[ص 136] الثالث - اختلفوا في الشك في المقتضي انه هل يجري فيه الاستصحاب ام لا و المراد من المقتضي استعداد الموجود الخارجي كأن يشك مثلا في ان السراج هل من حيث الدهن كان قابلا للاشتعال الي الصبح ام لا فهذا شك في المقتضي و ان علم استعداد البقاء و لكن عرض له شك في هبوب رياح مطفئة او علم الهبوب و شك في اطفائها فهذان القسمان شك في المانع و سيأتي الكلام فيه و هنا الكلام في المقتضي فنسب الي المحقق الحلي و الخونساري عدم الحجية فيه و عن بعضهم انه لا فرق بينه و بين الشك في المانع في الحجية لعموم ادلة الاستصحاب عندهم و الحق في المقام ان ما عدا النصوص من الادلة فلا حجية فيها لما مر و اما النصوص فهي لاتنصرف الي الشك في المقتضي كما اقروا به و وجه عدم الانصراف ان الشك في المقتضي في الواقع يرجع الي الشك في الحكم مع اليقين بتغير الموضوع و قد عرفت ان الاخبار لاتدل علي حجية الاستصحاب في الحكم من دون الموضوع بيان ذلك في المثال المذكور انك لاتخلو اما تكون علي يقين قطعي من بدو الامر في استعداد السراج من حيث الدهن للاشتعال الي الصبح ثم تشك في ذلك فلا شك ان هذا الشك لاحتمال طروء مانع او مانعية طارئ و ليس ذلك من محل النزاع في شئ و لكل من هذين القسمين حكمه و سيأتي و اما تكون علي يقين في نفس الاشتعال اول الليل [ص 137] ثم تنظر في ثاني الحال الي مقدار استعداده للاشتعال فتشك فيه فهذا شك في المقتضي حقا و لكن اذا دققت النظر تري ان متعلق اليقين حال اول الليل و متعلق الشك حال بعده و ذلك بسبب الشك في نفس المقتضي لا بسبب احتمال طروء مانع فيدخل في الشك في المانع و لنضرب مثالا آخر في المقام لتوضيح البيان فذلك كأن تتيقن بالوضوء و انه مطهر مبيح للدخول في الصلوة ثم تشك في ان الوضوء السابق هل هو مبيح للدخول في الصلوة في ساعة بعده ام لا فانت قد فصلت بين الساعتين و تكون علي يقين في ان الوضوء مطهر في الساعة الاولي و لاتدري هل هو مطهر في الثانية ام لا فلا شك في ان الموضوع لهذا اليقين و الشك مختلف بل هو شك في الحكم و لايجري فيه الاستصحاب كما مر فان قيل ما الفرق بين ذلك و بين الشك في الموضوع قلت انك في الشك في الموضوع تعلم انك اذا توضأت مثلا فانت متطهر ما لمتحدث فاثر الطهارة مستمر الي زمان الاحداث و تلك المدة انما هي موضوع واحد لحكم الطهارة ثم تشك في تغير الموضوع فتبني علي اليقين و لكن في الشك في المقتضي لاتعلم استمرار اثر الطهارة بل لنا ان نقول كما قلنا في المطلب السابق ان هذا المقام ليس محل الشك فان الشارع (ص) ان بين لك استمرار الاثر فهو و ان لميبين فليس لك ان تشك فيه بالوساوس بل هنا مقام ان تقول لاادري و انت ح [ص 138] جاهل لا شاك فاذا لمتعلم استمرار الاثر فكيف يجوز لك التحكم بالاستمرار و ذلك كأن يأمرك الشارع صلي الله عليه و آله باكرام زيد فانت علي يقين من وجوب اكرام زيد ثم تشك في اكرام عمرو اخيه فليس لك ان تستصحب الاكرام في عمرو و هنا دقيقة و هي ان قوله عليه السلام لاتنقض اليقين بالشك ، يجري في هذا المقام ايضا من دون استصحاب و يجري في الشك في تغير الموضوع و هو استصحاب ، بيان ذلك انك اذا كنت علي يقين في ان الوضوء مطهر في الآن الاول و شككت في كونه مطهرا في الثاني فلاينقض يقينك الاول هذا الشك طبعا لان موردهما مختلف و اما في الشك في الموضوع بسبب الشك في المانع فلاينقض الشك اليقين ايضا و الفرق بينهما انك في الشك في الموضوع لا مانع لك من اليقين الا احتمال طروء مانع فاذا نفيته بالشرع يبقي لك اليقين سليما و اما في الشك في المقتضي فلا يقين لك في الآن الثاني حتي يثبت لك بارتفاع المانع فكأنه شك من دون يقين لعدم مدخلية اليقين الاول في هذا الشك لتعدد الموضوع و اما في الشك في الموضوع شك لولاه كان استمرار الحكم الاول يقينيا و المسألة دقيقة جدا و قد ظهر بما ذكرنا ان الموضوع في المقام متغير يقينا فيجري فيه ما ذكرناه في المطلب السابق من عدم جواز اجراء الاستصحاب في نفس الحكم و قد يعد من الشك في المقتضي الشك في ذات المقتضي كأن تشك في ان الوضوء هل هو مطهر من اصله ام لا [ص 139] و ربما يجرون الاستصحاب فيه ايضا و هو اعجب من القسم الاول لانه لا بد في الاستصحاب من ثبوت يقين بالآن الاول حتي تستصحبه في الآن الثاني و في هذا القسم لايبقي يقين اصلا فعلي اي يقين يمضي و يقينه منتقض بالشك طبعا فكيف يكلف بعدم النقض مع انه طبيعي و لا اختيار له فيه ابدا و القوم يشرطون في الاستصحاب ان يكون الامر ثابتا في الزمن الاول فلايحكم باستصحاب وجود زيد في الدار الا ان يكون فيها قبله و كذا الحكم الشرعي المترتب علي الامر الوضعي اذ بقاء الحكم في الزمن الثاني فرع ثبوته في الزمن الاول و هذا الشرط مناف للقول بالحجية في الشك في ذات المقتضي اذ لايثبت امر في الزمن الاول بعد الشك اذ الشك متعلق بالزمن الاول و لايعقل ان يكون الشئ متيقنا مشكوكا فيه من جهة واحدة نعم العلم بانك كنت علي يقين في السابق و الآن شاك في السابق حاصل و لكن لايجدي اذ شرطوا ثبوت اليقين و هو غير العلم بكونه ثابتا .
