[ص 1]

رسالة في جواب المرحوم السيد عبدالله الموسوي البصري اعلي الله درجته

من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني

مولانا المرحوم الحاج زين‌العابدين خان الكرماني اعلي الله مقامه

[ص 2] بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .

و بعد يقول العبد المسكين ابن محمدكريم زين‌العابدين انه قد امرني السيد الجليل النبيل الفاضل الاواه الذكي السيد عبدالله بن السيد علي الموسوي البصري ايده الله و بلغه ما يتمناه بالجواب عن مسألتين شريفتين و اني مع قلة البضاعة و كثرة الاضاعة مبتل بتبلبل البال كثير الاشغال لايسعني التفصيل في المقال و لكن الميسور لايسقط بالمعسور و الي الله ترجع الامور و اسأله التوفيق لما يحب و يرضي بجاه محمد و آله ائمة الهدي صلي الله عليهم اقصي المدي .

الاولي - بعد ما ذكر حرسه الله بعض الالفاظ و اطري في المدح بما لست اهلا له قال : ثم غير خفي عليكم سيدي اني حين اقامتي في بلدة البصرة اجتمعت ذات يوم من الايام مع بعض المتسمين بالعلم من الاخباريين فانتهي بنا الكلام الي نقل الاموات الي بعض المشاهد المشرفة و المراقد المطهرة علي مشرفيها السلام فانكر ذلك و ادعي انه و اصحابه لايجيزون ذلك كما هو معروف من طريقتهم زعما منه ان ذلك يستلزم هتك حرمة الميت مع خلو النصوص من ذلك ثم بعد ذلك التفت الي و قال انتم كيف تجوزون ذلك و المفروض انه لم‌يرد نص صريح في جواز نقل الاموات مطلقا الي المشاهد او غيرها فما الذي حملكم علي ذلك و طلب مني [ص 3] الجواب في ذلك المحضر و اني لما لم‌اكن من اهل العلم و لا ممن وقف علي ذلك الرسم استدللت عليه بادلة جدلية و قلت له اولا علي فرض خلو هذه المسألة من النصوص فأي عيب علينا في حمل موتانا الي احد المشاهد المطهرة و المراقد المعظمة و هل لنا وسيلة غير آل‌محمد عليهم السلام فنتوسل بها فنحن نتوسل بهم و نلتجأ اليهم احياءا و امواتا لعل الله سبحانه ببركاتهم ان يجعلنا من المرحومين بشفاعتهم (ص) و اما ما ذكرتم من هتك الحرمة فانه لا بأس بها اذا كان فيها حيوة المرأ و نجاته و مثلت له بعض الامثلة و استشهدت بقول الشاعر : اقتلوني يا حماتي ان في قتلي حيوتي الخ ، و ثانيا انا لانسلم ان الاخبار خالية من ذلك بل ورد ان نوح نبي الله (ع) حمل عظام آدم (ع) و دفنها في الحرم المطهر كما هو الآن و ورد ايضا ان موسي (ع) حمل عظام يوسف (ع) و دفنها في مكة المشرفة ● فاحتج علي ان جواز ذلك في شرع الانبياء السابقين لايكون دليلا علي جوازه في شرعنا فاستدللت عليه بادلة اخر غير مأثورة فلم‌يقنع بذلك فالملتمس من جنابكم و المرجو من فضلكم ان تمنوا علي بالجواب عن هذه المسألة مقرونا بالادلة الواضحة و البراهين النيرة بحيث لايبقي لمحتج حجة .

اقول الاصحاب ايضا و ان فصلوا في المسألة و لكن لم‌يزيدوا علي ما اشرتم وفقكم الله اليه كثيرا و اعلم ان للمسألة مقامين احدهما قبل الدفن و الآخر بعده و الخطب فيما قبل الدفن اسهل و فيما بعده اشكل و نحن نذكر ما عثرنا عليه من الادلة في المقامين و لا قوة الا بالله .

الاول - في نقله قبل الدفن ، و اعلم انهم بعد ما حكموا بكراهة النقل الي غير بلد مات فيه اجماعا استثنوا منه النقل الي المشاهد المشرفة زادها الله شرفا .

