التأويل لا بد اولا من معرفة الجمعة و قد مر اخبار في معناها و وجه تسميتها و سيأتي شطر آخر منها ففي بعض الاخبار انه سمي جمعة لاجتماع الخلق حيث خلقهم الله في ستة ايام من الاحد الي الجمعة و السبت معطل و قد خلق الله آدم عليه السلام في ذلك اليوم و هو بعد خلق السماوات و الارض و ما بينهما و في بعض الاخبار انه يوم مجموع له الناس و ذلك يوم مشهود و قال النبي صلي الله عليه و آله في خبر [ص 159] مر آنفا انه يوم يجمع الله فيه الاولين و الآخرين و يشير ذلك الي انه يوم القيمة فعن علي بن الحسين عليهما السلام في حديث اعلم يا ابن آدم ان من وراء هذا اعظم و افظع و اوجع للقلوب يوم القيمة ذلك يوم مجموع له الناس و ذلك يوم مشهود يجمع الله فيه الاولين و الآخرين الخبر و في حواشي القرآن لابي اعلي الله مقامه روي تقوم الساعة يوم الجمعة بين صلوة الظهر و العصر ، و الاخبار بهذا المعني كثيرة و في بعض الاخبار انه يوم جمع الله فيه الخلايق لاخذ الميثاق كما في رواية مجمع البحرين و رواها في البرهان ايضا عن ابي‌جعفر عليه السلام و سئل جعفر بن محمد عليهما السلام لم سميت الجمعة الجمعة قال لان الله جمع فيها خلقه لولاية محمد و اهل بيته ، و يدل علي ذلك ايضا حديث آخر نرويه بعد ذلك و اعلم انه لا اختلاف في اخبار آل‌محمد عليهم السلام و انما يجد الاختلاف من لايعرف المراد منها و هذا لحن مخصوص لهم صلوات الله عليهم لايعرفه الا الخصيصون من شيعتهم او من اخذ منهم و نحن نرجو ان نأخذ منهم و لانستبد فيها بآرائنا و اهوائنا فاعلم اولا ان المراد من الستة الايام التي خلقت فيها الدنيا غير تلك الايام المعروفة عند ابنائها فانك تعلم ان وجود هذه الايام منوط بوجود السماوات و الارض و الشمس و القمر و ساير اوضاع العالم و دوران الافلاك علي الارض علي الوجه المعلوم فهذه الاوضاع ان لم‌تكن فاين كانت الايام حتي يخلق الدنيا فيها و ان كانت فما المراد من خلقها ثانيا فاعرف من ذلك ان المراد من تلك الايام ايام برزخية [ص 160] باعتبار و ايام معدودة من عرصة الجبروت الي عالم الملك باعتبار و ادلة ما نقول موجودة في اخبار آل‌محمد عليهم السلام الا ان الناس اكثرهم لايعقلون و قد شرح ذلك اجمالا مولاي ابي العلامة اعلي الله مقامه في كتاب مواقع النجوم و غيره من كتبه فان هويت التفصيل فراجع اليه و قد روي عن علي بن ابرهيم في تفسير خلق الارض في يومين قال في وقتين ابتداء الخلق و انقضاؤه و فسر الاربعة ايام باربعة اوقات و هي الفصول الاربعة و فسر قضيهن سبع سماوات في يومين بوقتين ابتداء و انقضاء و نقل اخبارا اخر يشهد بهذه المعاني فليس المراد منها ايام الدنيا علي ما يعرفها اهلها و انما تلك الايام شؤن بروز الخلق من الامكان الي الكون فكما ان المولود في الرحم يكون نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما ثم اكساء لحم ثم انشاء خلق آخر ستة اطوار و ستة شؤن للمولود كذلك الامر في كل مولود كلي او جزئي فقد تنظر الي الدنيا عالم الاعراض خاصة فلها في نفسها تلك الاطوار الستة ثابتة و قد تنظر الي الاكوان الخارجة من الامكان جميعا حتي قامت الدنيا في مقامها فلها ايضا تلك الايام ثابتة يوم العقل و يوم الروح و يوم النفس و يوم المادة و يوم المثال و يوم الجسم و الطبع هو المادة من حيث عدم الاقتران و ليس بشئ خارج متأصل و لك ان تزيد الفؤاد و الطبع فتصير ثمانية كما يظهر من آيات سورة السجدة ان الايام التي خلق فيها الملك ثمانية بالجملة الغرض ان تلك الايام ايام سبقت علي هذه الاعراض و الجمعة منها انتهاء الايام السابقة [ص 161] التي خلق فيها آدم عليه السلام في الجنة و اكل من يومه ذلك من الشجرة و اخرج من الجنة في عصر ذلك اليوم فاهبط الي الدنيا كما روي الحسن بن علي المجتبي عليهما السلام عن رسول الله صلي الله عليه و آله في علل مواقيت الصلوات و اما صلوة العصر فهي الساعة التي اكل فيها آدم من الشجرة فاخرجه الله من الجنة الي ان قال و اما صلوة المغرب فهي الساعة التي تاب الله فيها علي آدم و كان بين ما اكل من الشجرة و بين ما تاب الله عليه ثلثمأة سنة من ايام الدنيا و في ايام الآخرة يوم كالف سنة الخبر و في ساير الاخبار ان آدم خلق عند زوال الجمعة و لبث في الجنة ست ساعات الي ان اهبط الي الارض و هذه الست ساعات انما هي مأتان و خمسون سنة من ايام الدنيا و زيد عليها خمسون لساعة صلوة المغرب التي مضت من الليل ، بالجملة فيوم الجمعة انما هي يوم خلق آدم عليه السلام في ارض عالم المثال التي فيها الجنتان المدهامتان ثم اهبط الي الدنيا عالم الاعراض ثم لما خلق الله آدم عليه السلام في ذلك المقام و تمت فعلية المراتب الغيبية بوجوده عليه السلام اخذ ربنا تبارك و تعالي من ظهر آدم ذريته في ذلك المقام الغيبي و اخذ منهم الميثاق له بالربوبية و لمحمد صلي الله عليه و آله بالنبوة و للائمة صلوات الله عليهم بالولاية و انك ان لم‌تكن من ابناء الحكمة لاتكاد تعرف معني ما اقول و لا بد من الاشارة اليه فاعلم ان الله سبحانه لما خلق العقل في عالمه و هو خلقه النوعي و استنطقه حتي امره بالادبار فمات و دفن في ارض عالمه و خرج [ص 162] من عالم الرقايق حيا سويا علي ما يقتضيه ذلك العالم ثم امره بالادبار ايضا فمات ثانيا و دفن في ارض ذلك العالم و خرج من عالم النفوس حيا علي ما يقتضيه هذا العالم و هكذا الي ان خرج من هذا العالم اي عالم الاجسام منتهي تنزله و لم‌يكن تنزله بتخلية المقام الاعلي و الخروج من الاسفل و انما هو بالتوجه نحو الاسفل علي ما هو مقرر في محله فلما انتهي في سيره الي تراب هذا العالم و بدي لله تعالي ان يأمره بالاقبال و قال له اقبل فاقبل الي عالمه بالترقي و الترفع عن حضيضه الي مبدئه كما قال تعالي كما بدءكم تعودون و لكنه في صعوده انما صعد علي ما يقتضيه هذا العالم علي وجه الخصوصية و التعين فصعد من طريق الجمادية و النباتية و الحيوانية و الانسانية و النبوة و البرازخ التي بين هذه المراتب حتي انتهي الي عالمه و صارت فيه المراتب الاولي بالفعل ثانيا و هذه المراتب بحسب ظاهر هذا العالم واقعة في العرض فان نباته يقف مع الجماد في عرض واحد و حيوانه مع النبات و الجماد في عرض واحد و هكذا و لكن هذا نظر عرضي بالنظر الي رتبة الجمادية