تغيرت البلاد و من عليها و وجه الارض مغبر قبيح
و جاء الاختلاف و ذهب الايتلاف فانه لو كان يحكم العقل علي صرافته ماكان يختلف حكمه و لما جاء الطبع جاء الاختلاف علي حسب مقتضاه و نحن لما لمنحط بالمؤثرات ننظر الي آثارها فأي اثر شاهدناه نستدل به علي وجود مؤثره خاصة فان رأينا الاختلاف و تغاير الاحكام نستدل منه علي ان الحاكم بينهم الطبع اذ هو منشأ الاختلاف و ان وجدناها متحدة لا اختلاف بينها نستدل منه علي ان الحاكم هو العقل و هذا وجه حجية الضرورة حيث انا نعلم ان العقل الخالص حجة و لكن لما احتمل في عقولنا الناقصة ان لايصيب او يصدر امر من طبايعنا و نسميه عقليا لجهلنا مع ان الطبيعة علي خلاف كينونة الله و لا حجية فيها نهينا عن العمل بالآراء و اما اذا استيقنا من كل جهة ان هذا الحكم حكم العقل الخالص الذي جعله الله حجة باطنة فعلينا العمل بحكمه و هذا اليقين قد يحصل لنا بمشاهدة الموافقة في جميع الاقوال و قيام الضرورة علي امر فانا ح نعلم انه لميصدر هذا الامر الا عن العقل الخالص و لولا ذلك لاختلف فيه فلاجل ذلك صارت الضرورة حجة قطعية و قد يعبر عن هذا [ص 35] البيان بان الامام عليه السلام داخل فيهم و هي حجة لاجل ذلك و الي هذا يرجع ما ذكرناه بلا اختلاف لان العقل من نورهم و النور نور اذا رؤي فيه المنير بالجملة مرادنا اثبات ان تلك الادلة ليست بعقلية و قد عرفت انها لو كانت عقلية مااختلفوا فيها و لما ان جاء الاختلاف علمنا انها نفسية طبعية و اي حجية لكلام النفس التي يحتمل فيها الاقرار بالربوبية و انكارها و الاقرار بالنبوة و انكارها و امثال ذلك كما سمعت مرارا من امر عالم الذر نعم النفس الراضية المرضية المعصومة عن الخطاء و الزلل بكل وجه الامر فيها فوق ما ذكر و هي حجة بلا كلام و هي لاهلها لا لنا نعم الدليل العقلي هو الموعظة الحسنة الموجبة لليقين بالنجاة الذي هو من شأن العقل كما في حديث جنود العقل و الجهل ان من جنود العقل اليقين و ضده الشك و هو من جنود الجهل و اصل الجهل في النفس الامارة و هي شاكة في جميع الامور و لاتدري هالكة او ناجية و اما العقل فهو متمسك بالموعظة الحسنة و متيقن بنجاته فالدليل العقلي الخاص هو هذا لا غير و لاتزعم من ذلك ان له ان يستقل في الاستدلال بها حاشا ان يكون كذلك و لو استقل ذهب عقله و جاء الجهل بل عليه ان يأخذ بها اذا وافقت النقل لا مطلقا اذ عقولنا ليست بمعصومة لايخطي في امر من الامور بل هي مشوبة بالاعراض و الامراض و كثيرا ما يحكم بمقتضاها فلايمكن الاعتماد [ص 36] علي حكمه من دون الاستناد و العرض علي الكتاب و السنة هذا و معرفة طريق النجاة تحتاج الي الاحاطة بطرفي الواقعة و هي مشكلة لاتحصل لنا غالبا لانها من الجزئيات و عقولنا لو ادركت شيئا لايدرك الا الكليات فلا بد اولا من النظر في الكتاب و السنة و معرفة ذلك ثم الاخذ بما هو الاحوط عند العقل و الاوفق بهما عملا بالموعظة الحسنة و القول الحق الحقيق بالتصديق انه لايجوز لاحد مع آلمحمد عليهم السلام ان يعمل برأيه و هواه في امر من الامور ايا كان اين كان و هذه اخبار آلمحمد عليهم السلام تشهد بما ذكرناه و الحمد لله و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين و هذا القدر من البيان كاف في المقدمة و هذا ابان الشروع في المقصود و التوفيق من الله الودود .
فصل - اختلفوا في انه هل يجوز خلو واقعة من الوقايع عن الحكم ام لا و ذهب كل الي قول و استدل بدليل و لا حاجة لنا و الحمد لله الا الي بيان الحق في المسألة فاقول و لا قوة الا بالله ان الله سبحانه احد و الاحد لاينتهي الي حد ابدا اذ الحدود من الغيور و هو تعالي ممتنع معه ما سواه فلاينتهي الي حد و ليس له نهاية و لايغيي بغاية فتجلي الي مشيته فخلقها بنفسها ثم خلق الاشياء بالمشية علي صور مختلفة متكثرة و انما جعلها كذلك ليدل علي احديته لانك اذا وجدت آثار مؤثر كلها علي [ص 37] صورة واحدة و طبيعة واحدة تستدل به علي ان مؤثرها صاحب هذه الصورة الخاصة المتعينة الاتري انك تستدل من وجدانك آثار النار كلها حارة يابسة علي ان النار حارة يابسة و من وجدانك آثار الماء باردة رطبة علي ان الماء بارد رطب و ذلك لان الاثر يشابه صفة مؤثره و يدل عليه و انما هو جلوته و نوره و ظهوره فلا جرم هو علي صفته بل هو بنفسه صفته فاذا وجدت آثار النار كلها حارة يابسة تستدل به علي ان النار حارة يابسة و اما اذا نظرت اليها بملاحظة اختلاف درجاتها في الحرارة و وجدت النار ظاهرا عن الكل قلت ان النار منزهة عن تلك الدرجات و اذا نظرت الي النار و اخواتها عرفت ان العنصر منزه عن حدود العناصر لظهوره في كلها بلا اختلاف و اذا نظرت الي العنصر و الافلاك التسعة وجدت الجسم منزها عن حدودها و اذا نظرت الي الجسم و ما في عرضه عرفت ان مشية الله سبحانه منزهة عن حدودها و اذا نظرت الي مجموع الملك عرفت ان كينونة الله سبحانه منزهة عن الاطلاق و التقييد و الكل و الجزء بل هو احد لا حد له و لا نهاية فلاجل ذلك خلق الله سبحانه خلقه مختلفا متكثرا حتي لايقول احد ان لو خلق كذا ليدل ذلك علي احديته و بساطته بالجملة ليس المقام مقام بسط ذلك و انما المقصود الاشارة الي الدليل فهذا الخلق مع اختلافهم و تكثرهم لا شك ان بعضهم مخالف مع بعض من [ص 38] جميع الحيوث و بعضهم مع بعض من اكثر الحيوث و بعضهم مع بعض يخالف من حيث من الحيوث و بعضهم يخالف في الحيوث الكلية و بعضهم في الحيوث الجزئية التي لايعتد بها و هكذا كما تري و تشاهد ذلك عيانا و من البين ان المخالف للشئ مفنيه و مبيده و الموافق مبقيه و مديمه و الله سبحانه خلق الخلق للبقاء لا للفناء فامرهم بما فيه بقاؤهم و نهاهم عما فيه فناؤهم و زوالهم كما في اخبار عديدة منها ما رواه ابي العلامة اعلي الله مقامه عن الرضا عليه السلام انه كتب الي محمد بن سنان جاءني كتابك تذكر ان بعض اهل القبلة يزعم ان الله تبارك و تعالي لميحل شيئا و لميحرمه لعلة اكثر من التعبد لعباده بذلك قد ضل من قال ذلك ضلالا بعيدا و خسر خسرانا مبينا لانه لو كان كذلك لكان جايزا ان يستعبدهم بتحليل ما حرم و تحريم ما احل حتي يستعبدهم بترك الصلوة و الصيام و اعمال البر كلها و الانكار له و لرسله و كتبه و الجحود بالزني و السرقة و تحريم ذوات المحارم و ما اشبه ذلك من الامور التي فيها فساد التدبير و فناء الخلق اذ العلة في التحليل و التحريم التعبد لا غيره فكان كما ابطل الله عز و جل به قول من قال ذلك بانا وجدنا كلما احل الله تبارك و تعالي ففيه صلاح العباد و بقاؤهم و