[ص 66] التأويل من التأويلات ما ذكره ابي العلامة اعلي الله مقامه في الاجسام انها الاعمال ، اقول المنافقون يعجبون الرسول صلي الله عليه و آله و المؤمنين في اعمالهم يجاهدون بين يديه و ينصرون الله و رسوله صلي الله عليه و آله و ينفقون علي المجاهدين و قد صدر امثال ذلك عنهم كثيرا كما لايخفي علي المتتبع و ليس كل ذلك منهم بشئ و قد قال عليه السلام لمن قال اللهم اجعلني ممن تنتصر به لدينك لاتقل هكذا فان الله ينتصر لدينه بشر خلقه كما انتصر ببختنصر نقلته بالمعني و قال تعالي يا ايها النبي جاهد الكفار و المنافقين و نزوله بالمنافقين كما رواه في البرهان عن علي بن ابرهيم (ره) و قال ايضا و الذين ينفقون اموالهم رئاء الناس و لايؤمنون بالله و لا باليوم الآخر و كذلك في غير الانفاق من اعمالهم يعملونها رياءا و سمعة كما لايخفي فيعجب من نظر اليها ظاهرا و ان يقولوا تسمع لقولهم و القول يحكي عن صورة نفس الرجل فان المرأ مخبوء تحت لسانه و لتعرفنهم في لحن القول فيعرف منهم انهم ليسوا هم الناس و انما هم نباتات سلبت ارواحها و المشبه في القرآن عين المشبه به و الصيحة تأول بالريح علي ظاهر اللغة بمناسبة الخشب فانها تحركها و تزلزلها و هذا المعني لايبعد عن الظاهر كثيرا و ينطبق علي ظاهرها و من تأويلاتها انها جارية في النفوس الامارة و الشياطين الذين معها فانك اذا رأيتهم تعجبك اجسامهم لاجتماعها علي باطلها و تأييد بعضها لبعض او لان من دأب الشيطان و النفوس الامارة انها اذا عجزت و عييت عن شأن الانسان و [ص 67] قوته في دينه و عزمه و رسوخه تغويه ببعض الخيرات مما يمكن له ان يجعلها وسيلة الي الشرور كأن تأمره بكثرة العبادة حتي تورده في العجب و يهلكه به كما في الخبر عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم بينما موسي عليه السلام جالس اذ اقبل ابليس و عليه برنس ذو الوان فلما دنا من موسي خلع البرنس و قام الي موسي عليه السلام فسلم عليه فقال له موسي عليه السلام من انت فقال انا ابليس قال انت فلا قرب الله دارك قال اني انما جئت لاسلم عليك لمكانك من الله تعالي قال فقال له موسي فما هذا البرنس قال به اختطف قلوب بني آدم فقال له موسي فاخبرني بالذنب الذي اذا اذنبه ابن آدم استحوذت عليه فقال اذا اعجبته نفسه و استكثر عمله و صغر في عينيه ذنبه الحديث ، و الاخبار في ذم العجب كثيرة و من العجب ايضا اختطاف قلوبهم ببرنس الشيطان و الخطاب هنا الي العقل في نظره الي النفس الامارة فاذا رأيتهم تعجبك اجسامهم و ان يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة لايسمعون و لايعقلون كما قال الامام عليه السلام و لا ارواح لها يحسبون كل صيحة عليهم لانهم اموات و لايقدرون علي دفع الاذي عنهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله اني يؤفكون و قد ورد هنا خبر يناسب المقام نرويه بطوله لكثرة محصوله ففي الكتاب المبين عن العسكري عليه السلام عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث الا فاذكروا يا امة محمد محمدا و آله عند نوائبكم و شدائدكم لينصر الله به ملئكتكم علي الشياطين الذين يقصدونكم فان كل [ص 68] واحد منكم معه ملك عن يمينه يكتب حسناته و ملك عن يساره يكتب سيئاته و معه شيطانان من عند ابليس يغويانه فاذا وسوسا في قلبه ذكر الله و قال لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطيبين خنس الشيطانان ثم صارا الي ابليس فشكواه و قالا له قد اعيانا امره فامددنا بالمردة فلايزال يمدهما بالمردة حتي يمدهما بالف مارد فيأتونه فكلما راموه ذكر الله و صلي علي محمد و آله الطيبين لميجدوا عليه طريقا و لا منفذا قالوا لابليس ليس له غيرك تباشره بجنودك فتغلبه و تغويه فيقصده ابليس بجنوده فيقول الله تعالي للملئكة هذا ابليس قد قصد عبدي فلانا و امتي فلانة بجنوده الا فقاتلوهم فيقاتلهم بازاء كل شيطان رجيم منهم مأةالف ملك و هم علي افراس من نار بايديهم سيوف من نار و رماح من نار و قسي و نشاشيب و سكاكين و اسلحة من نار فلايزالون يجرحونهم بها و يقتلونهم بها و يأسرون ابليس و يضعون عليه تلك الاسلحة فيقول يا رب وعدك قد اجلتني الي يوم الوقت المعلوم فيقول الله تعالي للملئكة وعدته ان لااميته و لماعده ان لااسلط عليه السلاح و العذاب و الآلام استشفوا منه ضربا باسلحتكم فاني لااميته فيثخنونه بالجراحات ثم يدعونه فلايزال ثخين العين علي نفسه و اولاده المقتولين و لايندمل شئ من جراحاته الا بسماع اصوات المشركين بكفرهم فان بقي هذا المؤمن علي طاعة الله و ذكره و الصلوة علي محمد و آله بقي علي ابليس تلك الجراحات و ان زال العبد عن ذلك و انهمك في مخالفة الله [ص 69] عز و جل و معاصيه اندملت جراحات ابليس ثم قوي علي ذلك العبد حتي يلجمه و يسرج علي ظهره و يركبه ثم ينزل عنه و يركب علي ظهره شيطانا من شياطينه و يقول لاصحابه اماتذكرون ما اصابنا من شأن هذا ذل و انقاد لنا الآن حتي صار يركبه هذا ثم قال رسول الله صلي الله عليه و آله فان اردتم ان تديموا علي ابليس من ثخنة عينيه و الم جراحاته فدوموا علي طاعة الله و ذكره و الصلوة علي محمد و آله و ان زلتم عن ذلك كنتم اسراء ابليس فيركب اقفيتكم بعض مردته الخبر ، تدبر في الخبر الشريف و اعرف منه كيفية الحذر عن عدوك الحاضر بين جنبيك الذي يجري منك مجري الدم كما في الخبر كالمنافقين المعاشرين للمؤمنين المحشورين معهم و اعرف منه كيفية مقاتلة الله لهم و الغرض انه منطبق علي ما ذكرنا و الحمد لله .
