العاشر - في بيان اصالة تأخر الحادث و هي فيما اذا قطع بحدوث الحادث و شك في مبدء وجوده فالاصل تأخره و هذا في الموضوع ثابت لا شك فيه و لا ريب يعتريه و لكن بعض القوم اجراه في الحكم ايضا و هو باطل كما مر و قسمه الي وجودي و عدمي باعتبار نفس الحادث و من حيث زمان الشك و المشكوك فيه قال ان ذلك الزمان اما متحد او مختلف بتقدم زمان احدهما و المستصحب اما حكم فرعي او اصلي و اما موضوع صرف او مستنبط ثم قال الحق جريان الاصل فيما اذا اتحد زمان الشك و المشكوك فيه او تقدم زمان الشك و اما اذا تأخر زمان الشك عن زمان المشكوك فيه ففيه خلاف ، و الحق عند هذا القائل عدم جواز اجراء الاصل و لا الاستصحاب المعكوس و لنمثل لتلك الاقسام امثلة ليظهر مراده فذلك كأن تشك في آخر وقت العشاء انه ثلث الليل او نصفه او عند طلوع الفجر فالقسمان الاولان كأن تشك في الوقت او قبل الغروب و الاخير [ص 169] كأن تشك بعد الطلوع فقال ان الاصل في الاولين حجة و ذلك لادلة منها الاخبار و منها بناء العقلاء و منها الاجماع المركب فان كل من قال بحجية الاستصحاب قال بذلك و منها انه لولاه لزم عدم حجية الاستصحاب في الشك في عروض القادح و اما القسم الاخير فلا حجية للاصل فيه لعدم الدليل و لا للاستصحاب القهقرائي لعدم الدليل و هو بان تجري خارج الوقت و تستصحبه الي ثلث الليل فتقول آخر الوقت هو عند مضي الثلث و ما بعده خارج الوقت و اما نحن فنقول و قد قلنا ان الاستصحاب لايجري في نفس الحكم ابدا و في هذا المقام اول الوقت و آخره امر توقيفي و لا سبيل لنا اليه الا بالنظر الي اخبار آل‌محمد عليهم السلام و الشك الحاصل منها بسبب اختلافها لايرتفع الا بالعرض علي المعاريض و لم‌نؤمر في مورد من موارد اختلاف الاخبار بالاخذ بالاستصحاب بل امرنا بالعرض علي الكتاب و السنة و غيرهما مما ثبت في محله فاذا عرضنا و ترجح احدها فهو و ان تساوت فبأيها اخذت من باب الرشاد وسعك و يثبت التخيير فيرتفع الشك فاذا ارتفع الشك فلا مجال للاستصحاب بعد و لايجوز اجراؤه فيه نعم اذا بنيت علي التخيير و امتداد الوقت الي الفجر فما لم‌تتيقن بطلوع الفجر لك اجراء استصحاب الليل لانه شك في تغير الموضوع قال (ع) ما معناه كل حتي لاتشك و اما ادلتهم فهي كلها كسراب [ص 170] بقيعة يحسبه الظمآن ماءا حتي اذا جاءه لم‌يجده شيئا و وجد الله عنده فوفاه حسابه اما الاخبار فلا دلالة لها علي مرادهم كما اثبتنا و اما بناء العقلاء علي فرض ثبوته مع انا في عويل منه لا حجية له في الاحكام الشرعية و لو كان بناء العقلاء يجري في الاحكام لمااحتجنا الي ارسال الرسل و انزال الكتب فانا كنا ح بانفسنا شارعين نعوذ بالله و قد قال السجاد عليه السلام ان دين الله لايصاب بالعقول الناقصة ، و قد اشبعنا القول في ذلك في المقدمة و اما الاجماع المركب فلم‌يثبت فانا نري كثيرا من العلماء يقولون بحجية الاستصحاب في الموضوع و يمنعون عنه في نفس الحكم هذا ما رواه صاحب القوانين عن الشيخ الحر انه قال في كتاب فصول المهمة بعد ما ذكر فرقة من الاخبار التي ذكرناها : اقول هذه الاحاديث