تفسير سورة المنافقين
من مؤلفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج زينالعابدين خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله و سلام علي عباده الذين اصطفي .
اما بعد فيقول العبد المسكين ابن محمدكريم زينالعابدين عفا الله عن جرائمه بحق محمد و آله الطيبين صلواته عليهم اجمعين اني لما كتبت تفسير سورة الجمعة علي الوجوه المستنبطة من اخبار اهل البيت عليهم السلام من الظاهر و التأويل و الباطن احببت ان الحق به تفسير سورة المنافقين ايضا لما بينهما من الارتباط و لما تتكرران في الفرايض ليلة الجمعة و يومها و كلما زادت بصيرة الانسان فيهما كان افضل لا محالة فان القاري لهما لا عن معرفة له من الاجر قليل كما لايخفي علي من راجع اخبار اهل البيت عليهم السلام و قد مر شطر منها في تفسير سورة الجمعة و وجه الارتباط بين السورتين ظاهر حيث انه ختم سورة الجمعة بشرح حال المنافقين من انصرافهم الي اللهو و التجارة و ترك النبي صلي الله عليه و آله قائما فبدأ تعالي في هذه السورة بتعريفهم و ابداء سرائرهم و ما يؤل اليه امرهم و هكذا علي ما ستعرف ان شاء الله و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و نسأل الله بالتوسل اليه بمحمد و آلمحمد صلوات الله عليهم ان يجعلنا من الخالصين المخلصين لوجهه في ولاية محمد و آله الطاهرين صلواته عليهم اجمعين و يعصمنا من الشك و الشرك و النفاق آمين رب العالمين و ها هو ابان الشروع في المقصود و التوكل علي الله الودود .
قال الله تعالي : بسم الله الرحمن الرحيم ، اذا جاءك المنافقون قالوا [ص 3] نشهد انك لرسول الله و الله يعلم انك لرسوله و الله يشهد ان المنافقين لكاذبون .
اللغة قال في المعيار النافقاء كفاعل بالممدودة احدي جحرة اليربوع يكتمها و يظهر غيرها الي ان قال و نافق اليربوع علي فاعل اخذ في نافقائه كانتفق علي افتعل و منه قيل نافق الرجل اذا اظهر الاسلام و الدين لاهله و اضمر غير الاسلام و اتاه مع اهله ايضا و فعله النفاق ككتاب فهو منافق ج بالواو و النون و هي بهاء ج بالالف و التاء و موضع النفاق القلب و انفق انفاقا افتقر و ذهب ماله قال تعالي اذا لامسكتم خشية الانفاق و قال قبل ذلك و الدابة كنصر و المصدر كسرور ماتت و في المجمع قوله اذا جاءك المنافقون جمع منافق و هو الذي يخفي الكفر و يظهر غيره من النفق و هو السرب في الارض اي يستتر بالاسلام كما يستتر في السرب الي ان قال و في الحديث المنافق الذي يظهر الايمان و يتصنع بالاسلام و في حواشي المجمع عن عبدالله بن سنان قال كنا جلوسا عند ابيعبدالله عليه السلام اذ قال له رجل من الجلساء جعلت فداك يا ابن رسول الله اتخاف علي ان اكون (ظ) منافقا فقال له اذا خلوت في بيتك نهارا او ليلا اليس تصلي فقال بلي فقال و لمن تصلي فقال لله عز و جل فقال كيف تكون منافقا و انت تصلي لله عز و جل لا لغيره ، اقول في الكتاب المبين عن ابيجعفر عليه السلام قال ان رجلا اتي رسول الله صلي الله عليه و آله فقال يا رسول الله انني نافقت فقال والله مانافقت و لو نافقت مااتيتني تعلمني ما الذي رابك اظن العدو الحاضر اتاك [ص 4] فقال لك من خلقك فقلت الله خلقني فقال لك من خلق الله قال اي و الذي بعثك بالحق لكان كذا فقال ان الشيطان اتاكم من قبل الاعمال فلميقو عليكم فاتاكم من هذا الوجه لكي يستزلكم فاذا كان كذلك فليذكر احدكم الله وحده و قال ابوعبدالله عليه السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله ما زاد خشوع الجسد علي ما في القلب فهو عندنا نفاق ، اقول و يظهر من بعض الاستعمالات ان لفظ المنافق يستعمل في مثل اليهود و النصاري ايضا كما حكي الطبرسي (ره) في خبر يأتي ذكره في شأن نزول آيات هذه السورة ان شاء الله انه قال رسول الله صلي الله عليه و آله مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة قيل من هو قال رفاعة الي ان قال فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد في التابوت احد بنيقينقاع و كان من عظماء اليهود و قد مات ذلك اليوم ، اقول يحتمل انه كان يتصنع في كلامه مع المسلمين او سمي به من باب ان اليهود ان كانوا يهودا حقيقة عاملين بما في التورية من النص علي محمد و علي و آلهما صلوات الله عليهم لا بد لهم من ان يؤمنوا بهم و اذا لميؤمنوا مع علمهم بما في التوراة خرجوا عن اليهودية حقيقة و صاروا منافقين يظهرون التهود و يضمرون الكفر بالجملة و كتب الي ابيالحسن عليه السلام يسأل عن مسألة فكتب ان المنافقين يخادعون الله و هو خادعهم و اذا قاموا الي الصلوة قاموا كسالي يراؤن الناس و لايذكرون الله الا قليلا مذبذبين بين ذلك لا الي هؤلاء و لا الي هؤلاء و من يضلل الله فلنتجد له سبيلا ليسوا من الكافرين و ليسوا من المؤمنين و [ص 5] ليسوا من المسلمين يظهرون الايمان و يصيرون الي الكفر و التكذيب لعنهم الله ، اقول كفي بهذا الخبر في تفسير المنافقين و سيأتي اخبار اخر يظهر منها حقيقة النفاق ان شاء الله و الشهادة في المعيار شهد علي كذا كسمع شهادة كسحابة و ربما قالوا شهد الرجل بتسكين الهاء للتخفيف و ككرم لغة اطلع عليه و عاينه و الاسم الشهادة ايضا و هي ما يقابل الغيب و الخبر القاطع ج شهادات بالالف و التاء و الشهادة ما قد كان و الغيب