و اما من نحو الموعظة اقول اعلم ان البراءة قبل الفحص امر مشكوك فيه و بعده فالاشتغال او البراءة قطعي و الاخذ بالمتيقن اولي من الاخذ بالمشكوك لا محالة و ذلك لان من البين انا لانعلم ان الشارع صلوات الله عليه و آله لميأت في الواقعة المخصوصة حكما خاصا او اتي و هو الاباحة حتي نقطع بالبراءة بل يحتمل انه لميأت و يحتمل انه اتي و هو الاباحة او غيرها و كل تلك الاحتمالات عندنا علي حد سواء لايرجح احدها علي الآخر فمع قيام تلك الاحتمالات لانقطع بالبراءة بداهة و اما ان فحصنا عن التكليف و سألنا العالم به عنه فان بين لنا انه احد الاحكام مما سوي الاباحة فالاشتغال ثابت معلوم مقطوع به و ان ابان انه الاباحة نعلم ان ذمتنا [ص 68] بريئة عن وجوب ذلك او حرمته او غيرهما و من البين ان طريق الفحص اقرب الي النجاة بل النجاة فيه الا ان لايتمكن منه فالتكليف معه ساقط و اما مع التمكن فهو الاولي و الاحوط و قد قال الله تعالي هل يستوي الذين يعلمون و الذين لايعلمون انما يتذكر اولوا الالباب ، و عن احدهم عليهم السلام دع ما يريبك الي ما لايريبك ، و الاخبار بهذا المعني كثيرة و لا حاجة الي التطويل لوضوح المسألة .
و اما من طريق المجادلة اقول و لا حول و لا قوة الا بالله ان الخلق قبل ان يرسل الله اليهم الرسل لما غلب الله عليهم بالجهل عذرهم برفع التكليف عنهم و جعل الاصل ح البراءة عن كل تكليف و ذلك لانهم كانوا جاهلين و لميهيأ لهم اسباب العلم و الله سبحانه كان عدلا كريما فلميكلفهم بشئ و اما بعد ان ارسل اليهم الرسل و انزل عليهم الكتب فح اما الاصل السابق فلايجري ابدا اذ كان ذلك مختصا بزمان لميبعث اليهم الرسل حين كانوا معذورين عن طلب العلم بكل وجه و اما الآن فهو ميسر لهم فكيف يجري الاصل فيهم و لو كان ذلك عند الله جايزا ماكان يسأل المنكرين عن انكارهم و كفرهم اذ لهم اذا ان يقولوا الاصل البراءة مع ان ما نراه علي خلاف ذلك او جاز لنا اذا علمنا بعض الاحكام من دون فحص اجراء الاصل فيما عداها مع ان ذلك بديهي البطلان و هو ينافي [ص 69] فرض طلب العلم و ينافي الامر بالتفقه في قول الله و قول نبيه و الائمة صلوات الله عليهم هذا و لو كان الاصل في بعض المقامات البراءة كان بيان الحكم في ذلك البعض لغوا او غير جايز لان الله لميجعله و ذلك كله باطل و نحن نري ان النبي صلي الله عليه و آله بين لكل شئ حكما في الكتاب و السنة مع انه ليس بلغو و لا من عند غير الله نعم هنا اصل ثانوي اصّله الشارع صلوات الله عليه و آله و جعله و هو اطلاق كل امر لا نص فيه كما يدل علي ذلك الكتاب و السنة قال الله تعالي لايكلف الله نفسا الا ما آتاها اي ما عرفها فاذا لميؤتها الا عدم حكم خاص فلايكلفها الا بعدم حكم خاص و هذا معني الاطلاق و قال لايكلف الله نفسا الا وسعها و لايسعها الا ذلك و من السنة ما قال الصادق عليه السلام كل شئ مطلق حتي يرد فيه نهي و قال عليه السلام الاشياء مطلقة ما لميرد عليك امر و نهي و كل شئ يكون فيه حلال و حرام فهو لك حلال ابدا ما لمتعرف الحرام منه فتدعه ، و كذا اخبار اخر دالة علي ذلك يأتي ذكرها و لا حاجة الي التفصيل هنا و في اجراء هذا الاصل لا بد لنا من البحث عن الحكم و العلم بوروده و عدمه فاذا علمنا عدم وروده علي حسب ما يمكننا من البحث فح الحكم الاطلاق و الاباحة و البراءة عن ما سواها و اما بدون النظر الي هذا الاصل و معرفة مورده فلا براءة ابدا بل ذمة العباد مشغولة [ص 70] بالعبادة في كل مقام و القول بالبراءة في بعض الموارد علي غير الوجه المذكور انما هو قول بانا عباد في مقام و ارباب في مقام آخر فاما في مقام نعمل بقولهم (ص) فنحن عباد و اما في مقام نحن براء عن التكليف فنحن اذا ارباب اذ لنا ح ان نعمل بآرائنا و يومئ الي ذلك ما روي عنهم عليهم السلام في معني قوله تعالي اتخذوا احبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله حيث قال (ع) انهم حرموا بعض الاشياء و احلوا بعض الاشياء فعملوا بقولهم و هذا معني اتخاذهم اربابا و قال تعالي ارأيت من اتخذ الهه هواه فان جاز لنا العمل بآرائنا فيجري هذا الكلام في هذا المقام بعينه مع ان ذلك باطل و عن حلية الاعتبار عاطل و نحن عباد من كل جهة بالجملة فعلينا ان نسألهم عن كلما نحتاج اليه و العمل بما حكموا به و اما ما ورد من النهي عن كثرة السؤال في قوله تعالي لاتسألوا عن اشياء ان تبد لكم تسؤكم او في السنة مما ورد في النهي عن كثرة السؤال و التشديد فليس ذلك دالا علي عدم جواز السؤال مطلقا كيف و نحن لانسأل الا بامرهم و لولا امرهم ماكنا نعرف وجوب السؤال كما كنا لانعرف ساير الاشياء و لكن اذا امرونا به علمنا وجوب السؤال و لكنهم نهوا عن التشديد في السؤال و المراد منه انه اذا علم التكليف في امر علي وجه فالتشديد و التضييق بعده غير جايز و يستفاد ذلك مما مثلوا به سلام الله عليهم في هذا المقام بعمل بنياسرائيل [ص 71] حين امروا بذبح بقرة و البقرة لفظة مطلقة و لاتدل الا علي المهية و هم لو ذبحوا اي بقرة ارادوا اجزأهم و لكن لما شددوا علي انفسهم شدد الله عليهم و لو لميسألوا عن صفتها و لونها و سنها ماكان الله يضيق عليهم في تكليفهم ففي المقام التكليف معلوم علي نحو الاطلاق فالسؤال عنه ثانيا منهي عنه بعد معلوميته و كذا لما بين النبي صلي الله عليه و آله وجوب الحج بين وجوب مهيته و هي حاصلة في فرد فالاتيان به مرة واحدة مسقط للفرض فالتكليف بعد بيانه معلوم بل و معلوم ان المراد منه المرة لا التكرار وجوبا كما ثبت في محله من مقاصد الاوامر فبعد ذلك اذا سأله الجمال عن وجوبه في كل عام زبره رسول الله صلي الله عليه و آله و قال اتركوني ما تركتكم والله لو قلت نعم لوجبت و لو وجبت مااستطعتم و كفرتم رويتها بالمعني كاغلب ما ارويه لعدم حضور محالها عندي و كذا ما في خبر آخر عن الصادق عليه السلام حين قال الزكوة في تسعة اشياء و عدها ثم قال ان رسول الله صلي الله عليه و آله عفي عما سوي ذلك فقيل له عليه السلام ان في بلادنا حبا كثيرا فيه الزكوة فزبره (ع) و قال اقول لك ان رسول الله صلي الله عليه و آله عفي عما سوي ذلك و تقول ان عندنا حبا كثيرا فيه الزكوة ، فلما بين (ع) ان رسول الله [ص 72] صلي الله عليه و آله عفي عما سوي ذلك علي نحو العموم و سأله ثانيا زبره و في غير ذلك من الاخبار ايضا شواهد كثيرة اقتصرت علي ما خطر بالبال فعلم مما ذكر ان المنع عن كثرة السؤال انما هو في مقام كان التكليف معلوما بوجه من الوجوه ثم يسئل عنه ايضا فهذا منهي عنه و اما في مقام كان جاهلا صرفا فلا بد له من السؤال اذ دواء العي السؤال و انما هلك الناس لانهم لايسألون و قد قال الله سبحانه اسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون نعم نهوا عن السؤال في مقام آخر