شرعا ظاهرا و اما الجن و الملائكة فليسا من الخلق الظاهر و هذا بديهي لاينكر فاذا كان الحيوان لا عقل له و لا روية فبلا شك لايأتي محشر الاناسي و الله تعالي يقول كما بدأكم تعودون و يأول بالمصدر اي بدؤكم عودكم و اذا كان بدؤ الحيوان دون بدء الانسان فلا جرم عوده ايضا دون مقام الانسان و الله تعالي يقول و لايظلم ربك احدا و من الظلم تشريك غير ذي حق مع ذي حق فاذا لم‌يكن من حق الحيوان ان يساوي درجته درجة الانسان فتشريكه في الدرجة مع الانسان ظلم بالنسبة الي الانسان و ما في بعض الاخبار ان الله سبحانه يعطي بعض اهل الجنة درجة بعض اخوانهم و لم‌يعملوا مثل عملهم فانما هو بعمل آخر لهم يقوم مقام عملهم او بشفاعة شفيع و الا فلايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم علي ان الاخوان بانفسهم مصاقعون بعضهم مع بعض مشاركون في الطينة شفعاء بعضهم لبعض بالجملة فقوله اعلي الله مقامه ان ذلك في كل شئ بحسبه يشير الي هذا المعني ان الحيوانات و ان حشرت لاتحشر محشر الاناسي علي انه شرح و بين في الفصل الثاني ان الجمادات و النباتات لاتتجاوز الدنيا و ادراكها جزئي لاتكون رتبته من نوع الآخرة و من البين الذي لا شك فيه ان الحيوان ايضا و ان كان له ادراك ما و لكن ادراكه بالنسبة الي الانسان جزئي و قد سخرت الحيوانات للانسان بعدم العقل و الشعور لها و الا كانت تأبي عن [ص 52] الانقياد للانسان كما شرح و بين في حديث المفضل فبحسب جزئية ادراكه لايكون من نوع الآخرة و انما هو برزخ بين الانسان و بين النبات فمحشره ايضا برزخ بين الدنيا و الآخرة بل هو من اسافل البرزخ في مقام الحس المشترك و ليس له من ساير الافلاك الا بالظل في بعضها و اما حقايق ساير الافلاك فهي مختصة بالانسان علي حسب درجاتهم في ظهورهم في عرصة المثال و اما قول الشيخ الاوحد (اع) و انما اخرت عقوبة الاصنام الي الآخرة و ان كانت جزئية لاجل التبكيت لمن يعبدها من دون الله ، فليس المراد منه انها باعيانها الزمانية الدنياوية تأتي عرصة الآخرة و تعاقب لتبكيت عابديها و انما مجيئها الي الآخرة مجيء اصولها و حقايقها اي صفة الجمادية و النباتية التي اكتسبها الانسان منها في نفسه و من هنا صارت عقوبتها تبكيتا لعابديها و الا فلو كان مجيئها الي الآخرة امرا خارجيا خاصا بها و لا ارتباط لها بعابديها ماكانت عقوبتها تبكيتا لهم و انما التبكيت لهم يحصل بارتباط و انتساب بهم كثوب لبسته و نسب اليك فان خرق او احرق و هو علي جسدك معذلك اوجب التبكيت لك و اما لو فرض مجيئك و مجيء الصنم فرادي الي عرصة القيمة كما قال تعالي جئتمونا فرادي كما خلقناكم اول مرة فأي تبكيت لك لو عوقب الصنم في حده بالجملة فتدبر في كلماته (اع) فانها مع اجمالها يبين المراد بافصح بيان و بيانات ابي العلامة (اع) هنا و في ساير المقامات شارحة لها و الحمد لله و لاتحتاج الي كثير شرح و الآيات و الاخبار الدالة علي ما ذكر اكثر من ان تحصي ففي الكتاب المبين عن ابي‌جعفر و ابي‌عبدالله عليهما السلام ان اميرالمؤمنين صلوات الله عليه قال للبراء بن غارب كيف وجدت هذا الدين قال كنا بمنزلة اليهود قبل ان نتبعك تخف علينا العبادة فلما اتبعناك و وقع حقايق الايمان