ما لميكن ش فهو شاهد ج شهود كراكع و ركوع الي ان قال فيقال اشهدته الشئ و شهدت الشئ كسمع و المصدر كسرور حضرته الي ان قال و لفلان بكذا شهادة كسحابة اديت ما عندي من الشهادة الي ان قال و الشهيد كامير و يكسر شينه الشاهد و الامين في الشهادة و الله شهيد ايضا اي لايغيب عن علمه شئ و الشهيد ايضا القتيل في سبيل الله لان ملئكة الرحمة تشهده او لان الله تعالي و ملئكته شهود له بالجنة او لانه حي عند ربه حاضر او لانه يشهد ملكوت الله ج شهداء الي ان قال و شاهده مشاهدة علي فاعل عاينه و شهد بالله كسمع حلف و فلانا ادركه ، اقول و قد مر في شرح سورة الجمعة معاني العلم و الرسالة و لا حاجة الي الاعادة و الكذب قال في المعيار كذب كضرب و المصدر ككتف و جسم و عصمة و كلمة و كتاب و سحاب اخبر عن خلاف اعتقاده سواءا طابق اعتقاده الواقع ام لا و عليه اخبر عنه بما لميكن فيه فهو كاذب و في حواشي المجمع لولد الطريحي (ره) عن ابيجعفر عليه السلام في قوله تعالي و يوم القيمة تري الذين [ص 6] كذبوا علي الله وجوههم مسودة قال من قال اني امام و ليس بامام و قال الطريحي (ره) في قوله تعالي و الله يشهد ان المنافقين لكاذبون و المعني علي ما قيل لكاذبون في الشهادة و ادعائهم مواطاة قلوبهم السنتهم فالتكذيب راجع الي قولهم نشهد باعتبار تضمنه خبرا كاذبا و هو ان شهادتهم صادرة عن صميم القلب و خلوص الاعتقاد بشهادة تأكيدهم الجملة الاسمية و قيل غير ذلك ، اقول في البرهان عن ابيجعفر عليه السلام محمد بن علي عليهما السلام قال له طاوس اخبرني عن قوم شهدوا شهادة الحق و كانوا كاذبين قال المنافقون حين قالوا لرسول الله صلي الله عليه و آله نشهد انك لرسول الله صلي الله عليه و آله فانزل الله عز و جل اذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله ، اقول و هنا خبران طويلان نروي احدهما ليظهر شأن نزول السورة المباركة ثم نبدأ في التفسير و لا حول و لا قوة الا بالله ففي البحار عن الطبرسي (ره) في قوله تعالي و اذا قيل لهم نزلت الآيات في عبدالله بن ابي المنافق و اصحابه و ذلك ان رسول الله صلي الله عليه و آله بلغه ان بني المصطلق يجتمعون لحربه و قائدهم الحرث بن ابيضرار ابوجويرية زوج النبي صلي الله عليه و آله فلما سمع بهم رسول الله صلي الله عليه و آله خرج اليهم حتي لقيهم علي ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد الي الساحل فتزاحف الناس و اقتتلوا فهزم الله بني المصطلق و قتل منهم من قتل و نفل رسول الله صلي الله عليه و آله ابناءهم و نساءهم و اموالهم فبينا الناس علي ذلك الماء اذ وردت [ص 7] واردة الناس و مع عمر بن الخطاب اجير له من بنيغفار يقال له جهجاه بن سعيد يقود له فرسه فازدحم جهجاه و سنان الجهني من بنيعوف بن الخزرج علي الماء فاقتتلا فصرخ الجهني يا معشر الانصار و صرخ الغفاري يا معشر المهاجرين فاعان الغفاري رجل من المهاجرين يقال له جعال و كان فقيرا فقال عبدالله بن ابيجعال و انك لهناك فقال و ما يمنعني ان افعل ذلك و اشتد لسان جعال علي عبدالله فقال عبدالله و الذي يحلف به لازرنك ● و يهمك غير هذا و غضب ابن ابي و عنده رهط من قومه فيهم زيد بن ارقم حديث السن فقال ابن ابي قد نافرونا و كاثرونا في بلادنا والله ما مثلنا و مثلهم الا كما قال القائل سمن كلبك يأكلك اما والله لئن رجعنا الي المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل يعني بالاعز نفسه و بالاذل رسول الله صلي الله عليه و آله ثم اقبل علي من حضره من قومه فقال هذا ما فعلتم بانفسكم احللتموهم بلادكم و قاسمتموهم اموالكم اما والله لو امسكتم عن جعال و ذويه فضل الطعام لميركبوا رقابكم و لاوشكوا ان يتحولوا من بلادكم و يلحقوا بعشائرهم و مواليهم فقال زيد بن ارقم انت والله الذليل القليل المبغض في قومك و محمد في عز من الرحمن و مودة من المسلمين والله لااحبك بعد كلامك هذا فقال عبدالله اسكت فانما كنت العب فمشي زيد بن ارقم الي رسول الله صلي الله عليه و آله و ذلك بعد فراغه من الغزو فاخبره [ص 8] الخبر فامر رسول الله صلي الله عليه و آله بالرحيل و ارسل الي عبدالله فاتاه فقال ما هذا الذي بلغني عنك فقال عبدالله و الذي انزل عليك الكتاب ماقلت شيئا من ذلك قط و ان زيدا لكاذب و قال من حضر من الانصار يا رسول الله شيخنا و كبيرنا لاتصدق عليه كلام غلام من غلمان الانصار عسي ان يكون هذا الغلام وهم في حديثه فعذره صلي الله عليه و آله و فشت الملامة من الانصار لزيد و لما استقل رسول الله صلي الله عليه و آله فسار لقيه اسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة ثم قال يا رسول الله لقد رحت في ساعة منكرة ماكنت تروح فيها فقال له رسول الله صلي الله عليه و آله اومابلغك ما قال صاحبكم زعم انه ان رجع الي المدينة اخرج الاعز منها الاذل فقال اسيد فانت والله يا رسول الله تخرجه ان شئت هو والله الذليل و انت العزيز ثم قال يا رسول الله ارفق به فوالله لقد جاء الله بك و ان قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه و انه ليري انك قد استلبته ملكا و بلغ عبدالله بن عبدالله بن ابي ما كان من امر ابيه فاتي رسول الله صلي الله عليه و آله فقال يا رسول الله انه قد بلغني انك تريد قتل ابي فان كنت