لهم اليه الحاجة التي لايستغنون عنها و وجدنا المحرم من الاشياء لا حاجة للعباد اليه و وجدناه مفسدا داعيا [ص 39] الي الفناء و الهلاك ثم رأيناه تبارك و تعالي قد احل بعض ما حرم في وقت الحاجة لما فيه من الصلاح في ذلك الوقت نظير ما احل من الميتة و الدم و لحم الخنزير اذا اضطر اليه المضطر لما في ذلك الوقت من الصلاح و العصمة و دفع الموت فكيف دل الدليل علي انه لميحل الا لما فيه من المصلحة للابدان و حرم ما حرم لما فيه من الفساد و كذلك وصف في كتابه و ادت عنه رسله و حججه كما قال ابوعبدالله عليه السلام لو يعلم العباد كيف كان بدء الخلق مااختلف اثنان و قوله (ع) ليس بين الحلال و الحرام الا شئ يسير يحوله من شئ الي شئ فيصير حلالا و حراما ه ، نقلته بطوله لكثرة محصوله في تلك المباحث لانهم قد يبحثون عن هذه المسألة خاصة بالجملة فكل شئ في الملك اما يوافقك و يوجب لك البقاء في النعيم الابدي فيتعلق به الامر او يخالفك و يهلكك فيتعلق به النهي و اذا كان الوفاق او الخلاف بديهيا فتعلق الحكم به بين و ان قيل سلمنا ان كل شئ في الدنيا محل لحكم من الاحكام و اما ما في ساير العوالم فكيف يكون محلا للحكم و انت في الدنيا مع انك تقول ان الاحكام نسبية لا ذاتية قلت اما اولا و حقيقة فلنا مراتب من سنخ العوالم التي فوق هذا العالم و كلها عبيد لله سبحانه و مأمورة بالسير اليه و كل ما هو في عرض مرتبة من مراتب الخلق اما يناسب له و يوافقه و يعينه في سيره هذا او لا فتكون الكل موضوعات للاحكام [ص 40] الا ان الحكم في كل مقام بحسبه الاتري ان للشارع صلوات الله عليه و آله اوامر و نواه تتعلق بباطنك و يسمي بالطريقة كما تسمي ما يتعلق بظاهرك بالشريعة و له احكام تتعلق بحقيقتك تسمي بالحقيقة و كذب من انكر الطريقة و الحقيقة و اقتصر علي الشريعة اليس اصلاح الباطن و تهذيب الاخلاق و الذكر و الفكر و غيرها من شرع النبي صلي الله عليه و آله المتسمع قوله صلي الله عليه و آله بعثت بمكارم الاخلاق ، و كل ذلك من الطريقة لا الشريعة الظاهرة و كذا اصلاح العقايد و معرفة الله سبحانه و نبيه صلي الله عليه و آله و الائمة و الاولياء عليهم السلام اهي خارجة عن شرع النبي مع انه اول ما بعث قال قولوا لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله صلي الله عليه و آله و امر بالثالث و الرابع بعد ذلك البتة بالجملة و كذب ايضا من اقتصر علي الطريقة و ترك الباقي او الحقيقة و ترك الباقي فكون الجميع من شرع النبي صلي الله عليه و آله و دينه مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه و اما ثانيا و ظاهرا انا و لو كنا في الدنيا الا ان ما هو من فوق الدنيا يؤثر فينا بواسطة المرتبة التي فينا من عرضه الاتري ان تصور العدو في الخيال ربما يغضبك و تصور المحبوب يرفع غضبك و تصور المرأة الحسناء ربما يوجب الانزال ان كنت كثير الشهوة و هكذا و هذا امر ظاهر لا حاجة الي التفصيل فيه فاذا كان الامر كذلك فكل شئ بالنسبة اليك له حكم سواء كان ذلك في [ص 41] الدنيا او في غيرها و انما بينا عمومه و شموله لانهم قد يبحثون عنه في بعض المقامات بالجملة و يدل علي ذلك اخبار كثيرة منها ما رواه ابي العلامة اعلي الله مقامه و روحي فداه عن ابيعبدالله عليه السلام انه قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله جعل لكل شئ حدا و جعل علي من تعدي حدا من حدود الله حدا ، و عموم لفظة كل شئ واضح و لا مخصص له و عن ابيبصير عن ابيعبدالله (ع) في حديث علم رسول الله صلي الله عليه و آله عليا الف باب يفتح كل باب الف باب الي ان قال فان عندنا الجامعة صحيفة طولها سبعون ذراعا بذراع رسول الله و املائه من فلق فيه و خط علي عليه السلام بيمينه فيها كل حرام و حلال و كل شئ يحتاج اليه الناس حتي الارش في الخدش و ضرب بيده الي تأذن لي يا بامحمد قال قلت جعلت فداك انما انا لك فاصنع ما شئت قال فغمزني بيده قال حتي ارش هذا كأنه مغضب و قال (ع) ما من شئ الا و فيه كتاب و سنة و عن ابيالحسن موسي (ع) في حديث قيل له اصلحك الله اتي رسول الله بما يكتفون به في عهده قال نعم و ما يحتاجون اليه الي يوم القيمة فقيل ضاع من ذلك شئ فقال لا هو عند اهله و قال (ع) ان الله تبارك و تعالي انزل في القرآن تبيان كل شئ حتي والله ماترك شيئا يحتاج اليه العباد حتي لايستطيع عبد ان يقول لو كان هذا انزل في القرآن الا و قد انزل الله فيه و قال (ع) [ص 42] ما من امر يختلف فيه اثنان الا و له اصل في كتاب الله و لكن لاتبلغه عقول الرجال و قيل له (ع) اكل شئ في كتاب الله و سنة نبيه او تقولون فيه فقال بل كل شئ في كتاب الله و سنة نبيه و عن الرضا عليه السلام في حديث طويل قال ان الله لميقبض نبيه حتي كمل له الدين و انزل عليه القرآن فيه تبيان لكل شئ بين فيه الحلال و الحرام و الحدود و الاحكام و جميع ما يحتاج اليه الناس كملا فقال عز و جل مافرطنا في الكتاب من شئ و انزل عليه في حجة الوداع و هي آخر عمره اليوم اكملت لكم دينكم و اتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الاسلام دينا و امر الامامة من تمام الدين الي ان قال و ماترك شيئا يحتاج اليه الامة الا بينه فمن زعم ان الله لميكمل دينه فقد رد كتاب الله و من رد كتاب الله فهو كافر به الخبر ، و هل يبقي شك بعد تلك الاخبار الساطعة المنار لذي مسكة ان كل شئ موضوع لحكم من احكام الله تعالي بل و يمتنع عند الحكيم خلو الشئ عن الحكم الا انه لايؤخذ علي بعض الخلق كالاطفال و المجانين مثلا و الا فاصل ثبوت الحكم اي الاثر الخاص المعبر عنه بتلك الاحكام مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه اليس ان الصبي اذا شرب الخمر اسكرته و اذا شرب السم قتله نعم الا انه لايؤاخذ بهما و لايعذب رحمة و لكن خلو اصل الواقعة نوعا عن الحكم فهو بديهي البطلان عند من له عينان بل و عدم احتياج الناس الي شئ [ص 43] خاص لايخرجه عن كونه موضوعا للحكم اليس ان لو خلق الله في جبل من الجبال التي ليست بمنال ايدي احد من خلقه سما نقيعا فلو فرضت في ذهنك تمكنك من هذا السم تقول ان شربه حرام بحكم الشارع صلوات الله عليه و آله الامر هكذا بلا شك فاصل الحكم عند الله ثابت نعم البيان و التعريف يتعلق بما نحتاج اليه و اما ما لا حاجة لنا اليه فلا حاجة الي بيانه و انت لو احطت خبرا بما بيناه ان الاحكام تعبيرات عن الآثار التي تحدث بين الاشياء بسبب المقارنة و المجانبة لا انها تعبدية صرفة غير تابعة للمصالح و المفاسد يسهل لك الامر انشاء الله .