ايضا و هو السؤال عما لانحتاج اليه و عما لايعنينا و لاينفعنا في ديننا فان ذلك مما لايجدي طائلا و ليس من شأن المؤمن ان يفعل ما لاينفعه و لايجديه بل ليسأل عما يحتاج اليه في دينه و ان افرغ نفسه لمعرفة ما يحتاج اليه شغل اوقاته بحيث لايبقي له مجال النظر فيما لايعنيه بالجملة فموارد النهي عن كثرة السؤال امثال ما ذكر لا مطلق السؤال كما هو واضح فالتكليف اولا هو هذا ثم ان لميأمرونا بامر خاص فالاصل البراءة كما مر بعض ادلته آنفا و هذا هو الدعوي الثانية و علينا اتقانها و الاستدلال عليها و مما يدل علي ذلك ايضا ما روي في فصل الخطاب قال اميرالمؤمنين عليه السلام ان الله حد حدودا فلاتعتدوها و فرض فرايض فلاتنقصوها و سكت عن اشياء لميسكت عنها نسيانا فلاتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها الخبر ، و قال عليه السلام [ص 73] قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله تعالي حد لكم حدودا فلاتعتدوها و فرض عليكم فرايض فلاتضيعوها و سن لكم سننا فاتبعوها و حرم عليكم حرمات فلاتنتهكوها و عفي لكم عن اشياء رحمة منه من غير نسيان فلاتتكلفوها و قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث بحسبكم ان تقولوا ما قلنا و تصمتوا عما صمتنا فانكم اذا قلتم ما نقول و سلمتم لنا فيما سكتنا عنه فقد آمنتم بمثل ما آمنا به و قال الله تعالي فان آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا ، و قال في حديث فوالله لنحبكم ان تقولوا اذا قلنا و تصمتوا اذا صمتنا و نحن فيما بينكم و بين الله ماجعل الله لاحد خيرا في خلاف امرنا ، فعلمنا من هذه الاخبار الساطعة المنار بلا غبار و لا اكدار ان الحكم في مقام لميرد النص فيه هو الاطلاق و الاباحة و البراءة عن وجوب عمل او حرمته او غيرهما .
و اما ما حكي من الخلاف عن بعض الاخباريين حيث قالوا بالتوقف في الافتاء و الاحتياط في مقام العمل اذا لميرد النص او ما حكي عن بعض آخر ان الواقعة ان كانت مما يعم به البلوي فعدم وجدان النص فيها دليل عدم الوجود و اما ان لميكن كذلك فلا ففي كلا القولين نظر اما ما قاله الاخباريون من لزوم الوقف و الاحتياط فهما في غير مقامهما و مقام الوقف عند الشبهة و اختلاف الروايات و مقام الاحتياط ما اذا علم تكليف و جهل حدوده فح يحتاط في دينه و هذا المقام الذي كلامنا فيه [ص 74] خارج عنهما اذ كلامنا في مقام لمنقف علي نص في الواقعة بالكلية و الدليل علي ان مقام الوقف عند الشبهة ما روي في فصل الخطاب قال رسول الله (ص) في كلام الامور ثلثة امر تبين لك رشده فاتبعه و امر تبين لك غيه فاجتنبه و امر اختلف فيه فرده الي الله عز و جل و في حديث عن الصادق (ع) الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ، فاي اختلاف و اي شبهة عند عدم النص مطلقا و الاختلاف ان كان من قبلهم فهو معتد به و يرد علمه الي الله و رسوله و اما من قبل الآراء فلايعتد به اصلا و الشبهة لاتحصل الا باختلاف دلالة الاخبار لا الآراء لما قال عليه السلام انما سميت الشبهة شبهة لانها تشبه الحق ، و ما يصدر عن الآراء لايشبه الحق اصلا لالف و مأتي حديث و سبعين آية فكل ذلك الاختلاف و الشبهة و الاشكال انما هو حاصل بنفس الاخبار و عند ذلك يتوقف و لايفتي و كذا يدل علي ان مقام الاحتياط انما هو فيما اذا علم تكليف و جهل حدوده ما كتب الي العبد الصالح عليه السلام تسأل عن وقت المغرب و الافطار فكتب اري لك ان تنظر حتي تذهب الحمرة و تأخذ بالحائطة لدينك و سئل عن رجلين اصابا صيدا و هما محرمان الجزاء بينهما او علي كل واحد منهما جزاء قال لا بل عليهما ان يجزي كل واحد منهما الصيد قيل ان بعض اصحابنا سئلني عن ذلك فلمادر ما عليه فقال اذا اصبتم بمثل هذا [ص 75] فلمتدروا فعليكم بالاحتياط حتي تسئلوا عنه فتعلموا و قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث النكاح هو الفرج و امر الفرج شديد و منه يكون الولد و نحن نحتاط فلايتزوجها ، فكل هذه الاخبار في مقام علم التكليف علي وجه و جهل بعض حدوده فح يأخذ بما هو الاحوط عنده ففي النكاح ان لميتزوج المرأة المشتبه امرها من حيث الحلية و الحرمة لا بأس به قطعا و ان تزوجها فيحتمل وقوعه في الحرام فيحتاط في المقام و في جزاء الصيد ثبوت نوعه معلوم و اما وجوب جزاء تام علي كل واحد او نصفه فمجهول فان اتيا الجزاء كل واحد نصفه احتمل ان يكون الواجب هو التمام فلميؤته و ان اتي كل واحد جزاءا تاما و ان احتمل ان يكون الواجب هو النصف و لكنه لما اتي به في ضمن الكل برء ذمته يقينا و اما ان جهل وجوب الجزاء بالكلية فكيف يحتاط في المقام مع انه كما يحتمل عند عقولنا الناقصة حسنه كذلك يحتمل قبحه و لايرجح احدهما علي الآخر و علي فرض الترجيح لايعتد به اصلا بل هو ح جاهل صرف فالي اي جانب يذهب احتياطا او تقول انه يعمل بهما معا و قد لايمكنه ذلك او تقول انه يقف عنده و لايعمل و قد يحتاج الي العمل به و لا بد له منه بالجملة فالغرض ان الاحتياط في مقام الجهل بنوع الحكم غير مقدور و يدل علي ذلك صريحا ما روي عن ابيابرهيم (ع) في حديث التزويج في العدة قيل باي الجهالتين اعذر [ص 76] بجهالته ان ذلك محرم عليه ام بجهالته انها في العدة فقال احدي الجهالتين اهون من الاخري الجهالة بان الله حرم ذلك عليه و ذلك بانه لايقدر علي الاحتياط معها الخبر ، انظر اليه فانه صريح في المراد و شرحه ان الانسان اذا علم حرمة التزويج في العدة و اشتبه عليه كون هذه المرأة في عدتها او خروجها عنها مثلا يحتاط حتي يتيقن بالخروج فيتزوجها و اما اذا جهل حرمة التزويج في العدة و ان علم يقينا انها في العدة و لكنه معذور و لايقدر علي الاحتياط و هو اهون عليه لانه جاهل صرف بالحكم و ان كان عالما بالموضوع و ايما رجل ركب امرا بجهالة فلا شئ عليه بالجملة فالوقوف و الاحتياط في مقام الشبهة لا في مقام عدم النص و هو مقام الاطلاق لما مر و ما قيل من ان الواقعة ان كانت مما يعم به البلوي فعدم وجدان النص دليل عدم الوجود و الا فلا فذلك كلام خال عن التحقيق و بالتعرض للجواب عنه حقيق اقول هذا كلام من يزعم ان النبي و الائمة صلوات الله عليهم اما جاهلون بالجزئيات التي لايعم بها البلوي فعدم وجدان النص فيها لايدل علي عدم الوجود او ليسوا جاهلين و لكنهم ناسون ساهون غافلون غير معتنين بامر الابلاغ فيبلغون الكليات مما يعم به البلوي و يسامحون في الجزئيات مع ان ذلك كله باطل و عن حلية الاعتبار عاطل هذه اخبار ذكرناها سابقا ففي احدها [ص 77] و سكت عن اشياء لميسكت عنها نسيانا فلاتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها و في آخر عفي لكم عن اشياء رحمة من غير نسيان فلاتتكلفوها ، و لا شك ان ذلك شامل لكل ما سكت عنه جزئيا كان او كليا ايا كان اين