الرابع - اختلفوا في الشك في المانع و هو علي اقسام : اما شك في حدوث المانع المعلوم المانعية او مشكوكها كالشك في حدوث البول بعد الوضوء او المذي علي فرض كونه مشكوك الناقضية او شك في مانعية الشئ الحادث لاجل الشك في الحكم الشرعي كالشك في حكم المذي المعلوم الحدوث بعد الوضوء او في الموضوع المستنبط كأن نذر علي وجه و شك في انه [ص 140] موجب عليه ام لا لانه شاك في انه هل كان علي وجه شرعي ام لا و كالخفقة الحادثة المشكوك كونها نوما ناقضا للوضوء او في الموضوع الصرف كأن يعلم انه لاقي ثوبه شئ رطب و لكن لايدري هل هو بول ام ماء و قد يتعدد المشكوك كأن حدث له بعد الوضوء خفقة و خرج منه مذي و ودي و سال منه دم مثلا فهذه علي اقسام اما لايعلم ان احدها ناقض للوضوء او يعلم ان احدها ناقض قطعا و لايعلم ايها هو سواء حدث الكل دفعة واحدة اي من غير تخلل عبادة ام لا فهذه اقسام الشك في المانع نسب الي السبزواري القول بعدم الحجية في الشك في المانعية و الي الخونساري كذلك ما عدي الشك في الحكم بسبب الشك في الموضوع المستنبط و الحق مع السبزواري و لا حجية للاستصحاب في الشك في المانعية اصلا لانه شك حكمي و قد عرفت ان الشك الحكمي لا معني له و اجراء حكم موضوع في موضوع آخر قياس و القياس مما لا سبيل له في دين الله ابدا لان الدين من الرب امره و نهيه كما في الخبر و لا مجال للقياس في شئ منه حتي انه لو اتفق في القياس مصادفة صواب كان خطاءا و حرم العمل به و لذلك بيان شريف نشير اليه فيكون دليلا زيادة علي ما مر من الادلة فاقول و لا حول و لا قوة الا بالله ان الله سبحانه خلق الخلق لعبادته كما قال عز من قائل و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و قال و ان اعبدوني هذا صراط مستقيم [ص 141] و عبادته سبحانه هي معرفته كما في الخبر في تفسير قوله ليعبدون اي ليعرفون و في القدسي كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكي اعرف ، فعلي هذا العبادة هي المعرفة و علي الظاهر نقول انه لا بد للعابد من معرفة معبوده بلا شك فانه ما لميعرفه لايقدر علي عبادته فاول شروطها معرفته كما روي اول عبادة الله معرفته ، و الثاني التباعد عن الخلق و الثالث التقرب اليه فاذا فعل ذلك يستنير بنور الله و يتصف بصفاته و يظهر في نفسه آياته و علاماته و كمالاته بحيث لايبقي فرق بينه و بينه الا انه عبده و خلقه فتقه و رتقه بيده بدؤه منه و عوده اليه بالجملة و يشهد بتلك الشروط ما روي في معني العبد ان له ثلثة احرف العين و هو علمه بالله و الباء و هو بونه عن الخلق و الدال و هو دنوه من الله ، و لا شك في ان المخلوق لايقدر علي اتيان تلك الشروط بالنسبة الي الذات تبارك و تعالي لانها احد فلايدركها الابصار و هو يدرك الابصار و هو اللطيف الخبير و ليس له مكان يحويه و لا حد يكون محدودا به حتي يقدر العبد علي الدنو منه و بيان ذلك مفروغ عنه من بركات مشايخنا اعلي الله مقامهم و لا حاجة الي التفصيل فلاجل ذلك اختار الله سبحانه من خلقه رجالا جعلهم محال نوره و مجالي ظهوره حتي يتمكن العبد من معرفة ربه بهم و يشاهد آياته و علاماته و صفاته فيهم و هم آلمحمد صلوات الله عليهم اول ما خلق الله [ص 142] و هذه المسألة ايضا ثابتة بالادلة النيرة الباهرة و لا حاجة الي تطويل المقال و هي عندنا من البديهيات و الحمد لله فبهم يعرف الله و بالتوجه و الاقبال اليهم و الدنو منهم يعبد و لا سبيل اليه الا هم لانه لا بد لمن خلقه الله في آخر خلقه اذا اراد السير الي الله ان يسير من طريق اول ما خلق الله و هذا بديهي و لو قيل ان الله سبحانه احد محيط لايخلو منه مكان فاي حاجة الي السير من طريق اول ما خلق الله قلت نعم ان اول ما خلق الله ايضا محيط بالاحاطة السرمدية فلايكون اولا غير الآخر و آخرا غير الاول و وسطا غيرهما بل هو في كل طرف كما قال علي عليه السلام انا الاول انا الآخر انا الظاهر انا الباطن و انا بكل شئ عليم ، فلا سبيل لك في حدك و مقامك من جانب من الجوانب الي الله الا هم لانهم ملأوا جميع ظاهرك و باطنك و يمينك و يسارك و فوقك و تحتك فكيف تقدر علي السير في سبيل غير سبيلهم و بيان آخر ابطن من ذلك انك اذا نظرت الي هذه الاحاطة الحقية لله تعالي وجدت امتناع ما سواه و هناك لا عابد و لا معبود و لا عبادة و لا تكليف و لا شئ غيره و لكن اذا ميزت بين العابد و المعبود و جاء التكليف فلا سبيل اليه الا هم قال (ع) بعبادتنا عبد الله و لولانا ماعرف الله ، فتدبر بالجملة فلا بد لك بوجه من الوجوه من التوجه اليهم و الاخذ عنهم حتي يكون ذلك لك عبادة و تصل الي الغاية المرادة [ص 143] فان لمتقبل اليهم و لمتأخذ عنهم لمتعبد الله و لا لك ثواب ابدا حتي انه لو اتفق لك مصادفة صواب يعني عمل الرجل برأيه و هواه موافقا لما امر آلمحمد عليهم السلام اتباعهم فصلي صلوة كصلوتنا و صام كصومنا و كان ذلك بدلالته اليه ماكان له علي الله حق في ثوابه ابدا و بعكس ذلك لو بلغه شئ من الخير ينسب ذلك الي النبي صلي الله عليه و آله فعمل به رجاءا في ثوابه و لميكن كما بلغه يكتب له ثوابه و سر ذلك لايخلو عن اشكال و لكن يرتفع ببيانات مشايخنا اعلي الله مقامهم و الاشارة الي رفع الاشكال ان تلك الاعمال كلها بمنزلة قوابل صالحة لظهور الخير فيها