فصل - في الاستصحاب و هو اثبات حكم لموضوع يقيني في السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق و لا حاجة الي ذكر التعاريف فانه خال عن الفائدة و ينقسم باعتبار المستصحب الي وجودي و عدمي و باعتبار المتعلق الي حكمي و موضوعي و باعتبار الدليل الي استصحاب حال العقل و حال الشرع و الاخير ينقسم الي استصحاب حال النص و حال الاجماع و يعنون بقسمي المستصحب وجود الطهارة مثلا و عدمها و من المتعلق ان الاستصحاب اما في نفس الموضوع بان كنت علي يقين فيه ثم شككت فتجري الاستصحاب في بقائه و جري الحكم فيه و اما في الحكم بان تتيقن بتغير الموضوع و تشك في جري الحكم فيه فتجري الاصل و يعنون من الدليل انا ننظر تارة بالعقل و نري اباحة كل امر و البراءة عن كل تكليف قبل الشرع ثم نجري بالاستصحاب تلك البراءة في كل شئ لم‌يرد فيه نص من الشارع و لاجل ذلك يسمونه باصالة النفي و البرائة الاصلية و ننظر تارة الي الشرع و نري بعض الاشياء منصوصا عليه في الكتاب او السنة او فيهما او بالاجماع ثم نشك في بقاء الموضوع او الحكم علي قولهم فنجري الاصل ، ثم اختلفوا في حجيته فمنهم [ص 106] من قال انه حجة مطلقا في جميع الموارد و منهم من قال انه حجة في الموضوعات و منهم من قال انه حجة في خصوص الاحكام مطلقا و منهم من قال انه حجة في الاحكام الوضعية لا التكليفية و لا الموضوعات الخارجية و منهم من قال ان الحجة في استصحاب حال غير الاجماع في الاحكام و منهم من قال ان الاستصحاب حجة اذا كان الشك في عروض المانع او مانعية الحادث و منهم من قال انه حجة اذا كان الشك في طروء المانع لا في مانعية الطارئ و منهم من قال بعدم الحجية مطلقا جعلوا امرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون ، و محل النزاع علي ما قيل الاستصحاب الوجودي لا العدمي و استصحاب حال الشرع لا حال العقل و قد تقدم كلامنا فيه فنحن ايضا نكتفي ببيان ما شاء الله من استصحاب حال الشرع و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و يقتضي ذلك رسم مطالب :

الاول - في بيان حجية الاستصحاب في موضوع الحكم الشرعي سواء كان ذلك الحكم بالكتاب او السنة او الاجماع فانه لا اختلاف في ذلك و الاجماع من اقسامه الثابتة حجيتها كرواية صحيحة فكما يجوز استصحاب حال السنة كذلك حال الاجماع و هذا في الموضوع و اما في نفس الحكم فالحق مع المانع كما لايجوز استصحاب النص ايضا في الحكم و دليله ايضا يومئ الي ان مراده استصحاب الحكم حيث يقول ان ثبوت الحكم في الآن [ص 107] المتأخر يحتاج الي دليل و لو كان الاجماع ثابتا في الآن المتأخر لماحصل خلاف و الخلاف في الحكم في الآن المتأخر في المتيمم الواجد للماء في اثناء الصلوة كاشف عن اختصاص الاجماع بالحالة الاولي اي قبل وجدان الماء فاذا لم‌يكن الاجماع موجودا في الآن المتأخر و المفروض عدم وجود دليل آخر ايضا لم‌يكن الحكم ثابتا و هذا القائل ان كان قائلا بحجية استصحاب حال النص في الحكم كما يظهر من تخصيصه المنع بحال الاجماع كان دليله هذا رادا عليه لجريان عين هذا الايراد عليه كما ذكره بعضهم بالجملة و لنسرد هنا ادلة القوم و ادلتنا انشاء الله فمنها النصوص الخاصة و العامة و سيأتي ذكرها انشاء الله و منها الشهرة و منها الاجماع المنقول و منها استقراء الموارد الخاصة الاجماعية في الاخبار و غيرها و منها بناء العقلاء من لدن آدم عليه السلام علي العمل بالاستصحاب و منها الاستقراء و ما سوي النصوص من تلك الادلة كلها مخدوشة اما الاستقراء و بناء العقلاء علي فرض صحة قوله و ثبوتهما فلا حجية فيهما كما مر في المقدمة و في بحث الاستقراء و اما الشهرة فان كانت في الرواية فهي حجة و الا فاي حجية فيها مع كثرة الآيات و الاخبار الناهية عن العمل بها و اما الاجماع المنقول فان كان عن الضروري و المحصل العام فلا نقل فيهما و ان كان عن المحصل الخاص فلا حجية فيه لغير [ص 108] محصله و ان كان عن ساير اقسامه فلا حجية لها بنفسها فضلا عن المنقول عنها فلم‌يبق لهم دليل الا النصوص و هي ما روي في فصل الخطاب انه قال اميرالمؤمنين عليه السلام من كان علي يقين فاصابه شك فليمض علي يقينه فان اليقين لايدفع بالشك و سئل ابوعبدالله عليه السلام اني اعير الذمي ثوبي و انا اعلم انه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير فيرده علي فاغسله قبل ان اصلي فيه فقال صل فيه و لاتغسله من اجل ذلك فانك اعرته اياه و هو طاهر و لم‌تستيقن انه نجسه فلا بأس ان تصلي فيه حتي تستيقن انه نجسه و عن احدهما عليهما السلام لاينقض اليقين بالشك و لايدخل الشك في اليقين و لايخلط احدهما بالآخر و لكنه ينقض الشك باليقين و يتم علي اليقين فيبني عليه و لايعتد بالشك في حال من الحالات و قال ابوالحسن الاول عليه السلام اذا شككت فابن علي اليقين قيل هذا اصل قال نعم و عن زرارة قال قلت له الرجل ينام الي ان قال فان حرك الي جنبه شئ و لم‌يعلم به قال لا حتي يستيقن انه قد نام حتي يجيء من ذلك امر بين و الا فانه علي يقين من وضوئه و لاينقض اليقين ابدا بالشك و انما ينقضه بيقين آخر و عنه قال قلت له اصاب ثوبي دم رعاف او غيره او شئ من مني الي ان قال فان ظننت انه قد اصابه و لم‌اتيقن ذلك فنظرت فلم‌ار شيئا ثم صليت فرأيت فيه قال تغسله و لاتعيد الصلوة قلت لم ذاك قال [ص 109] لانك كنت علي يقين من طهارتك ثم شككت و ليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك ابدا قلت فهل