كان لانه لايغيب عن الله و لا عن الائمة عليهم السلام شئ ابدا فكيف ينسي شيئا و اسألك بلسان الموعظة ان بيان جميع ما يعم به البلوي او لايعم اولي و اكمل او غير ذلك لا شك انه اولي و اكمل و لايتركون الاولي البتة فاذا لميتركوه و اخلوا واقعة عن النص فليس ذلك الا لاجل اطلاقه واقعا و هذا جار في جميع الاشياء بالجملة و ان قلت ان مرادي من ذلك ان ما عم به البلوي يتوفر بضبطه و روايته الدواعي فيصل الينا فان لمنجده بعد الفحص فهذا دليل عدم الوجود و اما ما لايعم به البلوي فليس كذلك و السبب في ذلك من جانب الرواة لا الائمة صلوات الله عليهم فلايرد ما ذكرت قلت هذا ايضا مردود بان المأمور بالابلاغ هو النبي صلي الله عليه و آله و جميع السابقين و اللاحقين امته فعليه الابلاغ الي الكل فيجري ما قلناه يومنا هذا ايضا و يرد عليك فيما قلت و يدل علي ذلك ما روي عن عبدالله بن بكير الرجائي قال قال لي الصادق (ع) اخبرني عن الرسول اكان عاما للناس بشيرا اليس قد قال الله و ماارسلناك الا كافة للناس لاهل الشرق و الغرب و اهل السماء و الارض من الجن و الانس هل [ص 78] بلغ رسالته اليهم كلهم قلت لاادري قال يا بن بكير ان رسول الله (ص) لميخرج من المدينة فكيف ابلغ اهل الشرق و الغرب قلت لاادري قال ان الله امر جبرئيل فاقتلع الارض بريشة من جناحه و نصبها لرسول الله (ص) فكانت بين يديه مثل راحته في كفه ينظر اهل الشرق و الغرب و يخاطب كل قوم بالسنتهم و يدعوهم الي الله و الي نبوته بنفسه فمابقيت قرية و لا مدينة الا و دعاهم النبي (ص) بنفسه و ما روي عن عبدالله بن بكير الارجائي عن ابيعبدالله (ع) في حديث طويل قلت له جعلت فداك فهل يري الامام ما بين المشرق و المغرب قال يا بن بكير فكيف يكون حجة علي قوم غيب لايقدر عليهم و لايقدرون عليه و كيف يكون مؤديا عن الله و شاهدا علي الخلق و هو لايراهم و كيف يكون حجة عليهم و هو محجوب عنهم و قد حيل بينهم و بينه ان يقوم بامر ربه فيهم و الله يقول و ماارسلناك الا كافة للناس يعني من علي الارض و الحجة من بعد النبي (ص) و هو الدليل علي ما تشاجرت فيه الامة و الاخذ بحقوق الناس ، بالجملة فالنبي و الائمة عليهم السلام هم المبلغون عن الله الي جميع الامة و قصاري ذلك ان بعد غيبتهم يبلغون بالسنة اوليائهم كما قالوا (ع) ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا ، فاذا كانوا (ع) هم المبلغون عن الله في كل زمان و اوان الي جميع المكلفين فهم لايسهون و لاينسون و ان سهي [ص 79] هذا الولي و لكنهم يردونه و يوقفونه علي الحق و كذا و ان نسي الراوي و لكنهم يذكرونه فلايبقي شئ من دين آلمحمد عليهم السلام اليوم الا و هو معلوم لمن طلبه قال الله تعالي الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا فما لميوجد لسنا بمأمور به اليوم و الحكم فيه الاطلاق و البراءة عن وجوبه او حرمته بل و اقول بهذا القول و ان اتفق احيانا ان لانري النص يوما و نراه يوما آخر فان الامر كله بيدهم و لميعجزهم احد و لميغلب عليهم احد و لو ارادوا مني العمل اليوم لدلوني عليه و لكن لما لميردوا مادلوني عليه لما لميروا صلاحي في العمل به و لكن اليوم الآخر الذي دلوني عليه رأوا صلاحي في العمل به و لايضر ذلك بالاطلاق في امس بالجملة الغرض انه لا فرق بين ما يعم به البلوي و غيره اذ لا فارق بينهما في اخبار آلمحمد عليهم السلام ففي اي مقام فحصنا عن النص و لمنجده فالامر فيه لنا مطلق و هذا الاطلاق نفسه حكم من احكام الله كغيره من العمومات و الاطلاقات و اي بأس به اذا كان القائل عالما محيطا قادرا متصرفا في جميع الاشياء مؤديا عن الله سبحانه حيث انه اذا رأي صلاح رعيته في خصوص هذا الفعل في الاطلاق و الاباحة يسكت عن تعليق حكم آخر عليه و هذا علامة اطلاقه التي علّمها بقوله كل شئ لك مطلق حتي يرد فيه نص ، و لو قلنا بغير ذلك لزمنا القول بان النبي او الامام عاجز او جاهل نعوذ بالله او [ص 80] انه لميبلغ دين الله فعصاه نعوذ بالله مع انه تعالي يقول يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت و يطهركم تطهيرا فكيف يفرض فيهم العصيان و هو من الرجس و من الشيطان و كذا يقول سبحانه اليوم اكملت لكم دينكم و المخاطب به جميع الامة قديما و حديثا فاذا كان بعض الاشياء له حكم و لميبين لنا ذلك الحكم فاي كمال في ديننا هذا و نحن نري انه صلي الله عليه و آله او الائمة عليهم السلام يقولون كذب الذين زعموا ان بعض الوقايع خال عن الحكم فانه ما من شئ الا و فيه كتاب و سنة مع انا نري كثيرا من الوقايع خاليا عن الحكم الخاص فان قلنا بخلوها عن الحكم و بان تلك المطلقات لايشملها لزمنا التكذيب لقولهم ما من شئ الا و فيه كتاب و سنة ، الا ان ندخل تلك المطلقات ايضا في السنة فتشمل جميع الوقايع فلاتخلو واقعة عن الحكم هذا و اقول بلسان آخر ان السنة لها اقسام ثلثة كما تقولون قولية و فعلية و تقريرية و بجميعها يشهد اخبار آلمحمد عليهم السلام انها من السنة و لا بد من العمل بها جميعا و منها اطلاق ما لا نص فيه بخصوصه فيمكن ادخاله في القولية علي ما مر و يمكن ايضا ادخاله في التقريرية فان تلك الامور قبل الشرع كانت مباحة لنا لا حرج لنا في فعلها و تركها كما هو واضح و مر الاشارة اليه ثم لما جاء الشارع (ص) غير بعض الاشياء عما كنا عليه و ابقي بعضها علي ما كنا عليه [ص 81] بالتقرير و التسديد او القول و الفعل و كلامنا هنا في التقرير فلو لميجز في دين الله بقاؤنا علي ما كنا عليه كان له صلي الله عليه و آله ان يمنعنا بفعل او بقول عنه و لما لميمنعنا و قررنا و سددنا بل صرح بان سكوتي من الرحمة لا النسيان و الحكم فيما سكت عنه الاطلاق علمنا ان الاطلاق في تلك المقامات من شرعه و من سنته التي ابانها لنا قولا و تقريرا فعلي هذا اصل البراءة عن الوجوب او الحرمة او غيرهما سوي الاباحة بعد الفحص عن الحكم و عدم وجدانه حكم شرعي لا عقلي و نحن ذهبنا اليه لاجل ان الشرع دل عليه و لولا ذلك ماكنا نأخذ به اصلا بالجملة و بما ذكرنا ظهر الحق في المسألة كلية و لا حاجة الي البحث عن الجزويات بقي هنا شئ نبينها في مقام و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
الثالث - في اصالة البراءة عن حقوق الناس . اعلم ان الاصل براءة ذمة الانسان عن حق غيره من الناس ما سوي اولياء الله و حججه عليهم السلام و ذلك لان ثبوت الحق يحتاج الي اولوية و رجحان و الرجحان لايأتي الا بمرجح و المرجح اما خارجي او داخلي اما الخارجي فالفرض فقده و لو وجد فهو عارض علي الاصل و رافع لحكمه و سيأتي الكلام فيه و اما الداخلي فلا مرجح لاحد علي الآخر حتي يثبت حق لان ،
[ص 82]الناس من جهة التمثال اكفاء ابوهم آدم و الام حواء