[ص 4] و نقل الشيخ يوسف رحمه الله عن العلامة ره في المعتبر يكره نقل الميت الي غير بلد موته و عليه العلماء اجمع و قال علماؤنا خاصة بجواز نقله الي مشاهد الائمة (ع) بل يستحب اما الاول فلقول النبي عجلوهم الي مضاجعهم و هو دليل علي الاقتصار علي المواضع القريبة المعهودة بالدفن و اما الثاني فعليه عمل الاصحاب من زمن الائمة (ع) الي الآن و هو مشهور بينهم لايتناكرونه و لانه يقصد بذلك التمسك بمن له اهلية الشفاعة و هو حسن بين الاحياء توصلا الي فوائد الدنيا فالتوصل الي فوائد الآخرة اولي انتهي ، و عليه اقتصر في المدارك في الاستدلال علي الحكم المذكور و نحوه في الذكري ايضا و غيره في غيرها اقول و ظاهر كلماتهم في هذا المقام يدل علي عدم وقوفهم علي دليل من الاخبار و الا لنقلوه و لو تأييدا هذه (كذا) الادلة العقلية باصطلاحهم كما هي عادتهم في جميع الاحكام و الذي وقفت عليه مما يدل علي النقل الي المواضع الشريفة للتبرك و التيمن لشرفها روايات منها ما رواه في في بسنده عن علي بن سليمان قال كتبت اليه اسأله عن الميت يموت بعرفات يدفن ( يدفن بعرفات - نسخة جواهر ) او ينقل الي الحرم ايهما افضل فكتب يحمل الي الحرم و يدفن فهو افضل و ما رواه الشيخ في التهذيب عن علي بن محمد قال كتبت الي ابي‌الحسن (ع) اسأله عن الميت يموت بمني او عرفات الوهم مني ثم ذكر مثل الاول و ما رواه الديلمي في ارشاد القلوب و السيد عبدالكريم بن السيد احمد بن طاوس في كتاب فرحة الغري من حديث اليماني الذي قدم بأبيه علي ناقة الي الغري قال في الخبر انه كان اميرالمؤمنين اذا اراد الخلوة بنفسه ذهب الي طرف الغري فبينما هو ذات يوم هناك مشرف علي النجف فاذا رجل قد اقبل من اليمن راكبا علي ناقة قدامه جنازة فحين رأي عليا قصده حتي وصل اليه و سلم عليه فرد عليه و قال من اين قال من اليمن قال و ما هذه الجنازة التي معك قال جنازة ابي لادفنه في هذه الارض فقال له علي عليه السلام لم لادفنته في ارضكم قال اوصي [ص 5] بذلك و قال انه يدفن هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة و مضر فقال (ع) اتعرف ذلك الرجل قال لا قال انا والله ذلك الرجل ثلثا فادفن فقام فدفنه و في مجمع البيان عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع) في حديث قال لما مات يعقوب حمله يوسف في تابوت الي ارض الشام فدفنه في بيت المقدس و ما رواه الراوندي في كتاب قصص الانبياء باسناده الي الصدوق بسنده الصحيح عن محمد بن مسلم عن الباقر (ع) مثله و يعضده ما تقدم من حديثي نقل آدم و يوسف فانه متي جاز بعد الدفن فقبله بطريق اولي و قال في كري و لو كان هناك مقبرة بها قوم صالحون او شهداء استحب النقل اليها ايضا لتناله بركتهم و هو حسن ، اقول يؤيده ما رواه الكشي في كتاب اختيار الرجال عن العياشي قال سمعت علي بن الحسن يقول مات يونس بن يعقوب بالمدينة فبعث اليه ابوالحسن الرضا عليه السلام بحنوطه و كفنه و جميع ما يحتاج اليه و امر مواليه و موالي ابيه و جده ان يحضروا جنازته و قال لهم هذا مولي لابي‌عبدالله عليه السلام كان يسكن العراق و قال لهم احفروا له في البقيع و ان كان قال لكم اهل المدينة انه عراقي و لايدفن في البقيع فدفن في البقيع الخبر و اما ما رواه في دعائم الاسلام عن علي عليه السلام انه رفع اليه ان رجلا مات بالرستاق فحملوه الي الكوفة فانهكهم عقوبة و قال ادفنوا الاجساد في مصارعها و لاتفعلوا كفعل اليهود تنقل موتاهم الي بيت المقدس و قال انه لما كان يوم احد اقبلت الانصار لتحمل قتلاها الي دورها فأمر رسول الله مناديه فنادي ادفنوا الاجساد في مصارعها . فاول ما فيه ان الكتاب المذكور غير معتمد و لا مشهور ، قال في البحار كتاب دعائم الاسلام قد كان اكثر اهل عصرنا يتوهمون انه تأليف الصدوق و قد ظهر لنا انه تأليف ابي‌حنيفة النعمان بن محمد بن منصور قاضي مصر في ايام الدولة الاسمعيلية و كان مالكيا اولا ثم اهتدي و صار اماميا و اخبار هذا الكتاب اكثرها موافق لما في كتبنا المشهورة لكن لم‌يرو [ص 6] عن الائمة بعد الصادق (ع) خوفا من الخلفاء الاسمعيلية و تحت سر التقية اظهر الحق لمن نظر فيه و اخباره تصلح للتأييد و التأكيد الي آخر كلامه ، و ثانيا انه يمكن حمله علي حصول النقل من مسافة يوجب تغير الميت و انفجاره فقد صرح الشهيد الثاني بأنه يجب تقييد الحكم المذكور بما اذا لم‌يخف هتك الميت بانفجاره و نحوه لبعد المسافة او غيرها و هو جيد ، و يمكن ان يقال ان الكوفة من حيث هي ليست من الاماكن التي يستحب النقل اليها مع منافاته للتعجيل المأمور به و كيف كان فهذا الخبر ليس له قوة المعارضة لما ذكرناه ، و اما ما تضمنه من نهي الرسول (ص) عن نقل قتلي احد فهو مما صرح به الاصحاب ايضا فانهم استثنوا من هذا الحكم الشهداء كما صرح به شيخنا المشار اليه و غيره قالوا فان الاولي دفنه حيث قتل لقوله (ص) ادفنوا القتلي في مصارعها ، و هذا الحديث ايضا شاهد به .

اقول نقلت كلامه رحمه الله بطوله لكثرة محصوله و جامعيته لكثير من الادلة و يؤيد ما نقله عن العلامة ره من كون عمل الاصحاب من زمن الائمة عليهم السلام علي النقل ما روي في الكتاب المبين عن ميثم التمار قال قلت له و الظاهر ان المراد اميرالمؤمنين عليه السلام جعلت فداك اتأذن لي ان انقل امي الي طيبة فقال (ع) لو كانت صالحة لها لنقلوها اليها دونك . اقول و هو و ان لم‌يشتمل علي رخصة صريحة و لكن يومي الي انه كان بناء الاصحاب علي النقل من الصدر الاول و يشعر بجواز النقل ايضا ما رواه في البحار من وصية اميرالمؤمنين (ع) الي الحسن عليه السلام في موضع دفنه (ص) في الغري و اخفاء موضعه الي ان قال : ثم يا بني بعد ذلك اذا اصبح الصباح اخرجوا تابوتا الي ظهر الكوفة علي ناقة و امر بمن يسيرها بما عليها كأنها تريد المدينة بحيث يخفي علي العامة موضع قبري الذي تضعني فيه و كأني بكم و قد خرجت عليكم الفتن من هيهنا و هيهنا فعليكم بالصبر فهو محمود العاقبة الخبر . اقول وجه الدلالة و ان كان التابوت خاليا عن جسده [ص 7] المقدس صلوات الله عليه انه يبعد ان تكون التورية هنا بوجه غير مشروع و ظاهره انه كان مشروعا سائغا الا ان الامر في الواقع علي ما نعلم و ان قيل ان التقية كثيرا ما يتفق بامر غير مشروع في الواقع كأن تفطر يوما من شهر رمضان تقية كما صدر عن بعض الائمة (ع) قلت نعم و هذه تقية وقعت من بعض الخلفاء لأنهم افطروا فيفطر الامام (ع) ايضا تقية و اما في مثل حمل التابوت الخالي الي المدينة فليس بشئ وقع منهم فأمر (ع) بالتقية منهم و مع ذلك لانعده دليلا صريحا و لكن ذكرناه تأييدا .