علي ان شككت في انه اصابه شئ ان انظر فيه قال لا و لكنك انما تريد ان تذهب الشك الذي وقع في نفسك قلت ان رأيته في ثوبي و انا في الصلوة قال تنقض الصلوة و تعيد اذا شككت في موضع منه ثم رأيته و ان لم‌تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلوة و غسلته ثم بنيت علي الصلوة لانك لاتدري لعله شئ وقع عليك فليس ينبغي لك ان تنقض اليقين بالشك و عن علي بن محمد القاساني قال كتبت اليه و انا بالمدينة اسأله عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان هل يصام ام لا فكتب اليقين لايدخل فيه الشك صم للرؤية و افطر للرؤية و من فقه الرضا (ع) فان شككت في الوضوء و كنت علي يقين من الحدث فتوضأ و ان شككت في الحدث و كنت علي يقين من الوضوء فلاينقض الشك اليقين الا ان تستيقن و ان كنت علي يقين من الوضوء و الحدث و لاتدري ايهما سبق فتوضأ ، وجه الدلالة و الاختصاص بالموضوعات في الاخبار الخاصة واضح و ما قيل ان الطهارة و النجاسة من الاحكام و جواز اجراء الاستصحاب فيهما يدل علي جوازه في غيرهما باعتضاد العمومات فهو كلام خال عن التحقيق كما لم‌يخف علي قائله ايضا و صرح بتأمله فيه و بيان ذلك ان الموضوع لحكم الطهارة هو الثوب الذي لم‌يصبه النجاسة فانت اذا شككت في وصول النجاسة [ص 110] الي الثوب و لم‌تستيقن به استصحبت عدم الوصول ثم حكمت بالطهارة و هذا استصحاب الموضوع و لا كلام لنا فيه و اما استصحاب الحكم فهو ان تتيقن بوصول النجاسة و تغير الموضوع ثم تحكم بالطهارة و علي ذلك بناء الاصحاب في اكثر الموارد و هو قياس منهي عنه كما سيأتي و اما وجه الدلالة في الاخبار العامة فعلي سبيل العموم و يخصص بالموضوعات لاخبار اخر ناهية عن القياس و لان الشك لايتصور في الاحكام كما يأتي بيانه انشاء الله و الدليل علي عدم نقض اليقين بالشك في الموضوعات من العقل الموافق للنقل ان الله سبحانه جعل في حكمته و عدله ان لايكلف العباد الا بما علموا كما قال عز من قائل لايكلف الله نفسا الا ما آتاها اي ما عرفها و انت تعلم ان العلم دون المعرفة فان العلم هو حضور المعلوم عند العالم و المعرفة هي الرؤية الثانية فلم‌يكلف الله احدا الا بما علم و كل ما لايعلمه و لو كان مؤثرا فيه بالآثار الطبيعية فلايصير له سبب تكليف و موضوع حكم شرعي و الاخبار بذلك نادية منها قول اميرالمؤمنين عليه السلام لاابالي ابول اصابني ام ماء اذا لم‌اعلم و منها ما روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام عن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث السفرة فقيل يا اميرالمؤمنين لايدري سفرة مسلم او سفرة مجوس فقال هم في سعة حتي يعلموا و في حديث المرفوعات عد منها ما لايعلمون [ص 111] و قال ابوعبدالله عليه السلام من عمل بما علم كفي ما لم‌يعلم ، الي غير ذلك من الاخبار و هي كثيرة ان شئت فاطلبها من فصل الخطاب في ابواب الاصول الموضوعة فكلما لم‌يعلمه الانسان فلا تكليف له فيه ابدا و سر ذلك ان الله سبحانه خلق الانسان من ارض العلم و هي عرصة النفوس الملكوتية فكل شئ حصل له به علم فهو يؤثر فيه و له بالنسبة اليه تكليف و كل ما لم‌يعلمه فلايؤثر فيه للزوم كون المؤثر من عرصة المتأثر و المؤثر هنا بمعني المكمل لا المؤثر الحقيقي . و بلسان المجادلة لو كان له تكليف غير التثبت و الوقوف بالنسبة الي ما لايعلم فان لم‌يكن في امتثاله و عدمه ثواب و عقاب كان التكليف لغوا و ان كان كان خلاف العدل بالنسبة الي من طبع الله عليه بالجهل و لم‌يجعل له الي العلم سبيلا الا ان يعلّمه نفسه كما في اخبار و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و ليس الله بظلام للعبيد بالجملة فلا تكليف لاحد الا فيما يعلم فاذا لما علم الانسان طهارة ثوبه الذي اعاره الذمي فله تكليف بالنسبة الي معلومه ثم لما رده اليه لايدري انه نجّسه ام لا فالنجاسة غير معلومة له فلايكون منشأ اثر شرعي و ما علمه اولا ثابت علي حاله اذ لايرتفع العلم السابق الا بعلم نظيره لا بشك متأخر عنه فان الشك اضعف من ان يقاوم العلم و يدفعه اماتري في قوي و ضعيف اذا تصارعا لايقدر الضعيف علي دفع القوي و صرعه علي الارض فمن ذلك تبصر امرك في المقام نعم [ص 112] اللهم الا ان يرد الضعف علي نفس القوي كما ان يرد الشك علي نفس اليقين فينقلب يقينك شكا فتشك بعد يقينك بالطهارة انه هل كان طاهرا اولا ام لا يعني انه حصل لك اولا دليل واحد علي الطهارة فتيقنت بها ثم حصل لك بعد دليلان متعارضان في طهارة الثوب و نجاسته اولا فبذلك يرتفع اليقين و يأتي الشك و اما ان كان اليقين الاول ثابتا ساريا فلايقاومه الشك و لايدفعه و لكن العلم بانك كنت علي يقين اولا و الآن شاك في الحالة الاولي لايجدي شيئا و لايجري الاستصحاب الا ان تكون متيقنا بالاولي شاكا في الثانية فهنا موضع جريان الاستصحاب و لايكون هذا الشك منشأ اثر شرعي و عمومات الاخبار و الادلة لاتشمل ما اذا ورد الشك علي نفس اليقين فان قول اميرالمؤمنين عليه السلام من كان علي يقين فاصابه شك فليمض علي يقينه ، انما هو فيمن ثبت له يقين بالحالة الاولي في الثانية و الا فمن لم‌يبق له يقين فعلي اي يقين يمضي فان يقينه الاول قد ارتفع طبعا اضطرارا و لا تكليف علي الناس فيما اضطروا اليه فكيف يحكم بمضيه علي يقينه و قس علي ذلك ساير الاخبار فمورد تلك الاخبار الشك في نفس الحالة الثانية و يمكن الاستدلال علي ذلك بقول الرضا عليه السلام و ان كنت علي يقين من الوضوء