لا بد فاعلا فمرني به فانا احمل اليك رأسه فوالله لقد علمت الخزرج ماكان بها رجل ابر بوالديه مني و اني اخشي ان تأمر به غيري فيقتله فلاتدعني نفسي ان انظر الي قاتل ابي ان يمشي في الناس فاقتله فاقتل مؤمنا بكافر فادخل النار فقال صلي الله عليه و آله بل نرفق به و نحسن صحبته ما بقي معنا قالوا و سار رسول الله صلي الله عليه و آله بالناس [ص 9] يومهم ذلك حتي امسي و ليلتهم حتي اصبح و صدر يومهم ذلك حتي آذتهم الشمس ثم نزل بالناس فلميكن الا ان وجدوا مس الارض وقعوا نياما و انما فعل ذلك ليشتغل الناس عن الحديث الذي خرج من ابن ابي ثم راح بالناس حتي نزل علي ماء بالحجاز فويق البقيع يقال له بقعا فهاجت ريح شديدة آذتهم و تخوفوها و ضلت ناقة رسول الله صلي الله عليه و آله و ذلك ليلا فقال صلي الله عليه و آله مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة قيل من هو قال رفاعة فقال رجل من المنافقين كيف يزعم انه يعلم الغيب و لايعلم مكان ناقته الايخبره الذي يأتيه بالوحي فاتاه جبرئيل فاخبره بقول المنافق و بمكان الناقة و اخبر رسول الله صلي الله عليه و آله بذلك اصحابه و قال ماازعم اني اعلم الغيب و مااعلمه و لكن الله تعالي اخبرني بقول المنافق و بمكان ناقتي هي في الشعب فاذا هي كما قال فجاؤا بها و آمن ذلك المنافق فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد في التابوت احد بنيقينقاع و كان من عظماء اليهود قد مات في ذلك اليوم قال زيد بن ارقم فلما وافي رسول الله صلي الله عليه و آله المدينة جلست في البيت لما بي من الهم و الحياء فنزلت سورة المنافقين في تصديق زيد و تكذيب عبدالله ثم اخذ رسول الله صلي الله عليه و آله باذن زيد فرفعه عن الرجل ثم قال يا غلام صدق فوك و وعت اذناك و وعي قلبك و قد انزل الله فيما قلت قرآنا و كان عبدالله بن ابي بقرب المدينة فلما اراد ان يدخلها جاء ابنه عبدالله بن عبدالله حتي اناخ علي مجامع طرق المدينة [ص 10] فقال ما لك ويلك فقال والله لاتدخلها الا باذن رسول الله صلي الله عليه و آله و لتعلمن اليوم من الاعز و من الاذل فشكا عبدالله ابنه الي رسول الله صلي الله عليه و آله فارسل اليه ان خل عنه يدخل فقال اما اذا جاء امر رسول الله صلي الله عليه و آله فنعم فدخل فلميلبث الا اياما قلائل حتي اشتكي و مات فلما نزلت هذه الآيات و بان كذب عبدالله قيل له انه نزل فيك آي شداد فاذهب الي رسول الله صلي الله عليه و آله يستغفر لك فلوي رأسه ثم قال امرتموني ان اومن فقد آمنت و امرتموني ان اعطي زكوة مالي فقد اعطيت فمابقي الا ان اسجد لمحمد فنزل و اذا قيل لهم تعالوا ، كما سيأتي ذكره ان شاء الله و في خبر آخر نحوا من ذلك بعد ما امهدهم الارض من السهر الذي اصابهم فجاء عبدالله بن ابي الي رسول الله فحلف عبدالله انه لميقل ذلك و انه ليشهد ان لا اله الا الله و انك لرسول الله و ان زيدا قد كذب علي فقبل رسول الله منه الخبر و فيه ان الوحي نزل و لمايصل صلي الله عليه و آله المدينة .
المعني الظاهر خاطب الله تعالي نبيه صلي الله عليه و آله بقوله اذا جاءك المنافقون و نزوله في عبدالله بن ابي و لكنه يجري في اصحابه و اضرابه كجميع آيات القرآن النازلة في رجال مخصوصين فانها جارية في كل من كان بصفتهم من الحاضرين و الغائبين و المعدومين الذين اتوا او يأتون بعد ذلك فعن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام في حديث لو كانت اذا نزلت آية علي رجل ثم مات ذلك الرجل [ص 11] ماتت الآية مات الكتاب و السنة و لكنه حي يجري في من بقي كما جري في من مضي و سئل ما بال القرآن لايزداد علي النشر و الدرس الا غضاضة فقال ان الله تبارك و تعالي لميجعله لزمان دون زمان و لناس دون ناس فهو في كل زمان جديد و عند كل قوم غض الي يوم القيمة ، بالجملة فقال تعالي اذا جاءك المنافقون يعني الذين يظهرون الايمان و يبطنون الكفر و قالوا نشهد انك لرسول الله اي نعلم و نعاين و نخبر به علي القطع و الاعتقاد و نؤدي ما عندنا من الشهادة بانك رسول الله صلي الله عليه و آله و اللام في قوله لرسول في الموضعين و في قوله لكاذبون لام ابتداء و منع ما قبلها ان يعمل في ما بعدها و يكسر لها ان و لاتدع ان يعمل ما قبلها في ان التي في خبرها لان الخبر اذا منع عن ان يكون معمولا فالاسم و العامل اولي و ذلك بخلاف لام القسم فانها لاتمنع من العمل في ما بعدها بالجملة قال تعالي و الله يعلم انك لرسوله علي الحقيقة و كفي بالله شهيدا و الله يشهد ان المنافقين لكاذبون في دعواهم انهم يشهدون بذلك و يخبرون علي القطع و الاعتقاد به و ان لميكذبوا في ما اظهروه علي السنتهم و من ذلك يظهر ان الايمان ما استقر في القلب و وافقه العمل قال الله تعالي و لمايدخل الايمان في قلوبكم ، قال ابوجعفر عليه السلام الايمان ما استقر في القلب و افضي به الي الله عز و جل و صدقه العمل بالطاعة لله و التسليم لامره ، اقول و ما ذكرنا من اشتراط موافقة العمل لظهور ان الشهادة باللسان من تمام الاعتقاد و هو عمل اللسان و كذا الآيات المذكورة [ص 12] بعد ذلك صريحة في اشتراط العمل فيه بالجملة و الفرق بين الكذب و الباطل ان الباطل ضد الحق سواءا طابق الاعتقاد ام لا و الكذب هو المخالف للاعتقاد سواءا طابق الواقع ام لا .