الثابتة لجميع هؤلاء و اما حقيقة النبات فله مقام فوق مقام الجماد و اقرب الي المبدأ بلا شك و كذلك الحيوان له مقام فوق النبات و الانسان له مقام فوق الحيوان و كذا البرازخ الواقعة بينها لكل واحد منها حيز خاص به و اذا اجتمع اهل هذه المراتب بعضها مع بعض فاجتماعها بحسب الظاهر في رتبة تجمع الكل و تشملهم و اما بحسب الحقيقة فما منا الا له مقام معلوم و ابونا آدم عليه السلام لما قام [ص 163] في ذلك المقام فهو في قيامه العرضي و اما بحسب الحقيقة فهو قائم في مقامه الاصلي من الغيب و له هنا مراتب فان له مقاما في عرصة النفوس و مقاما في عرصة الرقايق و هذه المقامات مقامات دهرية لاتتحدد بالزمان ابدا و ليس لها مضي و حال و استقبال علي حذو ما تري في عرصة الزمان فزيد في تولده الدنياوي و ان تولد في جزء من اجزاء الزمان و قبل ذلك لم‌يكن في عالم من العوالم و لكن مع ذلك اذا تولد في الدنيا فروحه مخلوقة قبل ذلك في مقامه من الدهر باربعة‌آلاف و تسعمأة سنين حيث خلقت النفس الملكوتية من مقامات ابينا آدم عليه السلام في عرصة الملكوت و كذلك الامر في عمرو و بكر و خالد و جميع الاناسي و كذلك الامر في الانبياء صلوات الله عليهم الا ان مدة سبق خلقهم تزيد علي مدة سبق الانسان و لك ان تتعرف المدة بضرب العدد المذكور في السبعين بالجملة فلما قام آدم عليه السلام اجتمع معه ذريته بامر الله تعالي و اخذ منهم الميثاق و هو معني قوله تعالي و اذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و اشهدهم علي انفسهم الست بربكم و الناس يزعمون ان هذه الكلمات من قبيل كلماتهم و يحملونها علي ما هو المتفاهم المتعارف بينهم فيستشكل عليهم و لكن بما ذكرنا يرتفع الاشكال و لا حول و لا قوة الا بالله المتعال ثم اعلم انه كما تري في هذا العالم من ان المولود يخرج من بطن امه لايعلم شيئا و قد جعل له السمع و البصر و الفؤاد و يشرع في تحصيل العلم و المعرفة حتي يبلغ مبلغه الذي اراد الله منه علي حسب [ص 164] استعداده كذلك الامر في المواليد الملكوتية و الجبروتية الا ان الامر في كل مقام علي حسب ما يقتضيه هذا المقام ففي ذلك المقام ايضا خلقهم الله اولا و جعل فيهم من الفهم و العقل و الادراك ما اذا سألهم اجابوا ثم اقامهم في الميثاق و اخذ عليهم العهد فقبل من قبل و انكر من انكر او قبل ظاهرا و انكر باطنا علي اختلاف حالات الخلق علي ما تري حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة ثم ارسلهم الي هذا العالم عالم الاعراض و كلفهم بالعمل و عمل كل واحد علي ما اقر او انكر في ذلك اليوم حتي بلغ مبلغه الذي اراد الله منه و مات في الدنيا و رجع الي حيث بدئ من عالم الغيب فعرصة الذر و الميثاق و عرصة القيمة انما هما عرصة واحدة كما ان في الدنيا عرصة يولد فيها المولود و عرصة يبلغ فيها مبلغه واحدة و لا اختلاف بينهما الا بالابهام و التعين و الجهل و العلم كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و ظاهر هذه العرصة و عنوانه في هذا العالم هو حيث خلق آدم عليه السلام فانه ما لم‌يمثل في هذا العالم شئ لايكون موجودا في عالم من العوالم كما قال عليه السلام في صفة من ليس كمثله شئ لم‌يمثل فيكون موجودا ، فالتمثل في هذا العالم من لوازم الخلق خاصة و لما كان الظاهر علي طبق الباطن و كان الباطن هنا حيث جمع فيه الاولون و الآخرون و يجمع الله فيه الاولين و الآخرين من دون مضي و حال و استقبال و كان يوم الجمعة سمي ظاهر ذلك اليوم ايضا بالجمعة و هذا ايضا جمعة حقيقة فانه بالنسبة الي الباطن يرتفع منه التدرجات و يحضر [ص 165] كلها بالنسبة اليه في محضر واحد و ان كان الناس يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا و هم عن الآخرة هم غافلون ثم ان هذه الايام المعروفة الواقعة في عرصة الاعراض علي ما تقتضيه تلك العرصة انما هي آيات لتلك الايام الماضية و الآتية قال الله تعالي و لقد علمتم النشأة الاولي فلولاتذكرون و قال الامام عليه السلام الدنيا رسم الآخرة و الآخرة رسم الدنيا الحديث ، و لما لم‌تكن هذه العرصة تتحمل اظهار تلك الآيات علي التمايز دفعة واحدة اظهرتها علي التدرج الزماني علي ما تري و قد حكم الشارع الحكيم صلي الله عليه و آله في كل يوم بما يقتضيه ظاهرا و باطنا علي ما يناسب هذه العرصة و منها يوم الجمعة و تأويلها اي مبدؤها و منشأها انما هو يوم الذر و الميثاق و يوم كلف الله تعالي فيه نفوس الخلق فآمنوا ظاهرا او ظاهرا و باطنا و اقروا بالدعوة الظاهرة جميعا كما قال الست بربكم قالوا بلي ، و في الكتاب المبين عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قوله و اذ اخذ ربك الي قالوا بلي قيل معاينة كان هذا قال نعم فثبتت المعرفة و نسوا الموقف و سيذكرونه و لولا ذلك لم‌يدر احد من خالقه و رازقه فمنهم من اقر بلسانه في الذر و لم‌يؤمن بقلبه فقال الله و ماكانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل انتهي ، و الغرض بيان المراد بلسان التأويل و اعلم ان للذر درجات و اعلاها في مقام العقل المحيط بالاشياء من جميع جهاتها و الثانية في مقام الروح و الثالثة في مقام النفس و هكذا الي هذا العالم فان امر الميثاق يعم جميع الخلق و لكل عالم اهل جمعوا في ذلك العالم [ص 166] و اخذ منهم الميثاق و يجري فيهم الحكم علي ما يليق بشأنهم و كل ذلك من تأويلات الآية الشريفة و لكن الكلام هنا في ذر الاناسي و هو الذر الثالث و قد جمع الله فيه الاولين و الآخرين منهم لاخذ الميثاق و يومهم ذلك يوم الجمعة لاجتماعهم في هذا المحضر و قد نودوا للتوصل الي ذكر الله تعالي و هو نفسهم اي حقايقهم التي من عرفها فقد عرف ربه و هي الذكر الذي قال الله تعالي في شأن جماعة بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون الذي قال تعالي هل اتي علي الانسان حين من الدهر لم‌يكن شيئا مذكورا و قد قال ابوجعفر عليه السلام كان مذكورا في العلم و لم‌يكن مذكورا في الخلق و عن ابي‌عبدالله عليه السلام مثله و عن حمران قال سألته عنه قال شيئا مذكورا و لم‌يكن مكونا ، اقول لما كان مذكورا في العلم و لم‌يكن مذكورا في الخلق و العلم من كماله كيدك منك و نوره و ظهوره كان ذلك ذكر الله لا ذكر الخلق و قد امر بالتوصل