و الحدث و لاتدري ايهما سبق فتوضأ ، فان هذين اليقينين اوجبا شكا في الحالة الاولي فامر بالوضوء بالجملة حاصل الكلام ان الشك العارض [ص 113] لايقاوم اليقين السابق و لايدفعه و هو معلوم و موضوع حكم شرعي و هذا مشكوك و لا اعتداد به ابدا فيجري المتيقن علي حكمه و يعرض عن المشكوك و لذلك اسرار و حكم اخر هم العالمون بها و لعل منها ان الانسان ما دام علي اليقين و العلم في امره لم‌يقدر الشيطان علي اغوائه و اضلاله لان اليقين من شأن العقل و هو نور الله في الانسان و كيد الشيطان بالنسبة اليه ضعيف قال الله تعالي ان كيد الشيطان كان ضعيفا و قال حكاية عنه لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين و سر ذلك ان الانسان ما لم‌يترق عن حضيض المراتب الدانية لايفوز بالعقل و اذا ترقي و فاز تباعد و تنائي عن منال ايدي الشياطين لانهم مطرودون عن ذلك المقام و مقامهم دون ذلك بالجملة و لاجل ذلك تري في الاخبار كثرة ذكر اليقين و مدحه و قلة اهله من اجل شرفه كما روي ماقسم بين الناس اقل من اليقين ، فما دام الانسان علي اليقين في دينه ليس للشيطان اليه سبيل و منتهي امله و غاية همه ان يوقع الشك في قلب الانسان فاذا اوقع الشك في قلبه يستريح لان الشيطان يريد ان يكف الانسان عن العمل و العبادة فاذا جاءه الشك فهو بنفسه يترك العمل لانه لايدري يثاب ان عمل او يعاقب فرجل هكذا لايقدم علي العمل البتة و لو عمل فلاجل عدم اليقين لايثاب بعمله كما روي ان العمل الدائم القليل [ص 114] علي اليقين افضل عند الله من العمل الكثير علي غير يقين ، و منتهي هم الشيطان ان لايكون للانسان فضل عند الله سواءا عمل او لم‌يعمل فلاجل تلك المفاسد المترتبة علي الشك نهونا عنه حتي انه عد من دعائم الكفر كما في فصل الخطاب قال اميرالمؤمنين عليه السلام بني الكفر علي اربع دعائم الفسق و الغلو و الشك و الشبهة الي ان قال و من عتا عن امر الله شك و من شك تعالي الله عليه فاذله بسلطانه و صغره بجلاله كما اغتر بربه الكريم و فرط في امره الخبر ، و كان عليه السلام يقول في خطبته لاترتابوا فتشكوا و لاتشكوا فتكفروا و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن قول الله عز و جل الذين آمنوا و لم‌يلبسوا ايمانهم بظلم قال بشك و قال من شك او ظن فاقام علي احدهما احبط الله عمله ان حجة الله هي الحجة الواضحة و كتب العبد الصالح عليه السلام ان الله عز و جل يقول و ماوجدنا لاكثرهم من عهد و ان وجدنا اكثرهم لفاسقين قال نزلت في الشاك و كتب انما الشك ما لم‌يأت اليقين فاذا جاء اليقين لم‌يجز الشك ، الي غير ذلك من الاخبار و هي كثيرة في الاصول و الفروع علي نحو العموم و الخبر الاخير شاهد مقامنا حيث جوز الشك قبل اليقين و اما بعد اليقين فلايجوز الشك و لا شك في ان المراد من هذا النهي عدم الاعتناء بالشك و الاعراض عنه و البناء علي اليقين و الا فالطبيعة مجبولة علي الشك في بعض المقامات نعم بكثرة الاعتناء [ص 115] بالشكوك و الشبهات يتعود النفس بالشك في كل مقام حتي في ضوء النهار و ظلمة الليل كما في المبتلين بالوسواس و اكثر ما نهي عن الشك في الامور الجزئية لاجل ان النفس اذا تعودت بالشك تشك في الكليات و في اصول دينه و لاجل ذلك تري في الشريعة ان الشارع صلوات الله عليه و آله نهي كثير الشك ان يعتني بشكه و كثير الشك من يشك في كل ثلثة اشياء و ذلك لاجل اعراض النفس عن الشكوك و الشبهات حتي لايأتيه الشك و قد جرب ان من عمل بذلك استراح من الشك و لم‌يأته لان النفس تتعود علي اليقين فاذا تعودت به لاتشك و سر ذلك ان الاحتمالات الموسوسة للنفس في كل مقام كثيرة و متي توجهت النفس اليها تراها و مهما اعرضت عنها لم‌ترها فاذا عودت نفسها علي التوجه و النظر اليها تراها و تشك و اذا عودت نفسها علي الاعراض لاتراها فلاتشك و ذلك لاجل ان الاحتمالات ضعيفة و هي ليست بحيث ترد علي النفس غفلة من دون توجه تام منها كذرة صغيرة في الارض اذا لم‌تتوجه اليها كاملا لاتراها و اذا توجهت تاما كاملا تراها و كذلك امر الاحتمالات بل هي اضعف من الذرة فتحتاج في الرؤية الي توجه تام فان نظرت تراها و توجب لك الشك و الوسوسة و الا فلاتراها و لاتورث شكا فلاجل ذلك نهينا عن الاعتناء بالاحتمالات و الشكوك و الشبهات و امرنا بالبناء علي اليقين اذا سبق الشك و اما [ص 116] اذا لم‌يسبقه فامرنا بتحصيله قال الله تعالي فاعبد ربك حتي يأتيك اليقين و لو قيل انا نشك في الاحكام ايضا فلم تقول انه لايجوز البناء علي اليقين و اجراء الاستصحاب قلت ان الشك في الحكم اذا كان بسبب الشك في الموضوع فهنا موضع جريان الاستصحاب و لا بأس به و اما اذا كنت علي يقين من تغير الموضوع و جائك الشك في الحكم فليس هذا المقام مقام اجراء الاستصحاب و لا مقام الشك و بيانه مجملا ان الحكم لايصير مشكوكا فان الموضوع اما لا نص فيه فحكمه الاطلاق او فيه نص واحد فهو او فيه نصان متعارضان فالعمل علي المعاريض او فيه حديث متشابه او مجمل يوجب الشك علي قولك لتعدد الاحتمالات في معناه فح لم‌نكلف بالاخذ بالمتشابه بل نهينا عنه فان لم‌يكن نص سواه يؤل الامر الي ان لم‌يكن فيه نص و حكمه الاطلاق فاي شك في الحكم و قد مر سابقا ما ينفع في المقام و لعله يأتي انشاء الله في المطلب الآتي بالجملة فحاصل الكلام انه لايجوز الاعتناء بالشك اللاحق بل يبني علي اليقين هذا مجمل القول في استصحاب الموضوع و سيأتي تفصيله في ضمن المطالب الآتية انشاء الله .