و قد ذكر شيخ الجواهر ايضا بعض المؤيدات ننقل كلامه بطوله و ان لم‌يكن فيها نص معتبر علي المراد و لكن لاتخلو عن نوع من التأييد قال : و عن هرون بن خارجة عن الصادق (ع) من دفن في الحرم امن من الفزع الاكبر فقلت له من بر الناس و فاجرهم قال من بر الناس و فاجرهم ، و بها افتي في الجامع فقال لو مات في عرفة فالافضل نقله الي الحرم و بما في كري عن الغرية قد جاء حديث يدل علي رخصة في نقل الميت الي بعض مشاهد آل الرسول ان اوصي الميت بذلك و يقرب منها عن المصباح و بما ارسل في المبسوط و عن النهاية من الرواية الدالة علي الرخصة في نقله بعد دفنه بناءا علي العمل بها اذ ما نحن فيه اولي و الاشكال في الاستدلال بهذه الاخبار بأنه فعل بشريعة سابقة و ليس حجة علينا بل لعل خلافها هو المطلوب كما يرشد اليه قول النبي (ص) لما قال له اليهود هكذا نحن نصنع خالفوهم و فعل خلافه مدفوع بعد تسليم ذلك حتي فيما ينقل عن الانبياء انفسهم بأن الاستدلال بها انما هو لما يظهر من ذكر ائمتنا عليهم السلام لها من ارادة العمل بمضمونها و يؤيده ايضا بما فيه من التمسك بمن له اهلية الشفاعة و هو حسن بين الاحياء توصلا الي فوائد الدنيا فالتوصل الي فوائد الآخرة اولي و القول انه لا دليل يدل علي حصول ذلك بمجرد القرب المكاني من قبره لايصغي اليه اذ مع امكان دعوي استغنائه عن الدليل لان حرمتهم (ع) احياءا كحرمتهم امواتا في [ص 8] خبر اليماني و غيره اشارة اليه و قال في البحار انه قد وردت اخبار كثيرة في فضل الدفن في المشاهد المشرفة لاسيما الغري و الحائر قلت و الامر بالشئ ندبا امر بمقدمته كذلك فيستحب النقل ح و حكي في كتاب المزار منه عن ارشاد القلوب للديلمي انه قال من خواص تربة الغري اسقاط عذاب القبر و ترك محاسبة منكر و نكير للدفن هناك كما وردت به الاخبار الصحيحة عن اهل البيت (ع) ثم نقل رؤيا عن بعض الصلحاء تناسب ذلك و خبر اليماني المشهور قلت و في بالي اني سمعت عن بعض مشايخي ناقلا له عن المقداد انه قال قد تواترت الاخبار ان الدفن في ساير مشاهد الائمة مسقط لسؤال منكر و نكير هذا كله مع قطع النظر عما فيه من ملاحظة نفس الارض و ما ورد فيها من الفضل و البركة فان لذلك مدخلية ايضا في مسألة الدفن كما يشعر بذلك المرسل عن النبي (ص) ان موسي (ع) لما حضرته الوفاة سأل ربه ان يدنيه الي الارض المقدسة رمية حجر و قال (ص) لو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الاحمر و قول اميرالمؤمنين (ع) عند ارادة دفنه للنبي (ص) في بيته بأنه (ص) قبض في اشرف البقاع فليدفن فيها و قوله ايضا لما نظر الي ظهر الكوفة ما احسن منظرك و اطيب قعرك اللهم اجعله قبري و اصرار ابي‌الحسن (ع) علي دفن يونس بن يعقوب بالبقيع و حكاية دفن الحسن مع جده (ص) الي غير ذلك و قد ورد في فضل الغري مع قطع النظر عن دفن اميرالمؤمنين (ع) فيه و شراء ابرهيم له معللا ذلك بأنه يحشر منه سبعون الفا يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم لكذا و كذا و كذلك اشتراه اميرالمؤمنين (ع) معللا له بمثل ذلك و انه يحشر منه سبعون الفا يدخلون الجنة بغير حساب و غير ذلك ما هو غني عن البيان كما قد يشعر ما مر من خبر الزانية التي لم‌تقبلها الارض حتي وضع معها شئ من ارض كربلا و غيره بفضل كربلا كذلك ايضا فضلا عما ورد فيها من الاخبار و الحاصل ان من ايقظته اخبار الائمة الهدي [ص 9] لايحتاج الي خصوص اخبار في التمسك علي رجاء النفع للميت و دفع الضرر عنه بالدفن قرب من له اهلية الشفاعة لذلك و الارض المباركة المشرفة بدفنهم بها او بغيره سيما ما كان لفضلها تعلق بالدفن و نحوه كمقبرة براثا لما في خبر ابي‌الحسن الحذاء عن الصادق (ع) ان الي جانبكم مقبرة يقال لها براثا يحشر منها عشرون و مأة الف شهيد كشهداء بدر ، لكن كأنه يظهر من المجلسي في البحار انه فهم منه مقبرة الغري حيث رواه عن سهل في هذا المضمار . ثم ذكر بعض فتاوي الاصحاب في دفن الميت حيث كان قرب قوم صالحين دفنوا هناك ليشمله خيرهم و بركتهم .