الباطن اعلم ان امر السلسلة الطولية جارية في الشرع في النور و الظلمة كليهما كما يشهد به اخبار آلمحمد عليهم السلام و لسنا هنا بصدد بيانها علي التفصيل و لكن قد روي عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان الله جعلنا من عليين و جعل ارواح شيعتنا مما جعلنا منه و من ثم تحن ارواحهم الينا و خلق ابدانهم من دون ذلك و خلق عدونا من سجين و خلق ارواح شيعتهم مما خلقهم منه و خلق ابدانهم من دون ذلك و من ثم تهوي ارواحهم اليهم و قال ابوجعفر عليه السلام في حديث و خلق عدونا من سجين و خلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه و ابدانهم من دون ذلك فقلوبهم تهوي اليهم لانها خلقت مما خلقوا منه ثم تلا [ص 70] هذه الآية كلا ان كتاب الفجار لفي سجين ، اقول فالاتباع و الشيعة في كل سلسلة بمنزلة الابدان و الاجسام الظاهرة لمباديهم فاتباع رؤساء الضلالة و النفاق انما هم اجسامهم و تعجبك شأنهم لما تري فيهم من الخلط و اللطخ من طينة المؤمنين و من آثار الخير كما في الاخبار ففي حديث ابياسحق الليثي في سؤاله اباجعفر عليه السلام عن معاصي المؤمنين قال عليه السلام يا ابرهيم و هل يختلج في صدرك شئ غير هذا قلت نعم يا بن رسول الله اخري اعظم من ذلك قال و ما هو يا بااسحق قال فقلت يا بن رسول الله و اجد من اعدائكم و من ناصبيكم من يكثر من الصلوة و من الصيام و يخرج الزكوة و يتابع بين الحج و العمرة و يحرص علي الجهاد و يأثر علي البر و علي صلة الارحام و يقضي حقوق اخوانه و يواسيهم من ماله و يتجنب شرب الخمر و الزنا و اللواط و ساير الفواحش فمم ذاك و لم ذاك فسره لي يا بن رسول الله و برهنه و بينه فقد والله كثر فكري و اسهر ليلي و ضاق ذرعي قال فتبسم صلوات الله عليه ثم قال يا ابرهيم خذ اليك بيانا شافيا فيما سألت و علما مكنونا من خزائن علم الله و سره ثم سأل صلوات الله عليه عن اعتقادهما اي المؤمن و الناصب ثم بين امر طينتهما و الخلط و اللطخ في طينة المؤمن و الناصب و ان الخير المشهود من النصاب انما هو من طينة المؤمنين و يرجع اليهم و الشر المشهود في المؤمنين من طينة النصاب و يرجع اليهم و الحديث طويل مشحون بالادلة و البراهين من الكتاب المبين و قد روينا بعضها [ص 71] في تلو تفسير سورة الجمعة فان هويت راجع اليه فمن هنا تعجب المؤمنين اجسام المنافقين اي الاتباع منهم فان الرؤساء الخلط و اللطخ فيهم اقل و هم اخلص في الشر كما يظهر من الاخبار و ما يري فيهم من الخير فانما هو من محض الرياء و السمعة اتخذوه شبكة لصيد ضعفاء الشيعة و اما الاتباع فقد يري فيهم بعض الخير و ربما لايرائون فيه لضعف عقايدهم و قلة رسوخهم في باطلهم بالجملة و ان يقولوا و يظهروا بواطنهم و هم الرؤساء تري الاتباع كأنهم خشب مسندة لا ارواح لها لان الرؤساء نشأوا في اصل الجهل و المهية و هي عدمية الاصل فالاتباع لعدم روح لهم اموات غير احياء و مايشعرون ايان يبعثون و اعلم ان القول في قوله تعالي و لقد وصلنا لهم القول فسر بالامام عليه السلام و هنا ايضا يمكن ان يقال ان المراد منه امام الضلال و النفاق و لايشكلن عليك ان القول في وصلنا لهم القول قول الله و يفسر بالامام و لكن القول في ما نحن فيه قول الاتباع في الظاهر فكيف يفسر بالرؤساء و هو من فروعهم فان الامر في مقام التأثير قد يجري علي هذا المنوال و المؤثر يعد اصلا و فرعا كما في قولهم عليهم السلام في الزيارة ان ذكر الخير كنتم اصله و فرعه و معدنه و مأواه و منتهاه و كما في قول اميرالمؤمنين عليه السلام انا صلوة المؤمنين و صيامهم ، و شواهد ما ذكرنا كثيرة في الاخبار و قد مر شطر منها و قوله كأنهم خشب مسندة يرجع الي الاتباع تارة و الي الرؤساء اخري بالجملة ثم قال يحسبون كل صيحة عليهم حذرا من ان تكون هي الصيحة بالحق [ص 72] و عن علي بن ابرهيم في تفسيره و استمع يوم ينادي المناد من مكان قريب ، قال قال ينادي المنادي باسم القائم و اسم ابيه عليهما السلام قوله يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج قال قال صيحة القائم من السماء و ذلك يوم الخروج ، اقول وصف الصيحة بالحق يومي الي ان هناك صيحة بالباطل كما في اخبار كثيرة اخر ان النداء نداءان الاول بالحق و الثاني بالباطل و قد مر شطر من اخبار النداء ذيل سورة الجمعة و هؤلاء ان عرفوا صيحتهم التي هي بالباطل حسبوا انها لهم لا عليهم و لكن لما علموا ان هنا صيحة بالحق و هي عليهم و لميميزوا بعد فيحسبون كل صيحة عليهم هذا و هنا صياح عديدة و اكثرها فيها هلاكهم و بوارهم ففي حديث قيل لمحمد بن الحنفية جعلت فداك ان قبل راياتكم رايات قال اي والله ان لبنيمرداس ملكا موطنا لايعرفون في سلطانهم شيئا من الخير سلطانهم عسر ليس فيه يسر يدنون فيه البعيد و يقصون فيه القريب حتي اذا امنوا مكر الله و عقابه صيح بهم صيحة لميبق لهم مناد يسمعهم و لا جماعة يجتمعون اليهم و قد ضربهم الله مثلا في كتابه حتي اذا اخذت الارض زخرفها و ازينت الآية الحديث و عن ابيجعفر عليه السلام في قوله و لو تري اذ فزعوا فلا فوت قال من الصوت و ذلك الصوت من السماء و قوله و اخذوا من مكان قريب قال من تحت اقدامهم خسف بهم ، بالجملة و الاصوات عديدة فان في شهر رجب ثلثة اصوات منها : الا لعنة الله علي الظالمين ، و الثاني : ازفت الآزفة يا معشر المؤمنين ، و الثالث يرون [ص 73] بدنا بارزا نحو عين الشمس هذا اميرالمؤمنين قد كر في هلاك الظالمين ، و في شهر رمضان باسم القائم و اسم عثمان الاول في ليلة جمعة ليلة ثلث و عشرين و الثاني آخر النهار و في حديث في كيفية النداء ينادي اول النهار الا ان الحق في علي و شيعته و ينادي ابليس لعنه الله في آخر النهار الا ان الحق في السفياني و شيعته و كذلك في يوم ظهوره عليه السلام و هو يوم عاشورا يصيح صائح من عين الشمس باسم القائم و ينسبه الي جده و يعد اجداده صلوات الله عليهم و كذلك في قريب الغروب يصرخ صارخ باسم السفياني بالجملة و الغرض ان الصياح عديدة و هؤلاء المنافقون يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو الناصبون لك الغاصبون لحقك و حق اوصيائك الساعون في سفك دمائكم فاحذرهم بالتقية و كتمان الامر و قد كان رسول الله صلي الله عليه و آله يتقي في زمانه الا قليلا في اواخر عمره بعد نزول قوله تعالي