لاتدل علي حجية الاستصحاب في نفس الحكم الشرعي و انما تدل عليه في موضوعاته و متعلقاته كتجدد حدث بعد الطهارة او طهارة بعد الحدث او طلوع الصبح او غروب الشمس او تجدد ملك او نكاح او زوالهما و نحو ذلك كما هو ظاهر من احاديث المسئلتين و قد حققناه في الفوائد الطوسية ، انتهي كلامه رحمه الله فمع ذلك كيف ثبت لكم الاجماع المركب علي ان كل من قال بحجية الاستصحاب في الموضوع قال بحجيته في نفس الحكم و اما ما قال انه لولاه لزم القول بعدم حجية الاستصحاب في الشك في عروض القادح ففيه [ص 171] انه ان استلزم عدم الحجية في ساير الاحكام فليلزم فانا قائلون به و ان استلزم عدم الحجية في الموضوعات ايضا فما الملازمة و الفارق بينهما موجود و هو ان معرفة الموضوعات من شأننا و الاحكام توقيفية و لا مانع من ان يجوز لنا البناء علي اليقين في الشك في الموضوعات بعد اليقين بها و اما الاحكام فلكونها توقيفية ليس لنا ذلك هذا و نحن قد اثبتنا ان الشك في عروض القادح لايحصل الا في الموضوع و اما الحكم فلا شك فيه و الحمد لله بالجملة و اما في نفس الموضوع فالاصل تأخر الحادث و يدل علي ذلك من الاخبار ما رواه ابي العلامة اعلي الله مقامه قال ابوجعفر عليه السلام في حديث قيل له ان رأيته في ثوبي و انا في الصلوة قال تنقض الصلوة و تعيد اذا شككت في موضع منه ثم رأيته و ان لم‌تشك ثم رأيته رطبا قطعت و غسلته ثم بنيت علي الصلوة لانك لاتدري لعله شئ وقع عليك فليس ينبغي ان تنقض اليقين ابدا بالشك و قال ابوعبدالله عليه السلام في فارة رأيت في اناء و ان كان انما رآها بعد ما فرغ من ذلك و قد فعله اي التطهير فلايمس من الماء شيئا و ليس عليه شئ لانه لايعلم متي سقطت فيه ثم قال لعله ان يكون انما سقطت فيه تلك الساعة التي رآها الخبر ، و ساير ادلة الاستصحاب في نفس الموضوع التي قد مر ذكرها كلها يجري في المقام و لا حاجة الي تكرارها فالحادث وجوده متأخر الي زمان تتيقن بوجوده و يقع تحت ذلك الامور [ص 172] التدريجية التي يشك في تغير اساميها كالكر الذي تنقص منه اناءا اناءا فانه لايخرج من الكرية حتي تتيقن به و كذلك الماء القليل الذي تزيد عليه اناءا اناءا لايخرج عن القلة حتي تتيقن به و هكذا في غير ذلك من المقامات في الموضوعات الشرعية .

الحادي‌عشر - من الشروط العظيمة في الاستصحاب بقاء الموضوع و محققوا القوم يشرطونه و لكن لايلاحظونه في اكثر الموارد و نحن نرجو الله ان نلاحظ هذا الشرط في جميع موارد الاستصحاب اذ اجراؤه مع تغير الموضوع قياس منهي عنه فلا بد من ملاحظته و لكن الاشكال و الداء العضال في معرفته الا انه يسهل ذلك ببركات آل‌محمد عليهم السلام فانهم لايتكلمون بالمتشابهات فيما يريدون منا العمل به بل يبينون المراد بافصح كلام و اوضح عبارة ، فاعلم ان الموضوعات مختلفة فقد يكون الشئ باعتبار حقيقته موضوعا للحكم و قد يكون باعتبار عرض من اعراضه موضوعا و يعرف ذلك و يميز بين القسمين بالتأمل في كلام الشارع صلي الله عليه و آله فان علق الحكم علي نفس المهية فالحكم معها يدور معها حيث ما دارت و اذا تغيرت