لميخلق احدهم غيره و لميرزقه و لميحيه و لميمته و لميعطه شيئا و لمينقذه من جهل و لا من بلاء ابدا ابدا بل كل ذلك من الله و هم خلقه و عبيده و كلهم بالنسبة الي انفسهم علي حد سواء بل بهذا النظر لا حق للاب علي ابنه و لا للمولي علي عبده و لا للراعي علي غنمه و لا للحاكم و السلطان علي رعيتهم بل و لا للمعطي علي الآخذ و هكذا اذ لا فاعل في الوجود الا الله و لا حق لاحد غيره و تعالي الله الملك الحق و الحق لله لا لاحد سواه و هذا اصل اوّلي جار في جميع الملك ثم عرض هذا الاصل اصل آخر و هو ان الله سبحانه من لطفه و رحمته جعل لبعض الخلق علي بعض حقوقا و لها انواع و اقسام منها شرعية صرفة و منها في الشرع الكوني و لا حاجة الي التفصيل اذ بيانه خارج عن محل البحث ثم تلك الحقوق الشرعية لايعلم الا ببيان الشارع صلوات الله عليه و آله لما هو واضح من ان الخلق جاهلون بكل شئ لايعلمون شيئا و قد بينا ذلك سابقا فالشارع صلوات الله عليه يبين حق كل ذي حق اذ مراعات تلك الحقوق مما لا بد منه للناس المدني الطبايع اذ لولاها تفرق جمعهم و لميعيشوا و اذا لميعيشوا لميبلغوا الغاية و اذا لميبلغوا لزم اللغو و هو باطل فلا بد في الحكمة من مراعات حقوق ذوي الحقوق و الناس لايعملونها فلزم ان يبينها الشارع صلوات الله عليه [ص 83] و آله كما يبين غيرها من ساير الاحكام و هذا ايضا من جملة ما امر بابلاغها كما تري ان الكتاب و السنة مشحونان ببيانها و علي المكلفين النظر فيها فان وجدوا فيها حقا لاحد علي انفسهم او لانفسهم علي احد فهو و الا فالاصل البراءة حتي يثبت و في ذلك ايضا يجري من الادلة ما مر و لا حاجة الي اعادتها .
فصل - في الاستقراء و هو مأخوذ من قري البلاد كرمي اي تتبعها و في الاصطلاح تتبع افراد صنف او نوع او جنس ثم الحكم بما وجدوه فيما استقروا فيه فيما لميستقروا فيه فاذا رأوا الف نفس من الانسان ذات عينين حكموا بان كل فرد من افراد الانسان له عينان و قد بينوا له شقوقا كثيرة من كون الغلبة معلومة او مجهولة او مشكوكة او مجملة في الصنف او في النوع او فيهما معا موافقين ح او مخالفين او في الجنس موافقا او مخالفا او في الثلثة او في بعضها او غير ذلك مما ذكروه و لا حاجة لنا ابدا الي ذكرها اذ لميشهد به كتاب الا علي خلافه و لا سنة الا علي ابطاله و رده و لا عقل سليم ابدا بوجه من الوجوه و هو قياس محض و لايجوز العمل به في دين الله و من البين الذي لا شك فيه و لا ريب يعتريه انهم لايجترؤن علي ان يقولوا ان ذلك مأخوذ من السنة فانا لمنجد من السنة ما يدل علي حجيته ابدا و هم بانفسهم في تلك المدة المديدة التي مضت من يوم ابتدعوا هذا الاصل لو وجد احدهم ما يشير الي حجيته [ص 84] من الاخبار لكتبوه بالذهب و ملأوا كتبهم منه و انت تراها خالية من الاستناد الي كتاب و سنة فاقطع بانه مأخوذ من الآراء فاذا قطعت بذلك فيجري فيه سبعون آية من الكتاب في رد اصحاب الرأي و الظن فانها بعمومها تشمل المقام قطعا قال الله سبحانه ها انتم حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم و لفظة ما بعمومها يشمل اقل الافراد و اكثرها فان حصل لكم العلم باكثر الافراد و حاججتم فيها فلكم ذلك و لكن الفرد الذي جهلتم به لم تحاجون فيه و غاية ما يحصل لكم علي ما تصرحون الظن و هو لايغني من الحق شيئا و لا حاجة الي التطويل بذكر الآيات و من السنة فيجري فيه الف و مأتا حديث وردت في رد اصحاب الرأي سيما ما ورد فيها بلفظ القياس و لنذكر منها هنا ما تيسر ففي فصل الخطاب قيل لجعفر بن محمد عليهما السلام ما تقول في رجل قطع اصبعا من اصابع المرأة كم فيها فقال عشرة من الابل الي ان قال في الثلث ثلثون قيل قطع اربعا قال عشرون قيل سبحان الله يقطع ثلاثا فيكون عليه ثلثون و يقطع اربعا فيكون عليه عشرون ان هذا كان يبلغنا و نحن بالعراق فنبرأ ممن قاله و نقول الذي جاء به شيطان فقال مهلا يا فلان هذا حكم رسول الله صلي الله عليه و آله ان المرأة تعاقل الرجل الي ثلث الدية فاذا بلغت الثلث رجعت الي النصف يا فلان انك اخذتني بالقياس و السنة [ص 85] اذا قيست محق الدين ، اقول كأنه لما وجد اكثر الافراد و هو الثلثة علي نهج واحد في كل واحد منها عشرة قاس عليه الفرد الاخير و زعم ان فيها ايضا عشرة فزبره الامام عليه السلام و كأنه من نوع الاستقراء و قيل للعبد الصالح عليه السلام ان اناسا من اصحابنا قد لقوا اباك و جدك و سمعوا منهما الحديث فربما كان الشئ يبتلي به بعض اصحابنا و ليس عندهم في ذلك شئ يفتيه و عندهم ما يشبهه يسعهم ان يأخذوا بالقياس فقال لا انما هلك من كان قبلكم بالقياس فقيل له لم تقول ذلك فقال انه ليس بشئ الا و قد جاء في الكتاب و السنة و قيل له تفقهنا في الدين و روينا و ربما ورد علينا رجل قد ابتلي بشئ صغير الذي ما عندنا فيه بعينه شئ و عندنا ما هي يشبه مثله افنقيسه بما يشبهه قال لا و ما لكم و القياس في ذلك هلك من هلك الخبر ، و قيل له انا نتلاقي فيما بيننا فلايكاد يرد علينا الا و عندنا فيه شئ و ذلك شئ انعم الله به علينا بكم و قد يرد علينا الشئ و ليس عندنا فيه شئ و عندنا ما يشبهه فنقيس علي احسنه فقال لا و ما لكم و القياس الي ان قال اذا جاءكم ما تعلمون فقولوا و اذا جاءكم ما لاتعلمون فها و وضع يده علي فمه فقيل و لم ذاك قال لان رسول الله صلي الله عليه و آله اتي الناس بما اكتفوا به علي عهده و ما يحتاجون اليه من بعده الي يوم القيمة ، الي غير ذلك من الاخبار و هي كثيرة و لو اردنا ان [ص 86] نذكر الجميع لطال بنا المقال و لنذكر هنا من الادلة العقلية ما تيسر و لاتزعم انا نأخذ بها من حيث انها ادلة عقلية حاشا ان يكون كذلك و انت تري انا نستدل فيها بالاخبار و نوازنها بها و كأنها شروح و تعليقات علي الاخبار و الا فلا حاجة لنا مع اخبار آلمحمد عليهم السلام الي شئ و الحمد لله و المنة لهم علي ما ارشدونا الي طريق الحق و الصواب فمن الادلة الظاهرية التي اشاروا به في بعض الاخبار التي مرت آنفا و هو عام يجري في جميع المقامات و فيه نوع مداراة و كأنه من نحو الموعظة ان الانسان العاقل الخبير في هذا العمر القصير بناؤه علي طلب ما يعنيه و ما يحتاج اليه و غض البصر عما لايعنيه و وجه ذلك ظاهر و قد امرونا به ساداتنا صلوات الله عليهم و من مواقع اجراء تلك القاعدة الشريفة ما اذا كان الي بلد طريقان احدهما قطعي و قليل المسافة قريب المقصد بعيد الضرر و الخطر بين واضح لايخاف فيه الضلالة و غير هذه من المحاسن و الآخر بعكس ذلك في جميعها فانت اذا سلكت في الطريق الاقرب استغنيت عن السلوك في الآخر فطلبه و المجاهدة فيه مما لايعنيك و لاتحتاج اليه اصلا بل الاحوط الاولي الاجتناب و التباعد عنه كما هو دأب جميع العقلاء و هذا بين لا شك فيه و لا ريب يعتريه فاذا عرفت ذلك اقول لما علمت سابقا بالكتاب و السنة