و الله يعصمك من الناس كما في الخبر و من بعده لميتق و اظهر الامر و نص علي علي عليه السلام ثم من بعد رسول الله صلي الله عليه و آله اتقي اميرالمؤمنين عليه السلام و صبر علي اذي الامة و غصبهم حقه و اتقي و صبر الائمة من بعده واحدا بعد واحد الي الحجة عجل الله فرجه و هم المعنيون بقوله ان اكرمكم عند الله اتقاكم و اشتد الامر بقائم آلمحمد عليهم السلام حتي غاب حذرا من القتل كما في اخبار كثيرة و هو عليه السلام يقول حين يظهر عجل الله فرجه : ففررت منكم لما خفتكم ، و اعلم انهم صلوات الله عليهم لايخافون الموت و لا [ص 74] القتل و لكن يخافون فوات امتثال امر الله تعالي حيث امرهم بما امر و لذلك يستبقون انفسهم لطاعة الله و هو واضح ثم قال تعالي قاتلهم الله اني يؤفكون و هو قاتلهم قليلا في زمان اميرالمؤمنين عليه السلام و زمان الحسين صلوات الله عليه و روحي و جسمي له الفداء و سيقاتلهم في زمن الحجة عجل الله فرجه و يقتلهم و ينفيهم عن جديد الارض كما في اخبار كثيرة و اعلم ان المقاتلة و ان كان بين اثنين و لكن لايصح ذلك بين الله و خلقه الا بما يقع بينهم و بين اوليائه عليهم السلام كما في اخبار كثيرة و كما في كل معاملة بين الله و خلقه فانه تعالي بذاته لا ضد له و لا ند و لايقوم احد بازائه و لكن لما اراد افتتان خلقه و امتحانهم في عبوديتهم لله و تسليمهم لامره خلق لنفسه اولياء و جعل المعاملات معهم معاملة معه فقال من يطع الرسول فقد اطاع الله و ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم و قال و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي و قال في القدسي من آذي لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و دعاني اليها ، و امثال ذلك من الاخبار اكثر من ان تحصي و قد روينا بعضها في ما مر و لما اشرنا الي زمان الحسين عليه السلام نقول ان الخلق في مقاتلتهم مع اولياء الله يغلبون سواءا قتلوا او قتلوا و اولياء الله يظفرون سواء قتلوا او قتلوا المتسمع قوله صلوات الله عليه حين خاطب يزيد لعنه الله باشد لعناته رأسه الشريف المبارك صلوات الله عليه و قال لاينا الغلب يا بن ابيتراب فقال عليه السلام و سيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون ، فانهم [ص 75] لعنهم الله سلبوهم نعمة زايلة من الحيوة الدنيا لو لمتزل بالقتل كانت تزول بالموت و هم صلوات الله عليهم سلبوا اعداءهم نعمة باقية دائمة خالدة و عذبوهم بعذاب لا نفاد له و لا فتور فالظفر علي اي حال لاولياء الله و الغلبة لهم و اعداؤهم مغلوبون و ان زعموا انهم غلبوا و ان حزب الله هم الغالبون و لايقل قائل ان هذه المعاملة من اولياء الله يكون ظلما علي اعداء الله نعوذ بالله فان اولا ما سلبوهم من النعمة الزايلة و ان كانت زايلة و لكن لاتقوم بحقها النعم الدائمة لساير الناس لرفعة شأنهم و علو مرتبتهم كما هو واضح و ثانيا كانت نيات هؤلاء الاعداء في ان لو خلدوا في الدنيا ينصبون لاولياء الله العداوة و يغصبون حقوقهم و يسفكون دمائهم فبنياتهم خلدوا في النار كما في الخبر .
قال الله تعالي : و اذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رأوسهم و رأيتهم يصدون و هم مستكبرون سواء عليهم استغفرت لهم ام لمتستغفر لهم لنيغفر الله لهم ان الله لايهدي القوم الفاسقين .
القراءة قال الرازي قرئ لووا بالتخفيف و التشديد للكثرة و قال ابوالسعود قرئ استغفرت بحذف حرف الاستفهام ثقة بدلالة ام عليه و قرئ ءاستغفرت باشباع همزة الاستفهام لا بقلب همزة الوصل الفا .
اللغة قال في المعيار تعالي تعاليا علي تفاعل ارتفع و الامر منه تعال بفتح اللام و اصله ان الرجل العالي كان ينادي السافل فيقول تعال ثم كثر في كلامهم حتي استعمل بمعني هلم مطلقا سواء كان موضع الداعي اعلي او اسفل او مساويا فهو في الاصل بمعني خاص ثم استعمل في معني عام و [ص 76] يتصل بها الضماير باقيا علي فتحه فيقال تعاليا للرجلين و تعالوا للرجال و تعالي بسكون الياء للمرأة و تعاليا للمرأتين و تعالين للنسوة و ربما ضمت اللام مع الجمع المذكر بمناسبة الواو و كسرت مع المؤنثة بمناسبة الياء و غفر الشئ بالفاء كفلس ستره و المتاع في الوعاء ادخاله فيه و ستره كاغفاره من الافعال و الشيب بالخضاب تغطيته و الله لفلان ذنبه صفحه و عفوه عنه و ستره عليه كمغفرته الي ان قال و استغفر الله من ذنبه و استغفره اياه علي استفعل طلب منه المغفرة و لوي رأسه و برأسه امال و اعرض الي ان قال و لويت اعناق الرجال تلوية من التفعيل للمبالغة اي فتلتها و ثنيتها و عطفتها قال تعالي لووا رأوسهم و في المجمع فيه اي عطفوها و امالوها اعراضا عن ذلك و استكبارا و استكبر علي استفعل و تكابر علي تفاعل تعظم و في المجمع و استكبر الرجل رفع نفسه فوق مقدارها و الاستكبار طلب الترفع و ترك الاذعان للحق و منه قوله استكبروا استكبارا و الفسق كجسم الترك لامر الله تعالي و العصيان و الخروج عن طريق الحق و الطاعة و الفجور كالفسوق الي ان قال و فسق ايضا جار و عن امر ربه خرج و في المجمع قوله تعالي فلا رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج الفسوق الكذب كما جاءت به الرواية عنهم عليهم السلام ، اقول في الكتاب المبين قال اميرالمؤمنين عليه السلام بني الكفر علي اربع دعائم الفسق و الغلو و الشك و الشبهة و الفسق علي اربع شعب علي الجفاء و العمي و الغفلة و العتو فمن جفا احتقر الخلق و مقت الفقهاء و اصر علي الحنث [ص 77] العظيم و من عمي نسي الذكر و اتبع الظن و بارز خالقه و الح عليه الشيطان و طلب المغفرة بلا توبة و الاستكانة و لا غفلة (كذا) و من غفل جني علي نفسه و انقلب علي ظهره و حسب غيه رشدا و غرته الاماني و اخذته الحسرة و الندامة اذا قضي الامر و انكشف عنه الغطاء و بدا له ما لميكن يحتسب و من عتا عن امر الله شك و من شك تعالي الله عليه فاذله بسلطانه و صغره بجلاله كما اغتر بربه الكريم و فرط في امره الحديث و قال الصادق عليه السلام في حديث و معني الفسق فكل معصية من المعاصي الكبار فعلها فاعل او دخل فيها بجهة اللذة و الشهوة و الشوق الغالب فهو فسق و فاعله فاسق خارج من الايمان بجهة الفسق فان دام علي ذلك حتي يدخل في حد التهاون و الاستخفاف فقد وجب ان يكون بتهاونه و استخفافه كافرا الحديث .