من معدنه و ظهور الشر من اصله و ليسا الحسن و القبح ذاتيين كما مر بيانه سابقا و سنذكر اخبارا انشاء الله يظهر لك حقيقة الامر فاذا قابلت القابلية لمعدن الخير يظهر فيها الخير و اذا واجهتها لمعدن الشر يظهر فيها نعم بعض القوابل اسرع في قبول النور و بعضها ابطأ و مثال ذلك المرايا المختلفة في الصفاء و الكدورة و الاحجار الغاسقة و الاجسام المختلفة في اللون فانها كلها عند غروب الشمس مظلمة بحيث لا نور لشئ منها حتي المرآة التي هي في غاية الصفاء و اللطافة و الصقالة لانها بنفسها قابليات صالحة لحكاية النور و لا نور لها من انفسها ثم اذا طلع الشمس تستضيئ كلها الا انها مختلفة في حكاية النور لاختلاف القوابل فالمرآة [ص 144] الصافية تحكي احسن ما يكون و التي هي اكدر منها بدرجة تحكي اظلم منها بدرجة و هكذا الي ان يحكي الفحمة النور بحيث تري لا ازيد و كذلك الامر في الاعمال انما هي قوابل مختلفة و مع ذلك لاتعد خيرا و لا شرا فاذا عملت عملا اتباعا لآلمحمد عليهم السلام يكون خيرا كان العمل ما كان الا ان درجات الحسن مختلفة و ربما ينتهي الي انه لايعذب العبد بفعله و لايخلد في النار و اذا عملت عملا تبعا لهواك يكون شرا كان العمل ما كان الا ان درجات الشرور مختلفة و ربما تنتهي في اعلي الدرجات الي ما تتعب نفسك و تسهر ليلك و تقطع راحتك و لا فائدة فيه اصلا و لا اجر لك ابدا قال الله تعالي انما يتقبل الله من المتقين و قال قل انفقوا طوعا او كرها لنيتقبل منكم انكم كنتم قوما فاسقين و مامنعهم ان تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا بالله و برسوله و لايأتون الصلوة الا و هم كسالي و لاينفقون الا و هم كارهون و لنزين المقام بذكر اخبار فمنها ما روي في فصل الخطاب عن ابيجعفر عليه السلام كل من دان الله عز و جل بعبادة يجهد فيها نفسه و لا امام له من الله فسعيه غير مقبول و هو ضال متحير و الله شانئ لاعماله الي ان قال فاعمالهم التي يعملونها كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لايقدرون مما كسبوا علي شئ ذلك هو الضلال البعيد و قال ذروة الامر و سنامه و مفتاحه و باب الاشياء و رضا الرحمن الطاعة [ص 145] للامام بعد معرفته اما لو ان رجلا قام ليله و صام نهاره و تصدق بجميع ماله و حج جميع دهره و لميعرف ولاية ولي الله فيواليه و يكون جميع اعماله بدلالته اليه ماكان له علي الله حق في ثوابه و لاكان من اهل الايمان ، الي غير ذلك من هذا القبيل و منها ما قال ابوعبدالله عليه السلام من بلغه عن النبي صلي الله عليه و آله شئ من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي صلي الله عليه و آله كان له ذلك الثواب و ان كان النبي صلي الله عليه و آله لميقله ، الي غير ذلك من هذا القبيل ايضا و منها ما قيل لابيجعفر عليه السلام ترد علينا اشياء لانجدها في الكتاب و السنة فنقول فيها برأينا فقال اما انك ان اصبت لمتؤجر و ان اخطأت كذبت علي الله و قيل له يرد علينا اشياء ليس نعرفها في كتاب و لا سنة فننظر فيها فقال لا اما انك ان اصبت لمتؤجر و ان كان خطاءا كذبت علي الله ، اقول خلافا لقول من يقول المجتهد ان اصاب فله اجران و ان اخطأ فله اجر واحد و قوله عليه السلام ان اصبت لمتؤجر ، اما مداراة او المراد لمتؤجر علي اصابة الحق في المسألة و اما عقاب الاستبداد فهو خارج و يعاقب به كما يظهر من ساير الاخبار بالجملة فهذا شأن القياس في المسائل و من افراده استصحاب حكم موضوع في موضوع آخر فجميع اقسام الشك في المانعية يدخل في هذا النهي نعم يتفق كثيرا وقوع الشك في المانعية كبلل يري في ثوب طاهر فيشك انه بول ام ماء [ص 146] فينظر الي الشرع فان رأي ان الشارع جعله مانعا عن الطهارة فهو و الا فحكمه الاطلاق و لايكون مانعا و ثوبك كان طاهرا و لميمنع طهارته مانع شرعي فهو طاهر ايضا او تقول ان النجاسة حكم زايد علي اصل الاطلاق و هو منفي فالثوب المبلول الذي لايدري من اي شئ بلله حكمه الطهارة للعمومات لا انا شككنا في حكمه و اجرينا فيه حكم الحال السابق و ما قيل ان رواية زرارة في الخفقة و الخفقتين في الشك في المانعية و هو عليه السلام حكم بعدم نقض اليقين بالشك فليس في محله و انك ان دققت النظر في نفس الخبر ينكشف لك بطلان قوله فان زرارة سأل اولا عن مانعية الخفقة و الخفقتين و كان جاهلا بحكمها و لميكن شاكا فبين له (ع) انها ليست بناقض للوضوء و بين انه لاينقض الوضوء الا النوم ثم سأل زرارة عما يشك فيه انه نوم فهو شك في حدوث المانع لا في مانعية الحادث و ذلك لان زرارة عرف من كلام امامه (ع) في الجواب عن سؤاله السابق انه لا مانع من الوضوء الا النوم فهو شك في حدوث المانع و قال عليه السلام لاينقض اليقين بالشك و لو كان الشك في المانعية كان شكا في الحكم و لا شك ان الحكم من شأن الامام عليه السلام و لايليق بشأنه الشك اذ هو من الجهل و هو عالم لايجهل بل و اقول كما مر ان الشك في المانعية لايليق بالجاهل ايضا فانه ان بين الامام (ع) مانعيته فلا شك و ان لميبين فلا شك انه لايكون [ص 147] مانعا و اما جواز اجراء الاستصحاب في الشك في حدوث المانع فقد مر بيانه و لا فرق في ذلك بين الشك في حدوث المانع المعلوم المانعية او مشكوكه واحده او متعدده لادلة مرت و لا حاجة الي التكرار .