اقول لو قطعنا النظر عما هو نص في المراد اشكل الاستدلال بهذه الاخبار كما لايخفي و لكن مع وجود بعض النصوص فهي مقربات و مؤيدات ، و زايدا علي ما بذلوا جهدهم في تأييد المسألة قد روي المحدث النوري (ره) في مستدرك الوسائل بعض المؤيدات نذكر منها ما هو اقرب لتكون هذه الرسالة جامعة لكل ما استدل به علي المراد فنقل عن الشيخ ابي‌الفتوح الرازي في تفسيره عن انس بن مالك عن رسول الله صلي الله عليه و آله انه قال من مات في احد هذين الحرمين حرم الله و حرم رسوله صلي الله عليه و آله بعثه الله تعالي من الآمنين و عنه صلي الله عليه و آله ان الله تعالي يأمر يوم القيمة ان يأخذوا باطراف الحجون و البقيع و هما مقبرتان بمكة و المدينة فيطرحان في الجنة و عن عبدالله بن مسعود انه قال كان رسول الله صلي الله عليه و آله في جانب ارض بمكة هي اليوم مقبرة و لم‌تكن يومئذ مقبرة فقال يبعث من هذه البقعة و من هذا الحرم يوم القيمة سبعون الف يدخلون الجنة بغير حساب يشفع كل واحد منهم في سبعين الف وجوههم كالقمر ليلة البدر و عن وهب بن منبه انه قال مكتوب في التوراة ان الله تعالي يبعث يوم القيمة سبعمأة الف ملك معهم سلاسل الذهب فيأتون بالكعبة الي عرصة القيمة فيأتون بها بسلاسل الذهب الي موقف القيمة فيقول لها ملك يا كعبة الله سيري [ص 10] فيقول لااذهب حتي تقضي حاجتي فيقول ما حاجتك فتقول تقبل شفاعتي في الذين دفنوا في اطرافي فيقول الله تعالي قضيت حاجتك فيبعث الاموات من قبورهم وجوههم بيض و عليهم الاحرام فيحتوشون الكعبة و ينادون لبيك الخبر .

اقول لايخفي ان المراد من ذكر هذه الاخبار و تلك الفضائل لتلك البقاع ليس ان يهاجر الناس كلهم من اطراف الارض و يجلوا اوطانهم فيها و يسكنوا في تلك البقاع الشريفة حتي تأتي آجالهم فيموتوا فيها و يدفنوا بها للزوم الحرج و العسر بداهة بل التوطن في المشاهد المشرفة كثيرا ما يورث قساوة القلب و ذهاب عظمتها و بركتها و شرافتها من اعين الناظرين كما هو مجرب محسوس و من هنا امروا في بعض الاخبار بالزيارة و الرجوع الي الاوطان فليس المراد منها الامر او التحريص بالتوطن بها و لكن نقل الاجساد اليها بعد الموت لمن اراد ذلك امر ممكن فمن هنا ذكروا تلك الآثار العظيمة لتلك البقاع الشريفة تحريصا لهم علي ذلك .

بالجملة و روي المحدث النوري ره ايضا عن الجعفريات بسنده عن موسي بن اسمعيل قال حدثنا ابي عن ابيه عن جده جعفر بن محمد عن ابيه عن جده علي بن الحسين عن ابيه عن علي بن ابيطالب عليهم السلام ان رجلا مات بالرستاق علي رأس فرسخ من الكوفة فحملوه الي الكوفة فرفع ذلك الي علي بن ابيطالب (ع) فانهكهم عقوبة ثم قال ادفنوا الاجساد في مصارعهم و لاتفعلوا كفعل اليهود فان اليهود تنقل موتاهم الي بيت المقدس و بسنده عن نتيج العبدي عن جابر بن عبدالله الانصاري ان رسول الله (ص) امر بقتلي احد ان يردوا الي مصارعهم ، و بسند آخر عن جابر ايضا نحو ذلك ، ثم ذكر ما نقله الشيخ يوسف ره عن الدعائم و الروايات الثلثة عن الجعفريات مؤيدة لصحة رواية الدعائم ، و قال المحدث النوري (ره) ما نص صدر الخبر و ما تقدم عن الجعفريات محمول علي قصد الدفن في المسجد او في الكوفة لمجرد كونها من البلاد العظيمة و انها قاعدة بلاد العراق و [ص 11] غيرها من الاغراض الفاسدة .

اقول و نعم ما قال رحمه الله فان للناس اغراضا فاسدة في امثال هذه الامور و غيرة شديدة في حبهم لاوطانهم كما نسمع من بعض اهل الافرنج في بلادنا انهم يوصون باحراق اجسادهم من بعد موتهم و حمل ارمدتها الي بلادهم في اروفا و اليهود ايضا حيث كانوا ينقلون الاجساد الي بيت المقدس فظاهر حالهم انه كان ذلك من باب غيرة حب الوطن لا من باب شرافة الارض و من حيث كونها مدفن الانبياء (ع) و مسكنهم كيف و هم بانفسهم قتلوا انبياء الله من قبل كما في آيات الكتاب و لم‌يكونوا يعتقدون بنبوتهم و قربهم من الله سبحانه و لكن من باب حب الوطن كانوا يفعلون ذلك بل يبلغ الجهالة بالناس الي ان يزعموا ان اوطانهم مخصوصة بهم حيهم و ميتهم و لايرضوا ان يدفن الغريب في ارضهم و مقبرتهم كما يظهر ذلك مما نقلناه عن الشيخ يوسف رحمه الله في دفن يونس بن يعقوب بامر ابي‌الحسن الرضا (ع) في البقيع حيث قال (ع) احفروا له في البقيع و ان كان قال لكم اهل المدينة انه عراقي و لايدفن في البقيع و علي ذلك يحمل نقل اهل الكوفة ميتهم من الرستاق الي الكوفة بل و نقل اهل المدينة الشهداء الي دورهم و قد منعوا عن غيرة الجاهلية علي ان فيه ضررا آخر محسوسا و هو انه اذا دفن شهيد كل قوم في داره و ولده و اهلوه يرون قبره دائما قبال اعينهم تفر طباعهم و تخاف و تهرب من الجهاد اكثر البتة و لكن اذا غفلوا عن موتاهم و نسوا صعوبة الجهاد فهو انفع لاقدامهم علي الجهاد ايضا و اجرأ لهم و من اعظم منن الله علي الانسان ما سلط عليه من النسيان فانه اذا كان دائما ذاكرا لما مر عليه من المصائب قل صبره و عجز عن العمل و التعيش في الدنيا البتة بالجملة فهذا وجه جيد وجيه ايضا لمنعه (ص) عن دفن الشهداء في دورهم و لانمنع ان يكون لدفنهم في مصارعهم ايضا شرافة خاصة و تخفيفا لاهوال الموت كما ينقل المحتضر الي مصلاه لاجل ذلك لانه معبده فلدفنهم في مصارعهم التي [ص 12] عبدوا الله فيها و جاهدوا عدوه نفع بين و لنقلهم الي دورهم ضرر بين لاهاليهم فمن هنا نهي عن هذا و امر بذاك .