الظاهر قد مر في الخبر ما قيل لعبدالله بن ابي انه قد نزل فيك آي شداد فاذهب الي رسول الله يستغفر لك فلوي رأسه و في تفسير علي بن ابرهيم فلما نعتهم الله لرسوله و عرفه مساءتهم اليهم و الي عشائرهم فقالوا لهم قد افتضحتم ويلكم فاتوا نبي الله يستغفر لكم فلووا رأوسهم و زهدوا في الاستغفار يقول الله و اذا قيل لهم تعالوا الآية ، و قال الرازي قال ابنعباس لما رجع عبدالله بن ابي من احد بكثير من الناس مقته المسلمون و عنفوه و اسمعوه المكروه فقال له بنو ابيه لو اتيت رسول الله صلي الله عليه و آله و سلم حتي يستغفر لك و يرضي عنك فقال لااذهب اليه و لااريد ان يستغفر لي و جعل يلوي رأسه فنزلت و [ص 78] عند الاكثرين انما دعي الي الاستغفار لانه قال ليخرجن الاعز منها الاذل و قال لاتنفقوا علي من عند رسول الله فقيل له تعال يستغفر لك رسول الله فقال ماذا قلت فذلك قوله لووا رأوسهم و في البرهان عن ابيالحسن الرضا عليه السلام قال ان الله تعالي قال لمحمد ان تستغفر لهم سبعين مرة فلنيغفر الله لهم فاستغفر لهم مأة مرة ليغفر لهم فانزل الله سواء عليهم استغفرت لهم ام لمتستغفر لهم لنيغفر الله لهم و قال و لاتصل علي احد منهم مات ابدا و لاتقم علي قبره فلميستغفر لهم بعد ذلك فلميقم علي قبر احد منهم ، اقول و المعني واضح قال الطبرسي رحمه الله و اذا قيل لهم تعالوا اي هلموا يستغفر لكم رسول الله لووا رأوسهم اي اكثروا تحريكها بالهزأ لها استهزاءا بدعائهم الي ذلك و قيل امالوها اعراضا عن الحق و كراهة لذكر النبي صلي الله عليه و آله و ذلك لكفرهم و استكبارهم و رأيتهم يا محمد صلي الله عليه و آله يصدون عن سبيل الله الحق و هم مستكبرون اي متكبرون مظهرون انه لا حاجة لهم الي الاستغفار ثم ذكر سبحانه ان استغفاره صلوات عليه و آله لاينفعهم فقال سواء عليهم استغفرت لهم ام لمتستغفر لهم اي يتساوي الاستغفار لهم و عدم الاستغفار لنيغفر الله لهم لانهم يبطنون الكفر و ان اظهروا الايمان ان الله لايهدي القوم الفاسقين اي لايهدي القوم الخارجين عن الدين و الايمان الي طريق الجنة قال الحسن اخبره سبحانه انهم يموتون علي الكفر فلميستغفر لهم و قد كان النبي صلي الله عليه و آله [ص 79] يستغفر لهم علي ظاهر الحال بشرط حصول التوبة و ان يكون الباطن مثل الظاهر فبين الله تعالي ان ذلك لاينفعهم مع ابطانهم الكفر و النفاق ، اقول قد امر الله نبيه صلي الله عليه و آله بالاستغفار للمؤمنين في قوله و استغفر لذنبك و للمؤمنين و المؤمنات و الله يعلم متقلبكم و مثواكم و امر المؤمنين ان يأتوا النبي صلي الله عليه و آله و يستغفروا الله و يستغفر لهم الرسول حتي يتوب الله عليهم في قوله و لو انهم اذ ظلموا انفسهم جاؤك فاستغفروا الله و استغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما و قد عرفت في ما سبق ان الايمان بحسب الظاهر يصدق علي كل من اقر بالدعوة الظاهرة و كان النبي صلي الله عليه و آله يعاملهم بظاهر الاسلام و الايمان و كان لكمال رأفته حريصا علي غفران الله تعالي للامة كما قال لقد جائكم رسول من انفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رأوف رحيم و قال لعلك باخع نفسك علي آثارهم ان لميؤمنوا بهذا الحديث اسفا فكان يستغفر لهم بمحض ظاهر الايمان حتي انه لما قال تعالي استغفر لهم او لاتستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلنيغفر الله لهم اخذ صلي الله عليه و آله بمفهومه و استغفر مأة و قيل له صلي الله عليه و آله في ذلك فقال اني خيرت فاخترت ثم انزل الله تعالي هذه الآية فلميستغفر لهم بعد و الدليل علي انه صلي الله عليه و آله كان يعاملهم بظاهر الاسلام و كان محكوما بذلك قوله تعالي ماكان للنبي و الذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين و لو كانوا اولي قربي من بعد ما تبين [ص 80] لهم انهم اصحاب الجحيم و ماكان استغفار ابرهيم لابيه الا عن موعدة وعدها اياه فلما تبين له انه عدو لله تبرأ منه ان ابرهيم لاواه حليم اقول الظاهر من الخبر عن ابيعبدالله عليه السلام ان ابا ابرهيم وعده ان يسلم فاستغفر له فلما تبين له انه عدو لله تبرأ منه و في خبر عنه عليه السلام لما مات تبين انه عدو لله فلميستغفر له ، بالجملة و لا شك ان التبين في هذه المقامات يحمل في الظاهر علي الظاهر و ان حمل في الباطن ايضا علي الباطن و النبي صلي الله عليه و آله في باطنه الذي يعلم كفر الكافر و نفاقه لايستغفر له و لكن في الظاهر اذا لميتبين كفره يستغفر و لا نية له و لذلك لايستجاب كما قيل لرسول الله صلي الله عليه و آله يا رسول الله استسقيت لنا فلمنسق ثم استسقيت لنا فسقينا فقال اني دعوت و ليس لي في ذلك نية ثم دعوت و لي في ذلك نية ، فاذا كان في الباطن يعلم النبي صلي الله عليه و آله انهم كافرون لاينوي في استغفاره و انما يؤدي وظيفة الظاهر في الظاهر هذا و للنبي صلي الله عليه و آله معاملات مع عباد الله تبعا لمعاملات الله فكما ان الله سبحانه قد يمهل الكافر لما في