الخامس - قد عرفت مما كررنا انه لايجوز اجراء الاستصحاب في الحكم مع اليقين بتغير الموضوع و هذا اصل اصيل اصلوه مشايخنا اعلي الله مقامهم و يتفرع عليه فروع كثيرة من مسائل الاستصحاب و منها معرفة الحق في جواز الاستصحاب و عدمه في الشك في الحادث و المراد من الشك في الحادث ما اذا علم بتحقق امرين فصاعدا ثم علم ارتفاع بعض اجمالا و شك في تعيين المرتفع كما اذا علم ان زيدا و عمروا في الدار ثم علمنا بخروج احدهما و شككنا في تعيينه و هذا الشك يمكن ان يكون في الموضوع و يمكن ان يكون في الحكم و يمكن ان يكون وجوديا و يمكن ان يكون عدميا و الامثال التي توجد في الشرع و في مقام العمل كثيرة فمنها ان يكون لك ثوبان طاهران و تنجس احدهما و لمتدر ايهما هو او يكون لك ثوب و لزيد ثوب و تنجس احدهما و لاتدريان ايهما هو حتي يعمل كل بتكليفه او فات منك صلوة و لاتدري اي الصلوات هي و غير ذلك من الامثلة فاقول انك قد عرفت انه اذا حصل اليقين بتغير الموضوع فلايجوز الاستصحاب بل له حكم الموضوع الحادث [ص 148] و لازم ذلك فيما اذا كان الثوبان لك ان لاتلبسهما في حال العبادة مجتمعا و اما منفردا فلا بأس و ذلك لان احدهما نجس قطعا و انك اذا لبستهما لبست النجس قطعا فانت علي يقين من لبس النجس و فساد العبادة فليس لك ان تجري الاستصحاب مع اليقين بتغير الموضوع و لكن اذا لبست احدهما و تركت الآخر فانت شاك في لبس النجس لاحتمال كون الآخر نجسا و كون الملبوس طاهرا و هنا مقام اجراء الاستصحاب للشك في تغير الموضوع و لا بأس به و مقتضي الاخبار انه يلبس احدهما و يترك الآخر و فيما اذا فات احدي صلواتك ليس لك اجراء البرائة عن الفعل ثانيا لانك علي يقين من فوات احديها و علي يقين من اشتغال ذمتك باحديها فكيف يجوز لك اجراء الاستصحاب مع اليقين بتغير الموضوع بل عليك ان تصلي ركعتين و ثلثا و اربعا حتي يبرء ذمتك كما في الخبر و المراد من ذلك اجراء استصحاب البراءة الحاصلة بفعل بعض في بعض آخر لميحصل البراءة فيه اذ هو حكمي قطعا و اما ان قلنا ان ذمتنا مشغولة بالخمس يقينا و حصول البراءة عن كل واحد مشكوك فاستصحاب الاشتغال جار في كل واحد و مقتضاه وجوب قضاء الخمس الا ان ائمتنا سلام الله عليهم خففوا و اكتفوا عن الظهرين و العشاء باربع ركعات فتدبر و اعرف الحق من الباطل و فيما اذا كان الثوبان لك و لزيد فانت لابس ثوبك [ص 149] و شاك في نجاسته و زيد لابس ثوبه و شاك في نجاسته و لكل منكما اجراء استصحاب الطهارة اذ لميتيقن احدكما بالنجاسة و هذا مقتضي الاخبار كما ذكره ابي العلامة اعلي الله مقامه و لماجد الخبر لاذكره في المقام نعم الا ما يظهر من الكليات التي مرت و لا حاجة الي اعادتها .
السادس - قد تداول في الالسن اجراء الاستصحاب في الموضوع المستنبط و هو الفاظ الكتاب و السنة كالصلوة و الصوم و غيرهما فيجرون الاستصحاب فيها لمعرفة معانيها و له اقسام فمنها ما يثبتون به الوضع كما تقول الاصل عدم الوضع و عدم النقل و عدم الاشتراك و غيرها و منها ما يثبتون به المراد كما يقولون الاصل عدم القرينة و عدم التخصيص و التقييد و منها ما يثبت به نفس الموضوع كاصل عدم التحريف و عدم الزيادة و عدم النقيصة و عدم النسخ و امثال ذلك و قد اختلفوا في حجيته في كل مقام انها من باب الوصف اي الظن الخاص او المطلق او من باب السببية المطلقة و هو العمل به و ان عارضه ظن ضعيف او السببية المقيدة و هو انه سبب شرعي يعمل به ما لميعارضه ظن و امثال ذلك و نحن لما اثبتنا عدم حجيته نوعا كفانا عن بيان ساير الجزئيات فاقول و لا قوة الا بالله انه لا شك في ان الواضع للالفاظ اولا هو الله سبحانه علي لسان انبيائه و اوليائه و هذه المسألة ثابتة في محله و لانحتاج الي تطويل المقال فيها [ص 150] و قد قال الله سبحانه و علم آدم الاسماء كلها و لا شك عندكم انه لا واضع قبله (ع) اذ لو كان لكان من ولده من بعده مع ان الله سبحانه علمه الاسماء كلها قبل ولده و هو الذي علم ولده كل لسان فالواضع هو الله بلا شك و كما جاز ان يكون آدم عليه السلام لسان الله في وضع الالفاظ كذا يجوز لائمتنا و للنبي صلي الله عليه و آله ان يضعوا لفظا بازاء معني و قد فعلوا ذلك في بعض المقامات و لاجل ذلك تري بعض الالفاظ في الكتاب مستعملة في معان غير معهودة من اللغة علي نحو الاشتراك بينها و بين المعني اللغوي او النقل او التخصيص او التقييد و غير ذلك و هذا لايخفي علي من تتبع كتب التفاسير المروية عن اهل البيت عليهم السلام بل و في الالفاظ المعروفة كالصلوة و الصوم و غيرهما ايضا تري اثر ذلك فنوع الجواز مسلم لا شك فيه و لا ريب يعتريه هذا قوله تعالي و اخذن منكم ميثاقا غليظا قال عليه السلام في تفسير الميثاق هو العقد و الغليظ هو النطفة ففي اي لغة ثبت هذا المعني و في تفسير قوله ثم افيضوا من حيث افاض الناس يعني النبي صلي الله عليه و آله و ليس ذلك الا من باب التقييد و يقول النبي (ص) في شرح قوله اولئك مع الذين انعم الله عليهم من النبيين و الصديقين الآية ، اما النبيون فانا و اما الصديقون فاخي علي و في يوم المباهلة يأتي عوض انفسنا عليا عليه السلام و عوض نساءنا فاطمة عليها السلام [ص 151] و ليس ذلك الا من باب التخصيص في الظاهر و قال عليه السلام في شرح السوء في دعاء الحجامة انه البرص و الفقر و الزنا و استشهد بالكتاب الي غير ذلك من المقامات و لاجل ذلك نهي الله سبحانه عن تفسير كلامه بالرأي فما قال بعض الاصحاب من جواز اجراء الاصول العدمية في معاني الالفاظ قبل الفحص كلام باطل و عن حلية الاعتبار عاطل فان تلك القواعد قواعد موضوعة مستحدثة و لميجر عليها ائمتنا صلوات الله عليهم و لميعتنوا بما كان ذلك اليوم في ايدي العامة العمياء لعنهم الله من تلك القواعد المجعولة التي لا اصل لها ابدا بل حذروا اصحابهم عن النظر الي قواعدهم و تعلم علومهم و كتب الاخبار مشحونة بالنهي عن ذلك و لا حاجة الي التطويل و لو بنينا علي اجراء تلك القواعد و الاصول في مداليل الالفاظ قبل الفحص لانجر الامر الي ان نفسر كلامهم بما لميردوه كما تشاهد ان انصفت في كتب القوم انهم قلما يفسرون آية علي وفق ما روي عن ائمتنا سلام الله فاما يفسرونها بالرأي او يأخذون تفسيره عن العامة و كلاهما خطاءان و كذا تري اكثر الاخبار في كتب الاحكام مأولة الي غير ظواهرها و ليس ذلك الا لاعتمادهم علي تلك الاصول و القواعد التي لميرد بها نص عن الائمة سلام الله عليهم و العجب من اسنادهم ما يفسرون به الكتاب و اخبار الائمة الاطياب الي الله و الي الائمة عليهم السلام و هم لو وجدوا [ص 152] خبرا عن عيسي عليه السلام او عن موسي عليه السلام بالعبري او السرياني و