انه ما من شئ الا و فيه كتاب او سنة بل و سنة و لايخلو [ص 87] شئ من حكم من احكام آلمحمد عليهم السلام عاما او خاصا و لايخلو عن الاباحة العامة التي اثبتناها و ذكرنا انها سنة تقريرية بل و قولية بنظر فنحن و لو سلمنا ان بالاستقراء او غيره من الادلة يمكن الوصول الي الحكم و لكنك تعلم ان المصيب فيه قليل و الاحتمالات الموهنة لايرتفع بل يحتمل الخطاء باقوي احتمال بل علي نحو القطع فعلي ذلك انشدك بالله هل الاولي الاكتفاء بما وصل الينا من احكام آلمحمد عليهم السلام ام الاخذ بالاستقراء لعمر الله لايرجح المسلم الاخذ بالاستقراء علي حكم النبي صلي الله عليه و آله و هذه المسألة غنية عن التطويل في بيانها فهذا وجه في بيان العلة التي ذكرها الامام عليه السلام حيث قيل له و لم ذاك قال لان رسول الله صلي الله عليه و آله اتي الناس بما اكتفوا به الحديث ، و وجه آخر فيه ان القول بالرأي و القياس انما هو ادعاء المقابلة و المضادة مع النبي صلي الله عليه و آله حيث انه اتي بجميع ما يحتاج الامة اليه فمن لميضاد معه و هو متبع له مطيع لامره (ص) يأخذ بحكمه ساكن القلب ثلج الفؤاد و لكن من اراد المضادة و المخالفة يأخذ برأيه و هواه الستم تقولون ان الاجتهاد في مقابلة النص حرام و قد عرفت انه ما من شئ الا و فيه كتاب و سنة فكل اجتهاد حرام لانه في مقابلة النص بل القول بالرأي في الحقيقة انما هو ادعاء الربوبية و يشهد بذلك ما روي في تفسير قوله [ص 88] تعالي اتخذوا احبارهم و رهبانهم اربابا من دون الله حيث قال عليه السلام ان هؤلاء الاحبار و الرهبان احلوا لهم شيئا و حرموا شيئا فاخذوا بقولهم و عملوا به فهذا معني اتخاذهم اربابا فكل من قال برأيه و هواه فقد ادعي الربوبية لنفسه و كل من اتبعه فقد اتخذه ربا بالجملة تلك الادلة كلها ظاهرية اسكاتية و بيان الدليل علي ما يخص بالمسألة و يشرح لك الامر فيها انشاء الله انا قد ذكرنا سابقا ان العلم علي ثلثة اقسام عقلي و عادي و شرعي و لكل من هذه الثلثة مقام و لايجري احدها في مقام الآخر و لايعارضه ان خالفه ابدا و قد مر بيانها مفصلا ففي المقام اذا استقريت افراد صنف و وجدتها علي صفة و لمتر واحدا منها فانت بحسب العادة تحكم بان الفرد المجهول علي صفة ساير الافراد و اما بحسب العقل و الشرع يحتمل عندك احتمالات لاتحصي و ان انصفت و اتقيت الله لاتقدر ان تحكم بان الفرد المجهول علي صفة ساير الافراد و له حكمها فلعل هذا الفرد الخاص مخالف لساير الافراد و ليس لك ان تحكم ح بمقتضي علمك العادي اذ امر الشرع لا مدخلية للعادة فيه ابدا و لو بنيت علي اجراء العلم العادي في الامور الشرعية لزمك المخالفة في غالب المقامات مع الشرع و هذا هو ما اشكل علي القوم امرهم و اشتبه عليهم الحق فانهم ان لميحكموا بمقتضي عادتهم لوجدوا بناء الشرع المتين ثابتا علي ما اسسه رسول رب العالمين (ص) [ص 89] بلا تفاوت و لكن لما لميعرفوا هذه القاعدة الشريفة قالوا ان الكتاب ظني الدلالة و الاخبار ظني الدلالة و الصدور و غير ذلك مما قالوا بالجملة ففي المقام اذا طلبت العلم الشرعي وجدت انه لايحصل لك في فرد مجهول بتتبعك اكثر الافراد فانه يحتمل عند العقل و النظر الشرعي مخالفة هذا الفرد لساير الافراد ثم نحن نتنزل عن ذلك و لكن نقول ان العلم العادي ايضا لايحصل لك فان الاعراض في هذا العالم بلغت مبلغا لايترك لذي مقال مقالا الاتري انك اذا استقريت الف انسان و وجدتها ذات عينين تحكم بمقتضي استقرائك ان الفرد المجهول ايضا كذلك مع ان عند العادة ايضا يحتمل عروض عارض عليه و تخلفه عن ساير الافراد اذ عدم الاحتمال عند العادة حاصل له ان لميعهد ما يخالف ما وجد و اما اذا رأي ما يخالفه مأة مرة كيف يحصل له العلم العادي بل هو ظن عادي او وهم هذا و القوم يستقرون في امور خفية بل مشتبهة فيدعون حصول العلم لهم مثلا يستقرون جماعة في الالفاظ فيجدون انها اذا خليت عن القرينة فهي مستعملة في المعاني الحقيقية فيقولون ان الفرد المشكوك ايضا كذلك مع ان المجاز المشهور الذي لايحتاج الي القرينة مما يجدونه في عادتهم فنحن لاننكر ان الحقيقة اكثر و لكن البت علي ان هذا الفرد من الغالب و هو الحقيقة او من المجاز مشكل جدا نعم منتهي ما يحصل لهم [ص 90] ظن عادي و كثيرا ما نري المخالفة بعد الحكم لما استقرينا فيه هذا و علي فرض حصول العلم العادي ايضا لايعتد به و لا علينا ان نبين هنا علة عدم جري العلم العادي في الاحكام الشرعية بل لا بد من العلم الشرعي الا ما استثني اي ما ارتضوه في الشرع كالظنون المعمول بها في الشرع حيث ان الظن في نفسه لايغني من الحق شيئا و لكن قد يكتفي به شرعا كما في وصول الماء الي جميع البدن في الغسل كذلك العلم العادي بنفسه لايجدي شيئا الا في مواضع جعل موضوع الحكم الشرعي بالجملة الغرض اثبات عدم جريه في الشرع من دون نص الشارع صلوات الله عليه و آله فاقول و لا حول و لا قوة الا بالله ان العلوم العادية مدركها النفس و يحصل لها باجتماع قراين عادية من السماع و الرؤية و غير ذلك و تختلف غالبا لاختلاف القراين بالنسبة الي الاشخاص كما تري انه قد يحصل العلم لاحد من شئ و لايحصل لغيره و لو من هذه القرينة و كثيرا ما يتفق حصوله علي خلاف الواقع بسبب اختلال الآلات كما تري عيانا ان العين المرمودة المحمرة يري الاشباح احمر فيحصل لها العلم باحمرار الاشباح و الاذن المعلولة ذات الطنين يسمع الاصوات علي خلاف الواقع بل و اعلي من ذلك ان كنت مقبلا الي احد محبا له تري منه كلما تري خيرا و ان كنت مبغضا له تري منه كلما تري شرا كما قال الشاعر :
و عين الرضا عن كل عيب كليلة و لكن عين السخط تبدي المساوي [ص 91]
و جربنا نحن اذا تكلم رجلان منا في مسألة كل واحد علي خلاف الآخر و حضرنا مجلس الاستاد و بين الحق فاذا خرجنا فكل واحد منا يقول وافق قوله قولي و ذلك لانصباغ مشاعره بصبغ ما قال و انصباغ قول الاستاد عنده علي حسب صبغه و هذا الامر مشهود في كل مقام لمن نظر بعين التدبر فاذا كان الامر كذلك فالعلوم العادية غالبا لايوافق الواقع فلاجل ذلك لايجوز الاخذ بها في الشرع ففي هذه المسألة اعني الاستقراء كثيرا ما يتفق ان تتتبع امرا في مقامات و تراه علي نهج واحد في جميع المقامات علي حسب انصباغ مشاعرك بما اعتقدت به مخالفا لنفس الامر الواقع في الخارج فربما يكون الامر في الواقع مختلفا في المقامات و وجدتها انت متفقة ثم تقيس عليها المقام المجهول فتخطي بالجملة و تمام هذا الكلام يأتي في الفصل الآتي انشاء الله تعالي و ان كتبته علي ما اريد بحول الله و قوته لتجد ان كل ما ذكرنا في هذا الفصل مداراة و الحق ان الاستقراء اصل باطل و شجرة مجتثة زرعها الشيطان في القلوب و سقاها ابوحنيفة و اصحابه لعنهم الله و لايجوز الاخذ به في دين الله ابدا .