التأويل تأويل هذه الآية المباركة يظهر مما سبق في تفسير سورة الجمعة فان النفاق انما هو من جنود الجهل و خصال النفس الامارة بالسوء كما في حديث هشام عن موسي بن جعفر عليه السلام في تعداد جنود العقل و الجهل الايمان الكفر التصديق التكذيب الاخلاص النفاق الي ان قال اليقين الشك الي ان قال الوفاء الغدر الطاعة المعصية الي ان قال الحفظ النسيان الي ان قال سلامة الغيب المماكرة الي ان قال النشاط الكسل الفرح الحزن و عن سماعة بن مهران عن ابيعبدالله عليه السلام في جنود العقل و الجهل الي ان قال و سلامة الغيب و ضدها المماكرة الي ان قال و الحقيقة و ضدها الرياء ، اقول و قد ذكرنا بعض الصفات للمنافق تبعا لقوله تعالي ان المنافقين يخادعون الله و هو خادعهم و اذا قاموا الي الصلوة قاموا كسالي يراؤن الناس و لايذكرون الله الا قليلا مذبذبين بين ذلك لا الي هؤلاء و لا الي هؤلاء و من يضلل الله فلنتجد له سبيلا ، و في الخبر عن النبي صلي الله عليه و آله و اما علامة المنافق فاربعة فاجر دخله يخالف لسانه قلبه و قوله فعله و سريرته علانيته ، اقول الدخلة و الدخل الدغل و الخيانة و المكر و الخديعة قال الله تعالي و لاتتخذوا ايمانكم دخلا بينكم و في المجمع من التفسير الدخل ان يكون الباطن خلاف الظاهر فيكون داخل القلب علي الغدر و الظاهر [ص 13] علي الوفاء بالجملة و قال علي بن الحسين عليهما السلام ان المنافق ينهي و لاينتهي و يأمر بما لايأتي و اذا قام الي الصلوة اعترض قيل يا ابن رسول الله و ما الاعتراض قال الالتفات فاذا ركع ربض يمسي و همه العشاء و هو مفطر و يصبح و همه النوم و لميسهر ان حدثك كذبك و ان ائتمنته خانك و ان غبت اغتابك و ان وعدك اخلفك ، اقول و كل ذلك من صفات النفس الامارة و تعامل مع العقل الذي هو الحجة الباطنة هكذا فيظهر التصديق لقوله و يضمر التكذيب و يقول بقوله و يخالفه في فعله و شاهد ذلك ما تراه من الناس من امثال تلك الصفات فان كل ذلك صادرة من نفوسهم الامارة نعوذ بالله من شرور انفسنا و سيئات اعمالنا و لك ان تجري الآية في الآفاق في الاراضي التي ظاهرها سهل طيب قابل للزرع و النبات و باطنها بعكس ذلك ملح اجاج خبيث كلما انتهي اليه اصول الشجر و النبات يبس و صار هشيما تذروه الرياح البلد الطيب يخرج نباته باذن ربه و الذي خبث لايخرج الا نكدا فكلما دارت عليها الافلاك و الشمس و القمر و القت اليها شعلاتها و آثارها و امطرت عليها بسحائبها ينبت منها النبات اليوم و ييبس غدا و لاينفع شيئا و لك ان تجري ذلك في الاجساد في مثل القلعي مثلا فانه في ظاهره يشبه الفضة و بحسب الباطن ردي غاية الردائة في عرصة الاجساد و اذا داخلها يوجب فسادها و خفتها و لايخرج منها خلافا للرصاص الاسود فانه في ظاهره و ان كان كثير الوسخ و السواد و لكن باطنه ذهب و صالح للعمل الشمسي و القمري بعد التنقية التامة و كذا النحاس فانه في ظاهره [ص 14] و ان كان كثير الدنس و لكنه في الحقيقة فضة و صالح للاعمال الشمسية لقرب ظاهره من الذهب اذا ازيل عنها ادناس المعدن و قد سئل الصادق عليه السلام عن النحاس ايش اصله فقال عليه السلام فضة الا ان الارض افسدتها فمن قدر علي ان يخرج الفساد منها انتفع بها ، اقول و مثلهما في الناس المؤمن العاصي حيث انه طيب الذات خبيث العمل و اذا ازيل عنه خبث ظاهره يرجع الي اصله و اما الرصاص الابيض فمثله كمثل المنافق حسن في ظاهره ردي في باطنه و هو طيب العمل بالنسبة خبيث الذات و لاينفعه طيب عمله شيئا و بالجملة امثاله كثيرة اذا نظرت في الآفاق و الله الموفق للصواب .
الباطن في البرهان عن محمد بن يعقوب باسناده عن محمد بن الفضيل عن ابيالحسن الماضي عليه السلام في حديث قال قلت ذلك بانهم آمنوا ثم كفروا قال ان الله تبارك و تعالي سمي من لميتبع رسوله في ولاية وصيه منافقين و جعل من جحد وصيه و امامته جحد محمدا و انزل بذلك قرآنا فقال يا محمدا اذا جاءك المنافقون بولاية وصيك قالوا نشهد انك لرسول الله و الله يعلم انك لرسوله و الله يشهد ان المنافقين بولاية علي عليه السلام لكاذبون الخبر ، و سيأتي تمامه ان شاء الله ذيل الآيات الآتية اقول انهم آمنوا بعلي بن ابيطالب عليه السلام اولا و اقروا بفضله و بالولاية و الخلافة ثم كفروا كما في البحار عن ابيجعفر محمد بن علي عليهما السلام بعد ما ذكر خطبة الغدير بطولها فنادته القوم نعم سمعنا و اطعنا امر الله و امر رسوله بقلوبنا و السنتنا [ص 15] و ايدينا و تداكوا علي رسول الله صلي الله عليه و آله و علي علي عليه السلام و صافقوا بايديهم فكان اول من صافق رسول الله صلي الله عليه و آله الاول و الثاني و الثالث و الرابع و الخامس عليهم ما عليهم و باقي المهاجرين و الانصار و باقي الناس عن آخرهم علي قدر منازلهم الي ان صليت الظهر و العصر في وقت واحد و المغرب و العشاء الآخرة في وقت واحد و اوصلوا البيعة و المصافقة ثلثا و رسول الله صلي الله عليه و آله يقول كل ما بايع قوم الحمد لله الذي فضلنا علي جميع العالمين و صارت المصافقة سنة و رسما يستعملها من ليس له حق فيها و في اخبار كثيرة من طرق الخاصة و العامة قول عمر له (ع) بعد الخطبة هنيئا لك يا بن ابيطالب او طوبي لك يا اباالحسن اصبحت مولاي و مولي كل مؤمن و مؤمنة ، و هو بديهي لاينكر حتي ان من بعد رسول الله صلي الله عليه و آله ايضا كثيرا ما كانوا يقرون به قولا و ينكرونه فعلا و قد قيل لعمر بن الخطاب انك تصنع بعلي شيئا لاتصنعه باحد من اصحاب النبي صلي الله عليه و آله قال انه مولاي و قد استشهد اميرالمؤمنين علي بن ابيطالب عليه السلام اصحاب رسول الله صلي الله عليه و آله علي المنبر و ناشدهم ان من سمع رسول الله صلي الله عليه و آله يوم غديرخم يقول ما قال فليشهد و شهد منهم رجال و الغرض انهم من بعد رسول الله صلي الله عليه و آله ايضا ماكانوا يقدرون علي انكاره بالمرة قولا و فعلا و لكن مع ذلك نصبوا له العداوة و انكروا حقه و غصبوه عليهم لعائن الله و قوله عليه السلام [ص 16] جعل من جحد وصيه و امامته جحد محمدا لان الوصي نفس النبي صلي الله عليهما و آلهما كما يشهد به الكتاب و اخبار آل الله الاطياب صلوات الله عليهم و قد عرفت ذيل سورة الجمعة من الخبر ان لفظ الرسول ايضا في الباطن يفسر بهم صلوات الله عليهم الا انهم رسول الرسول و النذير من عند النذير فلا مانع ان يكون الجحود به عليه السلام جحودا بالرسول فتدبر و يجري ذلك في جميع فرق الواقفية علي بعض الائمة عليهم السلام فانهم صلوات الله عليهم باجمعهم انفس