فسروه باجراء تلك الاصول في الفاظه لميجترأوا علي اسناد ما فسروا به الي ذلك النبي انه اراد ذلك لعدم اليقين به و اما في كتاب الله سبحانه الذي يقول ماآمن بي من فسر برأيه كلامي ، و ينسبه الي الكفر و الضلال و الشرك فلا بأس عندهم باجراء تلك الاصول و استخراج مكنون علم الله سبحانه و علم النبي صلي الله عليه و آله و لو بنيت علي اجراء تلك الاصول في شرح شعر شاعر لاتقف علي مراده لاحتمال الكناية و الاستعارة و التشبيه و التجوز و غير ذلك مما هو معمول عند الشعراء و تريد ان تقف بذلك علي مراد الله فلعمرك ان هذا بعيد عن الانصاف و قريب الي الاعتساف فالقول بجواز اجراء تلك الاصول قبل الفحص محض تحكم من بعض القوم و لاازعم ان يكون ذلك مذهب جميعهم و اما بعد الفحص فقيل انه مجمع عليه بين الاصحاب و يستدلون ببناء العقلاء ايضا و بانه لولا ذلك لانسد باب الاستدلال بالاخبار و الآيات في ابواب الفقه اذ ما من مورد غالبا الا و يحتاج فيه الي اعمال اصل عدمي فنقول اولا علي نحو الاجمال نحن نري جماعة علماء فقهاء عارفين باللحن و هم عقلاء و لايستندون الي شئ من تلك الاصول ابدا و يجرون في معرفة مداليل الالفاظ علي ما سنبينه انشاء الله فاجماعكم غير ثابت لخروجهم عن مذهبكم و لمينسد عليهم باب الاستدلال [ص 153] مع ذلك و لايجترء احد علي تسفيههم و القول بانهم ليسوا عقلاء نعوذ بالله و ثانيا علي نهج التفصيل في الجملة نقول انك قد عرفت آنفا ان ائمتنا صلوات الله عليهم استعملوا كثيرا من الالفاظ في معان جديدة و وجدت شواهده في الكتاب و السنة فاذا ثبت ذلك فاعلم انه لا شك في ان الله سبحانه امر نبيه و الائمة من بعده (ص) بالابلاغ الي الخلق و تفهيمهم مراداتهم كما في غير آية من الكتاب خطابا للنبي صلي الله عليه و آله عليك البلاغ المبين و قال بلغ ما انزل اليك من ربك و ان لمتفعل فمابلغت رسالته و لا شك انهم معصومون مطهرون لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون فيبلغون الي الخلق ما امرهم الله بالابلاغ و يعرفونهم اياها فان استعملوا لفظا في معني جديد غير معهود بين الناس فلا جرم يبينون لنا مرادهم منه البتة و اذا لميغيروا لفظا قرروهم علي ما كان متعارفا عندهم فاذا قرروهم و لميبينوا معني آخر فلايبقي شك بعد في ان المراد هو المعني المتعارف في العرف العام لوجود الادلة القطعية المعاضدة بعضها بعضا علي ان المراد هو المعني المعروف فان الله يقول ماارسلنا من رسول الا بلسان قومه و قد كان النبي صلي الله عليه و آله يكلم كل احد بلسان العرب و لكن المخاطب كان يسمع بلسانه و يعرف مراده صلي الله عليه و آله و لو غير لفظا في مقام و استعمله في غير معناه بينه بالتكرير و التفسير [ص 154] حتي لايشتبه عليهم الامر و انت تعلم انه لو كان يتكلم بالكلمة و يريد بها غير معناها المعلوم و لايبين مراده كان ذلك منه ظلما علي الرعية و اغراءا بالباطل و ساحتهم صلوات الله عليهم منزهة عن تلك الاحتمالات و اجماع الامة علي عصمته (ص) و لو في ما يتعلق بامر الرسالة ثابت و التبليغ علي النحو المفروض يخالف العصمة قطعا فمع تلك الادلة القطعية لايبقي شك في مراد الشارع (ص) من الكلمات المنقولة عن مواضعها او غير المنقولة ايا كان و ان بقي كلمة متشابهة لايظهر معناها من تفسيرهم و لا من العرف العام فلا شك انهم لميريدوا منا العمل بها لورود الخبر بحرمة العمل بالمتشابه الا ان يرد الي المحكم و قد مر ذكره فليس لنا ان نتكلف في معرفة معناه لقولهم عليهم السلام لاتكلفوا ما لمتكلفوا ، بل و يحرم ذلك قطعا لقوله تعالي لاتقدموا بين يدي الله و رسوله و لو ارادوا ان نعمل به ماعجزوا عن بيان معناه البتة و مع قدرتهم و قوتهم تركوه علي التشابه و لميكونوا جاهلين بتشابهه بالنسبة الينا حتي يحتمل ان يكون عدم رفع التشابه من باب جهلهم نعوذ بالله بل كل ذلك بعمد منهم و لميغلب احد عليهم و لايقدر احد علي منعهم من اظهار الحق علي حسب ما يصلح لكل زمان فهم لما لميريدوا منا العمل بالمتشابه ابقوه علي التشابه و ليس لنا السعي في معرفة معناه ابدا الا بان نجد محكما فنعمل به فلميبق لنا شك و الحمد لله في شئ من الفاظ الكتاب و السنة ابدا فاذ [ص 155] لا شك لنا فيها فلانحتاج الي اعمال الاصول في معرفة معانيها لان الاستصحاب لا بد فيه من شك لاحق و لا شك لنا ابدا و الاخبار واردة في الشك بعد اليقين و علي فرض ورودها في اليقين و الشك الطبيعيين لاتجري في تلك المقام لعدم وجود الشك مع انا لانسلم ورودها في الطبيعيات فان اليقين الطبيعي منتقض بالشك الطبيعي قهرا و انما المراد من عدم النقض هو الاعتقاد بوجود الاثر الشرعي في حال الشك بالجملة فلا دلالة للاخبار علي حجية تلك الاصول في تلك المقامات كما صرح به بعضهم نعم يبقي لهم ما استدلوا به من بناء العقلاء و اجماعهم علي ذلك و هو كما تري افتراء منهم علي العقلاء فان العقلاء اكثرهم لايعرفون امثال هذه المطالب الا اصحابنا الاصوليون فان كان كل عاقل اصوليا فلا كلام و الا فاي عاقل يحكم بمقتضي تلك الاصول في الموارد و انما يكتفون بالعادة و يأخذون بالمتعارف بينهم بارد القلب ثلج الفؤاد هذا و حجية تلك الاصول من باب الوصف او السبب فان قلت انها من باب وصف الظن في مقابل قول الله تبارك و تعالي ان الظن لايغني من الحق شيئا و في مقابل قولهم (ع) ان الظن اكذب الكذب ، فلك شأنك و ما هذا من دين الاسلام قطعا ان يحكم الانسان بشئ حكم الله و رسوله (ص) علي خلافه فانه ان كان كذلك لزم ان يكون امر السامري بعبادة البقرة من مذهب موسي (ع) و الوهية مريم و ابنه من مذهب عيسي (ع) و لايجترء علي القول بذلك احد فلم جاز ان يقال في [ص 156] المسلمين ان اهواءنا و ظنوننا انبياء من دون النبي (ص) بل هي آلهة من دون الله و يكون ذلك من دين الاسلام و انما عبرنا عن اخذهم بالآراء و الظنون بادعاء النبوة و الالوهية لقوله تعالي اتخذ الهه هواه و لما روي في تفسير قوله تعالي اتخذوا احبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله ان المراد من ذلك ان الاحبار و الرهبان حللوا لهم حراما و حرموا حلالا فسلموا لهم نقلته بالمعني بالجملة فهذا شأن الاصول ان كانت حجيتها من باب الظن و ان قلت انها من باب السبب قلت ما الدليل علي سببيتها ان كان العقل فيحتاج الي دليل آخر في حجيته و قد اثبتنا في المقدمة عدم حجيته في تلك الموارد و ان كان الكتاب و السنة فنحن قد اثبتنا عدم انصراف الاخبار الي حجية تلك الاصول و منكم من يقر بذلك و يستبعد انصرافها اليها فلاتكون حجية الاصول من باب السببية و لا حجية في وصف الظن علي فرض ثبوته مع ان ثبوته مختلف فيه في اصله و في كيفيته .