المهية و صارت شيئا آخر تغير حكمها كالكلب اذا صار ملحا و اذا شككت في تغير الموضوع فهنا موضع اجراء الاستصحاب و عدم نقض اليقين بالشك و ان علق الشارع صلي الله عليه و آله الحكم علي [ص 173] عرض من الاعراض فيدور معه حيثما دار و ينقطع عند انقطاع هذا العرض و ان كانت الحقيقة باقية فاذا قال الشارع صلي الله عليه و آله لا تكليف علي النائم مثلا فهذا الحكم له حال كونه نائما فاذا استيقظ فلايجري فيه الحكم و اذا قال الماء المتغير بالنجاسة نجس فهذا الحكم له حتي يزول التغير بماء طاهر فاذا زال فقد طهر و اذا شك في الزوال فيستصحب النجاسة فلا بد من ملاحظة الموضوع بالاعتبار الذي هو موضوع ففي نحو ما اذا تنجس الحنطة و جعلتها دقيقا فانظر الي الحيث الذي هو من هذا الحيث موضوع فان قال الشارع صلي الله عليه و آله ان تنجسها لاجل حباتها فليس لك ان تقيس الدقيق عليه و ان قال انه لاجل اسمرية لونها فليس لك ان تقيس الدقيق عليه و اما اذا قال كلما لاقي النجاسة فهو نجس ما لم‌تزل النجاسة فالدقيق الذي هو الحنطة المدقوق ايضا نجس لانه ايضا لاقي النجاسة حال كونه حنطة و لم‌يخرجها الطحن عن حد النجاسة لانه ليس بمانع شرعي نعم الا ان يستحيل بالكلية كما ان تتركه حتي يصير ترابا او تحرقه فيصير رمادا كأن تترك الماء حتي يصير نباتا مثلا و في علة حصول الطهارة بالاستحالة اشكال من حيث ان المتنجس لايتنجس لاجل صورته بل لاجل انه جسم لاقي النجاسة و جسميته لايستحيل بداهة فما سر الطهارة و سنبينه انشاء الله و اما اذا شككت في الاستحالة [ص 174] و تغير الموضوع فيجري الاستصحاب كما اذا انتقل الدم من بدنك الي بطن العلق مثلا فالاستحالة التامة ح مشكوكة بل لا شك في عدم الاستحالة فلايحكم بالطهارة حتي يثبت الاستحالة و في نحو ما اذا انتقل الدم منك الي بطن البرغوث و البق و ان كانت الاستحالة مشكوكة سيما في اول المص الا ان اطلاق طهارة الدم من غير ذي النفس السائلة عليها يمنعنا من اجراء الاستصحاب و في المقام خبر يعارض العمومات في الجملة و هو ما روي في فصل الخطاب كتب الي الرجل عليه السلام هل يجري دم البق مجري دم البراغيث و هل يجوز لاحد ان يقيس بدم البق علي البراغيث فيصلي فيه و ان يقيس علي نحو هذا فيعمل به فوقع عليه السلام تجوز الصلوة و الطهر منه افضل ، اقول قلنا ان معارضته في الجملة لدلالته علي الاستحباب و لعل ذلك لاحتمال ما ذكرنا من مشكوكية الاستحالة و العلم عند الله و لانتعول علي الاحتمال و لعله لاجل ذلك الاحتمال توقف بعض المتأخرين عن كون تغير الموضوع قاطعا للاستصحاب و هو واه جدا لانك اذا نظرت الي جهة الموضوع و وصفه الذي باعتباره حكم عليه بهذا الحكم تري انه بالانتقال لاتتغير الا ان يكون الحكم من حيث وضعه و مكانه و الا فالدم اذا حكم عليه بالنجاسة لاجل تلك الصورة التي له فانت تري ان تلك الصورة لاتتغير في بطن العلق و لايعارض الاصل خبر من آل‌محمد عليهم السلام [ص 175] و لا آية من الكتاب و اما في نحو القملة و البرغوث فلمعارضة الاخبار معه لانقدر علي التحكم بعدم الاستحالة فلعله يستحيل