فصل - اختلفوا في الاصل في الاشياء قبل ورود الشرع هل هو الحظر ام الاباحة او غيرهما و ماادري ما ينفعنا البحث عن هذه المسألة مع ان الاصل ايا كان لايجوز لنا اجراؤه بعد الشرع البتة لان الشارع صلي الله عليه و آله لميخل مقاما عن الحكم حتي يجري الاصل فيه كما مر آنفا في اخبار عديدة و مع ذلك لا حاجة الي البحث عنه ابدا و ايضا ما معني قولهم قبل الشرع و آدم ابوالبشر كان نبيا و كان له شرع و قبله لميكن من بني آدم اثر و لا اسم فهل المراد من ذلك اي بالنسبة الي الملائكة او الجن و مايجدينا البحث عنه و لنا امور و حوائج مهمة شغلت تلك الايام القلائل و لمنفرغ للبحث عما لمنؤمر به [ص 44] نعم الا ان يكون ذلك فرضيا بان نفرض قبل الشرع في اذهاننا فنري الاصل فاقول و الله المأمول في الايراد و القبول ان هذا الملك ملك الله و اشخاص هذا الملك كلهم عبيد لله سبحانه اخرجهم من العدم الي الوجود و لايملكون انفسهم فضلا عن غيرهم كيف و في الشرع الظاهر اذا اشتريت عبدا من عباد الله بدنانير اخذتها من ملك الله بقدرة اقدرك الله بها و بعزيمة اعطاك الله اياها و بساير الاسباب التي هيأها الله لك تملك هذا العبد و ما في يده كلها بحيث لايقدر علي شئ بغير اذنك و اجازتك بعد ان ملكتها فلايجوز له التصرف في نفسه و في ماله بوجه من الوجوه فاذا كان الامر فيك كذلك فكيف يكون في الله الخالق المخرج من العدم الي الوجود المحيي بعد الموت و المميت بعد الحيوة و الرازق بعد الخلق الذي ليس لاحد سواه قدرة علي فعل ابدا الا بمشية الله و بحوله و بقوته و لميكونوا شركاء له في امر من الامور و لميستعن بهم فيما دق و جل و ليس لاحد عليه حق بل له الحق علي جميع الخلق و لايقدر احد علي اداء حقه الا من شاء و هكذا امثال هذه الصفات التي له دون غيره من خلقه فلا شك ان الواجب علي الخلق ان لايتصرفوا في امر من الامور و في شئ من الاشياء و يدل علي ذلك ما روي عن النبي صلي الله عليه و آله في احتجاجه علي المشركين انا عباد الله مخلوقون مربوبون نأتمر له فيما امرنا [ص 45] و ننزجر عما زجرنا و نعبده من حيث يريده منا فاذا امرنا بوجه من الوجوه اطعناه و لمنتعد الي غيره مما لميأمرنا و لميأذن لنا لانا لاندري لعله ان اراد منا الاول فهو يكره الثاني و قد نهانا ان نتقدم بين يديه فلما امرنا ان نعبده بالتوجه الي الكعبة اطعنا ثم امرنا بعبادته بالتوجه نحوها في ساير البلدان التي نكون بها فاطعنا فلمنخرج في شئ من ذلك من اتباع امره و الله عز و جل حيث امر بالسجود لآدم لميأمر بالسجود لصورته التي هي غيره فليس لكم ان تقيسوا ذلك عليه لانكم لاتدرون لعله يكره ما تفعلون اذ لميأمركم به ثم قال رسول الله ارأيتم لو اذن لكم رجل بدخول داره يوما بعينه الكم ان تدخلوها بعد ذلك بغير اذنه او لكم ان تدخلوا دارا له اخري مثلها بغير امره او وهب لكم رجل ثوبا من ثيابه او عبدا من عبيده او دابة من دوابه الكم ان تأخذوا ذلك فان لمتأخذوه اخذتم آخر مثله قالوا لا لانه لميأذن لنا في الثاني كما اذن في الاول قال (ص) فاخبروني فالله عز و جل اولي بان لايتقدم علي ملكه بغير امره او بعض المملوكين قالوا بل الله اولي بان لايتصرف في ملكه بغير اذنه قال فلم فعلتم و متي امركم بالسجود ان تسجدوا لهذه الصور قال فقال القوم سننظر في امورنا و سكتوا الخبر ، انظر الي مطاوي هذا الخبر فانه ينفعك في كثير من المقامات فالاصل في جميع الاشياء ان لايتصرف احد من الخلق فيها الا [ص 46] باذن الله تبارك و تعالي هذا و انت لو فرضت جهلك بان الملك ممن هو و لمن هو و لكن نظرت بعقلك و لمتخاطر بنفسك و ابتغيت صلاح امرك عرفت انك ان لمتتصرف في امر من امور الملك حتي في نفسك و في شئ مما يتعلق بك لايعاقبك صاحب هذا الملك و مالكه علي عدم تصرفك فيه البتة و لكن ان تصرفت فيه برأيك و هواك يحتمل ان يعاقبك عليه بل لو لمتدر قطعا ان له مالك و وقفت عن التصرف فيه فان كان له مالك فكما مر و الا فلا خوف لك من احد فباي نظر نظرنا وجدنا ان طريق السلامة الكف عن التصرف في امر من الامور فالاصل الاولي في الاشياء الموافق للنقل و المؤيد بالعقل هو الحظر و ان قيل ان الحظر محتمل المفسدة لان لازمه ترك الاكل و الشرب و النكاح و ترك ساير ما يضطر اليه و لازم ذلك كله الفناء و الموت قلت اما اولا فان الاباحة ايضا محتمل المفسدة لان لازمها اباحة كل فعل و من الافعال ما فيه المفسدة عيانا و ثانيا ان احتمال المفسدة لايقدح فيما يدل عليه الكتاب و السنة و يؤيده العقل السليم و لعل الله يريد اهلاك خلقه و افناءهم و من يقدر علي المعارضة معه فان الذي اخرج الخلق من العدم الي الوجود له ان يردهم الي العدم كما يميتهم و ليس لاحد ان يعيب عليه فان اراد ان يفنيهم بتركهم المصالح له ذلك او بفعلهم المفاسد له ذلك كما قال تعالي اذا اردنا ان نهلك [ص 47] قرية امرنا مترفيها ففسقوا فيها و كذلك يضل الله من يشاء و يهدي من يشاء و غير ذلك من الآيات و هي كثيرة فليس لاحد ان يعيب عليه ذلك فيتصرف في ملكه بغير اذنه فانك اذا كنت انت و ما لك من مالك و ميلك و هواك و بقائك و فنائك كلها له تعالي و بيده فباي دليل تريد بقاءك دون فناءك بغير اذن منه كل ذلك محل كلام عند الموحدين الراشدين فالاصل هو الحظر واقعا و لكن الكلام في ان من كان قبل الشرع لو كان هل يعرف امثال هذه المطالب ام لا و الحق انه لايعرف شيئا من ذلك لان معرفته من شأن العقل و هو من نور الشارع صلوات الله عليه و آله و الفرض قبله و الله سبحانه لايؤاخذه بمخالفته الحظر لانه جاهل و لا تكليف عليه نعم اليوم بعد ما جاء الشارع صلوات الله عليه و آله و عرفنا ذلك علمنا ان الاصل مع الاغماض