السابع - في بيان كيفية اثبات اجزاء المهيات كالصلوة اذا شك في السورة مثلا هل هي من اجزاء الصلوة ام لا . فمن القوم من يجري اصالة الاطلاق و منهم من يتمسك باصالة البراءة عن الجزء المشكوك و اصالة عدم الوجوب او عدم الشرطية و الجزئية او عدم الدليل او استصحاب الصحة و منهم من عمل بالجميع و منهم من طرح الجميع و عمدة الكلام هنا في استصحاب الصحة و اما الباقي [ص 157] فبيانها علي التفصيل بغير هذا المقام اليق الا علي نحو الاجمال فاقول ان الجزء المشكوك ما سبب الشك فيه فان كان سبب الشك الوساوس و الخيالات التي لميرد بها اثر عن آلمحمد عليهم السلام فالاحري و الاحوط ترك هذه الوساوس و الاعراض عنها من رأسها فانها من الشيطان و التمسك بها عبادة الشيطان كما قال احدهم عليهم السلام في رجل كان مبتلا بالوضوء و قيل فيه انه عاقل قال عليه السلام و اي عقل له و هو يعبد الشيطان ، و الاخبار في ذم تلك الشكوك كثيرة و امرت في كتاب الله ان تعوذ بالله من شر الوسواس الخناس بقوله قل اعوذ برب الناس السورة ، ففي تلك الوساوس لاتحتاج الي اجراء اصل الصحة و الاطلاق و عدم الوجوب و غيرها بل عليك ترك تلك الوساوس و اما ان كان سبب الشك اختلاف الآثار عن الائمة الاطهار صلوات الله عليهم في جزئية الجزء المشكوك و عدمها فنحن امرنا من عند ساداتنا صلوات الله عليهم بالرجوع الي المرجحات و علاج مختلفات الاخبار بالعرض علي المعاريض و لمنؤمر في خبر من الاخبار مع كثرة الاخبار العلاجية بترك جميع المعالجات و الاخذ باستصحاب الصحة مثلا او غيره في حال الشك هذا و نحن اذا عرضنا المختلفات علي المعاريض لايبقي لنا شك و لو عند تساوي الخبرين بعد العرض فانا نحكم ح بالتخيير او استحباب [ص 158] زيادة الجزء و علي اي حال لايبقي الشك و اذا لميبق فاي حاجة الي الاستصحاب فان لازمه الشك في الحال الثاني و لا شك هنا هذا و علي فرض وجدان الشك في مقام نقول اذا كنت شاكا في مهية تلك العبادة فانت شاك في صحتها ايضا من اولها فلا يقين لك تبني عليه و علي فرض طريان الشك في اثناء العبادة و تقدم اليقين عليه فهذا الشك يرجع الي الشك في المقتضي و قد عرفت عدم حجية الاستصحاب في الشك في المقتضي و لعمري المسلم المسلّم لآلمحمد عليهم السلام لو شرح له تلك الكلمات و عرف مؤداها يستوحش منها فان مذهبه ان ما قال آلمحمد عليهم السلام فهو حق يجب اتباعه علي النحو المقرر من عندهم من حيث كيفيته و اجزائه و شروطه فما جعلوه جزءا له فهو جزء و ما جعلوه شرطا فهو شرط و ما شك فيه بسبب اختلاف اخبارهم فيرد اليهم و الرد اليهم يومنا هذا بالعرض علي المعاريض قال الله تعالي و ما اختلفتم فيه من شئ فحكمه الي الله و قال و ان تنازعتم في شئ فردوه الي الله و الرسول و الي اولي الامر منكم و اما ما لميرد فيه منهم نص فلايشك فيه ابدا بل هو جاهل به و يأتي بما امر علي ما امر و لا فرق عنده في ان يتخلف عن حكم آلمحمد عليهم السلام فلايعمل به ابدا او يفسر كلامهم برأيه و هواه و يأخذ بما يشتهي منه فان كلا الامرين عنده سواء و التخلف عنهم في كلا المقامين حاصل و لا فرق ايضا بين [ص 159] ما مر و بين ان يجري حكم شئ في شئ آخر فان تلك القواعد و ان صحت في مقام و كانت منصوصة عليها في ذلك المقام و لكن ليس هذا المقام موردها نعم اذا لميثبت من عندهم بوجه من الوجوه ان السورة مثلا جزء الصلوة كان الاصل الاطلاق و البراءة عن الزايد و عدم الوجوب و الشرطية و الجزئية و غيرها ما عدي استصحاب الصحة فانه في مقام الشك في الحال الثاني و لا شك هنا بل جهل كما مر و اما اذا اختلفت الاخبار حتي حصل الشك فهنا مورد العرض علي المعاريض لا مورد شئ من الاصول المزبورة بالجملة و قد مر في بيان اصل البراءة ما لا حاجة معه الي بيان آخر .