اليه كما قال تعالي اقم الصلوة لذكري و ذكر اسم ربه فصلي ، و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول في حديث و لو كشف الغطاء عن الناس فنظروا الي وصل ما بين الله عز و جل و ما بين المؤمن خضعت للمؤمن رقابهم و تسهلت له امورهم الحديث و عن الباقر عليه السلام من استفاد اخا في الله علي ايمان بالله و وفاءا باخائه طلبا لمرضات الله فقد استفاد شعاعا من نور الله و امانا من عذاب الله و حجة يفلج بها يوم القيمة و عزا باقيا و ذكرا تاما لان المؤمن من الله عز و جل لا موصول و لا مفصول قيل له ما معني لا [ص 167] مفصول و لا موصول قال لا موصول به انه هو و لا مفصول منه انه من غيره ، اقول و في الخبر اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله الذي خلق منه بالجملة و الغرض ان نفسه عند كشف السبحات و هتك الاستار و غلبة سر الله الواحد القهار آية الله و نور الله و ذكر الله و لولاه ماعرف الله و المراد بترك البيع ترك اشتراء السبحات و الاستار ان تجعل نفسك النفيسة ثمنا لها فتشتريها و تبيع نفسك خلافا للذين قال الله تعالي في حقهم و من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله و الله رؤف بالعباد و هذه النفس هنا هي الامارة بالسوء و المراد من السبحات هي هذه و هي حقيقة الحيوة الدنيا التي قال الله تعالي فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحيوة الدنيا بالآخرة و من يقاتل في سبيل الله فيقتل او يغلب فسوف نؤتيه اجرا عظيما و كل هذا من معاني الصلوة و التوصل الي لقاء الله فان شراء الحيوة الدنيا و اشتراء الآخرة انما هو ابتغاء مرضات الله و طلب لقاء الله الذي قال فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لايشرك بعبادة ربه احدا و استعمال لقاء الله في هذا المورد كثير في الكتاب و اخبار آل الله الاطياب صلي الله عليهم ما طلع نجم و غاب و البيع المنهي عنه هو ما قال تعالي ان الذين يشترون بعهد الله و ايمانهم ثمنا قليلا اولئك لا خلاق لهم في الآخرة و لايكلمهم الله و لاينظر اليهم يوم القيمة و لايزكيهم و لهم عذاب اليم انظر كيف تنطبق آيات الكتاب بعضها علي بعض و يشرح بعضها بعضا بالجملة فان سعيت الي ذكر الله هكذا كان [ص 168] ذلك خيرا لك من الدنيا و ما فيها بل خيرا لك مما عند غير الله مع ان وجوده محض فرض و اعتبار و لا وجود له و لا دوام و ما عند الله خير و ابقي و لكن بشرط ان تعلم ذلك و يكون ذلك ثابتا محققا لك فانك حينئذ مخلوق مما تعلم الذي قال تعالي كلا انا خلقناهم مما يعلمون و اما من هو مردد في الشكوك و الشبهات و الظنون فتارة يشري نفسه و تارة يشتريها و ليس له حد معلوم فهو من المرجون لامر الله اما يعذبهم و اما يتوب عليهم ثبتنا الله بالقول الثابت في الحيوة الدنيا و في الآخرة بجاه محمد و عترته الطاهرة صلوات الله عليهم . ثم قال تعالي فاذا قضيت الصلوة اي احكمت و ابرمت و خرجت من حد الظن و التردد و خرجت من حد البداء و البداوات قال العالم عليه السلام في حديث و القضاء بالامضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الاجسام المدركات من ذي لون و ريح و وزن و كيل و ما دب و درج من انس و جن و طير و سباع و غير ذلك مما يدرك بالحواس فلله تبارك و تعالي فيه البداء مما لا عين له فاذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء و الله يفعل ما يشاء ، اقول فاذا قضيت الصلوة هكذا و حصل الوصل و امتثل قوله تعالي الذين يصلون ما امر الله به ان يوصل و حصل اليقين و الاطمينان علي ما قال تعالي يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الي ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي و ادخلي جنتي فاستقر في ظله تعالي و لايخرج منه الي غيره فحينئذ انتشروا في الارض ارض القابليات فان جهة ذكر الله انما هي جهة المقبول و الاكسير الاعظم فاذا [ص 169] صفت و خلصت و تقوت و اشتدت و استغنت قدرت علي الانتشار في الارض مع عدم التأثر من الارضيات و لوازمها بل تؤثر فيها و تصلحها و تخرج عنها غرايبها و توصلها الي حد القطبين بحول الله و قوته و اما قبل ذلك فلا بل يحتاج اليها و يتأثر منها كما روي بشير الدهان قال قال ابوعبدالله عليه السلام لا خير في من لايتفقه من اصحابنا يا بشير ان الرجل منكم اذا لم‌يستغن بفقهه احتاج اليهم فاذا احتاج اليهم ادخلوه في باب ضلالتهم ، اقول و من البين المجرب الذي لا شك فيه ان من لم‌يعض بضرس قاطع في الدين و لم‌يصل الي حد اليقين لو انتشر في الارض و سأل هذا و هذا اوردوا عليه شكوكا و شبهات و القوه في محرمات لاينجو منها و من عذابها ابدا و اما اذا صار في نفسه من اهل الوصول و اليقين و الاستقرار ثم انتشر في الارض يصير نقادا للكلام و يميز الغث من السمين و يأخذ منها الحق بلا مين و هذا معني ابتغاء فضل الله بالانتشار في الارض فعن ابي‌عبدالله عليه السلام عن آبائه عن رسول الله صلي الله عليه و آله قال غريبتان كلمة حكم من سفيه فاقبلوها و كلمة سفه من حكيم فاغفروها و قال اميرالمؤمنين عليه السلام خذوا الحكمة و لو من المشركين و قال الحكمة ضالة المؤمن فاطلبوها و لو عند المشرك تكونوا احق بها و اهلها و قال علي بن الحسين عليه السلام لاتحقر اللؤلؤة النفيسة ان تجتلبها من الكباء الخسيسة فان ابي حدثني قال سمعت اميرالمؤمنين يقول ان الكلمة من الحكمة ليتلجلج في صدر المنافق نزاعا الي مظانها حتي يلفظ بها فيسمعها [ص 170] المؤمن فيكون احق بها و اهلها فيلقفها و قال المسيح عليه السلام خذوا الحق من اهل الباطل و لاتأخذوا الباطل من اهل الحق كونوا نقاد الكلام الخبر ، اقول و لايكون الرجل نقاد الكلام حتي يصير اولا من اهل المعرفة و اليقين و يميز بين الغث و السمين كما هو واضح و انما اولنا الفضل هنا بالعلم لان المراد منه الارزاق و الامداد علي ما في بعض الاخبار و العلم ايضا طعام النفوس الانسانية كما قال الامام عليه السلام في قوله تعالي فلينظر الانسان الي طعامه قال الي علمه عمن يأخذه ، فهذه العلوم فضل الله المبسوط علي اهل الارض و قد قيل لابي‌عبدالله عليه السلام انا نجد الشئ من احاديثنا في ايدي الناس فقال له لعلك لاتري ان رسول الله صلي الله عليه و آله انال و انال ثم اومأ بيده