من فوره او انهم ارادوا في ذلك التوسعة و نفي الحرج فلم‌يحكموا فيهما بالنجاسة للزوم العسر و الحرج الشديد لو حكموا بها كما لايخفي و العلم عندهم هذا و لنا ان نقول ان اجراء الاستصحاب في تلك المقامات من باب الشك في المانعية لا من باب الشك في حدوث المانع فما ثبت من الشرع انه مانع فالاستصحاب فيه مقطوع و ما لم‌يثبت فيجري فيه الاستصحاب كما في المايع الذي وجدته في ثوبك و قد مر بيانه فهنا قد ثبت ان الانتقال الي القملة و البرغوث مانع عن الحكم بالنجاسة و اما الي العلق فلم‌يثبت و هذه دقيقة حسنة يجري في اغلب المقامات و لاتحتاج معه الي توقف ابدا و ان قلت فلم منعت عما قلنا من ان تغير الموضوع لايمنع من الاستصحاب قلت قد ذكرنا سابقا ان في الشك في المانعية اما ان نقول ان اجراء الحكم في ثاني الحال ابتدائي و ليس من باب الاستصحاب بل هو بسبب العمومات من قبيل لاابالي ابول اصابني ام ماء اذا لم‌اعلم ، و اما ان نقول ان موضوع الطهارة هو الامر الكلي اي ما سوي ما علم نجاسته فاذا شككنا في تغير هذا الموضوع استصحبنا بقاءه و حكمنا بالطهارة بالجملة اشتراط بقاء الموضوع مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه و قد مر الاستدلال [ص 176] عليه مرارا و لما ان اتينا ببيان هذا الشرط لا بأس ان نذكر شروطا اخر ذكروها و هي امور : الاول ان يكون الامر ثابتا في الزمن الاول فلايحكم باستصحاب وجود زيد في الدار الا ان يكون فيها قبله و كذا الحكم الشرعي المترتب علي الامر الوضعي اذ بقاء الحكم في الزمن الثاني فرع ثبوته في الزمن الاول و هذا معني ما منعنا من الاستصحاب في الشك في المقتضي و هو حق لا شك فيه الثاني عدم زواله بالدليل و ان نسخ ما دل علي الزوال كما اذا امر بشئ ثم نهي عنه ثم نسخ النهي فانه ح لايعقل استصحاب الوجوب الثالث اشتراط الظن ببقاء الامر السابق فاذا تساوي الاحتمالان فلايجري فيه الاستصحاب و هذا بناء علي القول بحجيته من باب الوصف و الحق عندنا ان حجيته من باب السبب لانا نأخذ به لاجل دلالة الاخبار عليه و الا فماكنا نعرف استصحابا و لم‌يجز لنا العمل بالظن و اري ان العمل به لحصول وصف الظن مما لايجوز و ان دل الاخبار علي جواز العمل بالاستصحاب الم‌تسمع ما روي ان ابليس قال لنبي من الانبياء (ص) قل لا اله الا الله فقال في جوابه كلمة حق اقولها لا بقولك فالعمل بالاستصحاب في نفس الموضوع حق جايز لا من باب وصف الظن فان الظن لايغني من الحق شيئا [ص 177] الرابع ان لايوجد في الزمان الثاني ما يوجب زوال الامر الاول كما اذا صلي بالتيمم ثم وجد الماء في الاثناء فينبغي لمريد الاستصحاب ان يلاحظ النص الدال علي ان المتمكن من استعمال الماء الناقض للتيمم هل هو مطلق او عام بحيث يشمل هذه الصورة ايضا ام لا فان كان مطلقا او عاما شاملا لايجوز العمل بالاستصحاب لانه يرجع الي فقد الشرط الثاني و الثالث الذين ذكرناهما الخامس ان لايتحقق دليل شرعي خاص آخر يوجب انتفاء الحكم السابق الثابت اولا في الوقت الثاني السادس ان لايوجد استصحاب معارض في مقابله و سيأتي القول فيه .