فصل - لما اتينا علي مجمل من امر الاستقراء ناسب ان نذكر فصلا في القياس الذي اسسه الوسواس الخناس و التوفيق من اله الناس فاقول القياس علي ما قالوا هو الحكم علي معلوم بمثل [ص 92] الحكم الثابت لمعلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم فموضع الحكم الثابت يسمي اصلا و موضع الآخر يسمي فرعا و المشترك جامعا و علة و هي ان كانت منصوصة فليس بقياس و لا من افراده و هو حكم شرعي جعل علي مهية تلك العلة و هو معها اينما وجدت و لايعتبر فيها خصوصية المحل و القياس هو الحكم علي معلوم بمثل معلوم آخر و هذا معلوم واحد تغير اعراضه الخارجة عن مهيته كزيد في الدار و المسجد و السوق و ان ابيتم الا ان تسموه قياسا فهذا هو القياس الذي تعرف العقول عدله و لا بأس به و اما ان كانت العلة مستنبطة فهو قياس محرم لايجوز العمل به ابدا و له قسمان اما ان يكون العلة ثابتة في الفرع بالطريق الاولي او متساوية في الاصل و الفرع فالاول هو القياس الجلي و فحوي الخطاب و لحن الخطاب و مفهوم الموافقة و غير ذلك من الاسماء و الثاني هو القياس بلا ريب و لا التباس اما كلامنا في منصوص العلة فالحق انه حجة ان لميدل دليل علي خصوصية المحل و عدم الدليل دليل علي عدم اختصاص المحل و يدل علي حجيته ما روي في فصل الخطاب عن الرضا عليه السلام انه قال حرم الله الخمر لما فيها من الفساد و من تغيير عقول شاربيها و حملها اياهم علي انكار الله عز و جل و الفرية عليه و علي رسله و ساير ما يكون منهم من الفساد و القتل و القذف و الزني و قلة الاحتجاز من شئ من المحارم فبذلك قضينا علي [ص 93] كل مسكر من الاشربة انه حرام محرم لانه يأتي من عاقبتها ما يأتي من عاقبة الخمر فليجتنب من يؤمن بالله و اليوم الآخر و يتولانا و ينتحل مودتنا كل شراب مسكر فانه لا عصمة بيننا و بين شاربيها و قال ابوالحسن الماضي عليه السلام ان الله عز و جل لميحرم الخمر لاسمها و لكن حرمها لعاقبتها فما كان عاقبته الخمر فهو خمر و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن شئ من الحلال و الحرام فقال انه لميجعل شئ الا لشئ ، اقول و ذلك الشئ ان كان مستنبطا غير منصوص عليه فيحتمل فيه الخطاء و لايجري في غير المقام و اما ان كان منصوصا فاينما وجد ذلك الشئ يجري فيه الحكم لان الحكم جعل عليه و هو هو في كل مقام بيان ذلك ان المقومة لاتتغير بتغير الاعراض و لها حكمها في كل مقام كما في قولك الجسم عريض عميق طويل حيث ان تلك الصفات من لوازم مقومة الجسم و هي معها اينما وجدت سواءا كان في الارض او في السماء في الجماد او في النبات او في المعدن او غير ذلك و اما المتممات فتتغير في المقامات كاللطافة و الكثافة اللتين ليستا من ذاتية الجسم و مقومته فقد يكون الجسم و لا كثافة و غلظة كما في السماء و قد يكون و لا لطافة و رقة كما في الارض و امثال ذلك فاذا جعل الحكم علي المقومة فهو معها في جميع المقامات و اذا جعل علي المتممة فيتغير بتغيرها فاذا حكم الشارع صلوات الله عليه و آله بشئ و عرفنا انه معلق علي [ص 94] المهية المطلقة فحيثما وجد المهية فالحكم معها موجود و اذا عرفنا انه معلق علي المتممة فهو معها و لايجري في غيرها فاذا قال حرمت الخمر لاسكارها فالحكم موضوع علي مهية الاسكار لا لاجل اسم الخمر و لا لاجل انه احمر و لا لاجل انه من العنب مثلا فان هذه كلها متممات لمقومة الاسكار و لا منه و لا اليه و الاسكار حاصل في غيرها فكلما كان من عاقبته الاسكار فحكم الخمر معلق عليه نعم الا ان يبينوا للحكم علة من المتممات فح هو معها و لايفترق منها و هنا دقيقة و هي ان النسبة بين المقومات و المتممات عموم من وجه فكل شئ منها بالنسبة الي الآخر عام من وجه و خاص من آخر كما انك ان فرضت ان يقول الشارع صلي الله عليه و آله حرمت الخمر لانها مأخوذة من العنب فكلما اخذ من العنب يحرم بذلك سواءا كان مسكرا او لا و ذلك لان المأخوذية من العنب مهية لها افراد و حكمها معها و يدور معها حيثما دار .