صلبه من نطف المؤمنين و هو يقول لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا و يقول ليميز الله الخبيث من الطيب و يجعل الخبيث بعضه علي بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم اولئك هم الخاسرون كذلك النبي صلي الله عليه و آله قد يعامل مع بعض الكفار معاملة حسنة تأدية لحقوق بعض المؤمنين المرتبطين بهم في الظاهر و حق المؤمنين عظيم و يدل علي ذلك ما رواه في [ص 81] البرهان عن ابيجعفر عليه السلام توفي رجل من المنافقين فارسل الي ابنه اذا اردتم ان تخرجوا فاعلموني فلما حضر امره ارسلوا الي النبي صلي الله عليه و آله فاقبل صلي الله عليه و آله نحوهم حتي اخذ بيد ابنه في الجنازة فمضي فتصدي له عمر فقال يا رسول الله صلي الله عليه و آله امانهاك الله ربك عن هذا ان تصلي (ظ) علي احد منهم مات ابدا و تقوم علي قبره فلميجبه النبي صلي الله عليه و آله قال فلما كان قبل ان ينتهوا به الي قبره قال عمر ايضا لرسول الله صلي الله عليه و آله مانهاك الله ان تصلي (ظ) علي احد منهم مات ابدا و تقوم علي قبره ذلك بانهم كفروا بالله و برسوله و ماتوا و هم كافرون فقال النبي صلي الله عليه و آله لعمر عند ذلك مارأيتنا صلينا له علي جنازته و لاقمنا له قبره ثم ان ابنه رجل من المؤمنين و كان يحق علينا اداء حقه و قال له اعوذ بالله من سخط الله و سخطك يا رسول الله صلي الله عليه و آله ، اقول قوله صلي الله عليه و آله صلينا له و قمنا يشير الي انا انما فعلنا ذلك و شيعناه الي هنا مراعاة لحق ابنه لا له و ماصلينا عليه و لاقمنا علي قبره و لكن في خبر يأتي انه صلي و دعا عليه كما صرح بذلك بعد ذلك و قد روي القمي رحمه الله هنا رواية تدل علي ان هذا المنافق هو عبدالله بن ابي و ابنه كان من المؤمنين كما في هذا الخبر و في خبر طويل مر صدر السورة و قال علي بن ابرهيم في قوله تعالي استغفر لهم او لاتستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلنيغفر الله لهم انما نزلت لما رجع رسول الله الي المدينة و مرض [ص 82] عبدالله بن ابي و كان ابنه عبدالله بن عبدالله مؤمنا فجاء الي رسول الله و ابوه يجود بنفسه فقال يا رسول الله بابي انت و امي انك ان لمتأت ابي كان ذلك عارا علينا فدخل اليه رسول الله و المنافقون عنده فقال ابنه عبدالله بن عبدالله يا رسول الله استغفر الله له فاستغفر له فقال عمر المينهك الله يا رسول الله ان تصلي عليهم او تستغفر لهم فاعرض عنه رسول الله و اعاد عليه فقال له ويلك اني خيرت فاخترت ان الله يقول استغفر لهم او لاتستغفر لهم ان تستغفر لهم سبعين مرة فلنيغفر الله لهم فلما مات عبدالله جاء ابنه الي رسول الله فقال بابي انت و امي يا رسول الله ان رأيت ان تحضر جنازته فحضر رسول الله فقام علي قبره فقال له عمر يا رسول الله المينهك الله ان تصلي علي احد منهم مات ابدا و ان تقم علي قبره فقال له رسول الله ويلك و هل تدري ما قلت انما قلت اللهم احش قبره نارا و جوفه نارا و اصله النار فبدا من رسول الله ما لميكن يحب ، اقول قوله فبدا من رسول الله ما لميكن يحب يحتمل ان يكون المعني ما لميكن يحب رسول الله صلي الله عليه و آله فانه كان يريد اداء حق عبدالله بن عبدالله و اظهار ذلك كان ينافي اداء حقه و انما اظهره بسؤال هذا الملحد حيث القي الشبهة و يحتمل ان يكون المعني ما لميكن يحب عمر فانه كان يصر في ذلك تبرية لنفسه الخبيثة حيث انه ام النفاق و اصله لا لعداوة بينه و بين عبدالله بالجملة و الغرض ان معاملة النبي صلي الله عليه و آله مع ابن ابي هنا كان اداءا لحق ابنه [ص 83] لا له و لمعاملته ظاهر و باطن و في كل مقام يعامل حسب ما يري من المصلحة و علينا التسليم كما قال الله تعالي صلوا عليه و سلموا تسليما و لسنا من اتباع عمر بعصمة الله و حفظه ايانا علي التسليم لرسول الله صلي الله عليه و آله بحقه و بحرمته فنرد علي رسول الله صلي الله عليه و آله نعوذ بالله من غضب الله ثم ان قوله تعالي ان الله لايهدي القوم الفاسقين فيه دلالة علي التسديد كما بينا تلو قوله تعالي و الله لايهدي القوم الظالمين و الهداية هنا كأنها بمعني المغفرة حيث يقول لنيغفر الله لهم ان الله لايهدي القوم الفاسقين و ذلك لان المغفرة من الله تعالي انما هي جزاء عمل العبد و الجزاء كما ثبت في الحكمة عين العمل قال تعالي و ماتجزون الا ما كنتم تعملون و قال سيجزيهم وصفهم فاذا لميهتد العبد في الدنيا لايهديه الله و لايغفر له كما قال تعالي و اني لغفار لمن تاب و آمن و عمل صالحا ثم اهتدي فاذا لميهتد لايغفر الله له و عبارة اخري عن ذلك ما ورد في الخبر و اشار اليه الطبرسي رحمه الله انه لايهديهم طريق الجنة و هذا ايضا باطن عمل العبد و نتيجته كما تقول في الفاتحة اياك نعبد و اياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم فالهداية هي حقيقة عبادة الله و الاستعانة به و الا لميكن بينها و بين العبادة و الاستعانة ارتباط حتي تسأل علي اثرهما فتدبر و الله العالم بحقايق كلامه .