في قلوبنا وجدنا العبادة قد تثاقلت في اجسادنا قال اميرالمؤمنين عليه السلام فمن ثم يحشر الناس يوم القيمة في صور الحمير و تحشرون فرادي فرادي و [ص 53] يؤخذ بكم الي الجنة ثم قال ابوعبدالله عليه السلام مابدأ لكم من احد يوم القيمة الا و هو يعوي عواء البهائم ان اشهدوا لنا و استغفروا لنا فيعرض عنهم و ما هم بعدها بمفلحين و عن ابي‌جعفر محمد بن علي الباقر عليهما السلام قال ان اهل النار يتعاوون فيها كما يتعاوي الكلاب و الذئاب مما يلقون من اليم العذاب الخبر و سمع يقول يحشر المكذبون بقدر الله من قبورهم قد مسخوا قردة و خنازير و الاخبار بهذا المعني كثيرة فأي بأس ان يفسر قوله تعالي اذا الوحوش حشرت بتلك الكلاب و الذئاب علي ان للوحوش الحيوانية ايضا حشرا في مقامها دون عرصة الاناسي و اما ما ذكره ابي العلامة (اع) في ما روي في اقتصاص الجماء من القرناء ثم صيرورتها ترابا انه ليس من طرقنا فنعم بهذا النحو لم‌نجد الا في روايات العامة كما مرت و لكن نوع اقتصاص الجماء من القرناء فمذكور في اخبارنا ايضا كما مر في خطبة اميرالمؤمنين عليه السلام و لعله اعلي الله مقامه لم‌يجد الخبر و علي اي حال الجمع بينها و بين كلام اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث الاعرابي بالذي عرفت من بيانه ان لها ايضا حشرا الا انه دون محشر الانسان .

و اعلم ان لاخي العلامة (اع) ايضا بيانا في هذا المعني كتبه في جواب الملا محسن الكوكي ننقله هنا تيمنا و فيه مزيد تحقيق قال : فاعلم ان مواقف القيمة و مراتبها مختلفة فلاتزعم ان كل الخلق يقومون في مقام واحد و ان كانوا مجتمعين في صعيد فان درجات ارض القيمة مختلفة باختلاف مراتب الخلق من الجمادات و النباتات و الحيوانات و الاناسي و البرازخ بينها فما كان منها زمانيا واقف في الزمان و ما كان منها برزخيا واقف في البرزخ و ما كان اخرويا واقف في الآخرة فالقيمة الكبري اعلاها اعلي درجة يقف فيها الواقفون و هي الاعراف التي يقول الله تبارك و تعالي و علي الاعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم و اسفلها الدنيا الدنية التي يقف عليها الجمادات و المعادن و النباتات و اما الحيوانات فترجع [ص 54] الي اسافل البرزخ فيقاص الجماء من القرناء و كل شئ واقف في مقامه و عوده بهذا اللحاظ عود مجاورة و لايضل ربي شيئا منها و لاينسي و عوده الي اسطقسه و عناصره ممازجة فالشخصيات واقفة في مقام الشخصية بالمجاورة و رجوعها الي الكليات ممازجة فلاتزعم ان ما ذكرت يعني ان الحيوان يقوم في قيامة الانسان حاشا و كلا بل الاناسي ايضا مختلفون في مقامهم و حدهم فالنبات مجاور مقام لايجاوزه و حشره و نشره و حسابه و ثوابه و عقابه هنا و الحيوان في مقامه و الانسان في مقامه فرب مقام هو لك ممر و لغيرك مستقر فالجمادات الآن واقفون في موقف الحساب عند ربهم و كذلك النباتات و الحيوانات و اما الانسان فهو يبقي الي عرصة النفوس و تجزي هنا بما كسبت (كذا) ، الي آخر كلامه علا مقامه . و اذا جمعت ما نقلناه عن الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه و ابي و اخي رضوان الله عليهما و عرفت المراد منها احطت باطراف المسألة ان شاء الله .