عن تلك الاحكام الخمسة الحظر بالجملة ثم اعلم ان الله سبحانه حكيم و خلق الخلق لفائدة و هي لاتحصل الا ببقائهم و دوامهم في الدنيا اياما فانهم لو خلقوا و فنوا من فورهم لميبلغوا الغاية البتة اذ جعلها بحيث يحصل بعملهم و كسبهم و اختيارهم لا بان يخلقهم علي ما اراد منهم من الغاية فان ذلك يستلزم اللغو في خلق الجنة و النار و كذا الخلق المختار اذا عمل و وصل الي الغاية كان اكمل و احكي لكمال الله سبحانه بالنسبة الي غير المختار لظهور جهات الكمال فيه اكثر [ص 48] من غيره فان غير المختار حد بحد خاص لخصوصية جهته و حده بخلاف المختار بالجملة ليس المقام مقام بسط هذه المسألة و الغرض محض الاشارة فاذا جعل في حكمته ان يحصل الغاية بعملهم فلا جرم يحتاجون الي لبث في الدنيا و بقاء و دوام فيها و لا شك في انه ان كان الاصل في جميع الاعمال الحظر دائما حتي عن الضروريات التي يضطرون اليها لميبقوا و لميديموا و لميصلوا اذ في ترك الضروريات هلاكهم و بوارهم فلاجل ذلك اباح الله لهم بعض الاشياء و قال خلق لكم ما في الارض جميعا و قال و الانعام خلقها لكم فيها دفئ و منافع و قال اولميروا انا خلقنا لهم مما عملت ايدينا انعاما فهم لها مالكون و ذللناها لهم فمنها ركوبهم و منها يأكلون و لهم فيها منافع و مشارب افلايشكرون الي غير ذلك من الآيات و هي كثيرة في انواع ما اباح لهم التصرف فيها لاكمال حكمته و اتمام نعمته و لولا ذلك دل علي النقص في صنعه و هو محال و لكن لما كان في الاشياء ما فيه فساد الخلق و هلاكهم فان وكلهم الي انفسهم في جميع الامور و اباح لهم التصرف في جميع الاشياء كان ذلك ايضا نقصا في الحكمة و فسادا في التدبير لانهم لجهلهم لايجتنبون عما فيه فسادهم فيهلكون قبل ان يبلغوا الي الغاية و هذا ينافي الحكمة فلا بد من ان يعلمهم الله المفسد و المصلح و يعرفهم و كذلك هم يحتاجون الي بعض المكملات من الاعمال [ص 49] في سيرهم ليصلوا و ليكن هذه واجبة عليهم و العلم بها ايضا منوط ببيان الله سبحانه لانهم بانفسهم جاهلون لايميزون بين المصلح و المفسد بل يحتاجون الي البيان و لايكون ذلك الا بواسطة الانبياء سلام الله عليهم لادلة واضحة بينة فلزم في الحكمة ان يعرف الله سبحانه خلقه تلك المباحات و المحظورات و الواجبات و المندوبات علي لسان انبيائه و حججه عليهم السلام و هؤلاء الانبياء و الحجج سلام الله عليهم معصومون مطهرون و لايعصون الله ما امرهم و يفعلون ما يؤمرون و لايسهون و لاينسون ابدا بوجه من الوجوه اذ لو جاز العصيان و السهو و النسيان فيهم فقد يتفق ان لايبلغوا الي الخلق ما جعل الله في حكمته ان يبلغه اليهم و هذا نقص في الحكمة بالبداهة لان من الحكمة ان يكون السبب مناسبا للمسبب بحيث يتفرع عليه هذا الامر علي نحو الكمال و من البين ان الساهي الناسي لايقدر علي التبليغ و الاداء علي نحو الكمال فاختياره لاجل ذلك ينافي الحكمة فلا بد من ان يكون معصوما من الخطاء و السهو و النسيان فيبلغ الي الخلق كل ما جعله الله من الاحكام علي ما جعل فيبلغ الواجب واجبا و المحظور محظورا و المندوب مندوبا علي ما جعل الله و المباح مباحا علي ما جعل و هذا مما لا شك فيه و لا ريب يعتريه فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك فاعلم انه لو بني الانبياء و الحجج علي تعداد الجزئيات و بيان [ص 50] احكامها عجز الامة عن حفظ تلك الاحكام و ضبطها لان الموضوعات اكثر من ان يحصيها احد الا الله و حججه عليهم السلام فبيانها علي هذا المنوال يوجب العسر و الحرج الشديد للامة بالبداهة في حفظها و ضبطها هذا و الطريق الاهنأ الاسهل موجود و لايترك مع وجوده البتة و هو ان يبين الاحكام علي نحو العموم و الاطلاق ليسهل الامر كما قال عليه السلام علينا ان نلقي اليكم الاصول و عليكم التفريع ، فان تلك العمومات و الاطلاقات اصول يتفرع عليها في الموارد و قد جرت عادتهم علي ذلك في جميع الاحكام فبينوا بعض الواجبات علي نحو العموم و بعض المحرمات علي سبيل الاطلاق و الاستغراق كقولهم عليهم السلام كل مسكر حرام مثلا و غير ذلك و بينوا بعضها علي سبيل الخصوص علي حسب ما يقتضيه الحال و كذا بينوا و شرحوا بعض المباحات علي سبيل الخصوص مثل ما سئل عنها او بينوا اباحتها ابتداءا منهم و بينوا ما سواها علي سبيل الاطلاق و العموم فصار هذا اصلا جاريا في جميعها و نحن نسميه بالاصل لقولهم عليهم السلام علينا القاء الاصول و لميريدوا من الاصول الا العمومات و الاطلاقات كما يدل عليه ما قال ابوالحسن عليه السلام اذا شككت فابن علي اليقين قيل هذا اصل قال نعم ، و ليس ذلك الا حكم عام و تلك العمومات الواردة في المباحات هي مثل ما قال الصادق عليه السلام كل [ص 51] شئ مطلق حتي يرد فيه نهي و قال عليه السلام الاشياء مطلقة ما لميرد عليك امر و نهي ، انظر الي قوله (ع) يرد عليك فانه اخص من الورود المطلق فلو صدر عن الحجة و لميرد عليك لا تكليف لك و قال (ع) ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم و قال عليه السلام من عمل بما علم كفي ما لايعلم و في حديث المرفوعات منها ما لايعلمون ، و كل هذه عمومات و اطلاقات و اصول تجري في جميع المباحات و لايخرج شئ منها من تحتها و سواء في ذلك ما صدر عن الحجة فيه حكم و لميصل الينا او لميصدر اصلا و ان قيل ان كلمة العباد في قوله ما حجب الله علمه عن العباد الخ ، جمع محلي باللام و يفيد العموم الاستغراقي و اللازم منه ان يكون المحجوب عن البعض غير موضوع عنهم اخذا بمفهوم اللقب قلنا لا حجية فيه و اثبات الشئ لاينفي ما عداه كما في الخبر و قد ثبت في محله فغاية ما يدل ان المحجوب عن الكل موضوع عنهم و المحجوب