الثاني - في انه هل يجوز الاستصحاب في نفس الاحكام ام لا و قد مثلوا له بالمتيمم اذا دخل في الصلوة ثم رأي الماء في اثنائها و الاتفاق واقع علي وجوب المضي فيها قبل الرؤية فهل [ص 117] يستمر علي فعلها بعده استصحابا للحال الاول ام يستأنفها بالوضوء فمن قال بالاستصحاب قال بالاول و من اطرحه قال بالثاني فلنسق الكلام اولا في قول المثبتين و ادلتهم و ردها ثم نزيلها بقولنا و لا قوة الا بالله فاستدل المتأخرون بالادلة التي مرت في المطلب السابق و عموم الاخبار الدالة علي عدم نقض اليقين بالشك اما ساير ادلتهم فهي كما تري لا حاجة الي ذكرها و ان هويتها فراجع فيما سبق و اما ما قالوا من ورود الاخبار في الاحكام لكون الطهارة و النجاسة منها فقد مر الجواب عن ذلك بان الشك واقع في الطهارة بسبب الشك في وصول النجاسة الي الثوب و عدمه لا في نفس الطهارة خاصة الاتري انك ان لم‌تشك في وصول النجاسة الي الثوب لاتشك في طهارته فالموضوع للطهارة هو ثوب لم‌يصل اليه النجاسة و للنجاسة ثوب وصل اليه النجاسة و انت تستصحبهما في مورد الشك فهذا استصحاب موضوعي و اما ما قالوا من عموم الاخبار في انه لاينقض اليقين بالشك ابدا فاقول في الجواب عن ذلك علي قولكم انا سلمنا عمومها و انتم تقولون ما من عام الا و قد خص و من العمومات هذه الاخبار و هي مخصصة باخبار وردت في النهي عن القياس لورودها في خصوص الاحكام دون الموضوعات فيبقي الاخبار علي حكمها مخصصة بالموضوعات و علي قولنا نقول سلمنا عموم الاخبار في كل شك بعد يقين و كذا لانشك في [ص 118] الاحكام كما سيأتي الاستدلال عليه مفصلا انشاء الله و قد مر الاشارة اليه ففي المثال المضروب كفانا ائمتنا صلوات الله عليهم عن القول بالرأي و ورد اخبار عديدة آمرة باتمام الصلوة لمكان انه دخلها علي طهر بتيمم و في آخر فلينصرف و ليتوضأ ما لم‌يركع فان كان قد ركع فليمض في صلوته فان التيمم احد الطهورين و علي فرض عدم ورود خبر في المقام خاص او عام فالحكم الاطلاق و التوسعة لقولهم (ع) كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه نص و في رواية نهي ، و اسألك ان اباح الشارع امرا و اطلق علي نحو الخصوص بالنصوص مثلا هل لك فيه اجراء الاستصحاب و تغيير الحكم عن الاطلاق و الاباحة ام لا مع انه اجتهاد في مقابلة النص لا شك انه مما لايجوز و كذلك ما اطلقوه بقولهم كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه نص ، و ما قيل من ضعف دلالة العمومات فهو كلام واه جدا عند من راجع اخبار آل‌محمد عليهم السلام و رأي استدلالهم بالعمومات بالجملة ففي مقام الاطلاق لايجوز اثبات حكم آخر بالاستصحاب فاذا عرفت ذلك تعرف ان مورد تلك الاخبار الناهية عن نقض اليقين بالشك انما هو الموضوعات خاصة لعدم وجود مصداقها اي الشك في الاحكام و سيأتي تفصيل الكلام انشاء الله و كفاك هذا القدر في الجواب عن ادلة المتأخرين و ايراداتهم و احتج المتقدمون بوجوه اخر :

الاول ان المقتضي للحكم الاول ثابت و العارض لايصلح رافعا له [ص 119] فيجب الحكم بثبوته في الثاني اما ان مقتضي الحكم الاول ثابت فلانا نتكلم علي هذا التقدير و اما ان العارض لايصلح رافعا فلان العارض انما هو احتمال تجدد ما يوجب زوال الحكم لكن احتمال ذلك يعارضه احتمال عدمه فيكون كل واحد منهما مدفوعا بمقابله فيبقي الحكم الثابت سليما عن رافع اقول كان حريا ان يقولوا تجدد ما يحتمل به زوال الحكم فان الشك في المثال المذكور في قادحية العارض لا في عروضه بالجملة الجواب عن ذلك انكم تمثلون في المقام بالمتيمم الواجد للماء في اثناء الصلوة فالماء الموجود عارض يقيني شككت في رافعيته و عدمها و اختيار عدم الرافعية من بين الاحتمالين لا دليل عليه فان الدليل عليه ان كان استمرار المقتضي فمحل كلام و الا فاي دليل عليه و الكلام في استمرار المقتضي ان مقتضي وجوب الصلوة متيمما فقد الماء اليس انه ان كان واجدا للماء لايقدر علي التيمم فالمقتضي للتيمم اولا فقد الماء اولا و انت في الحال الثاني واجد للماء فلا استمرار للمقتضي و كأنه موقت بوقت و مضي وقته فكيف يستصحب فيما بعد الوقت و قولك هذا كأن تقول في اكرم زيدا ان مقتضي الاكرام موجود و هو الامر فاذا لم‌يجئك زيد بل جاءك عمرو تشك في وجوب اكرامه و عدمه لتساوي الاحتمالين فتقول ان المقتضي ثابت و العارض لايصلح رافعا فتستصحب الاكرام في عمرو و هذا قياس بين و مقال شنيع و البعد بين واجد [ص 120] الماء و فاقده كما بين زيد و عمرو و كما بين اليوم و غد من دون فرق و لو قلت انك رويت الخبر الدال علي الاتمام متيمما فكيف تمنع عن الاستصحاب قلت ان الخبر صدر عن الامام و هو عليه السلام لم‌يحكم بالاستصحاب اذ هو شأن الشاك و هو لايشك في الحكم و كم من اشياء متفرقة في الظاهر قد وفق الله بين احكامها و ليس لنا ان نقول انه حكم بالاستصحاب او القياس فان هذين شأن الجاهل و هو لايجهل شيئا بالجملة فليس المقام مقام الاستصحاب بل هو مقام القياس و حرمته مسلمة مفروغة عنها .