التأويل اعلم ان الوجود و المهية و الروح و الطبيعة و العقل و النفس و السماء و الارض و امثالها كل واحد منهما يدعو صاحبه ليلبس [ص 84] عليه من نوره او ظله كما قال تعالي هن لباس لكم و انتم لباس لهن فان اقبل الآخر اليه و استتر بنوره او ظله يستره الله به و الا فلا فان عطاء الله سبحانه اولا من سبيل كل سبب غير محظور علي احد كما قال كلا نمد هؤلاء و هؤلاء من عطاء ربك و ماكان عطاء ربك محظورا و لاتزعم ان العطاء من عند المعطي يخرج الي بعض دون بعض باقتضاء من نفس المعطي او سبيله الذي جعله لذلك العطاء قال الله تعالي انزل من السماء ماءا فسالت اودية بقدرها و ذلك السبب في ذاته جذب الله و مدد عنايته الي كل احد فان سحاب الله يمطر علي كل شئ و ريح الله تهب علي كل شئ و شمس الله تضيئ كل شئ كما هو حاصل بعض الاخبار و قد جعل الله فضل الاسباب من فضله عاما علي كل احد و لكن اشترط في التلقي عنها قبول القابلية فان المطر ينزل الي كل ارض و كل مقام و لكن الارض السهل و البلد الطيب يقبل الماء و يجذبه اليه و ينبت و يخرج نباته باذن ربه و الذي خبث لايخرج الا نكدا كما تري انه ينزل المطر علي الحجر الصلد و يجري منه الي غيره و لاينتفع به اصلا و ينتفع منه غيره كما قال رب حامل فقه غير فقيه و رب حامل فقه الي من هو افقه منه ، و الغرض انه بنفسه لاينتفع من ذلك الماء ابدا و لاينبت منه شئ مع انه لميكن العطاء محظورا عنه بالجملة فالعقل او الوجود يدعو النفس او المهية اليه و يلقي نوره عليها و يريد ان يستر عليها قبايحها و اخلاقها الخسيسة الرذيلة و لكن المهية و النفس الامارة ان لوت رأسها و صدت عن سبيل الوجود اي تحرزت و توقت و [ص 85] اتخذت لنفسها جنة و سترة لاينفذ اليها نور العقل لاتستنير بنوره و ان كان نور العقل مبذولا انت غير محجوب عن خلقك الا ان يحجبهم الآمال دونك و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه و لكن ان اقبلت الي العقل بعد ان صارت ملهمة بالخير و لامت نفسها علي اخلاقها حتي صارت مطمئنة تحت سطوع نوره ساكنة مستقرة في ظله لايخرج منه الي غيره حتي صارت راضية عنه بما القي اليه من نوره ساخطة لما كانت له من نفسه تاركة لها مهاجرة عنها فارتضاه العقل لنفسه و عدها منه كما قال من تبعني فانه مني فاذن الله تبارك و تعالي له في الدخول في زمرة عباده و الدخول في جنته و التنعم بنعمته حيث ان العقل هو الذي اتخذه الله عبدا له كما قال العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان ، فاذا اطاعت النفس للعقل حتي رضيت عن العقل و رضيها العقل فصارت بذلك مرضية لله ادخلها الله في زمرة عباده و ادخلها الجنة فان تابوا و اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة فاخوانكم في الدين اي رجعوا اليكم و لميلووا رأوسهم و اتصلوا بكم و ازالوا اوساخهم و اخلاقهم الخسيسة الرذيلة فاخوانكم في الدين و مواليكم فحينئذ يغفر الله لهم و يستر عليهم ما ازالوه عن انفسهم و ان لميتوبوا و لميفعلوا ما امروا به فلايغفر لهم حكمة بالغة و ماتغني الآيات و النذر عن قوم لايؤمنون و عليك بالتدبر فيما ذكرنا و اجرائه في كل مقام و قد قال الله تعالي ماتري في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل تري من فطور .
[ص 86] الباطن في البرهان في حديث مر صدره عن ابيالحسن الماضي عليه السلام في قوله تعالي و اذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله قال و اذا قيل لهم ارجعوا الي ولاية علي يستغفر لكم النبي من ذنوبكم لووا رأوسهم قال الله و رأيتهم يصدون عن ولاية علي عليه السلام و هم مستكبرون عليه ثم عطف القول من الله بمعرفة بهم فقال سواء عليهم استغفرت لهم ام لمتستغفر لهم لنيغفر الله لهم ان الله لايهدي القوم الفاسقين يقول الظالمين لوصيك ، اقول تدبر اولا في الخبر الشريف و اعرف منه ان اتيان النبي صلي الله عليه و آله انما هو اتيانه من سبيل ولاية علي عليه السلام لا الاتيان العرضي الدنياوي الذي قد يتأتي من كل احد و من المؤمن و المنافق فان الله سبحانه قدر في حكمته ان يؤتي البيوت من ابوابها كما قال ليس البر بان تأتوا البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و اتوا البيوت من ابوابها و قد قال صلي الله عليه و آله فيما روته الخاصة و العامة انا مدينة العلم و علي بابها و قال انا مدينة الحكمة و علي بابها ، فلا سبيل لاتيان النبي صلي الله عليه و آله الا هذا الباب و لايصل اليه احد الا منه و الناس يزعمون انه يمكن اتيانه من غيره و كلما اسرعوا في السير اليه من غير هذا الباب بعدوا عن المراد و لميصلوا الي المقصود و القريب هنا من قربته المودة لا غير ثم ان من رجع الي ولاية علي عليه السلام و صار علي عليه السلام وليا له و اولي به من نفسه كما قال صلي الله عليه و آله من كنت مولاه فعلي مولاه و قيل لجعفر بن محمد ما اراد رسول الله بقوله لعلي عليه السلام [ص 87] يوم الغدير من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه قيل فاستوي جعفر بن محمد عليهما السلام قاعدا ثم قال سئل والله عنها رسول الله صلي الله عليه و آله فقال الله مولاي اولي بي من نفسي لا امر لي معه و انا مولي المؤمنين اولي بهم من انفسهم لا امر لهم معي و من كنت مولاه اولي به من نفسه لا امر له معي فعلي بن ابيطالب عليه السلام مولاه اولي به من نفسه لا امر له معه ، اقول فمن كان اولي بشئ و اظهر فيه من نفسه يستره لا محالة و يظهر نفسه و يخفي غيره كما تقرأ في الزيارة بهم ملأت سماءك و ارضك حتي ظهر ان لا اله الا انت و قال عليه السلام انا الذي نظرت في ملكوت السموات و الارض فلماجد غيري ، و هذا في الكون ان كان هكذا فما ظنك بمن اخلص نفسه شرعا في ولايتهم و آثرهم علي من سواهم و ترك نفسه و غيره كما قال :