عن البعض حكمه مسكوت عنه في هذا الخبر و ساير الاخبار متكفل لبيانه و هو ان حكم البعض ايضا حكم الكل اعني ان ما حجب عن البعض موضوع عن البعض و ما حجب عن الكل موضوع عن الكل بالجملة فاذا وجدنا الموضوع خاليا عن النهي عرفنا ان حكمه الاباحة و لايذهب عليك ان خلوه عن النهي من باب السهو او النسيان او الاخلال به نعوذ بالله فان الحجة [ص 52] معصوم مطهر عن جميع ذلك و لميخله عن الحكم الا بعمد منه و قد كان محيطا مطلعا علي ذلك الموضوع و علي حالنا فان رأي الصلاح في النهي عنه ينهي عنه البتة فاذا سكت عن ذلك علمنا انه مباح لا بأس به و يدل علي ذلك اخبار كثيرة منها ما رواه ابي العلامة اعلي الله مقامه عن اميرالمؤمنين عليه السلام انه قال ان الله حد حدودا فلاتعتدوها و فرض فرائض فلاتنقضوها و سكت عن اشياء لميسكت عنها نسيانا فلاتكلفوها رحمة من الله لكم فاقبلوها و قال عليه السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله ان الله تعالي حد لكم حدودا فلاتعتدوها و فرض عليكم فرايض فلاتضيعوها و سن لكم سننا فاتبعوها و حرم عليكم حرمات فلاتنتهكوها و عفي لكم عن اشياء رحمة من غير نسيان فلاتتكلفوها ، و في غير ذلك من الاخبار شواهد كثيرة تركنا ذكرها اختصارا فاذا كلما سكتوا عنه و لميجعلوا له حكما سوي الاباحة فهو مباح مطلق و ربما نستدل علي ذلك ايضا في بعض مقامات اجراء هذا الاصل بان الخلق بانفسهم جاهلون لايعرفون شيئا ابدا الا بتعريف الله سبحانه و تعليمه و اذا عرفهم شيئا علموا ذلك الشئ بخصوصه و جهلوا ما سواه قال الله تعالي لايحيطون بشئ من علمه الا بما شاء و من البين انه لا تكليف علي الجاهل ما دام جاهلا فيما هو جاهل به لان الله سبحانه عدل كريم و ليس من العدل تكليف الجاهل بشئ الا [ص 53] ان يعلموه قال الله تعالي لايكلف الله نفسا الا ما آتاها اي ما عرفها فلا تكليف له فيما لميعرف و قال لايكلف الله نفسا الا وسعها و العلم بما لميبين من الاحكام و العمل به خارج عن وسع العبد بل و عن طاقته فلايكلف به فاذا كلما خلي موضوع عن امر او نهي فهو مما لميبين فلا تكليف للعبد فيه اذ لا تكليف الا بالبيان فان قيل ان الاباحة ايضا حكم من الاحكام الخمسة التكليفية فباي دليل تثبتها قلت التكليف في اللغة الامر بما يشق عليك و اي مشقة في الاباحة فهي في الحقيقة خارجة عن التكليفات و اذا انتفت التكليفات ثبتت الاباحة اذ لايخلو الشئ عن واحد من هذه الخمسة كما مر سابقا و لو قيل ان هذا الذي ذكرته آنفا ينافي ما قدمته من اصالة الحظر قلت قد ذكرنا سابقا ان الخلق محظورون عن التصرف في ملك الله و التقدم بين يديه بغير اذن الله و اما معه فلمنمنع عنه و قد اثبتنا ان اصالة الاباحة في غير المنصوصات مما جعله الشارع صلي الله عليه و آله و بينه علي سبيل الاطلاق و العموم و هو اذن من الله سبحانه في التصرف بعد ما كان محظورا فلا منافاة بينهما .
فصل - في اصالة البراءة . قال مولاي و سيدي ابي العلامة اعلي الله مقامه ما معناه ان هذه اللفظة اي البراءة و لو فسر بما يصح و لكنها في نفسها كلمة ملعونة لان العبد ما دام عبدا [ص 54] لايبرء ذمته من العبودية و هو دايما عبد فاين البراءة و الاباحة التي نثبتها انما هي باذن من الله و اجازة و لولا الاذن ماكان لنا القول بها فكيف نثبت البراءة بالجملة جعلوا اصحابنا لها اقساما فاولا قسموها علي قسمين البراءة عن حقوق الله و عن حقوق الناس و للاول قسمان اصالة نفي الحرمة بمعني انه اذا كان الشئ مما لا نص فيه فالاصل فيه الاباحة و تحت هذا الاصل اصول كاصالة الحل في الاعيان و الاباحة في الافعال و الطهارة في الاشياء و الثاني اصل نفي الوجوب و القسم الثاني اصالة البراءة عن حقوق الناس ثم ان موارد اجرائها علي ما قالوا فيما اذا شك في التكليف او كيفيته و لهذا الشك اقسام اما دائر بين الواجب و غير الحرام او الحرام و غير الواجب او الواجب و الحرام و في الاول اما ليس علم اجمالي في الواقعة الخاصة المشكوكة بالتكليف فيكون شكا في التكليف او هنا علم اجمالي به مردد بين المتباينين لشبهة عرضية مرادية اي في المراد من اللفظ سواءا نشأ الاجمال عن تعارض الادلة او عن اجمال الدليل او مصداقية بان يكون المراد معلوما و المصداق مشكوكا فيه كاشتباه جهة القبلة بين الجهات او يكون الشبهة بين الاقل و الاكثر استقلاليا بان يكون العمل بالاقل كافيا عن نفسه كأن يكون في الفوائت انها خمس او عشر او ارتباطيا و هو خلاف ذلك كالاشتباه في السورة انها [ص 55] جزء الصلوة او لا مصداقيا او مراديا نشأ اجمال المراد من الشك في الحدث اي حدوث التكليف عن الشارع او في الحادث بان نعلم حدوثه و لانعلم المراد منه و كان ذلك لتعارض الادلة او اجمال اللفظ و المراد من الشك هنا اعم مما حصل من النص غير المعتبر او النصين المتعارضين او عدم النص ثم لهم في كل قسم اختلافات و اقوال و ادلة فمنهم من قال بالبراءة و منهم من قال بالاحتياط كبعض الاخباريين و ان اردنا ان نذكرها لطال بنا المقال و لا حاجة اليه و اذا ذكرنا الحق في المقام يغنيك عن كثير مما قالوا انشاء الله و لا حول و لا قوة الا به و ان كانت المسألة واضحة لما مر في الفصل السابق لانه لا فرق عندنا بين الاصل السابق و بين هذا الاصل و لكن تعدي القوم عن مقتضي مدلول الاخبار في هذا الاصل و لا بد من التفصيل في المقام حتي يظهر الحق بلا ظلام بتوفيق الله الملك العلام و اعلم انه قد ادعي بعض الاصحاب الاجماع علي انه لايعمل باصل البراءة قبل الفحص عن الحكم في الكتاب و السنة و هو حق لا شك فيه و لا ريب يعتريه ثم هنا مقامات نذكر في كل منها بعض ما نحتاج اليه في بيان الحق .