الثاني من ادلتهم ان الثابت اولا قابل للثبوت ثانيا و الا لانقلب من الامكان الذاتي الي الاستحالة فيجب ان يكون في الزمان الثاني جايز الثبوت كما كان اولا فلاينعدم الا لمؤثر لاستحالة خروج الممكن من احد طرفيه الي الآخر لا لمؤثر فاذا كان التقدير تقدير عدم العلم بالمؤثر يكون بقاؤه ارجح من عدمه في اعتقاد المجتهد و العمل بالراجح واجب اقول كلامه هذا راد عليه من دون حاجة الي رد آخر فان قوله فلاينعدم الا لمؤثر لاستحالة خروج الممكن من احد طرفيه الي الآخر لا لمؤثر ، ينتقض اوله بآخره كالتي نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا فانه اذا كان الممكن لايستخرج الي احد طرفيه الا لمؤثر فكيف لاينعدم و يوجد في مقام لا مؤثر له فان المؤثر الاول لايؤثر في ثاني الحال لما مر آنفا و هو قياس من رأيك و لو كان مفهومه [ص 121] الاستمرار مع تغير الموضوع لم‌يكن هنا استصحاب بل كان عملا بالنص و العجب من قوله ان العمل بالراجح واجب مع ان الظن ما حصل من الدليل الارجح الاقوي و الله يقول ان الظن لايغني من الحق شيئا ، و في الخبر ان الظن اكذب الكذب فكيف وجب العمل به .

الثالث ان الفقهاء عملوا باستصحاب الحال في كثير من المسائل و الموجب للعمل هناك موجود في موضع الخلاف و ذلك كمسئلة من تيقن بالطهارة و شك في الحدث فانه يعمل علي يقينه و كذلك العكس و من تيقن طهارة ثوبه في حال بني علي ذلك حتي يعلم خلافها و تمثل بامثال ذلك الي ان قال و هذه العلة موجودة في مواضع الاستصحاب فيجب العمل به اقول هذا قياس لاثبات جواز العمل بقياس آخر فان الامثال المذكورة من قبيل الاستصحاب في الموضوع و هو منصوص عليه و محل النزاع الاستصحاب في الحكم مع تغير الموضوع و بينهما بون بعيد و ليست العلة موجودة فيه فان العلة في الحقيقة هو نص الشارع علي البقاء علي اليقين في الموضوع و ليست بموجودة في الحكم .

الرابع ان العلماء مطبقون علي وجوب ابقاء الحكم مع عدم الدلالة الشرعية علي ما يقتضيه البراءة الاصلية و لا معني للاستصحاب الا هذا اقول ان ذلك يصح فيما اذا كان الحكم جاريا بحسب وضع الشارع صلوات الله عليه في غير موضوعه فاذا جري في الحال الثاني فالبرائة الاصلية [ص 122] يقتضي عدم المصير الي غير الحكم الاول و لا كلام لنا فيه و ليس من الاستصحاب في شئ بل هو حكم شرعي له موضوعان كوجوب الصلوة و الصوم و اما ان لم‌يكن للحكم هذا العموم فالبراءة الاصلية يقتضي الاطلاق في الحال الثاني ثم اي دلالة شرعية اعظم من الاخبار الناهية عن القياس و رد الشئ في حكمه الي شئ آخر و اي دلالة اعظم من قول الله تبارك و تعالي الذين يأكلون الربوا لايقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بانهم قالوا انما البيع مثل الربوا و احل الله البيع و حرم الربوا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهي فله ما سلف و امره الي الله و من عاد فاولئك اصحاب النار هم فيها خالدون اوليس كل هذا التعيير و التهديد و الوعيد لاجل انهم قاسوا شيئا بشئ بالتمثيل و التشبيه فيكون الامر كذلك في جميع مقامات القياس ، و ذكر بعضهم في المقام ان ثبوت الحكم في الحالة الاولي يقتضي استمراره الا لمانع اذ لو لم‌يجب ذلك لم‌يعلم استمرار الاحكام في موضع و حدوث الحوادث لايمنع من ذلك كما لايمنع حركة الفلك و ما جري مجراه من الحوادث فيجب استصحاب الحال ما لم‌يمنع مانع اقول ان مراتب الموضوع مختلفة فقد يتعلق الحكم بذات الموضوع فهو معه ما لم‌يتغير الذات و لا شك ان تغير الذات اقل و قد يتعلق بوصفه اللازم و قد يتعلق بوصفه المفارق و يتغير الحكم في كل مقام بتغير جهة الموضوع [ص 123] التي تعلق الحكم بها فحدوث الحوادث اي الاوصاف المختلفة لايمنع من استمرار الحكم اذا تعلق بالذات كقولك اكرم زيدا فانه لايمنع من الاكرام قيامه و قعوده و نومه و يقظته بل لا بد من اكرامه في كل حال و اما ان تعلق بوصف فتجدد وصف آخر مزيل للاول يمنع من استمرار الحكم حتي ان حركة الفلك تمنع من ذلك كما في قولك اكرم زيدا يوم الجمعة فانه لايستمر الحكم في يوم السبت كما في قوله تعالي كلوا و اشربوا حتي يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر فان الخيط الابيض يظهر بدوران الفلك و قرب الشمس من الافق و متي ظهر تغير حكم جواز الاكل و حرم و كذا ساير الحوادث ففي المثال الذي كلامنا فيه اذا قال الشارع صلوات الله عليه و آله ان فاقد الماء يتيمم و يصلي فالحكم متعلق علي تلك الحال و اذا وجد الماء ليس بفاقد للماء بعده فتغير الموضوع من رأسه بالكلية و اذا بني علي ان لايتغير الحكم بوجدان الماء كان اشتراط الفقدان لغوا فليس لنا ان نقيس الحال الثانية علي الاولي نعم الحكم مطلق عن كل وقت ففي كل يوم اتفق لك مثل ذلك فتيمم و مطلق عن كل مكان ففي اي ارض وقعت عليك العمل به اذا فقدت الماء فلا بد من ملاحظة جهة الموضوع في الاول و ما حدث في الثاني انه رافع للموضوع ام لا فان كان رافعا فليس هنا مجري الاستصحاب بل هو مجري القياس لمن يجوزه و ان لم‌يكن رافعا [ص 124] فالحكم مستمر ثابت في موضوعه اذ علي المفروض لم‌يضرب له وقت حتي يرتفع بمضي الوقت و يمكن ان يكون الحكم متعلقا بوصف و لايرفع الحكم بحدوث وصف آخر و هو فيما لا مضادة بينه و بين الاول و ذلك ان النسبة بين بعض الاوصاف الي بعض عموم من وجه و قد يجتمعان كالوقت و المكان مثلا فانه اذا قال الشارع (ص) صم الخميس لايرفع ذلك الحكم بمسيرك من المدينة الي مكة ففي اي مقام كنت و جاء الخميس صمت لان الخميس لا مضادة بينه و بين مكة لانها مكان و هو اي الخميس عرض الزمان و بينهما عموم من وجه بالجملة .