عن يمينه و عن شماله و من بين يديه و من خلفه و انا اهل البيت عندنا معاقل العلم و ضياء الامر و فصل ما بين الناس ، و الاخبار بهذا المعني كثيرة و لكن يجب للمؤمن ان يأخذ الحكمة و العلم لا بقول المنافق و الكافر بل يلاحظ فيه مصدره و منشأه كما قال يحيي او عيسي عليهما السلام للشيطان لما امره بقول لا اله الا الله كلمة حق اقولها لا بقولك و قد قال الله تعالي لاتأكلوا مما لم‌يذكر اسم الله عليه ، فانتشروا في الارض و ابتغوا من فضل الله و اذكروا الله كثيرا لانك تبتغي الفضل من هيهنا و هيهنا من معدن الكثرات فاذكر ربك كثيرا اي في كل مقام لعلكم تفلحون و تفوزون بما اخذ منكم الميثاق له و تحن قلوبكم اليه و علي ما كنا فيه من لسان التأويل نقول ما بهمت البهائم لم‌تبهم عن معرفتها [ص 171] بربها و يسبح لله ما في السموات و ما في الارض فبالانتشار في الارض اي ارض النفس الامارة اي المختصة به او عامة النفوس قد يتمكن الانسان من ابتغاء الفضل و ذكر الله كثيرا لان من وصل الي مقام القرب و نظر بعين الله يري الله في كل شئ و يذكره كثيرا قال اميرالمؤمنين عليه السلام مارأيت شيئا الا و رأيت الله قبله او معه او بعده ، و اعلم ان هاتين الآيتين المباركتين تشيران الي الاسفار الاربعة التي لا بد للسالك منها فان سعيه الي ذكر الله هو سفره الاول من الخلق الي الحق و تركه البيع انما هو سفره الثاني في الحق بالحق لان الدنيا و الآخرة ضرتان كلما تركت احداهما للاخري وصلت الي الاخري و اتصلت بها و الانتشار في الارض هو سفره الثالث من الحق الي الخلق بالحق و ابتغاء فضل الله انما هو سفره الرابع في الخلق بالحق و اما ذكر الله كثيرا الذي هو الفلاح حقيقة انما هو نتيجة هذه الاسفار التي اشار اليها اميرالمؤمنين عليه السلام فيما نسب اليه :

تغرب عن الاوطان في طلب العلي و سافر ففي الاسفار خمس فوائد

تفرج هم و اكتساب معيشة و علم و آداب و صحبة ماجد

و قد قال سيدالشهداء عليه السلام في دعاء عرفة الهي امرت بالرجوع الي الآثار فارجعني اليك بكسوة الانوار و هداية الاستبصار حتي ارجع اليك منها كما دخلت اليك منها مصون السر عن النظر اليها مرفوع الهمة عن الاعتماد عليها الي ان قال تعرفت لكل شئ فماجهلك شئ و انت الذي تعرفت الي في كل شئ فرأيتك ظاهرا في كل شئ [ص 172] فانت الظاهر لكل شئ يا من استوي برحمانيته علي العرش فصار العرش غيبا في ذاته محقت الآثار بالآثار و محوت الاغيار بمحيطات افلاك الانوار يا من احتجب في سرادقات عرشه من ان تدركه الابصار و يا من تجلي بكمال بهائه فتحققت بعظمته الاسرار كيف تخفي و انت الظاهر و كيف تغيب و انت الرقيب الحاضر ، اقول تدبر في هذه العبارات العجيبة الغريبة و اعرف منها كيفية الانتشار في ارض الآثار و ابتغاء فضل الله الجبار و ذكر الله كثيرا بالليل و النهار فهاتان الآيتان انما هما دستور لهذه الاسفار الاربعة التي لا بد للسالك منها و دليل عليها و حجة علي من جحدها و انكر حقيتها و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم .

الباطن اعلم ان من بواطن هاتين الآيتين الشريفتين ما رواه في البرهان عن المفيد (ره) في الاختصاص قد روي عن جابر الجعفي قال كنت ليلة من بعض الليالي عند (ظ) ابي‌جعفر عليه السلام فقرأت هذه الآية يا ايها الذين آمنوا اذا نودي للصلوة من يوم الجمعة الي ان قال يا جابر لم سميت يوم الجمعة يوم الجمعة قال قلت تخبرني جعلني الله فداك قال افلااخبرك بتأويله الاعظم قال قلت بلي جعلني الله فداك قال فقال يا جابر سمي الله الجمعة جمعة لان الله عز و جل جمع في ذلك اليوم الاولين و الآخرين و جميع ما خلق الله من الجن و الانس و كل شئ خلق ربنا و السموات و الارضين و البحار و الجنة و النار و كل شئ خلقه الله في الميثاق فاخذ الميثاق منهم له بالربوبية و لمحمد صلي [ص 173] الله عليه و آله بالنبوة و لعلي عليه السلام بالولاية و في ذلك اليوم قال الله تعالي للسموات و الارض ائتيا طوعا او كرها قالتا اتينا طائعين فسمي الله ذلك اليوم الجمعة لجمعه فيه الاولين و الآخرين ثم قال عز و جل يا ايها الذين آمنوا اذا نودي للصلوة من يوم الجمعة من يومكم هذا الذي جمعكم فيه و الصلوة اميرالمؤمنين يعني بالصلوة الولاية و هي الولاية الكبري ففي ذلك اليوم اتت الرسل و الانبياء و الملئكة و كل شئ خلق الله و الثقلان الجن و الانس و السموات و الارض و المؤمنون بالتلبية لله عز و جل فامضوا الي ذكر الله و ذكر الله اميرالمؤمنين و ذروا البيع يعني الاول ذلكم يعني بيعة اميرالمؤمنين عليه السلام و ولايته خير لكم من بيعة الاول و ولايته ان كنتم تعلمون فاذا قضيت الصلوة يعني بيعة اميرالمؤمنين عليه السلام فانتشروا في الارض يعني بالارض الاوصياء امر الله بطاعتهم و ولايتهم كما امر بطاعة الرسول و طاعة اميرالمؤمنين عليه السلام كني الله في ذلك عن اسمائهم فسماهم بالارض و ابتغوا فضل الله قال جابر و ابتغوا من فضل الله قال تحريف هكذا نزلت و ابتغوا فضل الله علي الاوصياء و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون الخبر ، و سيأتي تمامه ذيل الآية الاخيرة ان شاء الله تعالي و هو و الحمد لله واضح الدلالة علي المراد لايحتاج الي شرح و بسط و قد مر سابقا و يأتي ان شاء الله ما يظهر منه بعض وجوه المناسبات و لا حاجة الي التفصيل فانه في مقام يذكر المعني بتلفيق الآيات و الاخبار بعضها مع بعض و اما اذا كان المعني [ص 174] بنفسه مشروحا في خبر و هو واضح الدلالة علي المراد و حجة من الله علي العباد فلا حاجة الي التفصيل و هنا معني آخر من البواطن هو ايضا راجع الي ذلك حقيقة و لكن لما كان انسب بما ذكرناه ذيل الآيات الثلاثة السابقة نذكره ان شاء الله و قد اشار اليه ابي العلامة اعلي الله مقامه في حواشي القرآن و نحن نفصله بذكر البراهين حسب ما يقتضيه المقام انشاء الله فقال ابي العلامة اعلي الله مقامه من باطنها اذا نودي من السماء باسم الامام للوصول الي خدمته و الاتصال به من يوم اجتماع الناس علي القائم عجل الله فرجه فاسعوا من اطراف العالم الي القائم و ذروا بيع الدنيا بالدين ذلكم خير لكم فاذا قضيت الصلوة و وصلتم اليه و اتصلتم به و انقضي سيركم من البعد الي القرب فانتشروا في الارض لتسخير البلاد