بالجملة و اعلم ان الاصحاب حتي الشيخ يوسف رحمه الله مع بعد مذاقه عما عليه اصحابنا الاصوليون و تصريحه في اول الكتاب بعدم جواز العمل بقياس الاولوية بعد ما ذكروا خبر نقل عظام آدم (ع) الي الغري و خبر نقل عظام يوسف (ع) الي الشام كما سنذكرهما قالوا انهما يدلان علي جواز النقل قبل الدفن بطريق اولي و لي فيه كلام فان الاولوية المتبادرة الي اذهاننا لاتجري في الاحكام الشرعية و لايجوز القياس بها انظر الي ما روي في الكتاب المبين عن ابي‌عبدالله (ع) في حديث قال له ابوحنيفة انا صاحب قياس فقال ابوعبدالله (ع) فانظر في قياسك ان كنت مقيسا ايما اعظم عند الله القتل او الزنا قال بل القتل قال فكيف رضي في القتل بشاهدين و لم‌يرض في الزنا الا باربعة ثم قال له الصلوة افضل ام الصيام قال بل الصلوة افضل قال (ع) فيجب علي قياس قولك علي الحائض قضاء ما فاتها من الصلوة في حال حيضها دون الصيام و قد اوجب الله تعالي قضاء الصوم دون الصلوة ثم قال له البول اقذر ام المني قال البول اقذر قال عليه السلام يجب علي قياسك ان يجب الغسل من البول دون المني و قد اوجب الله تعالي الغسل من المني دون البول و قال اميرالمؤمنين (ع) في حديث طويل و لو كان الحكم في الدين بالقياس لكان باطن القدمين اولي بالمسح من ظاهرهما قال الله تعالي حكاية عن ابليس في قوله بالقياس انا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين فذمه الله تعالي لما لم‌يدر ما بينهما الحديث . فلايجوز القياس من جهة الاولوية بتنقيح المناط بآرائنا و انظارنا نعم لعله يحتج عليه بما روي في تفسير قوله تعالي و لاتقل لهما اف انه لو علم الله شيئا اهون منه لنهي عنه . فتستدل به علي ان اشد من اف اولي بالحرمة و لكنه لاينهض حجة بعد ما ورد من الاخبار الصريحة في النهي عن القياس و هو [ص 13] تعالي يقول بعد ذلك و لاتنهرهما و قل لهما قولا كريما و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة و قل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا و يقول قبل ذلك و بالوالدين احسانا و يقول ان اشكر لي و لوالديك فالقول و العمل السيء اشد من التأفيف لكنه واقع تحت تلك العمومات و لانحتاج الي القياس ابدا فتدبر ، فالحكم بمقتضي الاولوية غير جايز لنا لتعدد جهات الاحكام الاتري فيما نحن فيه انه يمكن ان يكون النقل بعد الدفن و لاسيما حين لم‌يبق من الجسد الا عظام بالية اولي من نقله قبل الدفن مع احتمال التغير و الفساد و الانفجار دون ما لم‌يبق منه الا عظام بالية فالاستدلال بها غير جائز لكن المعول في المقام علي الاخبار الناصة كخبر اليماني بضميمة تقرير اميرالمؤمنين عليه السلام له و عدم انكاره عليه و هو حجة كما قال (ع) في جواز تغطية القبر بثوب و قد مد علي قبر سعد بن معاذ ثوب و النبي صلي الله عليه شاهده فلم‌ينكر ذلك فاستدل بالتقرير و كذا في خبر اليماني كان اميرالمؤمنين عليه السلام شاهده في حمل جنازة ابيه و لم‌يعب عليه و لم‌ينه عنه و كذا ما ورد في النقل من عرفات الي الحرم و امثال ذلك و بالجملة لايجوز الاستدلال بتنقيح المناط و رعاية الاولوية و يكفينا الجواز المستفاد من تلك الاخبار .