و قد زاد ابي العلامة اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه شروطا اخر و هي امور الاول ان لايكون الامر الثابت في الزمن الاول بدليل مطلق او عام يشمل الحال الثاني فانه عمل بمدلول النص الاول الثاني ان كان متعلق الحكم الاول الذات فيعتبر تغير الذات و لا عبرة بتغير ساير الحالات كما اذا تعلق الحكم بزيد فلاننظر الي قيامه و جلوسه و حركته و سكونه و ان كان الحال فيعتبر خصوصه فان كان متعلقه جلوسها فيعتبر تغير الجلوس و ان كان قيامها فيعتبر القيام و لاننظر الي ساير التغيرات و لايحتاج الي استصحاب فيها الا اذا شك في زوال المتعلق نفسه فهيهنا موضع جريان الاستصحاب و الثالث [ص 178] ان لايكون في دليل ثبوت الحكم للحال الاول ما يدل علي خصوصيته بالزمان الاول الممدود كصم هذا اليوم الآتي و الرابع ان يعرف الموضوع و حالاته مثلا اذا تنجس العصاء فلا بد من معرفته ان النجس ورد علي عصائية العصا او خشبيته او علي نباتيته او علي جسميته كما ان متعلقات الحكم تتخلف علي حسب ذلك فالوارد علي العصائية يتغير بتغير العصا و اما الوارد علي الخشبية لايتغير بتغير العصا فلو كسر و دق لم‌يتغير الحكم و الوارد علي النبات لايتغير بتغير الخشب و الوارد علي الجسم لايتغير بتغير النبات و هذا الشرط مما يشتبه كثيرا فيزعمون ان الموضوع تغير و لم‌يتغير فالخشب النجس اذا صار فحما و رمادا تغير الخشب و صار غيره و لم‌يتغير الجسم النجس اللهم الا ان يقال ان النجس الواصل احترق و استحال و هو شئ آخر و كذلك ينبغي معرفة متعلق الحكم حتي يحكم عليه بحكمه ، انتهي كلامه علي مقامه اقول ايضاحا للبيان و دفعا للاشكال الذي اشرنا اليه ان هذا الكلام المحكم و الشرط المعظم يجري في نفس الوارد و في المورود فكما انه لا بد من معرفة جهة الموضوع انها العصائية او الخشبية او النباتية او الجسمية كذلك لا بد من ملاحظة الجهة في نفس الوارد ايضا فالنجس الوارد علي العصا كالخمر مثلا هل هو نجس لجسمانيته فكل جسم نجس او لكونه مأخوذا من العناصر فكل مأخوذ من العناصر نجس [ص 179] او لميعانه فكل مايع نجس او لانه مأخوذ من العنب فالدبس و الخل ايضا نجسان او للونه مثلا ان كان احمر فماء الرمان ايضا نجس فليس لشئ من تلك الوجوه بل هو لسكره فاذا ارتفع سكره فقد طهر و حل شربه و اذا لم‌يرتفع او شك في الارتفاع يستصحب النجاسة و بتبعية نجاسته يتنجس كلما لاقاه من الاجسام التي تقوم في حده و يتلوث به كالماء و التراب و ما اشبههما لا كالهواء و نحوه مثلا ثم اذا استحال الخمر خلا او شيئا آخر يرتفع نجاسته فيطهر كلما لاقاه سابقا في حال الخمرية فالعصا و ان لاقاه بجسميته الغليظة مثلا و تنجس لان كل جسم تلوث بالخمر فهو متنجس و لكنه اذا احرق و ان بقي جسمانيته الغليظة الا ان سبب النجاسة التي هو صورة الخمرية لا مادتها قد زالت فطهرت فاذا طهرت طهر الرماد الذي بقي لزوال سبب النجاسة بالجملة و تلك الشروط التي ذكرها ابي العلامة اعلي الله مقامه هي ام الشروط التي لم‌يعرفها محققوا القوم فاعرف قدرها و اغل مهرها .

الثاني‌عشر - في تعارض الاستصحابين ظاهرا و قلنا ظاهرا لما تعرف بعد البيان ان احدهما او كليهما خارج عن حد الاستصحاب كما اشرنا اليه سابقا فقالوا ان تعارض الاستصحابين اما في موضع واحد او في موضعين فالاول كالجلد المطروح فان استصحاب الطهارة الثابتة حال الحيوة يقتضي طهارته [ص 180] و استصحاب عدم التذكية يقتضي كونه ميتة المستلزم للنجاسة و بتقرير آخر ان الموت حتف الانف و الموت بالتذكية كلاهما حادثان في مرتبة واحدة . . . ● .