و تعليم العباد و ابتغوا من فضل الله و اذكروا الله كثيرا بذكر القائم لعلكم تفلحون ، اقول في الكتاب المبين عن ابي‌جعفر عليه السلام في حديث ينادي مناد من السماء ان فلان بن فلان هو الامام باسمه و ينادي ابليس من الارض كما نادي برسول الله صلي الله عليه و آله ليلة العقبة و عنه قال ينادي مناد باسم القائم قيل خاص او عام قال يسمع كل قوم بلسانهم قيل فمن يخالف القائم عليه السلام و قد نودي باسمه قال لايدعهم ابليس حتي ينادي في آخر الليل فيشكك الناس و سمع يقول لاتمضي الايام و الليالي حتي ينادي مناد من السماء يا اهل الحق اعتزلوا يا اهل الباطل اعتزلوا فيعتزل هؤلاء من هؤلاء و يعتزل هؤلاء من هؤلاء قيل قلت اصلحك الله يخالط هؤلاء و هؤلاء بعد ذلك النداء قال كلا انه يقول في الكتاب ماكان الله ليذر المؤمنين [ص 175] علي ما انتم عليه حتي يميز الخبيث من الطيب ، و قال عليه السلام الصوت في شهر رمضان في ليلة جمعة ليلة ثلث و عشرين فلاتشكوا في ذلك و اسمعوا و اطيعوا و في آخر النهار صوت ابليس اللعين ينادي الا ان فلانا قتل مظلوما ليشكك الناس و يفتنهم فكم ذلك اليوم من شاك متحير قد هوي في النار و اذا سمعتم الصوت في شهر رمضان فلاتشكوا انه صوت جبرئيل و علامة ذلك انه ينادي باسم القائم و اسم ابيه حتي تسمعه العذراء في خدرها فتحرص اباها و اخاها علي الخروج ، اقول الاخبار بهذا المعني كثيرة و لا حاجة الي التفصيل و هذا النداء كما عرفت يكون ليلة الجمعة و في حديث قيل لابي‌جعفر عليه السلام فكيف يكون النداء قال ينادي مناد من السماء اول النهار الا ان الحق في علي و شيعته ثم ينادي ابليس لعنه الله في آخر النهار الا ان الحق في السفياني و شيعته فيرتاب عند ذلك المبطلون ، اقول و لكن هذا كما تري باسم اميرالمؤمنين عليه السلام و لكن لا فرق بينهما صلوات الله عليهما و لا مانع من اشتماله علي الاسمين الا انه ذكر كل واحد منهما في خبر و كون هذا في اول النهار لاينافي ما مر انه ليلة الجمعة فان آخر الليل و اول النهار متقاربان و قد يلحق هذا بهذا و هذا بهذا و اعلم ان النداء ايضا متعدد فمنه في شهر رمضان و منه يوم ظهور القائم عجل الله فرجه و هو يوم عاشورا بالجملة و زايدا علي ذلك ظهوره عليه السلام ايضا يوم الجمعة كما قال ابوعبدالله عليه السلام يخرج قائمنا اهل البيت يوم الجمعة ، و ما في بعض الاخبار انه يخرج يوم السبت فلاينافي ذلك [ص 176] لما روي في خبر علي ما يخطر ببالي و لايحضرني الآن محله ما يدل علي انه يدخل مكة و المسجد يوم الجمعة حال الصلوة فيقتل الخطيب ثم يغيب ثانيا و يدخل المسجد ثانيا من ليلته و يظهر امره (ص) علي ما في اخبار كثيرة و هي ليلة السبت فالظهور الذي لا غيبة بعده يوم السبت بالجملة فظهوره عليه السلام يوم الجمعة و يجتمع اليه اصحابه لخدمته علي ما في اخبار كثيرة و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قوله و استبقوا الخيرات اينما تكونوا يأت بكم الله جميعا قال نزلت في القائم و اصحابه يجمعون علي غير ميعاد و سئل ابوالحسن عليه السلام عن هذه الآية قال و ذلك والله ان لو قد قام قائمنا يجمع الله اليه شيعتنا من جميع البلدان و انما يقيم هو عجل الله فرجه حينئذ الصلوة و يقيمها اصحابه ففي البرهان عن ابي‌جعفر عليه السلام في قول الله عز و جل الذين ان مكناهم في الارض اقاموا الصلوة و آتوا الزكوة و امروا بالمعروف و نهوا عن المنكر و لله عاقبة الامور قال هذه لآل‌محمد صلوات الله عليهم المهدي و اصحابه يملكهم الله مشارق الارض و مغاربها و يظهر الدين و يميت الله عز و جل به و باصحابه البدع و الباطل كما امات السفه الحق حتي لايري اثر من الظلم و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر و لله عاقبة الامور و في البحار عنه عليه السلام في هذه الآية فهذه لآل‌محمد صلي الله عليهم الي آخر الائمة و المهدي عليه السلام و اصحابه يملكهم الله مشارق الارض و مغاربها و يظهر الدين و يميت الله به و باصحابه البدع [ص 177] و الباطل كما امات السفهاء الحق حتي لايري اين الظلم و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر ، اقول و الاخبار بهذا المعني عديدة و ذكر الله هو القائم عليه السلام و قد قال ابوجعفر عليه السلام في قوله و لذكر الله اكبر نحن ذكر الله و نحن اكبر انتهي ، و قال تعالي الم‌يأن للذين آمنوا ان تخشع قلوبهم لذكر الله و ما نزل من الحق و لايكونوا كالذين اوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد فقست قلوبهم و كثير منهم فاسقون اعلموا ان الله يحيي الارض بعد موتها الآية و قد سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول هذه الآية في القائم و لاتكونوا كالذين اوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الامد تأويل هذه الآية جار في زمان الغيبة و ايامها دون غيرهم و الامد امد الغيبة و عن ابي‌جعفر عليه السلام في قوله عز و جل اعلموا ان الله يحيي الارض بعد موتها كفر اهلها و الكافر ميت فيحييها الله بالقائم عليه السلام فيعدل فيها فيحيي الارض و يحيي اهلها بعد موتهم ، اقول يظهر من ذلك ان المراد من ذكر الله القائم عليه السلام و قد طال علي الناس الامد فلم‌يخشعوا له و سيظهره الله تعالي و يحيي الارض به و لا شك انه عجل الله فرجه ذكر الله و هو بقية الله و قد امر من يراه ان يقول له السلام عليك يا بقية الله و في خبر ان اول ما يتكلم به القائم عليه السلام قوله بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين و في حديث المفضل يا مفضل يسند القائم عليه السلام ظهره الي الحرم و يمد يده فتري بيضاء من غير سوء و يقول هذه يد الله و عن الله و بامر الله ثم يتلو هذه الآية ان الذين [ص 178] يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم فمن نكث فانما ينكث علي نفسه الخبر و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول ان قائمنا اذا قام اشرقت الارض بنور ربها و استغني العباد من ضوء الشمس الخبر ، و بالجملة اطلاق ذكر الله عليهم صلوات الله عليهم اكثر كثير و تفسير البيع ببيع الدين بالدنيا ايضا مما شاع ذكره في الكتاب و السنة و قد ذكرنا شطرا من الآيات في بيان التأويل اقول و لك ان تخص البيع