تركت الخلق طرا في هواكا و ايتمت العيال لكي اراكا
و لو قطعتني في الحب اربا لماحن الفؤاد الي سواكا
فلا محالة يشتد ظهور نورهم و يتكمل ولايتهم كونا و شرعا و يستغرق في انوارهم بحيث لايري له عين و لا اثر الا نورهم فيستتر بسترهم الذي لايهتك و يتحجب بحجابهم الذي هو حجاب الله المنيع كما قال عليه السلام هو المحتجب و نحن حجبه ، و هو نور الله الاعظم المشار اليه في الخبر ان المستغفرين داخلون فيه قال اميرالمؤمنين عليه السلام حب الله نار لاتمر علي شئ الا احترق و نور الله لايطلع علي [ص 88] شئ الا اضاء و سحاب الله ماظهر من تحته شئ الا غطاه و ريح الله ماتهب في شئ الا حركته و ماء الله يحيي به كل شئ و ارض الله ينبت منها كل شئ فمن احب الله اعطاه كل شئ من الملك و المال قال النبي صلي الله عليه و آله اذا احب الله عبدا من امتي قذف في قلوب اصفيائه و ارواح ملئكته و سكان عرشه محبته ليحبوه فذلك المحب حقا طوبي له ثم طوبي له و له عند الله شفاعة يوم القيمة ، اقول و حب الله حب اولياء الله بداهة قال الله تعالي ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ، و في الزيارة من احبكم فقد احب الله و من ابغضكم فقد ابغض الله و قال النبي صلي الله عليه و آله علامة حب الله حب ذكر الله و علامة بغض الله بغض ذكر الله ، و بالجملة اذا احب الولي غطاه الله بسحابه و غفر له ذنوبه قبل ان يستغفر اي بلسان المقال فانه بلسان حاله استغفر باعظم الاستغفار و هو معني قوله تعالي في القدسي يا شيعة آلمحمد اعطيتكم قبل ان تسألوني و غفرت لكم قبل ان تستغفروني من اتي منكم بولاية محمد و آلمحمد اسكنته جنتي برحمتي ، اقول فالولاية حقيقة هي المغفر الذي يضعه الانسان علي رأسه و تاج الكرامة بل جنة سابغة حصينة واقية من كل مخوف كما في دعاء ليلة المبيت و هي حقيقة صبغة الله و من احسن من الله صبغة و هي صبغ الرحمة الذي قال عليه السلام المؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة و قال عليه السلام ان الله خلق المؤمنين من نوره و صبغهم في رحمته و عن ابيعبدالله عليه السلام في قول الله صبغة الله [ص 89] و من احسن من الله صبغه قال الصبغة معرفة اميرالمؤمنين عليه السلام بالولاية في الميثاق ، فاذا عرفت ذلك فاعلم ان النور في قوله عليه السلام ابوه النور هو المادة و هو نور رسول الله صلي الله عليه و آله و هو المستغفر لشيعة اميرالمؤمنين عليه السلام لان الطالب و السائل للرحمة و الصبغة التي هي الصورة هو المادة و الصبغة سؤالها و منيتها و مطلوبها و قد اعطاها الله سؤالها و هو معني قوله تعالي ماكان الله ليعذبهم و انت فيهم فان المادة في الصورة هن لباس لكم و انتم لباس لهن فمن هنا ينسب الاستغفار اليه صلي الله عليه و آله لانه يطلب المغفر الذي يستر علي العبد و هو من جهته صلي الله عليه و آله استغفار و من جهة الله تعالي غفران و هو معني قوله تعالي انا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر ، و في البرهان عن ابيالحسن الثالث انه سئل عن قول الله عز و جل ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك و ما تأخر فقال عليه السلام و اي ذنب كان لرسول الله صلي الله عليه و آله متقدما او متأخرا و انما حمله الله ذنوب شيعة علي عليه السلام من مضي منهم و من بقي ثم غفرها له ، و الاخبار بهذا المعني عديدة و الغرض ان المستغفر هنا هو نور رسول الله صلي الله عليه و آله الذي هو مادة المؤمن و هو الذي يطلب من الله لنفسه صورة الولاية اذ هي نفسه و صورته و اي شئ ارغب الي الصورة من مادتها فانه قد ثبت في الحكمة ان بين المادة و الصورة كمال المناسبة و لاتقبل مادة الا الصورة المناسبة لها التي تتحدد [ص 90] تلك المادة بحدودها و لو لميكن بينهما مناسبة لم تنحد بها و قد ثبت ذلك في الفلسفة ايضا عند اهلها و كذب من زعم ان الخلق خلقوا من مادة واحدة و ذهب الي وحدة الموجود بالجملة و كما ان المادة شايقة الي الصورة كذلك الصورة ايضا شايقة الي المادة و تسأل الله اياها و لايعطيها الله الا اياها لقوله قل مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم فان لمتوجد في موضع صورة الولاية و الرحمة لمتوجد مادة النور ايضا و لمتستغفر ابدا و ما تري في الاخبار مما يوهم خلاف ذلك فقد عرفت انه امر عرضي دنياوي بحسب ظاهر الايمان او لارتباط بين العدو و الولي في ظاهر الحيوة الدنيا و هذا الاستغفار في الحقيقة يرجع الي الولي المؤمن و هو من حقه دون الناصب المنافق اذ في الحقيقة لا ارتباط بينهما و يومئذ لا انساب بينهم بالجملة و الغرض ان هذا النور و هذه الرحمة متلازمان و لايسبق احدهما الآخر زمانا و ان سبق النور الرحمة رتبة و لكن لاينفك احدهما عن الآخر نعم ان نظرت من الاسفل قلت ما لمتكن رحمة لميكن نور و ان نظرت من الاعلي قلت ما لميكن نور لميكن رحمة و هما معا متلازمان الا ان النور حيثه من ربه و الرحمة حيثه من نفسه فتدبر و قوله تعالي لووا رأوسهم الرأوس في الباطن رؤساء الضلالة و الكفر و النفاق فانهم رأوس المنافقين و المنافقون اذنابهم و تتحرك الرأوس بالاذناب كما يتحرك رأس السفينة بذنبها و عن علي بن ابيحمزة قال كان لي صديق من كتاب بنيامية فقال لي استأذن لي علي ابيعبدالله عليه السلام فاستأذنت له عليه فاذن [ص 91] له فلما ان دخل سلم و جلس ثم قال جعلت فداك اني كنت في ديوان هؤلاء القوم فاصبت من دنياهم مالا كثيرا و اغمضت في مطالبه فقال ابوعبدالله عليه السلام لولا ان بنيامية وجدوا من يكتب و يجيء لهم الفيء