الاول - اعلم اولا من باب المقدمة ان العلوم ثلثة عقلي و عادي و شرعي اما العقلي فهو ما يحصل للانسان من الادلة المعنوية التي يدركها العقل و اما العادي و الشرعي فهما يحصلان من [ص 56] الادلة الصورية النفسانية الا ان العلم العادي يحصل من الادلة الصورية التي تحدث بسبب الضرورة و البداهة و التجربة و اجتماع القرائن المعروفة بين العامة كالرؤية و السماع و غير ذلك مما هو معروف بين الخلق و بهذا العلم يعيشون و مدارهم عليه و اما العلم الشرعي فهو حاصل مما جعله الشارع صلي الله عليه و آله دليلا و لو لميوجب ذلك بحسب العادة و العقل علما كالعلم الحاصل من شهادة العدلين شرعا فان العادة و العقل لايحصل لهما العلم من اخبارهما في الغالب و كرواية اتاك الثقة بها فانها توجب لك العلم شرعا و لاينبغي لك الشك فيه و الانكار له مع ما يحتمل عند العقل و العادة مما يقدح فيها و ذلك لقول الحجة عليه السلام و عجل الله فرجه لا عذر لاحد من موالينا في التشكيك فيما يرويه عنا ثقاتنا و قد علموا بانا نفاوضهم سرنا و نحملهم اياه اليهم ، و امثال ذلك كثيرة في الاخبار فلايجوز لنا التشكيك في الروايات الواردة عنهم بواسطة الثقات لاجل الاحتمالات العقلية و كذلك قد يحصل العلم العادي او العقلي و لايحصل العلم الشرعي فلايجوز الاخذ به في الشرع كما اذا رأيت في ثوبك المني و لمتعلم شرعا انه قد نزل منك و لكن تعلم عادة انه منك قطعا و لمتغتسل بعده قطعا و مع ذلك كله لايجب عليك الغسل حتي تعلم ذلك شرعا بان تري من نفسك ذلك بل الامر اعظم من ذلك [ص 57] ربما تري بعينك اخاك او غيره في معصية او عمل آخر و تقطع بذلك بحيث لاتشك فيه ثم يأتيك اخوك و ينكر الامر فامرت في هذا المقام من عند الشارع صلي الله عليه و آله ان تكذب سمعك و بصرك و تصدق اخاك و ليس لك ح ان تعارض بعلمك العادي ما قاله الشارع (ص) فان ذلك اذا كان عن عمد و معرفة فهو كفر اماسمعت قول السجاد عليه السلام في حديث فمن سلم لنا سلم و من اهتدي بنا هدي و من وجد في نفسه شيئا مما نقوله او نقضي به فقد كفر بالذي انزل السبع المثاني و القرآن العظيم و هو لايعلم ، و لعلي نقلت بعض الفاظه بالمعني فاذا قال النبي (ص) كذب سمعك و بصرك و صدق اخاك فيجب عليك ذلك و لايجوز الاخذ بما علمته عادة و كذلك كثيرا ما يحكم عقولنا الناقصة باشياء و اذا خالفها الشرع لايجوز الاخذ بها و لايدخل منها في العلوم الشرعية شئ كما سيأتي فبما ذكرنا عرفت انشاء الله العلم العادي و العقلي و الشرعي و اما الجهل فهو في كل مقام بحسبه فالجهل الشرعي ان لايقوم دليل شرعي علي شئ اصلا فانت بالنسبة الي ذلك الشئ جاهل و العقلي ما لميقم عليه الدليل العقلي و العادي ما لميقم عليه الدليل العادي اما الاخيران فلا كلام لنا فيهما و اما في مقام الجهل بالحكم الشرعي نقول ان هيهنا مقام اجراء اصل الاباحة و الاطلاق علي اصطلاحنا و علي اصطلاحهم هنا [ص 58] مقام اجراء اصل البراءة لانا قد ذكرنا في الفصل السابق ان اصالة الاباحة و الاطلاق انما تثبت بالشرع و لولا دلالة الاخبار عليها ماكان لنا الاخذ بها البتة و لو دلت عليه الف دليل عقلي لان دين الله لايصاب بالعقول الناقصة فاذا بنينا علي اثبات حجيتها بالاخبار فمنتهي دلالة الاخبار انها حجة في مقام الجهل بالحكم الشرعي كما سمعت من قوله (ع) الاشياء مطلقة ما لميرد عليك امر و نهي ، و هذا مقام الجهل الشرعي و هذا مما لا شك فيه كما مر عليه الدليل و سيأتي و لاازعم عاقلا يقول ان في مقام وجود النص يجري اصل البراءة لانه ينافي الاسلام و التدين بداهة نعم الا في بعض الموارد منها اذا كان خبر متشابه لايمكن الاخذ بظاهره و لايعرف له معني يوافق المحكمات حتي يؤخذ به و لايكون في مقامه نص محكم يدل علي الحكم صريحا فيرجع المقام الي مقام عدم النص فيجري فيه اخبار الاطلاق لان اتباع المتشابه مخالف للكتاب و السنة قال الله سبحانه اما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله ، و في الحديث في متشابه الاخبار قال عليه السلام لاتتبعوا متشابهها دون محكمها فتضلوا و لعلي نقلته بالمعني و المحكم في هذا المقام هو اخبار الاطلاق فعلي قولهم اصالة البراءة تجري في الشبهة المرادية الحاصلة من اجمال اللفظ و لعل من مواضع جريان هذا الاصل ما اذا ورد نص غير [ص 59] معتبر شرعا فانه ان كان في عدم الاعتبار علي حد لايجوز الاخذ به و لميكن في المقام خبر آخر معتبر فهو ايضا كما لا نص فيه و يجري فيه الاصل فالقاعدة الكلية لمعرفة مجاري هذا الاصل هي ان مجراه في مقام الجهل الشرعي بالحكم و الجهل الشرعي في مقام لميقم دليل شرعي يوجب العلم و معرفة عدم ايجابه العلم تحصل ببيان الشارع صلي الله عليه و آله كما في المتشابه حيث بين بعبارات مختلفة انه لايوجب العلم و لايؤخذ به و انما قيدنا الكلام بهذا القيد لئلايقول اصولي ان الخبر الواحد الذي رواه الثقة ايضا لايورث لي العلم فيجري فيه اصل البراءة و ان احطت خبرا بما فصلناه من امر العلوم يذهب تلك الشبهة عنك لان العلم الشرعي في الحقيقة امر وضعي و لا مدخلية للقواعد العادية فيه كما في ساير احكام الشارع صلوات الله عليه و آله فانها كلها وضعية فالعلم الشرعي علم وضعي و لايحتم موافقته للعلم العادي و العقلي و ان حصل لاحد علم عادي و عقلي ايضا بالمسألة الشرعية فهو فضل من