ببيعة السفياني كما فسره ابوجعفر عليه السلام في الخبر الذي مر ببيعة الاول و انما ذكرنا ذلك من باب مقابلة نداء اول النهار باسم القائم عليه السلام و نداء آخره باسم السفياني كما في حديث مفضل بعد ما ذكر النداء عند طلوع الشمس قال عليه السلام فاذا دنت الشمس للغروب صرخ صارخ من مغربها يا معشر الخلايق قد ظهر ربكم بوادي اليابس من ارض فلسطين و هو عثمان ابن عنبسة الاموي من ولد يزيد بن معوية لعنهم الله فبايعوه تهتدوا و لاتخالفوا عليه فتضلوا فيرد عليه الملئكة و الجن و النقباء قوله و يكذبونه و يقولون له سمعنا و عصينا و لايبقي ذو شك و لا مرتاب و لا منافق و لا كافر الا ضل بالنداء الاخير الخبر ، و قوله ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون معلوم و قد قال تعالي بقية الله خير لكم ان كنتم مؤمنين و قد يظهر من الآيتين ان العلم هو الايمان و لا ايمان لمن يقر علي نفسه بانسداد باب العلم عليه و ما ذكره اعلي الله مقامه في معني قوله فانتشروا في الارض فما اكثر في الاخبار ما يدل علي ذلك و عن ابي‌جعفر عليه السلام كأني بالقائم علي نجف الكوفة [ص 179] الي ان قال و المؤمنون بين يديه و هو يفرق الجنود في البلاد و عن علي بن الحسين عليه السلام قال اذا قام قائمنا اذهب الله عز و جل عن شيعتنا العاهة و جعل قلوبهم كزبر الحديد و جعل قوة الرجل منهم قوة اربعين رجلا و يكونون حكام الارض و سنامها و عن ابي‌جعفر عليه السلام قال كأني باصحاب القائم عليه السلام و قد احاطوا بما بين الخافقين ليس من شئ الا و هو مطيع لهم حتي سباع الارض و سباع الطير تطلب رضاهم كل شئ حتي تفخر الارض علي الارض و تقول مر بي اليوم رجل من اصحاب القائم انتهي ، و الاخبار بهذه المعاني كثيرة و ابتغاء فضل الله حينئذ ايضا حاصل من كل قبيل اعظمها نفسه المقدسة قال موسي بن جعفر عليه السلام في قوله و اسبغ عليكم نعمه ظاهرة و باطنة الظاهرة الامام الظاهر و الباطنة الامام الغايب يغيب عن ابصار الناس شخصه تظهر له كنوز الارض و يقرب عليه كل بعيد ، اقول و انواع الفضل الذي يترتب علي وجوده اكثر من ان تحصي فمنها ما قال ابوجعفر عليه السلام اذا قام قائمنا وضع يده علي رأوس العباد فجمع بها عقولهم و كملت بها احلامهم و منها ما قال ابوعبدالله عليه السلام العلم سبعة و عشرون حرفا فجميع ما جاءت به الرسل حرفان فلم‌يعرف الناس حتي اليوم غير الحرفين فاذا قام قائمنا اخرج الخمسة و العشرين حرفا فبثها في الناس و ضم اليها الحرفين حتي يبثها سبعة و عشرين حرفا و قال ابوجعفر عليه السلام كأنني بدينكم هذا لايزال موليا يفحص بدمه ثم لايرده عليكم الا رجل منا اهل البيت فيعطيكم في السنة عطائين [ص 180] و يرزقكم في الشهر ( برزقين ظ ) و تؤتون الحكمة في زمانه حتي ان المرأة لتقضي في بيتها بكتاب الله تعالي و سنة رسول الله صلي الله عليه و آله و منها ما روي عن جعفر بن محمد عن ابيه قال اذا قام القائم بمكة و اراد ان يتوجه الي الكوفة نادي مناديه الا لايحمل احد منكم طعاما و لا شرابا و يحمل حجر موسي الذي انبجست منه اثنتي‌عشرة عينا فلاينزل منزلا الا نصبه فانبجست منه العيون فمن كان جايعا شبع و من كان ظمآن روي فيكون زادهم حتي ينزلوا النجف من ظاهر الكوفة فاذا نزلوا ظاهرها انبعث منه الماء و اللبن دائما فمن كان جايعا شبع و من كان عطشانا روي و منها ما قال ابوجعفر عليه السلام من ادرك قائم اهل بيتي من ذي عاهة برأ و من ذي ضعف قوي و عن عبدالملك بن اعين قال قمت من عند ابي‌جعفر عليه السلام فاعتمدت علي يدي فبكيت و قلت كنت ارجو ان ادرك هذا الامر و بي قوة فقال اماترضون ان اعداءكم يقتل بعضهم بعضا و انتم آمنون في بيوتكم انه لو كان كذلك اعطي الرجل منكم قوة اربعين رجلا و جعل قلوبكم كزبر الحديد لو قذفتم بها الجبال فلقتها و انتم قوام الارض و خزانها و منها ما قال ابوجعفر عليه السلام من ادرك قائمنا فقتل معه كان له اجر شهيدين و من قتل بين يديه عدوا لنا كان له اجر عشرين شهيدا الخبر و منها ما عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث فعند ذلك تفرخ الطيور في اوكارها و الحيتان في بحارها و تمد الانهار و يفيض العيون و تنبت الارض ضعف اكلها الخبر و عن ابي‌جعفر عليه السلام عن [ص 181] ابيه عن آبائه في حديث الاربعمأة قال اميرالمؤمنين عليه السلام بنا يفتح الله و بنا يختم الله و بنا يمحو الله ما يشاء و بنا يثبت و بنا يرفع الله الزمان الكلب و بنا ينزل الغيث فلايغرنكم بالله الغرور ماانزلت السماء من قطرة من ماء منذ حبسه الله عز و جل و لو قد قام قائمنا لانزلت السماء قطرها و لاخرجت الارض نباتها و لذهبت الشحناء من قلوب العباد و اصطلحت السباع و البهائم حتي تمشي المرأة من العراق الي الشام لاتضع قدمها الا علي النبات و علي رأسها زينتها لايهيجها سبع و لاتخافه و عن ابي‌جعفر عليه السلام في حديث و يعطي الناس عطايا مرتين في السنة و يرزقهم في الشهر رزقين و يستوي بين الناس حتي لاتري محتاجا الي الزكوة و يجيئ اصحاب الزكوة بزكوتهم الي المحاويج من شيعته فلايقبلونها فيصيرونها (كذا) و يدورون (ظ) في دورهم فيخرجون اليهم فيقولون لا حاجة لنا في دراهمكم و ساق الحديث الي ان قال و تجتمع اليه اموال اهل الدنيا كلها من بطن الارض و ظهرها فيقال للناس تعالوا الي ما قطعتم فيه الارحام و سفكتم فيه الدم الحرام و ركبتم فيه المحارم فيعطي عطاءا لم‌يعطه احد قبله ، الي غير ذلك من الاخبار و هي كثيرة فاي فضل يبقي فلايعطونه و يذكرون الله كثيرا بذكر القائم عليه السلام و كيف يغفلون عنه و قد سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول ان قائمنا اذا قام مد الله عز و جل لشيعتنا في اسماعهم و ابصارهم حتي لايكون بينهم و بين القائم بريد يكلمهم و يسمعون كلامه و ينظرون اليه و هو في مكانه و قال [ص 182] عليه السلام كأني انظر الي القائم صلوات الله و سلامه عليه علي ظهر النجف فاذا استوي علي ظهر النجف ركب فرسا ادهم ابلق بين عينيه شمراخ ثم ينتفض به فرسه فلايبقي اهل بلدة الا و هم يظنون انه معهم في بلادهم الخبر ، جعلنا الله من خاصة مواليه و خالصيهم المنتظرين لامره الناصرين له لوجه الله صلي الله عليه و علي آبائه الطاهرين و اوليائهم المكرمين .