و اعلم ان للمخلوق في مقامه وجودين و ذكرين ذكرا لربه فهو مذكور عنده سبحانه في كل مقام علي ما هو عليه ففي مادته النوعية علي ما هي عليه فيها و هي ذكره الاول ثم في الصورة النوعية و المادة الشخصية و الصورة الشخصية و في كل منها علي ما هو عليه فيه و يعلمه الله سبحانه ازلا ابدا لايضل ربي و لاينسي فيعلمه علي الممازجة في مقام المادة النوعية و الصورة النوعية و علي المجاورة في المادة الشخصية و الصورة الشخصية الا ان هذا من علمه سبحانه و ليس للمخلوق فيه ادراك و وجدان لنفسه كما لو كان لك فرس مثلا و ماتت و انت تذكرها في ذهنك فهي مذكورة لك عندك و لكن الفرس بعد ما ماتت لاتجد نفسها في زمان آخر و لا الدهر اما في الزمان فزمانها المختص بها قد مضي و زال تعينها و رجعت الي القوة و صارت عدما و اما الدهر فلأن تركيبها زماني من اجزاء مستقلة زمانية ففي الدهر اذا رجع كل شئ الي اصله و جوهره رجع كل جزء من اجزائه الي عنصره فترابه الي التراب المطلق و ماؤه الي [ص 55] الماء المطلق و هكذا و لا وجود له مركبا في الدهر و لايرجع اليه و اما الذكر العلمي الازلي فهو ثابت لكل شئ و لايضل ربي و لاينسي و هو من كماله تعالي لا من كمال المخلوق و الذكر الآخر للمخلوق فهو له في نفسه عند مقام وجوده و هو واجد لنفسه بحسب درجة ادراكه و وجدانه لنفسه فالجماد علي جماديته و النبات علي النباتية و الحيوان علي الحيوانية و الانسان علي الانسانية و كل نوع و فرد علي ما هو عليه فالجماد و النبات وجودهما زماني صرف الا ان الجماد زماني ارضي غليظ كثيف و النبات في نفسه زماني لطيف من ظاهر الافلاك و اما الحيوان فهو في نفسه برزخي و من الملكوت الا انه من اسافله و اسافل البرزخ مربوطة بالمواد العرضية الزمانية متقضية بتقضيها و اما الانسان فهو في ذاته دهري صرف و بحسب ظهوره الاعلي من اعلي البرزخ ثم في اسفله ثم في ظواهر افلاك هذا العالم ثم في ارضه و له في كل مقام ذكر في نفسه علي ما هو عليه في ذلك المقام و الثواب و العقاب و المجازات كلها لكل شئ في مقامه فالجماد و النبات و الحيوان من مواليد الدنيا من اعلاها الي اسفلها و تجازي بعملها كل في مقامه و حده فالجماد و النبات في الدنيا علي ما ذكره الشيخ الاوحد (اع) بدلالة الاخبار و الحيوان ايضا نحو من ذلك الا انه اعلي منهما قليلا فالقرناء التي نطحت الجماء يقتص منها بأن تنطحها قرناء اخري او تتردي من علو او يضربها انسان او سبع مثلا و قد رؤي في الحيوان كثيرا ان الفرس التي رفست فرسا اخري يضربها آخر بمثل ما ضربت و كذلك في غيرها بل في الاناسي ايضا لهم مجازاة في الدنيا بحسب اعمالهم الدنيوية و هي مجربة محسوسة و الذي ينظر الي حرم جاره سوف ينظر الي حرمه و الذي يسرق مال غيره سوف يسرق ماله و الذي يظلم غيره سوف يظلم و هو محسوس مجرب و كل ذلك مجازات دنيوية في الاعمال الدنيوية و من عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله و اما الاعمال البرزخية و الاخروية فلها جزاؤها في مقامها و ماتجزون الا ما [ص 56] كنتم تعملون و جل البلايا في الدنيا و الآفات و فساد الزراعات و الامراض و العاهات من المجازات الدنيوية و المعاصي البدنية و ما كان من المعاصي برزخيا او نفسانيا نعوذ بالله فجزاؤها ايضا برزخي او نفساني اخروي علي حسبها و الحاصل انه لا شك ان مقتضي الحكمة و العدل ان يرجع كل شئ الي حيث بدئ و يجازي بعمله فيه فان كان بدؤه من الملكوت الاعلي كالانسان في نفسه فعوده اليها و مجازاته فيها و ان كان بدؤه من اسفل الملكوت المقترن بالمواد الدنيوية كالحيوان فعوده اليه و مجازاته فيه ثم يصير ترابا منه خلق و ان كان بدؤه من الدنيا اعلاها او اسفلها فعوده اليها كما عرفت و لم‌نكن نحتاج بعد بيانات مشايخنا رضوان الله عليهم الي تفصيل زايد الا انا اردنا تطبيق بعضها مع بعض و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .

و قد تمت الرسالة علي يد العبد الاثيم زين‌العابدين بن كريم في عصر يوم المولود المسعود ثالث‌عشر شهر رجب المرجب من شهور سنة ١٣٤٢ حامدا مصليا مستغفرا راجيا عفو ربه عز و جل .