تتمة لا فرق بين ما مر و بين اثبات مهيات الالفاظ في عدم جريان تلك الاصول كأن تقول الاصل عدم ملاحظة الواضع الجزء المشكوك او تستصحب ملاحظته فان تلك الاصول اصول وضعية شرعية و لا مدخلية لها في واقعيات العالم و لاينبغي اجراؤها في الواقعيات ابدا فان الامور الشرعية امور قد اشتغلت ذمتك بينك و بين الله بالعمل بها و لا بد لك من الامتثال بينك و بين الله و ليس لغيرك ان ينظر في عملك و يتصرف فيه حتي انه ورد ان من رأي في بدن من يغسل لمحة من بدنه لميصل الماء اليها ليس له ان ينبئه به و من رأي في بدن المصلي او لباسه نجاسة ليس له ان ينبئه في صلوته و ذلك [ص 160] لان لكل احد تكليف في نفسه عند نفسه و قد جعل الشارع صلي الله عليه و آله ان لاينقض المكلف يقينه بالشك و له ان يفعل ذلك و ليس لاحد ان يتعرض لحاله ابدا فان له حكمه و عليه ثوابه و عقابه و اما في واقعيات العالم فلايمكن اجراء تلك القواعد و ربما ينتهي ذلك الي ان تستعمل الالفاظ في غير ما يستعمله الناس و تعتقد بان الناس ايضا يعرفون من كلامك ما اردته مع انهم في الواقع يعرفون خلاف ما اردته و كذا في ساير واقعيات العالم كما اذا كنت علي يقين من كون زيد في الدار ثم شككت في كونه في الدار فليس لك استصحاب كونه لانه ربما خرج و لمتطلع علي خروجه و ليس من ديدن العقلاء اجراء الاستصحاب في واقعيات العالم بل يحتاطون و يتطلعون و كذا في كل مقام من واقعيات العالم و منها معرفة مداليل الالفاظ فانك اذا شككت في جزء من المعني فالواضع اما لاحظه او لميلاحظه و لايجب ان يوافق قولك الاصل عدم الملاحظة للواقع و كذا استصحاب الملاحظة قد يخالف الواقع بل لا بد في ذلك من الرجوع الي اللغة او العرف حتي تعرف المراد و ما ذكره بعض المانعين في علة عدم جواز الاستصحاب هنا بانه شك في الحادث مثلا فواه جدا فانه لو اتفق شك في الحدوث ايضا لميكن هنا مجري الاستصحاب فانه في الامور الشرعية و لا مدخلية له في واقعيات العالم .
[ص 161] الثامن - اعلم انه لايجوز استصحاب حال الكل في الجزء لاختلاف الموضوع و لايجب اتحاد حكم الجزء مع الكل كما في كثير من المواضع كما ان جزء النصاب لا زكوة فيه اذا ملكت الجزء وحده و ذلك لان الكل من حيث كليته يقتضي حكما ربما يقتضيه الجزء و ربما لايقتضيه كما ان المعجون المركب له خاصية لاتكون لجزء من اجزائه حكما بل قد يتفق ان يقوم جزء في مقام الكل الا ان الكل اكمل لكثرة خواصه و قد لايتفق ذلك و علي اي حال لايجوز لنا قياس حكم الجزء بالكل بل حكمه موقوف ببيان الشارع صلي الله عليه و آله فان شاء وفق بين حكميهما و ان شاء فرق ففي مثل ما لو قطع اليد من الزند مثلا ليس لنا استصحاب وجوب الغسل حال الوضوء فيما بقي منها و انما يجب علينا الرجوع الي الشارع صلي الله عليه و آله و الرد اليه و لكن القوم اختلفوا في المقام فالمنسوب الي بعضهم انه يستصحب فيه الحكم السابق و قال بعضهم انه لايجوز فيه الاستصحاب و قسم المركب الي قسمين عقلي و خارجي اما العقلي فكالصوم يوم الخميس فالصوم جنس و الخميس فصله و علي المكلف الاتيان بالجنس في ضمن الفصل الخاص فاذا ذهب الفصل لميتمكن من اتيان الجنس في جنسه فلايجوز له استصحاب الحكم في يوم الجمعة و هو حق اذا ثبت ان الخميس جزء المأمور به و اما ان كان من المكملات فلايتغير الموضوع بذهاب الخميس و مجيئ الجمعة [ص 162] فيصوم فيه و معرفة ذلك منوطة ببيان الشارع صلي الله عليه و آله و اما المركب الخارجي فهو كالمثال المذكور و قالوا فيه ان الامر بغسل اجزاء اليد تبعي للامر بغسل كلها فاذا ذهب الكلية المتبوع ذهب الامر بالبعض التابع و الحق هو ما ذكرناه ان الكل و الجزء انما هما موضوعان مختلفان لا محالة و لايجوز لنا قياس حكم الكل في الجزء بل يجب الرجوع الي الشارع صلي الله عليه و آله فاذا رجعنا اليه وجدناه صلي الله عليه و آله يأمر بغسل الباقي لاتقل فبذلك ثبت جريان الاستصحاب في المقام لان الاستصحاب من شأن الشاك و المعصوم لايشك في شئ ابدا .
التاسع - في انه هل يجري الاستصحاب في التوابع و اللوازم ام لا . قال الشيخ في فصوله انه كما يثبت بالاستصحاب بقاء مورده كذلك يثبت به لوازمه الشرعية التي يترتب عليه من غير توسط امور عادية لعدم جواز اجراء الاستصحاب فيها و قد مر منا بيانه و مراده من الترتب ما يتناول ترتب المشروط علي الشرط كترتب صحة الصوم علي استصحاب عدم الجنابة و ترتب المسبب علي السبب كترتب وجوب الانفاق علي استصحاب الزوجية فاذا لميكن مسببا او مشروطا لميجر الاستصحاب فيه و ان كان بينهما تلازم كطهارة الملاقي لاحد المشتبهين فانها و ان استلزمت شرعا طهارة ما لاقاه منهما لكنها ليست من احكامها المترتبة عليها فلايثبت باستصحابها و هذا تحكم محض و لا فرق في شئ [ص 163] من ذلك و سيأتي الحق في المسألة انشاء الله و نقل عن بعض ترددا في بعض فروع المسألة كتنجيس مستصحب النجاسة لملاقيه بل حكم بعدم التحكيم و ابقاء الملاقي علي طهارته كالمتنجس علي نجاسته ثم قال و هو ناشئ من عدم احكام الاصل و عجبا من محقق مثله انه منع عن ذلك في صدر المسألة و اثبته هنا و اعترض علي المانع بانه ناشئ من عدم احكام الاصل فانك اذا استصحبت الطهارة في احد المشتبهين فهو كأن تستصحب الطهارة فيما شككت في طهارته بعد اليقين بها و هو واحد لا مشتبه و لا فرق بين المقامين فكيف ثبت النجاسة هنا و لميثبت الطهارة هنالك بالجملة و نقل عن بعض المحققين ان الاصول المثبتة ليست بحجة و قال الوجه تنزيله علي الاصول المثبتة للامور العادية و اما الامور الشرعية فلا فرق فيها بين المثبتة و النافية و الكل يجري فيها و اما نحن فنقول اما الامور العادية التي هي من واقعيات العالم فلايجري فيها الاستصحاب ابدا لان مجراه الامور الوضعية الاعتقادية التي لا مانع للمكلف من البناء علي اليقين فيها لان اليقين فيها منوط بحكم الشارع صلي الله عليه و آله و الشارع عليه السلام حكم بانك اذا شككت في الطهارة بعد تيقنك بها