و اما الاخبار المانعة فقد عرفت ما فيها من كلام الاصحاب و ما اضفنا اليه و قد استثنوا منه ما كانت المسافة بعيدة و حمله قبل الدفن يوجب التغير و الانفجار و اشمئزاز النفوس و تنفرهم بل و لعله يوجب حدوث بعض الامراض في الحاملين و غيرهم ممن تمر الجنائز عليهم و هو حسن و قد قال الصادق (ع) في حديث مفضل في علة اخفاء الحيوانات جثثها عند الموت فاذا احسوا بالموت كمنوا في مواضع خفية فيموتون فيها و لولا ذلك لامتلأت الصحاري منها حتي تفسد رائحة الهواء و يحدث الامراض و الوباء . اقول و كذلك اموات الاناسي لو بني علي الحمل عند الموت من اي مقام كان يفسد الهواء و يحدث الامراض و الوباء فليتحرز عنه [ص 14] صونا للاحياء و فيه حفظ لحرمة الميت المؤمن ايضا و لعل المنع في بعض الاخبار كان من هذه الجهة ايضا فانا وجدنا في النقل في بلادنا الباردة من مسافة عشرة فراسخ او اثني‌عشر انه يتغير و يروح فلا جرم ان كان البلد من البلاد الحارة يتغير و ينتن اسرع لا محالة و هو احد وجوه المنع لكن بعض الناس طباعهم لايقبل الاعتدال و التوسط و لو امرت احدا بالتحفظ من السقوط من جانب من السطح يمشي قهقرا حتي يسقط من جانب آخر مع ان اليمين و الشمال مزلة و الطريق الوسطي هي الجادة فلو امر الناس جميعا بنقل امواتهم الي المشاهد المشرفة ربما لايراعون ذلك فيحملونها و لو من المسافات البعيدة و لو علي حمار مهزول اعرج فتفسد الابدان و تنتن و تنفجر و يوجب مفاسد عظيمة انظر الي ما نقله شيخ الجواهر عن استاده الشيخ جعفر في تأكد النقل قال حتي ترقي الي ان قال لو توقف نقله علي تقطيعه اربا اربا جاز و لا هتك للحرمة اذا كان بعنوان النفع له و دفع الضرر عنه كما يصنع مثله في الحي و قد يستدل له بالاصل اولا و بفحوي خبر اليماني و غيره مما تقدم ثانيا و بما اشار اليه من الرجحان القطعي العقلي و باولويته من النقل بعد الدفن الآتي و باطلاق الاصحاب استحباب النقل الي المشاهد بل عن الفاضل الميسي انه صرح بعدم الفرق بين القرب و البعد مع اطلاق الادلة في الدفن لحمل ما دل علي التعجيل علي الاستحباب . اقول هذا و امثاله مما ذكرنا من حال الناس و خروجهم عن القصد فانا نتصفح الكتب و نتتبع حتي نجد خبرا او خبرين يشير الي جواز النقل و لانجد خبرا صريحا من قول المعصوم الا مثل قولهم ان النقل من عرفات الي الحرم افضل مع ان المسافة من عرفات الي اصل مكة اربعة فراسخ و الي الحرم اقل و اقل و هؤلاء يقولون لا فرق بين المسافة البعيدة و القريبة لاطلاق قول الاصحاب باستحباب النقل و خبر اليماني و ان كان من مسافة بعيدة و لكن لايدري انه ترك الجنازة وديعة في اليمن حتي [ص 15] يبست او رمت فحملها الي الغري او حملها حين موته من دون تأخير فالانصاف ان امثال هذه الاقوال لاتخلو عن تعسف و شطط و لانقول ان النقل عند موته لايجوز و لكن نقول انه ينبغي مراعات هذه الامور و لو بأن يجعل اقلا في تابوت مستحكم مسدود الخلل و الفرج لان لايظهر منه الفساد و التغير و الرائحة الخبيثة فتهتك حرمته و يؤذي الناس انظر الي قول رسول الله صلي الله عليه و آله في اكل الثوم من اكل هذه البقلة الخبيثة فلايقربن مسجدنا ، مع تأكد استحباب حضور المسجد فكيف يرضي الانسان ان يحمل اخاه الي المشهد المقدس و كلما مر بملأ من المسلمين اظهروا الاشمئزاز و سدوا انوفهم فاذا مر به عالجوا محلهم بالبخورات و ما هو ضد العفونة و كذلك يأتون حتي يدخلوا الروضة المطهرة و يطاف بالجنازة و ينتن فضاء الروضة و هواؤها فلايستطيع الزائر المسكين دخول الحرم الي مدة بل و يمكن ان يجري من دمها و قيحها في الروضة المطهرة فتحتاج الي التطهير و التنظيف و التطييب لان الميت الفلاني ادخلوه الحرم المطهر فان هذا و امثاله بداهة مما لايجوز و تهتك به حرمة الاموات و الاحياء و الروضات المطهرة جميعا و بالجملة لا شك في استحباب النقل اليها حين موته و لكن ان امن الفساد و ان لم‌يأمن فليدعه وديعة في بلده حتي يتيسر النقل من غير فساد ان شاء الله تعالي و نسأله ان يرزقنا النقل اليهم صلوات الله عليهم و الدفن في مشاهدهم و الدخول في شفاعتهم .

الثاني - في نقله بعد الدفن ، و الاشكال فيه من جهة استلزامه النبش مع انه ممنوع بداهة و قد ذكر الشيخ يوسف رحمه الله ان الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في تحريم النبش و قد ادعي علي ذلك الاجماع جمع منهم عطر الله مضاجعهم كالمعتبر و المنتهي و التذكرة و الذكري و قد استدل في كتاب الوسائل علي تحريم النبش بالاخبار الواردة بقطع يد النباش و فيه ان الظاهر من تلك الاخبار بحمل [ص 16] مطلقها علي مقيدها ان القطع انما هو من حيث سرقة الكفن لا من حيث النبش و منها ما رواه في الكافي عن عبدالله بن محمد الجعفي قال كنت عند الباقر (ع) و جاءه كتاب من (ظ) هشام بن عبدالملك في رجل نبش امرأة فسلبها ثيابها ثم نكحها فان الناس قد اختلفوا علينا فطائفة قالوا اقتلوه و طائفة قالوا احرقوه فكتب اليه الباقر (ع) ان حرمة الميت كحرمة الحي يقطع يده لنبشه و سلبه الثياب و يقام عليه الحد في الزنا ان احصن رجم و ان لم‌يكن احصن جلد مأة و في رواية ابي‌الجارود عن الباقر عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين (ع) يقطع سارق الموتي كما يقطع سارق الاحياء . و نحوهما غيرهما و عليهما يحمل ما اطلق مثل صحيحة الحفص ابن البختري قال سمعت الصادق (ع) يقول حد النباش حد السارق و في رواية اسحق بن عمار ان عليا (ع) قطع نباش القبر فقيل له اتقطع في الموتي فقال انا لنقطع لامواتنا كما نقطع لاحيائنا ، و هو ظاهر في كون القطع انما هو للسرقة و بالجملة فاني لااعرف لذلك غير ما يدعي من الاجماع .

اقول و في الجواهر نقل الاجماع ايضا من جامع المقاصد و مجمع البرهان و عن كشف الالتباس بل و بين المسلمين كما في المعتبر و عن نهاية الاحكام و موضع آخر من الذكري الا في مواضع الي ان قال : و الي ما عساه يستفاد من التأمل في الاخبار المستفيضة الدالة علي قطع يد النباش المذكورة في الحدود سيما بعد الانجبار بما عرفت و الي ما فيه من المثلة بالميت و هتك الحرمة ، الي آخر ما ذكر من التقريبات .