النبي صلي الله عليه و آله و يجري في كل واحد منهم ما يجري في كل واحد و من انكر واحدا منهم فقد انكر الكل و عن الرضا عن آبائه صلوات الله عليهم قال قال رسول الله يا علي انت و الائمة من ولدك بعدي حجج الله علي خلقه و اعلامه في بريته فمن انكر واحدا منهم فقد انكرني و من عصي واحدا منهم فقد عصاني و من جفا واحدا منهم فقد جفاني و من وصلكم فقد وصلني و من اطاعكم فقد اطاعني و من والاكم فقد والاني و من عاداكم فقد عاداني لانكم مني خلقتم من طينتي و انا منكم ، اقول و الاخبار بهذا المعني كثيرة و من البواطن هنا ما يظهر من كلام اميرالمؤمنين عليه السلام قال من سره ان يعلم امحب لنا ام مبغض فليمتحن قلبه فان كان يحب وليا لنا فليس بمبغض و ان كان يبغض وليا لنا فليس بمحب لنا و من قول ابيعبدالله عليه السلام ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت لانك لاتجد رجلا يقول انا ابغض محمدا و آلمحمد و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا [ص 17] و انكم من شيعتنا و عن ابيبصير قال قلت لابيعبدالله عليه السلام ارأيت الراد علي هذا الامر كالراد عليكم فقال يا بامحمد من رد عليك هذا الامر فهو كالراد علي رسول الله و قال قلت لابيعبدالله عليه السلام من نصب لعلي حربا كان كمن نصب لرسول الله فقال اي والله من نصب لك انت لاينصب لك الا علي هذا الدين كما كان نصب لرسول الله ، اقول هذا و قد قال ابوجعفر عليه السلام في حديث الناصب كافر و قال حبنا ايمان و بغضنا كفر و قال ابوعبدالله عليه السلام من شك في كفر اعدائنا و الظالمين لنا فهو كافر ، و ازيدك اخبارا اخر تقر بها عينك و تزيد في معرفتك فعن اميرالمؤمنين عليه السلام في حديث لابيذر يا اباذر سلمان باب الله في الارض من عرفه كان مؤمنا و من انكره كان كافرا و عن جابر بن يزيد الجعفي في حديث طويل انه قال لعلي بن الحسين عليهما السلام الحمد لله الذي من علي بمعرفتكم و الهمني فضلكم و وفقني لطاعتكم و موالاة اوليائكم و معاداة اعدائكم قال صلوات الله عليه يا جابر اوتدري ما المعرفة المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا ثم معرفة الاركان خامسا ثم معرفة النقباء سادسا ثم معرفة النجباء سابعا و هو قوله تعالي الخبر و في دعاء التوسل المعروف في صفة اميرالمؤمنين عليه السلام من لااثق بالاعمال و ان زكت و لااراها منجية لي و ان صلحت الا بولايته و الايتمام به و الاقرار بفضائله و القبول من حملتها و التسليم لرواتها و كتب ابوالحسن الاول عليه السلام الي علي بن [ص 18] سويد و هو في السجن و اما ما ذكرت يا علي ممن تأخذ معالم دينك لاتأخذن معالم دينك من غير شيعتنا فانك ان تعديتهم اخذت دينك من الخائنين الذين خانوا الله و رسوله و خانوا اماناتهم انهم اوتمنوا علي كتاب الله جل و علا فحرفوه و بدلوه فعليهم لعنة الله و لعنة رسوله و لعنة ملئكته و لعنة آبائي الكرام البررة و لعنتي و لعنة شيعتي الي يوم القيمة و قال الحجة عليه السلام اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله و سمع ابوالحسن عليه السلام يقول من عادي شيعتنا فقد عادانا و من والاهم فقد والانا لانهم خلقوا من طينتنا من احبهم فهو منا و من ابغضهم فليس منا ثم ذكر بعض فضائلهم الي ان قال عليه السلام من رد عليهم فقد رد علي الله و من طعن فيهم فقد طعن علي الله لانهم عباد الله حقا و اوليائي صدقا الحديث ، و يصرح بهذا المعني ما روي عن ابيجعفر الثاني عن ابيه عن جده صلوات الله عليهم قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله في حديث الا فلو ان الرجل من امتي عبد الله عز و جل عمره ايام الدنيا ثم لقي الله عز و جل مبغضا لاهل بيتي و شيعتهم مافرج الله صدره الا عن نفاق و في خطبة رسول الله صلي الله عليه و آله الا لاتكذبوا عالما و لاتردوا عليه و لاتبغضوه و احبوه فان حبهم اخلاص و بغضهم نفاق الا و من اهان عالما فقد اهانني و من اهانني فقد اهان الله الخطبة ، و يشمل العالم شيعة آلمحمد عليهم السلام لاخبار كثيرة دالة علي هذا [ص 19] المعني منها ما روي عن العسكري عليه السلام عن رسول الله صلي الله عليه و آله في حديث في فضل العلم و تحصيله الي ان روي عن علي بن الحسين عليهما السلام كلاما في هذا المعني و انهم العلماء الي ان قال عليه السلام ثم انتم معاشر الشيعة العلماء بعلمنا تالون مقرونون بنا و بملئكة الله المقربين شهداء الله بتوحيده و عدله و كرمه و جوده قاطعون لمعاذير المعاندين من امائه و عبيده فنعم الرأي لانفسكم رأيتم و نعم الحظ الجزيل اخترتم و باشرف السعادة سعدتم حين بمحمد و آله الطيبين قرنتم و عدول الله في ارضه شاهرين بتوحيده و تمجيده جعلتم و هنيئا لكم ان محمدا لسيد الاولين و الآخرين و ان اصحاب محمد صلي الله عليه و آله الموالين لاولياء محمد و علي عليهما السلام و المتبرئين من اعدائهما افضل امم المرسلين و ان الله لايقبل من احد عملا الا بهذا الاعتقاد و لايغفر له ذنبا و لايقبل له حسنة و لايرفع له درجة الا به ، اقول تفسير مولانا العسكري عليه السلام كأنه باجمعه في هذه المعاني كما لايخفي علي من تتبعه و الاخبار بهذه المعاني اكثر من ان تحصي فان هويت راجع الي الكتاب المبين تجده وافيا بها و الغرض ان معرفتهم و ولايتهم و طاعتهم تمام الدين و انكارهم و الرد عليهم انكار و رد علي آلمحمد عليهم السلام فمن جحدهم فقد جحد محمدا و آلمحمد عليهم السلام و يجري فيه آيات هذه السورة نعوذ بالله من غضب الله بل لو دققت النظر لوجدت ان الايمان و الكفر و الولاية و النصب لايحصل لاحد من [ص 20] الرعية بالنسبة الي آلمحمد عليهم السلام الا من سبيل شيعتهم لاستلزام كل ذلك المعرفة و لايمكن معرفتهم الا من سبيل انوارهم و هم سلام الله عليهم بانفسهم غير معروفين لنا قال رسول الله صلي الله عليه و آله لعلي عليه السلام يا علي ماعرف الله الا انا و انت و ماعرفني الا الله و انت و ماعرفك الا الله و انا ، اقول لايحضرني الآن محل الخبر و لعل في فقراته تقديم و تأخير و المعني محفوظ و كثر في الاخبار ما يدل علي هذا المعني و علي انه لايطمع في ادراكهم طامع و في حديث طارق بن شهاب عن اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة الامام ظاهره امر لايملك و باطنه غيب لايدرك واحد دهره و خليفة الله في نهيه و امره لايوجد له مثيل و لايقوم له بديل فمن ذا ينال معرفتنا او يعرف درجتنا او يشهد كرامتنا او يدرك منزلتنا حارت الالباب و العقول و تاهت الافهام في ما اقول