فاعلم انك طاهر و الطاهر ما جعله الشارع صلي الله عليه و آله طاهرا و النجس ما جعله نجسا و اما في الامور العادية فلميحكم الشارع بانك [ص 164] اذا كنت علي يقين من وجود الماء في موضع ثم شككت في غوره و جفافه فاعلم انه باق و لميجف و لو قيل ان عمومات الاخبار لا خصوصية لها بالامور الشرعية الاعتقادية قلت انه قد ثبت في محله بالاخبار الساطعة المنار ان العام ينصرف الي الفرد الشايع المتبادر و الشايع المتبادر في المقام هو الامور الشرعية الوضعية و اما الامور العادية فالشارع صلي الله عليه و آله فوض معرفتها الي العادة بالجملة و قد مر بيان ذلك في بيان مهية الالفاظ و اما الامور الشرعية اللازمة للمستصحب فيستصحب البتة و الا لميكن للاستصحاب و البناء علي اليقين فائدة فان الغاية في كونك متطهرا جواز دخولك في الصلوة و صحة الصلوة المأتي بها معها فاذا لميصح فما الفائدة في استصحاب الطهارة و ما قيل من ان فيه تعارض الاستصحابين احدهما ما مر و الآخر استصحاب الاشتغال بالصلوة الصحيحة حتي يتيقن بالصحة فهو خطاء و لايجري الاستصحاب في جانب المخالف لحصول اليقين بالصحة و تغير الموضوع بيان ذلك ان الطهارة ما جعلها الشارع صلي الله عليه و آله طهارة و لا مدخلية فيها للعادة و العقل و نحن قد بسطنا القول سابقا في ان العادة و العقل لا مدخلية لهما في الاحكام الشرعية ابدا و لاينبغي الاعتداد بهما في الشرع و لايوجب شكا فيه ابدا الاتري انه اذا كان في البيت اناء من لبن و خرج الكلب و في فمه اثر [ص 165] اللبن و لكن لمتر ولوغه بعينك الا انك بحسب العادة تقطع بولوغه و مع ذلك يحكم الشارع بطهارة اللبن فاذا كان هذا حال اليقين العادي فما شأن الشك العادي فلايوجب شكا في الاحكام الشرعية ابدا و انما هي امور وضعية فالطهارة الشرعية ما جعلها الشارع طهارة و من افرادها ما اذا شككت فيها بعد اليقين بها فانت طاهر بحكم الشارع و من البين انه لايشترط في صحة الصلوة الا طهارة شرعية و الطهارة المستصحبة شرعية قطعا فالصلوة صحيحة قطعا و ذمتك بريئة قطعا و الاشتغال بها مقطوعة قطعا فكيف يجري الاستصحاب مع تغير الموضوع و لعل القوم يزعمون امثال تلك الاحكام في اخبار آلمحمد عليهم السلام من قبيل المزاح او محض كلام لا اصل له نعوذ بالله هذا قول ابيعبدالله عليه السلام في ثوب اعاره الذمي قال انك اعرته اياه و هو طاهر و لمتستيقن انه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتي تستيقن انه نجسه ، فهل هو عليه السلام امر بصلوة غير صحيحة و هل يليق بشأنه ذلك و هل كان سؤال السائل عن غير ذلك و عن زرارة قال قلت له اصاب ثوبي دم رعاف او غيره او شئ من مني الي ان قال فان ظننت انه اصابه و لماتيقن ذلك فنظرت فلمار شيئا ثم صليت و رأيت فيه قال تغسله و لاتعيد الصلوة الحديث ، اقول لا شك انه ان كان صلوته غير صحيحة لميأمره بعدم الاعادة بالجملة [ص 166] لا شك في جريان الاستصحاب في اللوازم بتبعية المستصحب و من القوم من حقق تحقيقا آخر في المقام و كأنه جعل الاستصحاب في نفس اللازم من دون تبعية لاستصحاب الملزوم فقال ان اللازم علي قسمين قسم لايلازم غير حدوث الملزوم كالزوجية للاربعة مثلا فان حدوث الاربعة يستلزم حدوث الزوجية و حدوث الزوجية يستلزم حدوث الاربعة و هما متحدا الوجود و قسم يلازم حدوثا غير حدوث الملزوم و هو علي ثلثة اقسام عقلي و عادي و شرعي فالعقلي كأن تحكم في مسألة بالعقل او الاجماع بالتخيير مثلا ثم تعلم اجمالا بورود نص و تشك في مدلوله فان كان مدلوله الوجوب او الحرمة لكان رافعا للتخيير و رفع التخيير بسبب الوجوب او الحرمة عقلي و العادي كما اذا وقع في سلعتك مجهول فان كان المجهول نارا لكان لازمه احتراق سلعتك و الشرعي كأن يقع علي الثوب مايع فان كان المجهول بولا فلازمه الشرعي رفع طهارة الثوب و حاصل القسمة ان اللازم قد يكون متحدا لملزومه من جميع الجهات و هو الاول و قد يختلف و هو الثلثة الاخيرة ثم منع الاستصحاب في القسم الاول لانه استصحاب في الحادث و مثاله ان تشك ان في الدار اربعة او خمسة فان كان اربعة فزوج و ان كان خمسة ففرد فليس لك ان تقول الاصل عدم الزوجية لانه كأن تقول الاصل عدم الاربعة و هو استصحاب في تعيين الحادث [ص 167] و اما في الثلثة الاخيرة فلا بأس بالاستصحاب لاستلزامها حدوثا غير حدوث الملزوم فلايتعين الحادث به ففي قولك الاصل الطهارة عند رؤية المايع علي الثوب لمتحكم بان المايع ماء لعدم اتحاد وجود الطهارة مع وجود الماء بل ذلك بملاحظة الاصول الفقاهية يعني قول ابيعبدالله عليه السلام كل شئ نظيف حتي تعلم انه قذر و غير ذلك فاقول الحق ان الاستصحاب لايجري في الثلثة الاخيرة و ليس هنا موضع الاستصحاب لانك في جميع تلك الامثلة تتيقن بتغير الموضوع بالكلية فان الثوب المبلول غير الجاف قطعا و لاجل ذلك تري اختلاف احكامهما في بعض المقامات و كذا حال وقوع شئ في السلعة غير حال عدم الوقوع و ورود نص غير حال عدم الورود بل الحكم في تلك المقامات يدور مدار الاخبار و يعمل بمقتضاها اللهم الا ان يقال انا عرفنا بتلك الاخبار ان كلما هو غير معلوم النجاسة سواءا كان معلوم الطهارة او مجهولا فهو طاهر فموضوع الطهارة هو هذا الامر الكلي فاذا شككنا في تغير هذا الموضوع نجري الاستصحاب و الا فان جعلت موضوع الطهارة هو الامر الخاص ثم حكمت في مقام الشك بالطهارة للاصول الفقاهية لخرج ذلك عن الاستصحاب بل هو حكم بمقتضي الاصول و اما اذا كان اللازم و الملزوم متحدا الوجود و اتفق مثله في الشرعيات فلا مانع من اجراء الاستصحاب فيه فانك فيما اذا شككت في الطهارة [ص 168] للشك في نفس الحدث و بنيت علي الطهارة فكأنك قد حكمت بعدم الاحداث و الطاهر هو غير المحدث و غير المحدث هو الطاهر و هما متحدا الوجود و يتعين الحادث باستصحاب لازمه و لا مانع منه في الاخبار بالجملة حاصل الكلام انه اذا استصحب الملزوم فلازمه معه و لاينفك عنه و لولا ذلك لميكن في استصحاب الملزوم فائدة .