. . . عليه بالاخبار فما جعله الشارع صلي الله عليه و آله دليلا للحكم فهو الحق و يجب الاخذ به و يحصل لنا منه العلم الشرعي ففي مقام امر الشارع صلي الله عليه و آله بطهارة الثوب فالمراد منه الطاهر الشرعي و لو حكمت بحسب العادة انه نجس كما في حديث اعارة الذمي الثوب و قد مر ففي نحو الصلوة مثلا التي امر الشارع (ص) بطهارة اللباس و الطهارة امر شرعي فكلما جعله الشارع طاهرا فهو كاف في الامتثال و من البين ان الطهارة للثوب المتيقن طهارته اولا المشكوك ثانيا حكم شرعي لا شك فيه و لا ريب يعتريه فان اتيت معه الصلوة فهذه الصلوة صلوة شرعية صحيحة قطعا و كذلك اذا قال الشارع صلي الله عليه و آله كلما لاقي النجس فهو نجس فمراده من هذا النجس كلما جعله نجسا في الخارج و لا شك ان منها الثوب النجس الذي غسلته و لم‌تتيقن بطهارته لان نجاسته قد ثبت بالاستصحاب و هو دليل شرعي فالارض المنشور عليها الثوب نجس بحكم الشارع بلا شك . . . ( فيه و لا ظ ) ريب يعتريه فلايجوز التيمم و السجود عليه . . . ● الاستصحابين . . . ماء قليل [ص 181] بعد رميه بما يمكن . . . الي الماء او الي الجرح . . . الماء و استصحاب . . . لنجاسته فمنهم . . . ان طهارة . . . بحصول التذكية فهو ميتة و كل ميتة من ذي النفس السائلة نجس فتستصحب النجاسة و تتنزه عن الماء كما روي في فصل الخطاب سئل ابوعبدالله عليه السلام عن رجل رمي صيدا و هو علي جبل او حائط فيخرق فيه السهم فيموت فقال كل منه و ان وقع في الماء من رميتك فمات فلاتأكل منه و عن الصدوق قال عليه السلام ان رميت الصيد و هو علي جبل فسقط فمات فلاتأكله و ان رميته فاصاب سهمك و وقع في الماء فمات فكله اذا كان رأسه خارجا من الماء و ان كان رأسه في الماء فلاتأكله ، بالجملة فالقاعدة الكلية هو ان الاستصحاب المورود مقدم و يعمل به و اما الوارد فاستصحابه حكمي و لايعمل به ففي الثوب النجس الذي غسلته حتي شككت في زوال النجاسة عنه حكمت شرعا بنجاسته ثم اذا اصاب يدك و ورد عليه استصحاب طهارة يدك نقول ان الثوب نجس شرعي و قد زال به طهارة يدك فلايستصحب طهارتها لتغير الموضوع و انما ذلك لابتناء حكم اليد علي حكم الثوب و عدم ابتناء حكم الثوب علي حكم اليد الحكم ( فالحكم ظ ) الشرعي . . . ● هو النجاسة و حكم اليد مبتن عليه فهي ايضا . . . .

[ص 182] الثالث‌عشر . . . و اذ اتينا ببيان تعارض الاستصحابين فلا بأس . . . هل يلزم الفحص عن المعارض ام لا و المراد . . . الاستصحاب من الادلة فقيل انه . . . مطلقا و في الموضوع المستنبط . . . الموضوع الصرف فلا بأس و نحن نقول لايعمل به في الاحكام و في الموضوع المستنبط مطلقا و اما في الموضوع الصرف فنقول انه لا بد لنا اولا من معرفته و اليقين به فاذا عرفناه فنجري حكمه فيه ما لم‌نتيقن بزواله و لا معني للفحص عن المعارض عند الشك فيه بعد اليقين و انما يتصور ذلك اذا تيقنت بالزوال و اما مع الشك فهذا هو الموضوع الاول شرعا فان كان تعارض في ادلته فمن بدء الامر و ان لم‌يكن فلايحدث عند الشك فيه نعم الا ان تتيقن بزوال الموضوع الاول و حدوث ثان فيجب لك الفحص عن حكمه فان وجدته فهو و الا فكل شئ لك مطلق حتي يرد فيه نهي و لايجري فيه الاستصحاب .