قال الله تعالي : و اذا راوا تجارة او لهوا انفضوا اليها و تركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو و من التجارة و الله خير الرازقين .

القراءة في تفسير ابي‌السعود في اليها قرئ اليهما .

اللغة في المعيار التاجر الذي يبيع و يشتري و العرب يسمي بايع الخمر تاجرا ايضا ج تجار كحاكم و حكام الي ان قال و المصدر كفلس و كتابة او الاخيرة الاسم منه كاتجر بادغام تاء الافتعال في التاء و التاجر ايضا الحاذق و اللهو في المعيار بالفتح م يقول اهل نجد لهوت عنه لهوا من باب دعا و لهيا كدلي و اهل العالية لهيت عنه و منه الهي من باب رضي لهيا ايضا و لهيانا بالياء كبرهان و معناه السلوان و الترك كتلهيت عنه علي تفعل و لهوت به كدعا لهوا بالفتح اولعت به و بالشئ لعبت الي ان قال و الهاني الشئ من الافعال شغلني و فلان الشئ تركه عجزا و الرجل اشتغل بسماع الغناء و تلاهوا علي تفاعل لها بعضهم ببعض و لهت المرأة الي حديثه لهوا و لهوا كفلس و سمو انست به و اعجبها و لهي به كرضي احبه الي ان قال و لاهاه ملاهاة علي فاعل قاربه و فلانا نازعه و [ص 183] زيدا داناه و الغلام الفطام دنا منه و قوله تعالي لاهية قلوبهم اي ساهية غافلة مشغولة بالباطل عن الحق و تذكره و قوله لهو الحديث اي باطله و ما يلهي عن ذكر الله الي ان قال و قوله لو اردنا ان نتخذ لهوا قيل امرأة و قيل ولدا و قيل اي لو اردنا ان نخلق بغير حكمة لاتخذناه و قوله فانت عنه تلهي اي تتشاغل و تتغافل و الاصل تتلهي حذفت احدي التائين و قد يكني باللهو كفلس عن الجماع و اللاهون بالواو و النون جمع اللاهي كالداعي من ذرية البشر الذين لم‌يتعمدوا الذنب انما اتوه نسيانا و غفلة و خطاءا او الاطفال لم‌يقترفوا ذنبا و انفضوا في المعيار فض الختم فضا كمد مدا كسره و فكه و البكارة ازالها علي التشبيه بالختم الي ان قال و الله فاه نثر اسنانه و كسرها و الشئ فرقه فانفض علي انفعل للمطاوع الي ان قال و الفضض كسبب ما انتشر من الماء اذا تطهر به كالفضيض كامير و كل متفرق و منتشر و قال الطبرسي (ره) في انفضوا اليها روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه قال انصرفوا اليها .

الظاهر و لنرو اولا ما ورد في شأن نزول الآية حتي يسهل المعني انشاء الله ففي البرهان عن ابن‌شهراشوب من تفسير مجاهد و ابي‌يوسف يعقوب بن سفيان قال ابن‌عباس في قوله تعالي و اذا رأوا تجارة او لهوا انفضوا اليها و تركوك قائما ان دحية جاء يوم الجمعة من الشام بالميرة فنزل عند حجارة الزيت ثم ضرب بالطبول ليؤذن الناس بقدومه فتفر (كذا) الناس اليه الا علي و الحسن (ظ) و الحسين و فاطمة و سلمان [ص 184] و ابوذر و المقداد و صهيب و تركوا النبي قائما يخطب علي المنبر فقال النبي صلي الله عليه و آله لقد نظر الله يوم الجمعة الي مسجدي فلولا هؤلاء الثمانية الذي جلسوا في مسجدي لاضرمت المدينة علي اهلها نارا و حصبوا بالحجارة كقوم لوط و نزل فيهم رجالا (كذا) لاتلهيهم تجارة و فيه عن جابر بن عبدالله قال ورد المدينة عير (ظ) فيها تجارة من الشام فضرب اهل المدينة بالدفوف و فرحوا و ضحكوا و دخلت و النبي صلي الله عليه و آله يخطب يوم الجمعة فيخرج الناس من المسجد و تركوا رسول الله صلي الله عليه و آله قائما و لم‌يبق معه في المسجد الا اثناعشر رجلا علي بن ابيطالب منهم و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في هذه الآية قال انفضوا عنه الا علي بن ابيطالب عليه السلام فانزل الله عز و جل قل ما عند الله الآية و قال الطبرسي (ره) بعد ما نقل رواية عن جابر بن عبدالله تدل علي بقاء اثني‌عشر و قال الحسن و ابومالك اصاب اهل المدينة جوع و غلا سعر فقدم دحية بن خليفة بتجارة زيت من الشام و النبي صلي الله عليه و آله يخطب يوم الجمعة فلما رأوه قاموا اليه بالبقيع خشية ان يسبقوا اليه فلم‌يبق مع النبي صلي الله عليه و آله الا رهط فنزلت الآية فقال و الذي نفسي بيده لو تبايعتم حتي لايبقي احد منكم لسال بكم الوادي نارا ثم روي الطبرسي عن المقاتلين رواية و فيها فلم‌يبق في المسجد الا اثني‌عشر رجلا و امرأة الي ان قال و قيل لم‌يبق في المسجد الا ثمانية رهط عن الكلبي عن ابن‌عباس و قيل الا احدعشر رجلا عن ابن‌كيسان و قيل انهم [ص 185] فعلوا ذلك ثلث مرات في كل يوم مرة لعير تقدم من الشام و كل ذلك يوافق يوم الجمعة عن قتادة و مقاتل ، اقول قال الرازي قال مقاتل ان دحية بن خليفة الكلبي اقبل بتجارة من الشام الي ان قال و لم‌يبق الا اثناعشر رجلا او اقل كثمانية او اكثر كاربعين فقال عليه السلام لولا هؤلاء لسومت لهم الحجارة و نزلت الآية و كان من الذين معه ابوبكر و عمر الي آخر ما قال ، اقول لعن الله اعداء آل‌محمد و المنكرين لفضلهم و الغاصبين لحقوقهم و انك قد وجدت في رواية ابن‌شهراشوب نقل من تفاسير العامة عن ابن‌عباس انهم كانوا ثمانية و عرفتهم باسمائهم و في رواية حسن و ابي‌مالك انهم كانوا رهطا و الرهط في اللغة علي ما في القاموس من ثلثة او سبعة الي عشرة او ما دون العشرة و ما فيهم امرأة و لم‌يذكر ازيد من ذلك و في المعيار بعد ما ذكر نحوا من ذلك قال و يقال الرهط ما دون العشرة الي الاربعين ، اقول الذي يتأكد في ظني ان هذا المعني من هؤلاء المفسرين المتعصبين كالرازي و اشباهه و لم‌يتفطن له الفيروزآبادي و لم‌يذكره اصلا لما اراد الله من اتمام الحجة عليه و علي اشباهه فان في الروايات وجدوا لفظ الرهط و في رواية ابن‌شهراشوب عن مجاهد و ابي‌يوسف سماهم باسمائهم و لم‌يكن فيهم ابوبكر