الله كما قد يحصل لنا من بركات مشايخنا اعلي الله مقامهم و لكن ان لميحصل فالعلم الشرعي الوضعي كاف في الاحكام الشرعية و ان دققت النظر فيما اقول ارجو ان تنجو من كثير من شبهات القوم في مسألة الظن و ليس المقام مقام البسط بالجملة فبما ذكرنا عرفت ان شاء الله معني العلم الشرعي و الجهل الشرعي و كذا [ص 60] العقليين و العاديين فاذا علمت ذلك فاعلم انه اذا كان ذلك الدليل المعنوي في العلوم العقلية و الدليل العادي في العلوم العادية و الشرعي في الشرعية واحدا لا معارض له من سنخه فيحصل له العلم بمدلوله عقليا او عاديا او شرعيا كل بحسب دليله و ان كان له معارض من سنخه فلايخلو عن اقسام فاما يعادله في القوة و الضعف او احدهما اقوي و الآخر اضعف اما الاول فيوجب الشك و الثاني الذي هو الاقوي يوجب الظن و الثالث الذي هو الاضعف هو الوهم و يشترط في تلك الاقسام كلها ان يكون الدليل الآخر من سنخ الدليل الاول فان كان الاول عاديا و الثاني عقليا لايعارضه و ان كان شرعيا و كان الآخر عاديا او عقليا او هما معا لايعارضانه فلايوجبان شكا و لا ظنا و لا وهما و لايزول العلم الشرعي ابدا ابدا و انما ذلك لان لكل منها مقام خاص و محل برأسه لايتمشي في الآخر كما تري ان النحوي مثلا يقول في نحوه في تركيب زيد عبد الله ان عَبَدَ فعل و زيد فاعله و الله مفعول و في علم الحقيقة يقال ان الله هو العامل و الفاعل و لايعارض احد هذين القولين الآخر و في تركيب قال الله يقول ان الله معمول لقال و في الحقيقة يقول ان الله هو العامل و القول معموله و لايعارض احد هذين القولين الآخر فان قول النحوي في ظاهر الفاظه من حيث اللفظ و قول الحقيقي في حقيقته كما انك اذا قلت [ص 61] الحيوان يري بعينه و يسمع باذنه و قال آخر ان روح الحيوة يري بكله و يسمع بكله ليس لك ان تعارض قوله بقولك فان كلامك في الظاهر و كلامه في الباطن و لا مدخلية لاحدهما في الآخر و كذلك امر الشرع و العادة في التباين فلايعارض العادة للشرع ابدا كما تري شواهد ذلك في الشرع فمنها انك تري الكلب يخرج من البيت و في فمه اثر اللبن و تدخل البيت و اثر ولوغه ثابت في الاناء و تتيقن بولوغه عادة مع انك لمتره بعينك و الشارع صلي الله عليه و آله يقول لا بل هو طاهر فلايجوز لك اجراء علمك بالنجاسة عادة في ذلك و ليس بقادح للعلم الشرعي بالطهارة و ما للعادة و معرفة الطهارة و النجاسة و هما حكمان شرعيان و معرفتهما من قبل الشارع (ص) البتة فليس لك ان تسمي ذلك شكا مستدلا بان الشك ما حصل من دليلين فانه حق و لكن اذا كانا من سنخ واحد لا من سنخين مختلفين بل هنا علمان مختلفان عادي و شرعي و يقدم الشرعي لانه الحق نعم الا ان يقوم دليل شرعي بازاء دليل شرعي فيوجب الشك الشرعي او عقلي بازاء عقلي فيوجب الشك العقلي و هكذا في العادة و عمدة كلامنا في الشرعي كما كان في العلم الشرعي فاقول فيه ان الشك الشرعي غير موجود و الحمد لله لان الشئ اما فيه نص او لا فان لميكن فيه نص فحكمه الاطلاق بلا شك و ان كان فيه نص فاما ان يكون بينا او لا فان لميكن [ص 62] بينا فيلحق بعدم النص كما مر و ان كان بينا فاما واحد او متعدد فان كان واحدا فلا شك فيه و ان كان متعددا فاما متفق او مختلف فان كان متفقا فهو او مختلفا فيعرض علي المعاريض الي ان يرجع الامر الي واحد او يثبت التخيير فلا شك فيه ايضا فاين الشك الشرعي فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هنالك يظهر لك خطاءات عديدة مما نقلناه من كلمات القوم احدها ما يقولون من الشك في مقام عدم النص فان المراد من هذا الشك شك شرعي بالبداهة و الشك لايحصل الا بان يقوم دليلان و المفروض انه غير منصوص عليه فاي شك فيه و ان قيل انا نعلم اجمالا انا مكلفون لعدم خلو الواقعة عن الحكم و لقوله تعالي فيه تبيان كل شئ و غير ذلك قلت بالعلم الاجمالي لايتم الحجة ذلك قوله تعالي ليهلك من هلك عن بينة و يحيي من حي عن بينة و قد امر الله سبحانه نبيه صلي الله عليه و آله بالبلاغ المبين و العلم الاجمالي خارج عن ذلك بداهة فلايوجب ذلك لنا شكا هذا و غرضكم اجراء الاباحة و هي جارية في هذا المقام بالنصوص المستفيضة و قد مر ذكرها و هي متفقة المعني و يوجب العلم بالاباحة لا الشك فان اردتم ان تجروا اصالة البراءة فاجروها و لكن لم تقولون ان المقام مقام الشك مع انه لميقم فيه دليل سوي اخبار الاطلاق و هي متفقة مؤيدة بالكتاب و لا معارض لها حتي يوجب الشك و الثاني ما قلتم من حصول الشك من [ص 63] جهة نصين و اجراء اصل البراءة و الاخذ بما هو اوفق بالاصل فانه ليس المقام مقام الشك كما عرفت آنفا و ليس المقام مقام اجراء الاصل لزوال الجهل فيه و لا دليل لنا علي ان من المعاريض اصل البراءة و لا معني لاختراع المعرض لرفع الاختلاف عن كلام غيرك لانه بنفسه اعلم بانه علي اي قاعدة و اي اصل جري في كلامه بل هو العالم لا غير فهو اولي ببيان المعرض و ثالثها ما يقولون ان الدليل العقلي قد يعارض النص فانك قد عرفت سالفا و آنفا انه كلام باطل و رابعها ما قلتم من الشك في مقام ورود النص غير المعتبر فان هذا المقام مقام الجهل علي ما عرفت و لا معني لان تقول انه قد حصل لي الشك من رواية كاذب عرفت كذبه الي غير ذلك مما يظهر لك بعد التأمل في كلماتهم و فيما ذكرناه او نذكره و هي كثيرة و لا حاجة الي التفصيل .