و يقاتل عنهم و يشهد جماعتهم لماسلبونا حقنا و لو تركهم الناس و ما في ايديهم ماوجدوا شيئا الا ما وقع في ايديهم قال فقال الفتي جعلت فداك فهل لي مخرج منه قال ان قلت لك تفعل قال افعل الحديث ، فحركة الرأوس بهؤلاء الاذناب و لولاهم لميتحركوا و لميقدروا علي اظهار ما في ضمايرهم بالجملة فاذا قيل للمنافقين تعالوا الي ولاية علي عليه السلام يستغفر لكم رسول الله صلي الله عليه و آله لووا رأوسهم اعراضا و استهزاءا بالنبي و الولي عليهما السلام و رأيتهم يصدون عن سبيل الله و سبيل النبي صلي الله عليه و آله و هو ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام و هم مستكبرون و ذلك لان الذرة اذا ارادت ان تصد عن سبيل الله الحق الذي هو اوسع مما بين السماء و الارض و يمنع عن سلوكه و يسد هذا الباب عرضه و طوله الذين لايعلم قدرهما الا الله لا بد له في نفسه من الاستكبار كي يتوهم انها مع صغر جثتها تقدر علي ان تسد هذا الباب و هو محال فانها كالذرة بل اقل و كيف تقدر علي سد سبيل هو اوسع مما بين الارض و السماء نعم يسده و يصد عنه علي نفسه و اتباعه و اشياعه لا غير لانها لاتقدر علي سد منفذ الا منفذ نفسها و اتباعها اليه و اما غيرهم فمن اين لها هذه السعة و الاحاطة و الكلية و قد ضرب الله عليها بالصغار و الذلة و قال النبي [ص 92] صلي الله عليه و آله يحشر الجبارون و المتكبرون يوم القيمة في صورة الذر يطأهم الناس لهوانهم علي الله ، اقول و الناس هنا الائمة صلوات الله عليهم و شيعتهم فكيف تقدر الذرة الصغيرة الذليلة الموطأة لجماعة ان يسد السبيل لهم و يصدهم عنه نعم يسد علي نفسه و يظلم نفسه و ظلمه علي نفسه هو المعبر عنه بالظلم للوصي و الولي لان من شأن الولي الولاية اي الاولوية و نفوذ النور و الامر و هؤلاء لما سدوا علي انفسهم منافذ النور و لميستضيئوا به فقد ظلموا علي الولي في ولايته و صار مولاهم النار و الشيطان فاستحقوا ان لايهديهم الله الاتري ان من سد عينه بيده يستحق ان يقع في الآبار و بوادي الهلكة و لو كان يمشي في الشمس الضاحية و ذلك لان الشمس و ان كانت منيرة و لكن هذا المغرور الجاهل سد منافذ النور علي نفسه و اظلم نفسه و ظلمها فيستحق الضلالة و الهلكة بفعله و الله تعالي بنفسه غني عن العالمين و لايضره كفر من كفر كما لاينفعه ايمان من آمن و لايهدي من يهدي باقتضاء و محبة منه و قد علق ذلك علي المحال في قوله لو شاء لهدي الناس جميعا و لميفعل ذلك لما لايحتاج اليهم فمن هنا قال ان الله لايهدي القوم الفاسقين و قد فسرنا الفاسقين بالظالمين لما مر في الخبر فتدبر و لك ان ترجع الي ما قدمنا في الآيات السابقة و استخراج بواطن اخر للآية الشريفة و الله العالم بحقايق مراده . قال الله تعالي : هم الذين يقولون لاتنفقوا علي من عند رسول الله حتي ينفضوا و لله خزائن السموات و الارض و لكن المنافقين لايفقهون .
[ص 93] القراءة ذكر الرازي و ابوالسعود قرئ حتي ينفضوا من انفض القوم اذا فنيت ازوادهم .
اللغة في المعيار نفقت الدراهم نفقا كنصر و نفقا كفرح فرحا نفدت و فنيت و انفقها صاحبها انفاقا كاستنفقها علي استفعل فهو منفق كمحسن ج بالواو و النون و الاسم النفقة ج نفاق كرقبة و رقاب و نفقات كقصبة و قصبات و كذلك الزاد يقال نفقت نفاقهم اي فنيت نفقاتهم و رجل منفاق كمفتاح كثير النفقة و ينفضوا اي يتفرقوا و قد مر معناه في سورة الجمعة و خزنت المال خزنا كنصر جعلته في المخزن و هو موضع الخزن ج مخازن الي ان قال و الخزانة المخزن و لايفتح ج خزائن كرسالة و رسائل .
الظاهر قال الطبرسي رحمه الله ثم قال سبحانه هم الذين يقولون لاتنفقوا علي من عند رسول الله من المؤمنين المحتاجين حتي ينفضوا اي يتفرقوا عنه و انما قالوا هم من عند محمد و لكن الله سبحانه سماه رسول الله صلي الله عليه و آله تشريفا له و تعظيما لقدره و لله خزائن السموات و الارض و ما بينهما من الارزاق و الاموال و الاغلاق فلو شاء لاغناهم و لكنه تعالي يفعل ما هو الاصلح لهم يمنحهم بالفقر و يتعبدهم بالصبر ليصبروا فيوجروا و ينالوا الثواب و كريم المآب و لكن المنافقين لايفقهون ذلك علي الحقيقة لجهلهم بوجوه الحكمة و قيل لايفقهون ان امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون ، اقول الظاهر عندي انه رحمه الله لميصب المعني و الغرض انهم زعموا ان المهاجرين قدروا علي الوقوف مع رسول الله صلي الله عليه و آله و [ص 94] الاجتماع حوله و نصره لما انفق الانصار عليهم و لو امسكوا عنهم الانفاق لانفضوا فرارا من الجوع و لايفقهون ان لله خزائن السموات و الارض و يرزق من يشاء من حيث يشاء و خاصة يرزق المتقين المؤمنين من حيث لايحتسبون كما قال و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لايحتسب و من يتوكل علي الله فهو حسبه ان الله بالغ امره قد جعل الله لكل شئ قدرا فخبطوا في ما قالوا انهم لو لمينفقوا عليهم لانفضوا فان الله يرزقهم من حيث يشاء و لايمنعه احد ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها و ما يمسك فلا مرسل له من بعده و هو العزيز الحكيم يا ايها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء و الارض لا اله الا هو فاني تؤفكون بالجملة فلايترك رسوله وحيدا فريدا لا ناصر له و لا معين لامساك هؤلاء المنافقين بل يرزقهم كما رزق هؤلاء المنافقين بهم و وسع عليهم بما رزقهم من اموال الناس و خزائنه تعالي لاتنفد و كيف ينفد خزانة من خزائنه بين الكاف و النون كما قال ابوعبدالله عليه السلام لما صعد موسي عليه السلام الي الطور فناجي ربه قال رب ارني خزائنك قال يا موسي ان خزائني اذا اردت شيئا ان اقول له كن فيكون الحديث .