تنبيه علي مطلب اشار اليه في القوانين بعبارة قاصرة عن بيان حقيقة الامر و انا بحول الله و قوته ابينها هنا ببيان سهل يظهر لك الامر انشاء الله فاقول ان الاحكام الشرعية منوطة علي العلل الموجودة في الموضوعات كما مر سابقا بيانه و العلة قد يتعدد و قد يتحد و مرادي من المتعدد ما اذا اجتمع اسباب عديدة في شئ واحد يقتضي كل واحد من تلك الاسباب تعلق [ص 95] حكم خاص علي الموضوع بعين ما يقتضيه الآخر كأن يكون دواءا يوجب شربه السكر اولا و الخروج من الدين ثانيا و الموت و الفناء ثالثا فكل واحد من تلك الخواص المتفرعة عليه يوجب حرمة شرب هذا الدواء فاذا فرضت ارتفاع بعض تلك الخواص بسبب خارج و بقاء بعض فالحرمة معه ثابت و لايرتفع بارتفاع البعض و اذا وجد بعضها في شئ آخر فالحرمة يأتي معه فاذا نص علي احدي تلك العلل فاينما وجدت يثبت الحكم و اما اذا ارتفعت عن الاصل لايرتفع الحكم لثبوت علل اخري توجب ذلك الحكم و اما اذا اتحد العلة بان يكون في الشئ سبب واحد يوجب هذا الحكم فالحكم معه اينما وجد و يرتفع الحكم اذا زال السبب مثال ذلك الخمر حيث ان حرمته لاجل اسكاره فاذا استحال الخمر خلا و زال اسكاره يستحل و اذا وجد الاسكار في شئ آخر يحرم شربه و لك ان تقول ان العلة في حرمته امران الاسكار و التشبه بالاعداء و قد يرتفع الاسكار و الحرمة ثابتة لثبوت التشبه كما في الفقاع حيث انه لا اختمار له و ح يعد من متعدد العلة كغسل الجمعة مثلا فان احدي العلل في تشريعه رفع ارياح الآباط فقد يكون الرجل نظيفا طيب الريح بطبعه من دون غسل او غسل يوم الخميس مثلا و مع ذلك يستحب له الغسل مؤكدا و ذلك لوجود ساير العلل و الا فبدون علة لايأمر الشارع (ص) بشئ فانه لميجعل شيئا [ص 96] الا لشئ كما في الخبر مثال آخر روي في العلل ان علة وضع الصوم اطلاع الاغنياء علي حال الفقراء ، رويته بالمعني فاذا اطلع احد من الاغنياء بصوم او بغيره علي حال الفقراء فليس لك ان تحكم بعدم وجوب الصوم عليه بعده لعدم الحاجة و قبح تحصيل الحاصل و ذلك لان علل وجوب الصوم كثيرة و هذه احداها فان ارتفعت هذه فما عداها ثابتة و لايرتفع الوجوب بارتفاع بعض العلل فظهر من هذا البيان ان الحكم بارتفاع الحكم عند ارتفاع العلة يحتاج الي العلم بان العلة في الحكم منحصرة في هذه او متعددة فان تعددت فلايجوز البت علي الارتفاع و ان اتحدت فلا بأس به و العلم بتعدد العلل يحصل بالنظر الي اخبار اهل البيت عليهم السلام فان اثبتوا هذا الحكم بعينه في مقام مع ارتفاع العلة المذكورة فالعلل متعددة و الا فواحدة و اما سراية الحكم الي ما وجد العلة فيه فمما لا شك فيه سواءا تعددت العلة او اتحدت نعم الا ان يعارضه في الفرع ما هو اقوي منه فيؤخذ به و ما قيل من ان خصوصية المحل مؤثرة فلايجري الحكم في غير المحل و ان ثبت العلة لانتفاء الخصوصية ، فهو كلام خال عن التحقيق و فيه خروج عن محل النزاع فان خصوصية المحل ان كانت مؤثرة ملحوظة فالعلة ح مركبة مما يذكر و من خصوصية المحل و احد اجزاء المركب لايسمي باسمه فليس ذلك بعلة من دون خصوصية المحل [ص 97] فلم تسميه علة و اذ لميكن علة فلا كلام لنا فيه بالجملة جري حكم منصوص العلة في ساير المواضع مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه لصريح الاخبار الماضية و يلحق بذلك ما اذا علم العلية من دون تعليل بالتصريح من الشارع (ص) بل بدلالة التنبيه و الايماء كأن يقول الشارع (ص) لمن واقع اهله في شهر رمضان نهارا كفر فانه يومئ الي ان الوقاع يوجب الكفارة فكل من واقع في نهار شهر رمضان فعليه الكفارة و لايلاحظ في ذلك خصوصية السائل و لا الزمان و لا المكان بل يجري في غيره و فيما بعده من الازمان و الامكنة و ذلك لما روي عن ابيعبدالله عليه السلام في قوله تعالي انما انت منذر و لكل قوم هاد يا ابامحمد هل من هاد اليوم قال بلي جعلت فداك مازال منكم هاد بعد هاد حتي دفعت اليك فقال رحمك الله يا ابامحمد لو كانت اذا نزلت آية علي رجل ثم مات ذلك الرجل ماتت الآية مات الكتاب و السنة و لكنه حي يجري فيمن بقي كما جري فيمن مضي و عنه (ع) حكم الله في الاولين و الآخرين و فرايضه عليهم سواء الا من علة او حادث تكون و الاولون و الآخرون في منع الحوادث شركاء و الفرايض عليهم واحدة يسأل الآخرون عن اداء الفرايض كما يسأل عنه الاولون و يحاسبون كما يحاسبون و سئل عليه السلام عن الحلال و الحرام فقال حلال محمد حلال ابدا الي يوم القيمة و حرام محمد حرام ابدا الي يوم القيمة لايكون غيره و لايجيئ [ص 98] غيره انتهي ، فلايلاحظ في الاحكام خصوصية المكلفين و لا زمانهم و مكانهم ابدا و اما ما قالوا من انه لايلاحظ فيه كون المحل اهلا فان الزنا احري و اجدر ان يجري فيه الحكم بل و لايلاحظ خصوص الوقاع بل يجري في كل مفطر فلا و ابيك فان ذلك قياس محض و لايجري في دين الله لانه خارج عن عموم اللفظ بالكلية و تنقيح المناط فرد من افراد القياس و يجري فيه كلما ورد في النهي عن القياس اسألك الايمكن ان لايكون علي الزاني في نهار شهر رمضان شئ في الدنيا لعظم جرمه كما لايخفي مثله علي من تتبع اخبار آلمحمد عليهم السلام و سيأتي من الاخبار ما يظهر لك الامر انشاء الله و لنسق الكلام الي مستنبط العلة و استيفاء البيان هيهنا فقالوا ان حرمته من ضروريات المذهب و لميقل بحليته احد من الاصحاب عدا ابنالجنيد من القدماء في اول امره و بعض العامة فانهم جوزوه و لكن الغالب يقولون بالسنتهم ما ليس في قلوبهم عصمنا الله بحق محمد و آله (ص) من شر الشيطان فيعملون بالقياس الا انهم يسمونه باسماء اخر حذرا من الضرورة فمنه ما يعملون به و يسمونه بتنقيح المناط و منه ما يسمونه بالاستقراء و منه ما يسمونه بفحوي الخطاب و غير ذلك و بلغ الامر الي انه نقل ابي العلامة اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه عن بعض المتأخرين جواز العمل به مطلقا علي ان الاصل حجية الظن و نحن نعمل به لا من حيث القياس [ص 99] بل من حيث حصول الظن و ان حرمته في زمان انسداد باب العلم لمتثبت و قيام الاجماع علي حرمته في هذه الاوان غير معلوم بالجملة فاتسع الخرق علي الراقع و كلامه هذا مردود من اوله الي آخره فان قول الله تعالي ان الظن لايغني من الحق شيئا عام يجري فيمن بقي كما جري فيمن مضي كما مر الخبر آنفا و لو سلم جواز العمل بالظن في تلك الازمان فهؤلاء العاملين بالظن يدعون الاجماع الضروري علي حرمة العمل بالقياس فكيف يؤخذ بالظن الحاصل منه و الاخبار نادية بان العاملين بالقياس في آخر الزمان ضالون و هم اعداء الدين فكيف لميثبت حرمة العمل به في هذه الاوان فعن علي عليه السلام في حديث سيأتي اقوام يقيسون فهم اعداء الدين و اول من قاس ابليس و من طرق العامة رواه في القوانين عنه صلي الله عليه و آله انه قال تعمل هذه الامة برهة بالكتاب و برهة بالسنة و برهة بالقياس و اذا فعلوا ذلك فقد ضلوا و قال (ع) ستفرق امتي علي بضع و سبعين فرقة اعظمهم فتنة قوم يقيسون الامر برأيهم فيحرمون الحلال و يحللون الحرام ، فهل يثبت بتلك الاخبار حرمته في هذه الازمان ام لا و ساير الاخبار كلها مطلقة عامة يجري في جميع الازمان بالجملة حرمة العمل بالقياس اوضح من الشمس و ابده من الامس و لا حاجة الي تطويل المقال بالاستدلال