و حجة المانعين منسوبة الي المرتضي (ره) و هي ان في استصحاب الحال جمعا بين الحالين في حكم من غير دلالة لان الحالين مختلفان من حيث كان غير واجد للماء في احديهما واجدا له في الاخري فكيف سوي بين الحالين من غير دلالة قال و اذا كنا قد اثبتنا الحكم في الحالة الاولي بدليل فالواجب ان ننظر فان كان الدليل يتناول الحالين سوينا بينهما فيه و ليس هيهنا استصحاب و ان كان تناول الدليل انما هو للحال الاولي فقط و الثانية عارية من دليل فلايجوز اثبات مثل الحكم لها من غير دليل و جرت هذه الحالة مع الخلو من الدليل مجري الاولي لو خلت من دلالة فاذا لم‌يجز اثبات الحكم للاولي الا بدليل فكذلك الثانية ، و هو كلام حق حقيق بالتصديق لانه مأخوذ عن آل‌محمد عليهم السلام [ص 125] و لنذكر هنا فضلا علي ما مر ما يدل علي عدم جواز الاستصحاب في نفس الحكم ، فمن الاخبار ما روي في فصل الخطاب من تفسير العسكري عليه السلام عن النبي صلي الله عليه و آله في احتجاجه علي المشركين ان عباد الله المخلوقين مربوبون فنأتمر له فيما امرنا و ننزجر عما زجرنا و نعبده من حيث يريد منا فاذا امرنا بوجه من الوجوه اطعنا و لم‌نتعده الي غيره مما لم‌يأمرنا و لم‌يأذن لنا لعله اراد منا الاول فهو يكره الثاني و قد نهانا ان نتقدم بين يديه فلما امرنا ان نعبد بالتوجه الي الكعبة اطعنا ثم امرنا بعبادته بالتوجه الي جهتها من ساير البلدان التي نكون بها فاطعنا و لم‌نخرج في شئ من ذلك من اتباع امره و الله عز و جل حيث امر بالسجود لآدم لم‌يأمر بالسجود لصورته التي هي غيره فليس لكم ان تقيسوا ذلك عليه لانكم لاتدرون لعله يكره ما تفعلون اذ لم‌يأمركم به ثم قال لهم رسول الله صلي الله عليه و آله ارأيتم ان امركم رجل بدخول داره يوما بعينه الكم ان تدخلوها بعد ذلك بغير امره او لكم ان تدخلوا دارا له اخري مثلها بغير امره او وهب لكم رجل ثوبا من ثيابه او عبدا من عبيده او دابة من دوابه الكم ان تأخذوا ذلك فان لم‌تأخذوا اخذتم آخر مثله قالوا لا لانه لم‌يأذن لنا في الثاني كما اذن في الاول قال فاخبروني فالله اولي بان لايتقدم علي ملكه بغير امره او بعض المملوكين قالوا بل الله اولي بان لايتصرف في ملكه بغير [ص 126] امره و اذنه قال فلم فعلتم و من امركم ان تتخذوا هذه الصورة قال فقال القوم سننظر في امورنا ، و لعمري يكفينا و جميع المؤمنين هذا الحديث الشريف في رد الاستصحاب في نفس الحكم و في تنقيح المناط ايضا حيث قال صلي الله عليه و آله و الله عز و جل حيث امر بالسجود لآدم لم‌يأمر بالسجود لصورته التي هي غيره فليس لكم ان تقيسوا ذلك عليه لانكم لاتدرون لعله يكره ما تفعلون اذ لم‌يأمركم به ، فهذه الفقرة في المنع عن تنقيح المناط و باقي الخبر في الاستصحاب و لا حاجة بعده الي شرح زايد الا اني افصل القول بقدر الميسور لانشراح صدري في المسألة فمما وعدنا سابقا بسط القول فيه ان الشك لايحصل لنا في الاحكام فاذ لم‌يحصل فلايجري اخبار عدم نقض اليقين بالشك في المقام فاذا عرفت ذلك يسهل لك الامر في باقي ادلتهم اذ ساير ادلتهم كلها من الرأي و وهنها ظاهر و لعلنا اشرنا الي رد بعضها آنفا و الدليل الذي يروع الضعيف و يوقعه في الشك في حجية الاستصحاب هو ما يذكرونه من الاخبار فاذا عرف عدم ورودها هذا المورد يستريح فاقول و الله المأمول في القاء الجواب و القبول اعلم ان الله سبحانه خلق الخلق جاهلين علي ما تري في مبدء خلق الانسان انه لايميز شيئا و هو جاهل بجميع الاشياء و ذلك لوجوه كثيرة من الحكمة نعرف اقل قليل منها من بركات مشايخنا اعلي الله مقامهم و نجهل [ص 127] اغلبها و اكثرها منها علي نحو الاجمال ان الله سبحانه كامل فاراد ان يخلق خلقا كاملا فاقتضت الحكمة ان يأخذ لذلك مادة صالحة لبروز انواع الكمال فيه و لم‌تكن تلك المادة الا التراب لانه تنزل جميع المراتب و جميع المراتب فيه بالقوة و لكنه لبعده عن المبدء صار علي ما تري لا كمال له ظاهرا بالفعل الا بعد التصفي و الخلوص عن الاعراض فلا جرم كان الانسان في بدء وجوده قبل التصفي عن الاعراض علي ما تري جاهلا لا كمال فيه و لا علم له و لو قيل لم لم‌يأخذه الله من مادة اعلي و الطف قلت ان الكمالات الخاصة لا بد من حصولها في هذا المقام اي بحسب القوابل لا بحسب فعل الفاعل فانه لا حد له فلاجل ذلك اخذه الله من التراب حتي يصلح لجميع انواع الكمال فاستخرج في بدء خلقته علي ما تري جاهلا بالجملة لست بصدد التفصيل في امثال تلك المطالب و الغرض امر آخر و هو ان الله سبحانه خلق الخلق جاهلين و خلقهم مع ذلك لعبادته و معرفته و التقرب من دار قربه و رضاه و لا شك ان الخلق الجاهل بنفسه لايقدر علي ذلك كيف و هو جاهل بانه مخلوق لاجل ذلك اولا و لايعلم طريقه و سبيله فكيف يقدر علي المسير الي هذا المقام لايقدر ابدا و الله سبحانه جعل في حكمته ايضا ان يعذب من لم‌يصل الي الغاية و ينعم علي من وصل و نفس الوصول هو النعيم و نفس البعد عن الغاية هو [ص 128] عذاب اليم فانظر الي انه لا بد في الحكمة من ذلك العذاب او النعمة لكل احد و لا محيص عنه في حكمة الحكيم تبارك و تعالي و هو سبحانه مع ذلك عادل لايعذب احدا باختيار منه في نفسه و لاينعم احدا باختيار منه في نفسه و منشأ العدالة احديته سبحانه لان الاحد لا اقتضاء له من نفسه لانه صفة الحادث المحدود بحده و تعالي عن ذلك الاحد القديم الذي لا حد له بوجه