تصاغرت العظماء و تقاصرت العلماء و كلت الشعراء و خرست البلغاء و لكنت الخطباء و عجزت الفصحاء و تواضعت الارض و السماء عن وصف شأن الاولياء و هل يعرف او يوصف او يعلم او يفهم او يدرك او يملك من هو شعاع جلال الكبرياء و شرف الارض و السماء جل مقام آلمحمد عن وصف الواصفين و نعت الناعتين و ان يقاس بهم احد من العالمين كيف و هم الكلمة العليا و التزكية البيضاء و الوحدانية الكبري التي اعرض عنها من ادبر و تولي و حجاب الله الاعظم الاعلي فاين الاختيار من هذا و اين العقول من هذا و من ذا عرف او وصف من وصفت الحديث و في حديث عبدالعزيز بن مسلم [ص 21] عن الرضا عليه السلام في صفة الامام الي ان قال فمن ذا الذي يبلغ معرفة الامام او يمكنه اختياره هيهات هيهات ضلت العقول و تاهت الحلوم و حارت الالباب و حسرت العيون و تصاغرت العظماء و تحيرت الحكماء و تقاصرت الحلماء و حصرت الخطباء و ذهلت الالباء و كلت الشعراء و عجزت الادباء و عييت البلغاء عن وصف شأن من شأنه او فضل من فضائله فاقرت بالعجز و التقصير و كيف يوصف او ينعت بكنهه او يفهم شئ من امره او يقوم احد مقامه و يغني غناءه و لا كيف و اني و هو بحيث النجم من ايدي المتناولين و وصف الواصفين فاين الاختيار من هذا و اين العقول عن هذا الحديث ، اقول و لو دققت النظر و لاسيما في ما روينا من فقرات حديث طارق وجدت ذلك مقرونا بالبراهين انه لايعرفهم احد من العالمين و اذا لميعرفهم كان الاقرار و الانكار بالنسبة اليهم متعذرين للرعية اما الاقرار فواضح اذ لا معني للاقرار الا ان يعلم ان الاقرار بماذا و اما الانكار فهو ايضا مستلزم للمعرفة قال الله تعالي يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها فلا سبيل اليهم الا انوارهم و هم شيعتهم قال عليه السلام انما سميت الشيعة شيعة لانهم خلقوا من شعاع نورنا و هم سبيل الله و سبيل النبي و الائمة عليهم السلام كما سئل العسكري عليه السلام عن رجل اوصي بمال في سبيل الله قال سبيل الله شيعتنا و عن الصادق عليه السلام قال شيعتنا جزء منا خلقوا من فضل طينتنا يسوؤهم ما يسوؤنا و يسرهم ما يسرنا فاذا ارادنا احدهم فليقصدهم فانهم الذين يوصل منهم [ص 22] الينا و في رواية اخري فانه الباب الذي يوصل منه الينا و في حديث عن الصادق عليه السلام عن رسول الله صلي الله عليه و آله في شأن سلمان و هو باب اخي اميرالمؤمنين و المؤمنات و علي بابي و انا مدينة العلم فاعرفوا سلمان و قد مر عنهم عليهم السلام سلمان باب الله في الارض من عرفه كان مؤمنا و من انكره كان كافرا ، فلا سبيل الي معرفتهم صلوات الله عليهم الا شيعتهم و خبط من طلبها من غير سبيلهم و هل يري المنير الا من سبيل نوره و لاتقل ان هذا باطن لا معول عليه فقد قال ابوعبدالله عليه السلام لهيثم التميمي يا هيثم التميمي ان قوما آمنوا بالظاهر و كفروا بالباطن فلمينفعهم شئ و جاء قوم من بعدهم فآمنوا بالباطن و كفروا بالظاهر فلمينفعهم ذلك شيئا و لا ايمان بظاهر الا بباطن و لا بباطن الا بظاهر ، و بالجملة لو اردنا الاستقصاء في ادلة ما ذكرنا لطال بنا المقال و المسألة واضحة عند اهله و اما من ليس من اهله فلو اتيت بالف آية من الكتاب و آلاف خبر عن الائمة الاطياب صلوات الله عليهم ما طلع نجم و غاب لميقنعوا بها و لميعتمدوا عليها و سموها ظنية و قد قال تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و قد ورد عدة اخبار في تفسيرها ان المراد من القري المباركة هو هم صلوات الله عليهم و من القري الظاهرة شيعتهم الناقلون عنهم و قد قدر الله فيها السير علي نحو الحصر اي لا سبيل اليهم صلوات الله عليهم الا هم و ماادري من [ص 23] يقدر علي امر بغير التقدير من العزيز الخبير بالجملة ذرهم في خوضهم يلعبون و سيعلم الذين ظلموا اي منقلب ينقلبون .
قال الله تعالي : اتخذوا ايمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله انهم ساء ما كانوا يعملون .
القراءة قال الطبرسي (ره) في الشواذ قرائة اتخذوا ايمانهم بالكسر و ذكرها ابوالسعود ايضا .
اللغة في المعيار ائتخذوا في الحرب بهمزتين اذا اخذ بعضهم بعضا ثم لينوا الهمزة و ابدلوها تاءا و ادغموا فقالوا اتخذوا اتخاذا و هو افتعال من الاخذ و يستعمل بمعني جعل و في المجمع في قوله لاتتخذوا اليهود و النصاري اولياء قال المفسر الاتخاذ الاعتماد علي الشئ في اعداده لامر و هو افتعال من الاخذ انتهي و الايمان علي قراءة كسر الهمزة معلوم و علي الفتح جمع يمين و اليمين في المعيار الجهة و الجارحة و هي ضد اليسار كاليمني كبشري مؤنثة ج ايمن كجبين و اجبن و ايمان كشريف و اشراف الي ان قال و القسم مؤنثة ايضا لانهم كانوا اذا تحالفوا ضرب كل واحد يمينه علي يمين صاحبه و قوله تعالي و كنتم تأتوننا عن اليمين قيل عن الحلف و قيل عن اقوي الوجوه و ان جعلتها ظرفا لمتجمعها لان الظروف لاتكاد تجمع لانها جهات و اقطار مختلفة الالفاظ الاتري ان القدام مخالف للخلف و اليمين مخالفة للشمال و يأتي القول فيها ايضا مع جمعها و القوة و الشدة و منه قوله تعالي فراغ عليهم ضربا باليمين و البركة و اليمنة كضربة اليسرة و في المجمع ايضا ذكر نحوا من هذه المعاني [ص 24] و الجنة كل ما يقي من الترس و غيره و السترة و ما استترت به من سلاح و خرقة تلبسها المرأة تغطي من رأسها ما قبل و دبر غير وسطه و تغطي الوجه و جنبي الصدر و فيها عينان مثقوبتان كالبرقع ج جنن كجبة و جبب و في المجمع و الجنة بالضم و التشديد السترة و ما تسترت به من سلاح و نحوه و في الحديث الصوم جنة من النار اي يتستر به من دخول النار و المعاصي لانه يكسر الشهوة و يضعف القوة و لذلك قال صلي الله عليه و آله ان الشيطان ليجري في ابن آدم مجري الدم فضيقوا مجاريه بالجوع فكان الصوم علي الخصوص اشد قمعا للشيطان من ساير العبادات و في حديث الحق تعالي يا موسي اتخذني جنة للشدائد و في الحديث الامام جنة اي يتقي به و يستدفع به الشر و الصد الصرف و المنع و في المجمع قوله تعالي فصدها ما كانت تعبد من دون الله اي منعها من الايمان عبادة الشمس من قولهم صد صدا و صدودا من باب قتل صرفه و منعه و في المعيار و المفعول مصدود و الشئ مصدود عنه ايضا و المصدود ايضا هو الذي يرده المشركون كما ردوا رسول الله صلي الله عليه و آله ش كاصده اصدادا و عنه صدودا كسرور اعرض و من كذا كفر و مد و المصدر كدبيب ضج و عن النبي صلي الله عليه و آله في قوله عز و جل و لما ضرب بن مريم مثلا اذا قومك منه يصدون قال الصدود في العربية الضحك .