الا علي نحو الاجمال و كلما ذكرناه في المقدمة و في ساير المباحث [ص 100] الماضية يجري في هذا المقام بادني تغيير في الكلام و نقول ايضا اولا انه لا شك في ان الاحكام موضوعة علي الموضوعات لما فيها من الصلاح و الفساد بالنسبة الي المكلفين و هذا مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه كما مر الاستدلال عليه بالاخبار الساطعة المنار و لا شك ايضا في انه اذا اشترك شيئان في علة يجري الحكم الواحد فيهما و لكن معرفة ذلك مما لا سبيل لنا اليه الا بنص الشارع صلوات الله عليه فانه العالم بحقايق الاشياء و خواصها و اعراضها و اما نحن فلا علم لنا بها ابدا و لو كنا نعلم او نعقل ماكنا نحتاج الي بعث الرسل و انزال الكتب و ماكان الله سبحانه يلغو و يعبث في ارسالهم هذا علم الابدان و معرفة الادوية مما هو منال ايدينا و نقدر علي التدبر و التفكر و التجربة فيها هل يتمكن احد منا من العلم به من دون تعليم من العالم به لا والله كيف نقدر علي ذلك و هذه ادوية و امراض جديدة مستحدثة لمتكن في زمن الانبياء و الائمة الماضين صلوات الله عليهم قد اختلفت الاطباء الحاذقون في امزجة تلك الادوية و في علاج تلك الامراض و تري عجز الجميع عن معرفتها مع ان المرضي بين ايديهم و الادوية باعينهم فكيف لنا بمعرفة الصلاح و الفساد بالنسبة الي النفوس الملكوتية و العقول الجبروتية حاشا و حاشا و لعمر الله لو كلف الرعية الجهلة بمعرفة ذلك من قبل انفسهم لكان ظلما عظيما و ليس الله [ص 101] بظلام للعبيد انظر في الاخبار بنظر الاعتبار فان لمتكن مسلما لآلمحمد عليهم السلام و لايبينوا لك علل الاحكام تري اكثر الاحكام بحيث لايستقيم مع عقلك و عقل امثالك بل يستقيم في نظرك خلافه فهل تقول انهم اخطأوا نعوذ بالله في احكامهم او تقول انا لااعرف علل الاحكام فان كنت مسلما فلا بد لك من التسليم لهم و كثيرا ما تري اشياءا مشتبهة قد فرق الله بين احكامها و اشياءا متفرقة قد وفق الله بين احكامها فكيف لك بمعرفة وجوه المشابهة في الاشياء فربما تري الشبه بين شيئين في عرض جزئي لايؤثر في الحكم ابدا و قد فرق الله بين حكميهما و انت تحكم بقياسك باتحاد حكميهما مع ان البون بينهما ابعد مما بين السماء و الارض انظر الي ما روي عن علي عليه السلام يغنيك عن جميع ما قيل او يقال فعنه عليه السلام في حديث طويل في رد اصحاب الرأي و القياس و الاجتهاد الي ان قال و اما احتجاجهم و اعتلالهم بان القياس هو التشبيه و التمثيل و ان الحكم جايز به و رد الحوادث ايضا اليه فذلك محال بين و مقال شنيع لانا نجد اشياءا قد وفق الله تعالي بين احكامها و ان كانت متفرقة و نجد اشياءا قد فرق الله بين احكامها و ان كانت مجتمعة فدلنا ذلك من فعل الله تعالي علي ان اشتباه الشيئين غير موجب لاشتباه الحكمين كما ادعاه منتحلوا القياس و الرأي و ذلك انهم لما عجزوا عن اقامة الاحكام علي ما انزل في [ص 102] كتاب الله تعالي و عدلوا عن اخذها من اهلها ممن فرض الله سبحانه طاعتهم علي عباده ممن لايزل و لايخطي و لاينسي الذين انزل الله كتابه عليهم و امر الله برد ما اشتبه عليهم من الاحكام اليهم و طلبوا الرياسة رغبة في حطام الدنيا و ركبوا طرايق اسلافهم ممن ادعي منزلة اولياء الله لزمهم العجز فادعوا ان الرأي و القياس واجب فبان لذوي العقول عجزهم و الحادهم في دين الله تعالي و ذلك ان العقل علي مجرده و انفراده لايوجب و لايفصل بين اخذ شئ بغصب و نهب و بين اخذه بسرقة و ان كانا مشتبهين و الواحد منهما يوجب القطع و الآخر لايوجبه و يدل ايضا علي فساد ما احتجوا به من رد الشئ في الحكم الي اشباهه و نظائره انا نجد الزنا من المحصن و البكر سواءا و احدهما يوجب الرجم و الآخر يوجب الجلد فعلمنا ان الاحكام مأخذها من السمع و النطق بالنص علي حسب ما يرد به التوقيف دون اعتبار النظاير و الاعيان و هذه دلالة واضحة علي فساد قولهم و لو كان الحكم في الدين بالقياس لكان باطن القدمين اولي بالمسح من ظاهرها قال الله تعالي حكاية عن ابليس في قوله بالقياس انا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين فذمه الله لما لميدر ما بينهما و قد ذم رسول الله و الائمة عليهم السلام القياس يرث ذلك بعضهم عن بعض و يرويه عنه اولياؤهم الخبر ، و هو طويل شريف و فيما قبل ما [ص 103] رويناه ايضا في رد القياس ما يوجب ذكره التطويل و المسألة ضرورية و الحمد لله بالجملة فهل تري بعد ذلك مجالا لاستعمال القياس و هل يجوز لك تنقيح المناط او السبر و التقسيم يعني تعداد ما عسي ان يكون علة و اخراج ما ليس بعلة و القطع بالعلة الثابتة فانه ربما تقطع بعلية شئ لا مدخلية له في العلية ابدا مثال ذلك انك تسمع كراهة لبس الثوب المبلول حال الصيام فتقول لا شك ان علة الكراهة البلة لا غير ثم تري جواز دخول الماء و البلة هنا اشد فهل تخالف بقياسك الخبر او تترك القياس و كيف تعرف ان الثوب المبلول اذا لبس يجذب البدن من بلته و اما الدخول في الماء البارد فلغلبة البرودة ينسد مسامات البدن و لايجذب من الماء شيئا فاباح الشارع الحكيم صلوات الله عليه و آله ذلك و كره لبسه و لو خلينا بين عقولنا و تلك المسألة قلنا ان كراهة الدخول في الماء اولي و كان احري بان يستكره كما في غير ذلك من المقامات فانه كثيرا ما نسمي امورا بالعلة في الحكم و نراها في شئ آخر اقوي و اكثر و اشد و مع ذلك يختلف الاحكام انظر الي ما قال الصادق عليه السلام حين قال له ابوحنيفة انا صاحب قياس فقال ابوعبدالله عليه السلام فانظر في قياسك ان كنت مقيسا ايما اعظم عند الله القتل او الزني قال بل القتل قال فكيف رضي في القتل بشاهدين و لميرض في الزني الا باربعة ثم قال له الصلوة [ص 104] افضل ام الصيام قال بل الصلوة افضل قال عليه السلام فيجب علي قياس قولك علي الحائض قضاء ما فاتها من الصلوة في حال حيضها دون الصيام و قد اوجب الله تعالي قضاء الصوم دون الصلوة ثم قال له البول اقذر ام المني قال البول اقذر قال عليه السلام يجب علي قياسك ان يجب الغسل من البول دون المني و قد اوجب الله تعالي الغسل من المني دون البول ، فانظر في هذا الخبر هل يبقي لك مجال استعمال القياس بالطريق الاولي نعم الا في بعض الامور التي جري العرف علي ذكر الادني لدخول الاولي و هذا ظاهر متبادر منه مقرون بالقرينة بحيث لايشك فيه شاك ابدا كقوله تعالي و لاتقل لهما اف ، و قد قال ابوعبدالله (ع) ادني العقوق الاف و لو علم الله شيئا اهون منه نهي عنه انتهي ، و كذا نحو قوله تعالي فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره و قوله و منهم من ان تأمنه بدينار لايؤده اليك و الحق انه لا بد في ذلك كله من القرينة علي ارادة اولوية المفهوم بحكم المنطوق و لو لميكن قرينة فلايجوز الاخذ به لاحتمال الخصوصية بالادني و عدم ارادة الاعلي كما وجدت امثلة ذلك في الخبر و علة ذلك انا لانعرف علل الاحكام ابدا الا بالتصريح منهم فربما نحن ننظر الي علة ليست هي بالعلة الملحوظة في نظر الشارع صلي الله عليه و آله ثم نقيس عليها فنخطي بالجملة لا حاجة الي التطويل فان جميع ما ذكرناه [ص 105] في المباحث الماضية يجري في المقام فلنقبض العنان عن هذا البيان و نشرع في بيان الاستصحاب و التوفيق من الملك الوهاب .