الرابع‌عشر - في انه هل يجوز استصحاب ما لم‌يعلم نسخه من احكام الشرايع السابقة ام لا و الحق انه لايجوز اذ شريعة نبينا صلي الله عليه و آله قد نسخت جميع الشرايع السابقة و لايجوز العمل بشئ منها بعد هذه الشريعة و كيف لم‌تنسخ و الحال انه ما من شئ الا و فيه كتاب و سنة و موافقة حكم في تلك [ص 183] الشريعة لما سبق لاتدل علي عدم نسخه فان النبي صلي الله عليه و آله يحكم في كل مقام ابتداءا منه لا انه يتبع نبيا من الانبياء و هو اجل من ذلك و انت اذا اخذت بذلك الحكم تأخذ به لما حكم به النبي صلي الله عليه و آله لا لانه من شريعة موسي مثلا و لم‌ينسخ كيف و لو كان موسي حيا لم‌يسعه الا اتباع نبينا صلي الله عليه و آله فالمتبوع المقتدي لجميع الخلق اليوم هو النبي صلي الله عليه و آله و هو قد اكمل دينه و شرعه و لم‌يحوجنا الي استصحاب حكم من الشرايع السابقة و كيف تفرض حكما مشتبها او مجهولا و الحال ان كل ما كان منصوصا عليه بنص ظاهر بين فهو و كلما كان الخبر متشابها او خلي المقام عن النص فحكمه الاطلاق و ما لنا ان نقول انا نعمل بشرع عيسي (ع) في مقام اطلق النبي صلي الله عليه و آله حكمه و اباح لنا الفعل و الترك فانه ليس ذلك الا معني قوله تعالي انا وجدنا آباءنا علي امة و انا علي آثارهم مقتدون مع انه في ذمهم و قدحهم و انا قد اثبتنا في مقام ان الاطلاق يأتي في مقام ورد النص و لم‌يصل اليك فضلا عن مقام لم‌يرد النص فيه اصلا و ذلك لدلالة اخباره عليه كما في فصل الخطاب قال ابوعبدالله عليه السلام الاشياء مطلقة ما لم‌يرد عليك امر و نهي الخبر ، و تقييده بعليك اعم من وجود نص و عدمه اذا لم‌يرد عليك فمع ذلك كله كيف يبقي مقام مشتبها انه هل نسخ في خصوصه الحكم [ص 184] السابق في شرع عيسي مثلا ام لا هذا و قد روي في المقام روايات لايجترء مسلم بعدها علي القول بذلك فانه روي ابي العلامة اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه من طرق العامة من المصابيح عن النبي صلي الله عليه و آله و سلم انه قال حين اتاه عمر فقال انا نسمع احاديث من يهود تعجبنا افتري ان نكتب بعضها فقال امتهوكون كما تهوكت اليهود و النصاري لقد جئتكم بها بيضاء و نقية و لو كان موسي حيا لماوسعه الا اتباعي و من طرقنا ما روي عن القمي في قوله تعالي الم‌تر الي الذين تولوا الآية ، قال نزلت في الثاني مر به رسول الله (ص) و هو جالس عند رجل من اليهود و يكتب خبر رسول الله (ص) فانزل الله الم‌تر الي الذين تولوا الآية ، فجاء الثاني الي النبي (ص) فقال (ص) رأيتك تكتب عن اليهود و قد نهي الله عن ذلك فقال يا رسول الله كتبت عنه ما في التورية من صفتك و اقبل يقرء ذلك علي رسول الله و هو صلي الله عليه و آله غضبان فقال رجل من الانصار ويلك اماتري غضب النبي عليك فقال اعوذ بالله من غضب الله و غضب رسوله اني انما كتبت ذلك لما وجدت فيه من خبرك فقال له رسول الله صلي الله عليه و آله يا فلان لو ان موسي بن عمران كان فيهم قائما ثم اتيته رغبة عما جئت به لكنت كافرا بما جئت به الخبر ، اقول كلامه (ص) الاخير شاهد قولنا لانا اثبتنا ان حكم النبي صلي الله عليه و آله في كل شئ معلوم فالرجوع الي موسي [ص 185] عليه السلام مع معلومية حكم النبي صلي الله عليه و آله