و الظاهر من كلام الشيخ يوسف رحمه الله و شيخ الجواهر انهما لم‌يجدا من الاخبار ما هو اصرح و ابين في حرمة اصل النبش حتي استدلوا بما يدل علي قطع يد النباش لسرقته و هو عجيب و لاسيما من المحدث البحريني (ره) مع كمال تتبعه في الاخبار ان لم‌يجد غير ما ذكر و قد روي في فصل الخطاب من الوسائل اتي اميرالمؤمنين (ع) برجل نباش فأخذ اميرالمؤمنين (ع) بشعره فضرب به الارض ثم امر الناس ان يطؤه [ص 17] بارجلهم فوطؤه حتي مات و قال ابوعبدالله عليه السلام اتي اميرالمؤمنين (ع) بنباش فأخر عذابه الي يوم الجمعة فلما كان يوم الجمعة القاه تحت اقدام الناس فمازالوا يتوطؤنه بارجلهم حتي مات . اقول و لعلهما نقل لواقعة واحدة و هو دال علي حرمة النبش من حيث نفسه فانه اولا لا تصريح فيه بالسرقة و ثانيا حده فوق حد السرقة كما هو واضح ، نعم هنا بعض اخبار ينافي ذلك في الظاهر منها ما سئل ابوعبدالله (ع) عن رجل اخذ و هو ينبش قال لااري عليه قطعا الا ان يؤخذ و قد نبش مرارا فاقطعه و سئل عن الطرار و النباش و المختلس قال لايقطع و قال النباش اذا كان معروفا بذلك قطع و قال في النباش اذا اخذ اول مرة عزر فان عاد قطع . اقول ليس هنا موقع تفصيل المسألة و لعل اختلاف الاخبار باختلاف عمله اما نبش مرة واحدة و لم‌يسرق شيئا او نبش مرارا او نبش و سرق مرة او هو عادة له او زاد علي السرقة و لعل بعضها صدر تقية كما لعله يظهر مما روي عن ابي‌عبدالله (ع) اخذ نباش في زمن معوية فقال لاصحابه ما ترون فقالوا نعاقبه و نخلي سبيله فقال رجل من القوم ما هكذا فعل علي بن ابيطالب قال و ما فعل قال فقال يقطع النباش و قال هو سارق و هتاك للموتي . اقول و ليس فيه ان معوية (لع) عمل بحكمه (ص) بل و الظاهر انه من شدة تعصبه و عناده يخالف احكامه و يأمر اصحابه بالكذب عليه (ص) كما هو مذكور في اخبارنا و الغرض ان من المحتمل ان تكون الاخبار الآمرة بالتعزير فقط تقية و ان كان قضاة بني‌امية (لع) ايضا مختلفين كما ظهر من مكاتبة هشام بن عبدالملك الي الباقر عليه السلام و علي اي حال لسنا هنا بصدد التفصيل الا ان تعرف ان حرمة النبش ليست من جهة السرقة خاصة كما يميل اليه كلام شيخ الحدايق و زعم الدليل عليها دعوي الاصحاب للاجماع فقط بل الحاصل من مجموع الاخبار حرمته من حيث نفسه .