الظاهر قوله تعالي اتخذوا ايمانهم جنة اما علي كسر الهمزة علي القراءة المذكورة فواضح اي آمنوا في الظاهر ليحتجزوا بايمانهم عن [ص 25] سفك دمائهم كما قالوا عليهم السلام في الاسلام ان به حقنت الدماء و عليه جرت المواريث و جاز النكاح و في حديث آخر انما احتجز بهاتين الكلمتين عن سفك دمه ، و علي فتح الهمزة هي جمع يمين اي الحلف و يحتمل فيه ان يكون اخبارا عن ايمانهم في تكذيب زيد بن ارقم و في تكذيب رسول الله صلي الله عليه و آله بعد ما اخبر عن اقوالهم بوحي الله كما هي مذكورة في الاخبار و نقل الرازي عن الكشاف انه يجوز ان يراد ان قولهم نشهد انك لرسول الله يمين من ايمانهم الكاذبة لان الشهادة تجري مجري الحلف في التأكيد يقول الرجل اشهد و اشهد بالله و اعزم و اعزم بالله في موضع اقسم و اولي و به استشهد ابوحنيفة علي ان اشهد يمين و يجوز ان يكون وصفا للمنافقين في استخفافهم بالايمان فان قيل لم قالوا نشهد و لميقولوا نشهد بالله كما قلتم اجاب بعضهم عن هذا بانه في معني الحلف من المؤمن و هو في المتعارف انما يكون بالله فلذلك اخبر بقوله نشهد عن قوله بالله ، اقول الظاهر ان قولهم هذا ليس بشئ فان غاية ما يقال ان نشهد بمعني نحلف و نحلف او نقسم مجردا ليس بشئ و لا متعلق له و كونه في المتعارف بالله لايدل علي الاكتفاء به ففي فصل الخطاب عن السكوني عن جعفر عن ابيه عن علي عليه السلام قال اذا قال الرجل اقسمت او حلفت فليس بشئ حتي يقول اقسمت بالله او حلفت بالله ، اقول و الاولي عندي ان الايمان بمعني العهود و المواثيق قال ابي العلامة اعلي الله مقامه في هامش فصل الخطاب مشيرا الي بعض الاخبار ظهر منه و من غيره من [ص 26] الاخبار ان اليمين تطلق علي مطلق العهد و الالتزام كما يظهر من اللغة بلا غبار فان اليمين علي ما في اللغة بمعني القسم و القسم الحلف و الحلف العهد و سميت اليمين باليمين لانهم اذا تحالفوا ضربوا يمينهم علي يمين الآخر و الثلثة بمعني العهد فلاجل ذلك يطلق في الاخبار الحلف و اليمين علي النذر و العهد و مطلق الالتزام كالحلف بالطلاق و العتاق و امثالهما و الاصل في الاستعمال الحقيقة الي آخر كلامه علا مقامه ، اقول و يصرح بهذا المعني قوله تعالي و اوفوا بعهد الله اذا عاهدتم و لاتنقضوا الايمان بعد توكيدها و قد جعلتم الله عليكم كفيلا الي ان قال و لاتتخذوا ايمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها و تذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله و لكم عذاب عظيم و لاتشتروا بعهد الله ثمنا قليلا الآية ، و في موضع آخر ان الذين يشترون بعهد الله و ايمانهم ثمنا قليلا اولئك لا خلاق لهم في الآخرة الآية ، فاظهر المعاني ذلك اي اتخذوا عهودهم و مواثيقهم و مبايعتهم و مصافقتهم من ضرب اليمين علي اليمين جنة اي سترة يستترون بها عن سفك دمائهم فصدوا عن سبيل الله قال الطبرسي اي فاعرضوا بذلك عن دين الاسلام و قيل معناه منعوا غيرهم عن اتباع سبيل الحق بان دعوهم الي الكفر في الباطن و هذا من خواص المنافقين يصدون العوام عن الدين كما تفعل المبتدعة و ذكر نحوا من ذلك الرازي و قال ابوالسعود اي فصدوا من اراد الدخول في الاسلام بانه عليه الصلوة و السلام ليس برسول و من اراد الانفاق في سبيل الله بالنهي عنه كما سيحكي [ص 27] عنهم ، اقول و لا بأس به فان في الاخبار ما يشهد بهذا المعني كما مر و يأتي و قوله انهم ساء ما كانوا يعملون قال الطبرسي اي بئس الذي يعملونه من اظهار الايمان مع ابطان الكفر و الصد عن السبيل و ذكر نحوا من ذلك الرازي و قال ابوالسعود ساء ما كانوا يعملون من النفاق و الصد و في ساء معني التعجب و تعظيم امرهم عند السامعين ، اقول لعل ذلك منوط بقبح نكث البيعة و مخالفة العهد و شناعة ذلك عند الناس اي العقلاء منهم كما لايخفي اي ساء ما كانوا يعملون كما تعلمون .