و لا عمر و هؤلاء فسروا الرهط بما دون العشرة الي الاربعين ليزيدوا هذين و لايزيد الظالمين الا خسارا بالجملة فلما فعلوا ذلك قال تعالي و اذا رأوا تجارة او لهوا انفضوا اليها و قد اشكل عليهم ان التجارة و اللهو من قبيل ما لايري اصلا و لو كان كذلك كيف [ص 186] يصح و اذ رأوا تجارة او لهوا قال الرازي نقول ليس المراد الا ما يقرب منه اللهو و التجارة و مثله حتي يسمع كلام الله اذ الكلام غير مسموع بل المسموع صوت يدل عليه ، اقول عجب من مفسر مثله يشكل عليه امثال ذلك و الرؤية تعم الرؤية الظاهرة و الباطنة الاتري الي قوله لم‌تره العيون بمشاهدة العيان و لكن رأته القلوب بحقايق الايمان ، و نحو ذلك كثير في كلام العرب فلايجب ان يري اللهو و التجارة بمشاهدة العيان و انما يراهما الانسان بمشاعره الباطنة و انما الرؤية هنا كالبصيرة تستعمل في كثير من المواضع بالجملة قال تعالي اذا رأوا تجارة قال الطبرسي اي عاينوا ذلك و قيل معناه اذا علموا بيعا او شراء او لهوا و هو الطبل عن مجاهد و قيل المزامير عن جابر و قال الرازي كانوا اذا انكحوا الجواري يضربون المزامير فمروا يضربون فتركوا النبي صلي الله عليه و آله و انفضوا اليها اي تفرقوا عنك خارجين اليها قد وجدت في الخبر عن ابي‌عبدالله عليه السلام انه قال في معناه انصرفوا اليها بل في خبر يأتي ان نزولها انصرفوا و الضمير للتجارة لاهميتها او لان الطبل للدلالة عليها و الانصراف انما كان لها و منهم من قدر هنا او لهوا انصرفوا اليه و منهم من قرئ اليهما كما في تفسير ابي‌السعود و تركوك قائما اي قائما تخطب علي المنبر ففي تفسير علي بن ابرهيم باسناده عن ابي‌بصير انه سئل عن الجمعة كيف يخطب الامام قال يخطب قائما ان الله يقول و تركوك قائما و نقل الطبرسي و الرازي عن جابر بن سمرة و عبدالله بن مسعود ما يدل علي ذلك قال الطبرسي و [ص 187] قيل اراد قائما في الصلوة ثم قال تعالي قل يا محمد صلي الله عليه و آله لهم ما عند الله من الثواب علي سماع الخطبة و حضور الموعظة و الصلوة و الثبات مع النبي صلي الله عليه و آله خير و احمد عاقبة و انفع من اللهو و التجارة و الله خير الرازقين يرزقكم و ان لم‌تتركوا الخطبة و الجمعة قال الرازي و قوله تعالي و الله خير الرازقين هو من قبيل احكم الحاكمين و احسن الخالقين و المعني ان امكن وجود الرازقين فهو خير الرازقين و قيل لفظ الرازق لايطلق علي غيره الا بطريق المجاز و لايرتاب في ان الرازق بطريق الحقيقة خير من الرازق بطريق المجاز ، اقول و هذان الوجهان عندنا مدخولان و سيأتي ما هو الحق في بيان الباطن فان قوله ان امكن وجود الرازقين فهو خير الرازقين مدخول لان الذي يفرض وجود الرازقين يمكنه فرض رازق آخر مثله فباي دليل هو خير الرازقين المفروضين و الانسان ان كان عارفا بربه فلايفرض وجود رازق آخر معه و ان لم‌يكن عارفا و فرض ذلك فقد يفرض رازقين كلهم عنده اخيار فكيف ينحل الاشكال و قوله ان لفظ الرازق لايطلق علي غيره الا بطريق المجاز ايضا مدخول فان المجاز استعمال اللفظ في غير ما وضع له بمناسبة علاقة بينه و بين الموضوع له و اي مناسبة بين الله تعالي و خلقه و لايكون ذلك و امثاله الا من باب الحقيقة بعد الحقيقة التي غفل عنها الاكثرون و سنذكرها في محله ان شاء الله و اعلم انه قد روي علي بن ابرهيم عن ابي‌عبدالله قال نزلت و اذا رأوا تجارة او لهوا انصرفوا اليها و تركوك [ص 188] قائما قل ما عند الله خير من اللهو و من التجارة يعني للذين اتقوا و الله خير الرازقين ، اقول ابطل هذا المعني سعي الرازي حيث قال ببقاء ابي‌بكر و عمر معه صلي الله عليه و آله و عدم انصرافهما اليها فان ما عند الله خير للذين اتقوا دون غيرهم و نظير ذلك قوله تعالي لقد رضي الله عن المؤمنين اذ يبايعونك تحت الشجرة فان رضاه عن المؤمنين لايدل علي رضاه عنهما و ان كانا من اهل البيعة و كذا هنا فان من لم‌يتق و ان كان حاضرا في هذا الموقف لايكون ما عند الله خيرا له و كم من موقف كانوا مع النبي صلي الله عليه و آله و هو صلي الله عليه و آله رحمة الله و فضله و لكن لايشمل فضل الله غير اهله حقيقة و ان شملهم في الدنيا كما في قوله تعالي ماكان الله ليعذبهم و انت فيهم فان مع وجوده صلي الله عليه و آله في الدنيا لاينزل العذاب و كذا اذا استغفروا و اما اذا اعرضوا عنه و لم‌يستغفروا يعذبهم الله في الآخرة و متي شاء في الدنيا و سيأتي في خبر عن ابي‌جعفر عليه السلام ان للذين اتقوا مما انزل هكذا و قد حذفوه لما ارادوا من شموله لهم لعنهم الله بالجملة و وجه تقديم التجارة علي اللهو في الاول و بالعكس في الثاني لم‌ار من نبه به و هو علي ما يخطر بالبال ان من شرايط الاحتجاجات و نحوها ان يذكر الانسان اولا ما هو اقرب الي التسليم عند الخصم ثم يذكر ما هو ابعد ففي الاول في مقام الانصراف عن حضور الخطبة يقول اذا رأوا تجارة فان التجارة لاهميتها عندهم اقرب بايجاب الانصراف ثم يقول او لهوا و لعل المراد منه اي [ص 189] بل لهوا او و لهوا لانه ابعد من ايجاب الانصراف ثم في اثبات خيرية ما عند الله منهما خيريته من اللهو اوضح فيقدمه ثم يذكر التجارة و ذلك لان الخصم اذا اورد عليه الانسان اعلي ما يريد ان يورده عليه ينكره و لكن اذا اورد عليه اولا ما هو اقرب الي التسليم فسلمه ثم اورد الابعد لاينكره و قد جري علي ذلك احتجاجه تعالي في المنكرين للعود و قد فصل ذلك الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه في مقام و لايحضرني الآن محله و لا حاجة الي التفصيل .