الثاني - اعلم انه لايعمل باصل البراءة قبل الفحص عن الحكم في الكتاب و السنة و هذه المسألة في الحقيقة واضحة من عين ما استدللنا به علي حجية هذا الاصل في بعض المقامات لانا قد ذكرنا ان ذلك حكم شرعي حكموا به ساداتنا صلوات الله عليهم في مقام عدم النص و نحن قبل الفحص جاهلون بوجود النص و عدمه و كذا قبل السؤال نحن جاهلون بوجود حكم عندهم للموضوع سوي الاباحة و لايرتفع هذا الجهل الا بالفحص [ص 64] و السؤال ان امكن فلا بد لنا منه و لكن لما بينوها القوم بالخصوص و اثبتوها افردنا ايضا لاثباتها مقاما خاصا نستدل فيه عليها من الكتاب و السنة حتي يظهر الامر و قد ادعي بعض الاصحاب الاجماع عليه و لكن لايجدينا ذلك كثيرا من دون استناد الي الكتاب و السنة بالجملة فالدليل عليه من الكتاب قوله تعالي فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون فابان ان التكليف عند الجهل السؤال و الفحص و هو ينافي البراءة بداهة و قال تعالي فلولانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون و النفر و التفقه ينافيان البراءة و لو كان التكليف البراءة ماكانوا يحتاجون الي نفر و لا تفقه ابدا و من السنة ما رواه ابي العلامة اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال اطلبوا العلم و لو بالصين فان طلب العلم فريضة علي كل مسلم و قال ابوعبدالله عليه السلام تفقهوا في الدين فان من لميتفقه في الدين فهو اعرابي ، فاذا وجب التفقه و طلب العلم لميبق للبراءة مجال و قال علي عليه السلام في حديث :
اذا كنت لاتدري و لمتك سائلا عن العلم من يدري جهلت و لاتدري
و قال ابوعبدالله عليه السلام انما يهلك الناس لانهم لايسألون و قال في حديث فان دواء العي السؤال ، الي غير ذلك من الاخبار و هي اكثر من التواتر كما شهد به ابي اعلي [ص 65] الله مقامه فاذا كان هلاك الناس في ترك السؤال فالقول بالبراءة فيما لميعلم وجوبه و لا حرمته قبل الفحص مما لاينبغي و سئل ابوالحسن عليه السلام هل يسع الناس ترك المسألة عما يحتاجون اليه فقال لا ، و من العقل القاطع الموافق للنقل اما من نحو الحكمة فاعلم ان الله سبحانه خلق الخلق لعبادته و امرهم بطاعته كما قال في كتابه المجيد و ماخلقت الجن و الانس الا ليعبدون و قال و ان اعبدوني هذا صراط مستقيم فهم مخلوقون لاجل ذلك لا غير و كلما يقال في بيان غاية الايجاد كلها عبارات عن هذا المطلب فذمة العباد مشغولة بالعبادة و هذا اصل اولي بني الملك عليه و له و لولاها لفني الخلق و زال ان كان في جميع الملك فجميعه يفني و يزول و ان كان في بعض افراده فتلك الافراد و ذلك لان الوجود لايحصل الا بالعبادة لان المخلوق عدمي الاصل و لميكن ثم كان فان اعرض عن مؤثره و موجده و لميتوجه اليه اصلا فني البتة كالمرآة التي انطبع فيها شبح الشمس ان اعرضت عن الشمس ارتفع الشبح بالكلية و كذا هيهنا وجود الخلق و بقاؤهم و دوامهم بالتوجه الي مباديهم و هذا معني العبادة فان العين في العبد اشارة الي علمه بربه و الباء بونه عن الخلق و الدال دنوه من خالقه و هذا معني ما ذكر من التوجه بالجملة فالخلق في وجودهم لا بد لهم من العبادة الا ان الوجود وجودان وجود كوني و لا بد لهم فيه [ص 66] من عبادة كونية و وجود شرعي و لا بد لهم فيه من عبادة شرعية و كلامنا هنا في الوجود الشرعي و العبادة الشرعية فلا بد للخلق منها لما عرفت و تلك العبادة ثابتة في كل شئ حتي في الاعمال الطبيعية فلكل عمل و قول و صفة و خلق و شئ من الاشياء جهة عبادة ارتضاها الله و احبها و جهة معصية ابغضها و ذلك لان الله سبحانه خلق كل شئ من نور و ظلمة و النور حيثه بربه و الظلمة حيثه بنفسه و انيته و تري في وجدانك ان الشئ لايخلو من هذين الحيثين و هما مختلفان في الاشياء علي اختلاف درجات المخلوقين من حيث قربها و بعدها من مبدئها ففي بعضها جهة النور اقوي و جهة الظلمة اضعف و في بعضها بالعكس و في بعضها متساويتان و العمل بما فيه النور اقوي يقوي النور و هو العبادة و تركه عصيان و العمل بما فيه الظلمة اقوي يقوي الظلمة و هو العصيان و الاجتناب عنه عبادة و العمل بما هما فيه متساويتان مباح و العبادة تتصور فيه بان تعلمه مباحا لاجل اباحة الله و ان علمته مباحا و عملت به برأيك و هواك كان معصية و علي الذي خلق لاجل العبادة التمييز بين هذه الاعمال و العمل بما خلق لاجله فان عرف شيئا بان العمل به عبادة صار ذلك الشئ مأمورا به و ان عرف شيئا بان العمل به معصية صار منهيا عنه و ذمته مشغولة بالعبادة في كل مقام و في كل شئ ثم ذلك التمييز الذي لا بد منه للعبد لايكون مقدورا له بنفسه لان الله خلقهم من عرصة الحدود [ص 67] و الكثرات المانعة عن الاحاطة و العلم كما تجد ذلك من نفسك عيانا و قد مر بيان ذلك سابقا في المقدمة فلو خلي العبد و طبعه لميميز بين عبادته و معصيته بل لميعرف انه مخلوق لاجل العبادة فلايعمل و اذا لميعمل هلك من حيث لايعلم و لميبلغ الغاية التي ارادها الله فلاجل ذلك ارسل الله الرسل اليهم بما فيه الفصل و امرهم بالرجوع اليهم و الاخذ عنهم و قال فاسألوا اهل الذكر ان كنتم لاتعلمون فعلي الخلق السؤال عما يحتاجون اليه و لايسعهم تركه و لو تركوا السؤال و بقوا علي جهالتهم فنوا و هلكوا فلايثبت لهم البراءة قبل الفحص في شئ من الاشياء اذ لايخلو الشئ عن حكم من الاحكام كما عرفت و لا بد في معرفته من السؤال .