من الوجوه فاذ لم‌يقتض في نفسه ذلك فوض اختيار العذاب و النعمة الي خلقه بحوله و قوته فيختار ما يشاء بحول الله و قوته و ذلك الاختيار مناف مع جهله لانه لايدري ما يختار و ان اختار البعد عن الغاية فلعله بجهله اختار و تعذيبه باختياره السوء جهلا ظلم و الله سبحانه لايظلم الناس شيئا اذ لا حاجة له اليهم فيظلمهم و لايخاف منهم و لايعجز عن اعطائهم مسئولهم فلاي شئ يظلمهم فهو ارأف بهم من امهم و ابيهم بل يعلمهم و يهديهم السبيل ثم يأمرهم بالسلوك فيه قال الله تعالي انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا و للسلوك في هذا السبيل الاعظم زاد و راحلة و اشياء لا بد له منها و هي الاعمال و الافعال و الخصال التي من اتصف بها يصل الي الغاية و الا فلا و هو جاهل بتلك الاعمال و الصفات ايضا فلا بد من تعليمه اياها علي نحو اكمل و احسن و ابلغ بحيث لايبقي معه عذر لذي عذر لانه سبحانه لايعجز عن ذلك [ص 129] و غير ذلك مناف لحكمته فلاجل هذا اجري فعله علي ذلك و شواهده في الكتاب و السنة موجودة قال الله تعالي اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و قال لئلايكون للناس علي الله حجة بعد الرسل و الحجة في الآية نكرة في سياق النفي تفيد العموم و قال لئلايقولوا يوم القيمة انا كنا عن هذا غافلين و غير ذلك من الآيات و في الاخبار من شواهد هذه المسألة ما شاء الله و لا حاجة الي التطويل لوضوح المسألة فلا بد في الحكمة من كون التبليغ علي نحو الكمال و لو كان ناقصا دل علي انه تعالي عاجز نعوذ بالله اذ اراد الكمال و الاكمال فلم‌يقدر عليه و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و اي عجز لمن خلق الملك العظيم من هذا الامر و هو يقول ان الله علي كل شئ قدير فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم انه لا شك عند احد ممن له ادني مسكة ان الاكمل و الاحسن في التبليغ ان يبلغ الي الخلق ما عليه ان يبلغ بحيث يحصل لهم العلم و القطع بمراد الله سبحانه و لايشكون فيه بوجه من الوجوه و ذلك لحكم منها و هي بالنظر من الاعلي انك قد عرفت سابقا ان اليقين ما حصل من دليل واحد قطعي و الشك ما حصل من دليلين معارضين و هذان الدليلان ان كانا دالين الي جهة واحدة من المدلول و كل واحد منهما يقتضي خلاف الآخر فلا جرم كان احدهما كذبا و مخالفا للواقع لامحة و من البين انه لايليق بشأن الله جل شأنه [ص 130] ان ينصب دليلا كذبا فيغري به الي الباطل نعوذ بالله فصدور دليل هكذا عنه تعالي محال في عدله كيف و هو امر خلقه بالصدق و مدح الصادقين و امر بالكون معهم فكيف ينصب دليلا لايدل علي الواقع لا شك انه لاينصب دليلا هكذا فاذا لم‌ينصب بقي الدليل الآخر الموافق للواقع واحدا و الدليل الواحد القطعي يوجب اليقين نعم قد ينصب دليلين الي جهتي المسألة و الجاهل يزعم انهما الي جهة واحدة فيشك في المسألة و لكن ان ردهما الي اهلهما عرفوا المخرج و لم‌يشكوا في معناهما بالجملة فالاولي بشأنه تعالي في عدله و حكمته ان ينصب دليلا مورثا لليقين و منها ان طباع البشر جبل علي ان لايقدم الي امر لايستيقن فيه النجاة الا ان يغير فطرة الله و الا فمن كان علي الفطرة لايعمل بشئ لايري فيه نجاته و الله سبحانه جعل الشرايع لان يعمل الخلق بها و يصلوا الي الغاية المرادة فهي ان كانت مشكوكة لايعمل بها احد و ليس ذلك بتقصير منهم بل بقصور في خلقهم حيث جبلوا علي ذلك او بقصور في دلالة الاحكام حيث لايورث اليقين و هذا القول لايناسب حكمته تعالي حيث جعل اسبابا لامر لاتناسب تلك الاسباب لحصول هذا الامر و لايناسب قدرته حيث كان يريد في الحكمة ان يجعل اسبابا مناسبة فلم‌يقدر عليه نعوذ بالله و لايناسب عدله حيث جعل في حكمته ان يعذب من لم‌يعمل [ص 131] بها فالاعراض عن قول هكذا احري و اجدر و القول بان الاحكام احكام يقينية اليق و منها ان مع التنزل عن ان احدا لايعمل بالاحكام المشكوكة انا سلمنا ان الخلق عملوا و هم لايرون في الاحكام المشكوكة نجاة و فلاحا لهم فاي فائدة في تلك الاعمال فان الاعمال الشرعية ليست كالاعمال الطبيعية يؤثر في البدن نوي الانسان ما نوي كما ان شرب السم قتال نوي الانسان ما نوي و الدرياق شاف نوي الانسان ما نوي بل الاعمال الشرعية يؤثر في النفس علي حسب نيتها و توقعها فان كانت خيرا فخير و ان كانت شرا فشر حتي انه روي من سمع شيئا من الخير فعمل به رجاءا في ثوابه و لم‌يكن كما وصله كان له من الاجر مثل الذي طلبه ، و قد رويته بالمعني فاذا كان الامر هكذا فالنجاة و الهلاك امران يؤلان الي النية و الي توقع النفس فاذا كان الاحكام مشكوكة فالانسان لايدري اذا عمل هذا العمل هل ينجو او يهلك لثبوت الاحتمالين حال الشك فالذي هو في نفسه متردد هكذا كيف ينجو او كيف يهلك لا شك انه لايطمئن الي شئ منهما فاذا لم‌يطمئن لم‌يرجه و اذا لم‌يرجه لم‌يره و انما الرجا يأتي مع اليقين لا مع الشك فاذا لم‌يستيقن لايرجو فاذا لم‌يرج لايري خيرا فان اليأس و القنوط يورثان الاعراض عن الله و اذا اعرض الانسان عن الله هلك البتة و ما يفهم من معني الرجا من الترديد و كذا من الظن بالله حيث امرنا بحسن الظن فلاتزعم من [ص 132] ذلك ان هذا الترديد ناشئ من شك في الاحكام او في وفاء الله بوعده حاشا ان يكون كذلك و انما هذا الترديد امر لاينافي اليقين فان الانسان مع يقينه بالله و بآياته و احكامه و انها