التأويل اعلم ان الايمان علي اي معني و اية قراءة يأول بالاخوان و الاعوان فان علي قراءة كسر الهمزة هو الدين و قد قال علي عليه السلام لكميل بن زياد اخوك دينك فاحتط لدينك بما شئت و في حديث عن الصادق عليه السلام قال رسول الله صلي الله عليه و آله المرأ علي دين خليله و في حديث عن ابيجعفر عن آبائه عن علي عليه السلام فمن اشتبه عليكم امره و لمتعرفوا دينه فانظروا الي خلطائه فان كانوا اهل دين الله فهو علي دين الله و ان لميكن علي دين الله فلا حظ لهم في دين الله ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان يقول من كان يؤمن بالله و اليوم الآخر فلايواخين كافرا و لايخالطن فاجرا و من آخي كافرا او خالط فاجرا كان فاجرا كافرا ، اقول و الاخبار بهذه المعاني كثيرة فايمان الرجل و دينه اخوه سواء ذلك في المؤمنين الخالصين و المنافقين و اخوان المنافقين كفار منافقون مثلهم و هم معهم في الدنيا و الآخرة و قد روي مضمرا لما نزلت انما المؤمنون اخوة ، و نزلت اخوانا علي [ص 28] سرر متقابلين قال جبرئيل هم اصحابك يا محمد امرك الله ان تواخي بينهم في الارض كما واخي بينهم في السماء قال اني لااعرفهم قال انا قائم بازائك كلما اقمت مؤمنا قلت لك اقم فلانا فانه مؤمن و كلما اقمت كافرا قلت لك اقم فلانا فانه كافر فواخ بينهما فلما فعل ذلك ضج المنافقون فانزل الله ماكان الله ليذر المؤمنين علي ما انتم عليه حتي يميز الخبيث من الطيب فحزن علي اذ اخره بامر جبرئيل فاوحي الله اليه انما خبأته لك و آخيت بينكما في السماء و الارض الحديث و عن ابيجعفر عليه السلام قال ان المؤمنين المتواخين في الله ليكون احدهما في الجنة فوق الآخر بدرجة فيقول يا رب اني و صاحبي قد كان يأمرني بطاعتك و يبطشني عن معصيتك و يرغبني فيما عندك يعني الاعلي منهما يقول ذلك فاجمع بيني و بينه في هذه الدرجة فيجمع الله بينهما و ان المنافقين ليكون احدهما اسفل من صاحبه بدرك في النار فيقول ان فلانا كان يأمرني بمعصيتك و يبطشني عن طاعتك و يزهدني فيما عندك و لايحذرني (ظ) لقاءك فاجمع بيني و بينه في هذا الدرك فيجمع الله بينهما و تلا هذه الآية الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين ، اقول و قد قال الله تعالي بشر المنافقين بان لهم عذابا اليما الذين يتخذون الكافرين اولياء من دون المؤمنين ايبتغون عندهم العزة فان العزة لله جميعا و قد نزل عليكم في الكتاب ان اذا سمعتم آيات الله يكفر بها و يستهزء بها فلاتقعدوا معهم حتي يخوضوا في حديث غيره انكم اذا مثلهم ان الله جامع المنافقين و [ص 29] الكافرين في جهنم جميعا الذين يتربصون بكم فان كان لكم فتح من الله قالوا المنكن معكم و ان كان للكافرين نصيب قالوا المنستحوذ عليكم و نمنعكم من المؤمنين فالله يحكم بينكم يوم القيمة و لنيجعل الله للكافرين علي المؤمنين سبيلا ان المنافقين يخادعون الله الآية و قد مرت الي ان قال يا ايها الذين آمنوا لاتتخذوا الكافرين اولياء من دون المؤمنين اتريدون ان تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ان المنافقين في الدرك الاسفل من النار و لنتجد لهم نصيرا الا الذين تابوا و اصلحوا و اعتصموا بالله و اخلصوا دينهم لله فاولئك مع المؤمنين و سوف يؤت الله المؤمنين اجرا عظيما بالجملة قد اطنبنا الكلام و الغرض ان للمنافقين ايضا اخوان و اولياء من الكافرين و المنافقين و هم دينهم و سيحشرون معهم و بناءا علي ما ذكرنا من كون الايمان بفتح الهمزة جمع اليمين بمعني العهود و المواثيق فانما هي ايضا راجعة الي الدين و تأول بالاخوان ايضا و بناءا علي ما ذكره المفسرون من كون اليمين بمعني القسم ايضا يرجع الي الاخوان الاتري ان في مقام شهادة العدلين اذا تعذر عن اثنين يقوم اليمين مقام احدهما و قد كان رسول الله صلي الله عليه و آله يحكم بشاهد و يمين و كان ائمتنا سلام الله عليهم يحكمون بشاهد و يمين و ليس ذلك الا لانه بمنزلة شاهد عدل من اخوانه ثم ان الاخوان كلية جنن بعضهم لبعض يسترونهم عن الآفات نفعهم ذلك او لمينفعهم فان اخوان المنافقين لاينفعونهم و لنتجد لهم نصيرا ايبتغون عندهم [ص 30] العزة فان العزة لله جميعا و ان الله جامع المنافقين و الكافرين في جهنم جميعا فلايسترونهم حقيقة و لكنهم اتخذوهم جنة و ظلموا انفسهم كما ظلموا انفسهم باتخاذهم العجل بالجملة و علي ما ذكرنا في الآية الاولي ان المراد من المنافقين النفوس الامارة هنا ايضا هم هي و ايمانها ان اخذت بمعناها الظاهر فلايوفون بها بل اتخذوها جنة من دون عقد في القلب و نية صادقة و خلوص بل رياءا و سمعة ان اخذتها بمعني اخواتها فالمراد منها امثالها و اشباهها المشددة لازرها المقوية لها التي هي لها بمنزلة جوارحها و اعضائها التي يجري فيها في ظاهر الحيوة الدنيا ما يجري في المسلمين انهم اخوة تتكافؤ دماؤهم و هم يد علي من سواهم يسعي بذمتهم ادناهم بل و كثيرا ما يكونون في باطلهم اجمع من المسلمين في حقهم و ان كانوا في الآخرة بعكس ذلك الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين و تحسبهم جميعا و قلوبهم شتي ذلك بانهم قوم لايعقلون و عدم تعقلهم انما هو لصدهم عن سبيل الله الذي هو العقل و من هنا تفرقوا في الباطن تحت كل كوكب و ان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه و لاتتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصيكم به لعلكم تتقون و سبيله في التأويل هو العقل و عن النبي صلي الله عليه و آله في خطاب الله للعقل بك ابدئ و بك اعيد لك الثواب و عليك العقاب و عن الصادق عليه السلام لما خلق الله العقل قال له اقبل فاقبل ثم قال له ادبر فادبر ثم قال و عزتي و جلالي ماخلقت خلقا هو احب الي منك بك آخذ و بك اعطي و عليك اثيب ، و لا شك [ص 31] ان النفوس الامارة اذا انفردت كل واحدة منها كان صدها عن العقل اقل و اذا اجتمعت تقوت علي صدها عنه و زينت كل واحدة منها للاخري هواها و شهوتها و الحادها و شقاوتها علي ما هو معلوم و زين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لايهتدون و زين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل و كانوا مستبصرين اقول و الاخوان المذكورة في تأويل الايمان اعم من الانس و الشياطين فان هؤلاء اتخذوا الشياطين ايضا اخوانا كما قال ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين بالجملة و علي ما اولنا في الآية الاولي المنافقين بالاراضي التي ظاهرها سهل عذب و باطنها خبيث ملح اجاج ايضا نقول ان للارض قطع متجاورات و اذا كانت تلك القطع علي ما وصفنا تتقوي كل قطعة منها في فسادها بما جاورها التي هي ايمانها و جهاتها و صدت عن سبيل الافلاك و النجوم و لمتتأثر منها و لمتنبت كما هو واضح فان الاراضي المالحة ان اردت اصلاح قطعة منها لايمضي ايام الا و سري الفساد من القطعة المجاورة اليها و في كل مقام الامر كذلك فان الاشياء تتقوي باشكالها و تتضعف باضدادها و لا حاجة الي التفصيل .