كفر به فكيف يجوز استصحاب حكم موسي (ع) و من الكافي عن ابي‌جعفر عليه السلام قال ان من عندنا يزعمون ان قول الله عز و جل فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون انهم اليهود و النصاري قال اذا يدعونكم الي دينهم ثم قال بيده الي صدره قال و نحن المسؤلون ، فهل تري بعد تلك الاخبار الساطعة المنار شكا في تلك المسألة ام لا و لو اردت الاستدلال عليه من الادلة العقلية المأخوذة عن آل‌محمد عليهم السلام لامكن و الحمد لله و لكن لا حاجة الي التفصيل لوضوح المسألة و لكن بالاشارة لايضيق العبارة فاقول ان نفس مجيئ النبي صلي الله عليه و آله ادل دليل علي تغير مقتضيات قوابل المكلفين اذ لا شك ان بعثته في ذلك الزمان لم‌يكن باقتضاء من الله في ذاته لانه سبحانه احد و الاحد منزه عن الاقتضاء و لم‌يكن باقتضاء من النبي صلي الله عليه و آله ايضا لانه آية الاحد كما قال عليه السلام في شرح قوله تعالي قل هو الله احد اظهر يا محمد ان الله احد ، هذا و هو اول ما خلق الله و هو في ذاته ماكان يحتاج الي هداية الخلق و ماكان يستعين احدا في امره بل الخلق يحتاجون اليه في الهداية و التعليم و غير ذلك و هو (ص) لاجل حاجتهم شرّفهم بالانبعاث اليهم و اما قبل ذلك فماكانوا يليقون بانبعاثه اليهم و اخذهم عنه و بعد ان تأدبوا بآداب [ص 186] الانبياء صلي الله عليهم و تعلموا منهم و صار فيهم الانسانية من القوة الي الفعلية اقتضت قوابلهم ان يبعث اليهم النبي صلي الله عليه و آله فنفس انبعاث النبي صلي الله عليه و آله ادل دليل علي تغير مقتضيات القوابل عما كان عليه و ذلك امر مشهود لايحتاج الي برهان فاذا ثبت ان القوابل قد تغيرت و قد اثبتنا سابقا ان الاحكام نسبية و تتغير علي حسب تغير القوابل كما قال سبحانه ان الله لايغير ما بقوم حتي يغيروا ما بانفسهم و قال مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم فلايسعنا القول بعد ذلك بجواز اجراء شرع عيسي عليه السلام في ذلك الزمان مع تغير القوابل و اختلاف الموضوع قطعا و لاتقل ان الموضوع هو الامر الخارج و هو لم‌يتغير فانا نقول ان الموضوع في الحقيقة هو النسبة الحاصلة بين الامر الخارج و بين المكلف فاذا تغير اقتضاء المكلف تغير النسبة لا محالة الاتري ان المريض في حال مرضه له حكم و في حال صحته له حكم آخر مع ان التغيير في نفسه لا في الامر الخارج و ليس له استصحاب حال الصحة في حال المرض و لا استصحاب حال المرض في حال الصحة الاتري انه لايجوز للصحيح استعمال المسهلات و المنضجات و الادوية التي يستعملها المريض و لو استعملها يمرض او يموت البتة و كذلك الامر في هذا المقام فان قوابل المكلفين قد تغيرت عما كانت عليه في زمن الانبياء و احكامهم اختلفت و انا قد [ص 187] اثبتنا في تلك الوريقات مكررا ان الاستصحاب في نفس الحكم مع القطع بتغير الموضوع باطل و عن حلية الاعتبار عاطل بل هو قياس محض و لايجوز القياس في دين الله ابدا ، و لما ان بلغ الكلام الي هنا ناسب ان نختم تلك الوريقات بما ذكرنا فان الغرض النظر في الادلة العقلية و قد حصل و الحمد لله اولا و آخرا و صلي الله علي محمد و آله الطيبين .

قد تمت في عصر يوم الثلثاء الخامس و العشرين من شهر شعبان المعظم من شهور سنة ١٣٠٢ .