منجية له ان عمل بها اذا نظر الي نفسه و نقصان عمله يخاف الهلاك ثم يري رحمة الله انها قد سبقت غضبه فيرجو ان ينجو و يظن بالله حسن الظن بالجملة فليكن الاحكام و الشرايع يقينية بحيث يستيقن العامل بها بنجاته فيعمل بها ساكن القلب ثلج الفؤاد الي غير ذلك من الحكم في علمية الاحكام و قطعيتها و هي كثيرة قد ملأ منها كتب مشايخنا اعلي الله مقامهم فاذا عرفت تلك المقدمة الكلية بقي لك بعض الجزئيات نشرحها في ضمن النتيجة انشاء الله تعالي فاقول اذا عرفت ان الاحكام يقينية قطعية فاين مجري الاستصحاب فيها و هو يحتاج الي حالة مشكوكة فان الاخبار وردت في عدم دفع الشك اليقين و هي اي الاحكام يقينية من اولها الي آخرها فها انا افصل لك شقوق الاحتمالات و انواع الموارد حتي تري الامر كما اقول اوضح من الشمس و ابده من الامس فاقول ان الحكم لايخلو عن قسمين اما فيه نص عن الحجج سلام الله عليهم او لا نص فيه فان لم‌يكن فيه نص فحكمه الاطلاق لاخبار وردت في المقام و لا شك فيه و يجري فيه اصل البراءة عن كل تكليف علي ما مر و ان كان فيه نص فهو اما بين ظاهر لا شبهة فيه او متشابه فان كان بينا فلايخلو اما هو واحد او متعدد [ص 133] متحد المعني او مختلف المعني و الامر في الاولين واضح و ان كانت النصوص متعارضة فتعرض علي المعاريض فان ترجح احدها فيؤخذ به و يترك الباقي فلايبقي ح ايضا شك و ان تساوت عند العرض و لم‌يرجح احدها فالامر موسع علينا في العمل بايها شئنا لقولهم عليهم السلام بايهما اخذت من باب الرشاد وسعك و في ذلك ايضا لا شك و لا ارتياب بقي الكلام في المتشابه و قد ورد في الكتاب و السنة النهي عن العمل به قال الله تعالي منه آيات محكمات هن ام الكتاب و اخر متشابهات فاما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله و مايعلم تأويله الا الله و الراسخون في العلم الآية ، و قال الرضا عليه السلام من رد متشابه القرآن الي محكمه فقد هدي الي صراط مستقيم ثم قال ان في اخبارنا محكما كمحكم القرآن و متشابها كمتشابه القرآن فردوا متشابهها الي محكمها و لاتتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا ، الي غير ذلك من الاخبار و هي كثيرة اقتصرنا علي ذلك لوضوح المسألة فاذا نهينا عن العمل بالمتشابه فليس ذلك الا كأن يكون المسألة خالية من النص فحكمها الاطلاق كما مر و ان الله لما لم‌يرد ان يعمل بهذا الخبر جعله متشابها و هذا الكلام المجمل يقتضي رسم بيان مفصل و ان عرفته ينجيك عن كثير من شبهات القوم و لكن ليس المقام موضع تفصيله و لكن علي نحو الاجمال [ص 134] اقول اعلم ان لله الحجة البالغة و لايقدر احد علي ادحاض حجة الله فكلما يحتمل او يري بالعين في آثار الحجج مما يوجب الوهن كالسهو و النسيان و الخطاء و الدس و التحريف من الرواة و غير ذلك من الاحتمالات التي جعلها القوم موهنة لآثار العترة الطاهرة (ص) كل ذلك مما وقع علي فرض الوقوع من دون ان يغلب احد علي دين الله بل الكل بمرأي من الله و مسمع و مع ذلك اوجب علينا العمل بتلك الاخبار فان سهوا فيها الرواة او نسوا او حرفوا عن عمد فكل ذلك بمرأي الله و مسمعه و هو عالم بها و مع ذلك امر بالعمل بها علي نحو اليقين لادلة ليس المقام موقع تفصيلها و ماتدري لعل الصلاح اليوم في العمل بذلك المحرف و هو هكذا البتة يعني اذا جهلت انه محرف و اما اذا علمت فليس لنا العمل به بالجملة جهات تلك المسألة متفرقة و ادلتها كثيرة و ان هويتها علي نهج التفصيل فراجع الي كتب موالي و مشايخي اعلي الله مقامهم سيما القواعد لابي العلامة اعلي الله مقامه و الغرض هنا ان المتشابه جعله الله متشابها لئلايعمل به احد ممن هو بالنسبة اليه متشابه فاذ لم‌يعمل به و كانت المسألة خالية من النص فحكمها الاطلاق فلم‌يبق مقام في الاحكام يكون حكم مشكوكا حتي نقيسه علي غير المشكوك نعم الموضوع لان معرفته موكول الينا قد يشتبه علينا فنشك فيه و كفانا ساداتنا فيه فامرونا بعدم نقض اليقين بالشك حتي [ص 135] لانشك فيه ايضا فهذا دليل واضح علي عدم جواز الاستصحاب في نفس الحكم .

دليل آخر قد سبق الاشارة اليه ايضا ان الموضوع لايخلو اما هو يقيني فلا استصحاب في الموضوع و لا في الحكم و اما مشكوك الزوال بعد كونه يقيني الثبوت فالشارع صلي الله عليه و آله حكم بان حكم موضوع هكذا حكم الموضوع الثابت السابق كثوب كان طاهرا يقينا ثم شككت في وصول النجاسة اليه فحكمه الطهارة ايضا فهذا استصحاب في نفس الموضوع و اما هو يقيني الزوال كفاقد للماء اولا واجد له في ثاني الحال و لا شك انهما موضوعان مختلفان و اجراء الحكم الاول فيه قياس محض و ليس من دين الله ابدا فباي دليل نجري الحكم الاول فيه فانه لاامر به و لكن نهي عنه لانه قياس منهي عنه و اخبار عدم نقض اليقين بالشك لاتجري فيه لما عرفت فانظر اي بدعة اعظم من ذلك و القوم لما خافوا اجماع الشيعة علي حرمة العمل بالقياس غيروا اسمه و دعوه باسماء فعملوا به في المقامات فقد سموه استقراءا و قد سموه بمستنبط العلة و نقحوا المناط في الحكم و قد سموه استصحاب الحال حتي يعملوا به من غير نكير و لكنا نرجو الله من بركات مشايخنا ان لايشتبه علينا الامر في تلك المقامات بعصمة الله و حفظه و هدايته علي لسان مشايخنا اعلي الله مقامهم و يكفي هذا القدر من البيان ايضا في هذا المقام و سيأتي مزيد البيان في المطالب الآتية انشاء الله تعالي .