ثم انه رحمه الله تبعا للاصحاب استثني مواضع قالوا بجواز النبش منها بسبب من الاسباب لكنه ذكر اخيرا : و المسألة [ص 18] بجميع شقوقها و فروعها لاتخلو عندي من الاشكال لعدم الدليل الواضح من اخبارهم عليهم السلام و الله العالم . اقول و نحن ايضا لم‌نقف علي مأخذ صريح لما استثنوا الا انه قال في تعداد المواضع : الخامسة - نبشه للشهادة علي عينه و اثبات الامور المترتبة علي موته من اعتداد زوجته و قسمته و تركته و حلول ديونه التي عليه . اقول لعله يمكن الاستدلال علي ذلك في فرد من افراد تلك الامور بما روي في الكتاب المبين عن السيد المرتضي انه جيء الي عمر بن الخطاب بعبد قد قتل مولاه فأمر بقصاصه اذ دخل اميرالمؤمنين (ع) فقال فيم انتم قال عمر يا اباالحسن ان هذا عبد قد قتل مولاه فأمر بقصاصه فسأله علي (ع) مهلا افقتلت انت مولاك قال العبد نعم قال عليه السلام و لم قتلته قال لانه هوي الي و طالبني عن نفسي و قتلته فأمر اميرالمؤمنين عليه السلام بنبش قبره فلم‌يجدوه فقال (ع) صدق حبيبي رسول الله اني سمعته يقول من عمل من امتي عمل قوم لوط يحشر معهم . اقول و لايحضرني الآن ازيد من ذلك من الاخبار ما يدل علي جواز النبش و لسنا هنا بسدد التفصيل فيه الا فيما نحن فيه من نقل الموتي بعد الدفن الي المشاهد المشرفة صلوات الله علي مشرفيها . قال في الحدائق : قد صرحوا بأنه يحرم نقل الميت بعد دفنه الي موضع آخر لتحريم النبش و استدعائه الهتك و لو الي احد المشاهد المشرفة و نقل في التذكرة جوازه اليها عن بعض علمائنا قال الشيخ في ية : و اذا دفن في موضع فلايجوز تحويله من موضعه و قد وردت رواية بجواز نقله الي بعض مشاهد الائمة سمعناها مذاكرة و الاصل ما قدمناه ، و قال ابن‌ادريس انه بدعة في شريعة الاسلام سواءا كان النقل الي مشهد او الي غيره ، و عن ابن‌حمزة القول بالكراهة ، و نقل بعض مشايخنا المتأخرين عن الشيخ و جماعة انهم جوزوا نقله الي المشاهد المشرفة . اقول و قد ذكروا ان عليه كان عمل جملة من علمائنا الذين لايظن بهم مخالفة السنة ففي الحدايق في ادلة الجواز بعد ما حكم به [ص 19] قال : و اما ثالثا فلما نقل عن جملة من علمائنا من انهم دفنوا ثم نقلوا مثل المفيد فانه دفن في داره مدة ثم نقل الي جوار الامامين الكاظمين (ع) و المرتضي رضي الله عنه فانه دفن في داره ثم نقل الي جوار الحسين عليه السلام و نقل ايضا ان شيخنا البهائي دفن باصبهان ثم نقل الي المشهد الرضوي علي مشرفه السلام و من الظاهر ان وقوع ذلك في تلك الاوقات المملوة بالفضلاء لايكون الا بتجويزهم . اقول و مما يؤيد تحقق الجواز عندهم تصلب هذين الفاضلين رحمهما الله اي المفيد و المرتضي في ترك اخبار الآحاد و قولهم انها لاتفيد علما و لا عملا كما هو كثير في عبائرهم و من البين ان بناء تلامذتهم ايضا كان علي ذلك و لم‌يكونوا يجترأون علي ارتكاب النبش المحرم بداهة من غير دليل سديد بل الظاهر ان يكون اجتراءهم علي ذلك بوصية منهما رضوان الله عليهما بالنقل الي المشهدين المباركين فيكون فتويهما و فتوي من تأخر عنهما من العلماء ممن حضر علي الجواز و بالبداهة ان لم‌يكن لهم دليل قاطع ماكانوا يفتون به و قد نقل بعض الاصحاب وجود رواية دالة علي الجواز كما مر في حكاية الشيخ يوسف رحمه الله عن الشيخ و في الجواهر قال : و في المبسوط و عن النهاية و مختصر المصباح ورود رخصة بالجواز سمعناها مذاكرة الا انه قال في الاول الافضل العدم كما انه في الثاني و الاصل ما قدمناه و الثالث الاحوط العدم و لعله يستفاد منه في غير النهاية الجواز و في الجامع يحرم نبشه بعد الدفن و رويت رخصة في جواز نقله الي بعض المشاهد سمعت مذاكرة و في المصباح و اذا دفن فلاينبغي نقله و قد رويت رواية بجواز نقله الي بعض المشاهد و الاول افضل . و في مقام الاستدلال علي الجواز قبل الدفن قال شيخ الجواهر : و بما في الذكري عن الغرية قد جاء حديث يدل علي رخصة في نقل الميت الي بعض مشاهد آل الرسول ان اوصي الميت بذلك و يقرب منه عن المصباح و بما ارسل في المبسوط و عن النهاية من الرواية الدالة علي الرخصة في نقله بعد [ص 20] دفنه بناء علي العمل بها اذ ما نحن فيه اولي . اقول و الغرض ان هؤلاء الاعلام و ان لم‌يفتوا باجمعهم علي الجواز من غير كراهة يشهدون بوجود رواية دالة علي الجواز الا ان فيما نقل عن الغرية زاد فيها اشتراط الوصية به و غيره في غيرها اطلق الرواية و لعلهما روايتان او نقص بعضهم عنها و علي اي حال وجود الرواية الدالة علي الجواز معلوم و لايضر ارسالها و اضمارها بعد شهادة هؤلاء الاعلام بوجودها فانا لانعرف صحة الرواية الا بأن يرويها الثقة الامين عن المعصوم و لا فرق عندنا بين كونه مسندا او مرسلا و احتمال الكذب يجري فيهما معا و بعد قولهم عليهم السلام لا عذر لأحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا و قد عرفوا بأنا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم ، المؤيد بقوله تعالي يؤمن بالله و يؤمن للمؤمنين لايسعنا التشكيك في روايتهم و ان كانت مرسلة و ليس هنا موقع تفصيل المسألة و ان قيل ان روايتهم لها ثم عدم الافتاء بها مع ذلك يوجب وهنها قلت نعم و ليس الامر كذلك فان عبائرهم تومي الي القول بالجواز الا انهم قالوا ان عدم النقل افضل لادلة حرمة النبش و من البين ان حرمة النبش عندهم كانت ثابتة محققة بمقتضي ادلتها المعتبرة مجمعا عليها و لايجوز تخصيصها برواية شاذة ضعيفة فان كانت الرواية ضعيفة عندهم بهذه المثابة ماكانوا يعدلون عن القول بالحرمة الي الجواز هنا و لو مع كراهة و ما سمعت من تسامحهم في ادلة السنن فليس فيما له معارضات قوية بداهة بل هو فيما لا معارض له و بالجملة نقل هؤلاء الاعلام الي المشاهد المشرفة بعد الدفن بنفسه شاهد قوي علي وجود الرواية و اعتبارها بداهة بل و نقلهم عن عمل الاصحاب من زمن الائمة عليهم السلام علي النقل من غير تناكر بنفسه يشهد بوقوع النقل بعد الدفن مع بعد المسافة بين كثير منهم و بين المشاهد و نقل الميت حين موته مع ما فيه من الاذي و الهتك و اشمئزاز النفوس بل و مع غلبة التقية و تصلب الخلفاء و عامة الاعادي [ص 21] و منعهم عن الزيارة فضلا عن حملهم لامواتهم الي المشاهد مع شدة نتنها و روايحها الكريهة فمن البين ان ما يروي من عمل الاصحاب علي النقل في زمن الائمة (ع) من المسافات البعيدة كان بنقل العظام بعد بلاها خفية بحيث لايطلع عليه الاعداء و لايعيبون عليهم و لايمنعونهم فان امثال هذه الامور مما لايشك فيه عاقل ان الشيعة المسكين اذا لم‌يقدر علي زيارة امامه الا مع مشقة شديدة و خوف و تقية و خفية و احتمال قطع اليد او اخذ مأة دينار مثلا ثم معذلك يحمل جسد ميته حين موته و يسير تلك المسافات البعيدة علي ناقة او بغل او حمار و يمر علي الناس من الاعداء و الاولياء مع ان ميته اروح و ملأ الفضاء من العفونة ان هذا الا اختلاق فمن البين ان الذي كان عملهم عليه قديما كان علي هذا المنوال المعمول في زماننا هذا و يشير الي ذلك ما نقلناه عن ميثم التمار من نقل امه فان ظاهره انه كان بعد الدفن و منع اميرالمؤمنين (ع) ايضا لعله كان من باب التقية و علي اي حال الظاهر ان عمل الاصحاب ايضا كان علي النقل بعد الدفن و البلي فانه اقرب الي السلامة بداهة و ابعد من اذي الاعداء و منعهم بداهة و بالجملة عمل هؤلاء الاعلام و شهادة جماعة اخري بوجود الرواية علي الجواز يكفينا ان شاء الله في بلوغنا هذا المني الذي افنينا فيه اعمارنا في البلاد النائية عن مشاهدهم صلوات الله عليهم .