التأويل اعلم ان الفرق بين التجارة و اللهو ان التجارة انما هي اعطاء عوض و اخذ معوض من سنخه و اللهو اعطاء شئ و عدم اخذ عوض او اخذ عوض من غير سنخه فانك اذا اعطيت شيئا يجوز تملكه و اخذت شيئا يجوز تملكه قيل انك اتجرت و اذا لم‌تأخذ شيئا اصلا او لم‌تأخذ شيئا يجوز تملكه قيل ان فعلك لهو و بايع الخمر يقال له تاجر علي اعتقاد من يجوز تملكه و يستحله او من باب تسميته بالضد استهزاءا او نحوه كما تسمي الاسود الزنجي بالكافور ثم ان العوض في التجارة ان كان مساويا للمعوض او زايدا عليه و نافعا يقال انها تجارة معتدلة او رابحة و الا فهي خاسرة فلما عرفت ذلك فاعلم ان الانسان في معاملاته النفسانية قد يشري نفسه بالحيوة الدنيا و ما يتبعها لاجلها من حيث هي فعمله هذا لهو اذ متاع الدنيا قليل و لايبقي بل يزول و يفني و مثلك كالذي يعطي الثمن و يشتري شيئا من الريح فان الريح لاتقوم و لاتدوم لك و انما تجيئ و تذهب و تبقي يدك صفرا منها و قد يشري [ص 190] نفسه بالآخرة فهذا هو التجارة لانها باقية دائمة يقوم بازاء النفس الباقية التي صارت ثمنا لها ثم ذلك الامر الاخروي ان كان مما يوجب التنعم و التلذذ قليلا او كثيرا فهذه تجارة معتدلة او رابحة و ان كان مما يوجب العذاب و النقمة فهي تجارة خاسرة و اللاهي ايضا يعذب بلهوه و لكن بينهما فرق و هو ان اللاهي يعذب هنا من شدة الجوع و العطش و عدم الامداد الاخروية و التاجر الخاسر قد يشرب من الحميم و الغسلين و الزقوم و امثال ذلك و مثلهما كما عرفت ان اللاهي يعطي الثمن و يشتري الريح مثلا ليتغذي بها فتذهب الريح و يموت هذا المسكين من شدة الجوع و التاجر الخاسر يعطي الثمن و يشتري السموم القتالة ليتغذي بها فيشربها و يموت ايضا و قد يجتمع اللهو و التجارة في رجل و يجزي بكليهما و لنذكر بعض الآيات في المقام لتعرف ما ذكرنا قال الله تعالي و اذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا و اذا خلوا الي شياطينهم قالوا انا معكم انما نحن مستهزؤن الله يستهزئ بهم و يمدهم في طغيانهم يعمهون اولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدي فماربحت تجارتهم و ماكانوا مهتدين اقول الضلالة هنا بمعني النفاق كما هو ظاهر الآيتين السابقتين و النفاق هو الكفر حقيقة قال الله تعالي في سورة المنافقين في وصفهم ذلك بانهم آمنوا ثم كفروا فطبع علي قلوبهم و قال هنا بعد آيتين تمثل لهم بالذي استوقد نارا او كصيب من السماء الي ان قال و الله محيط بالكافرين و لا شك ان الكفر من الافعال الاخروية و هي تجارة خاسرة [ص 191] بلا شك و قال تعالي في التجارة الرابحة ان الذين يتلون كتاب الله و اقاموا الصلوة و انفقوا مما رزقناهم سرا و علانية يرجون تجارة لن‌تبور ليوفيهم اجورهم و يزيدهم من فضله انه غفور شكور و قال يا ايها الذين آمنوا هل ادلكم علي تجارة تنجيكم من عذاب اليم تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله باموالكم و انفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون اقول و ذلك لما طلبوا بما اتوا ما عند الله الذي هو خير و ابقي و قد ربحت تجارتهم و قال اعلموا انما الحيوة الدنيا لعب و لهو و زينة و تفاخر بينكم و تكاثر في الاموال و الاولاد كمثل غيث اعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما و في الآخرة عذاب شديد و مغفرة من الله و رضوان و ما الحيوة الدنيا الا متاع الغرور و قال الذين اتخذوا دينهم لهوا و لعبا و غرتهم الحيوة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا و ما كانوا بآياتنا يجحدون اقول قوله تعالي ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا لعله يشير الي ما ذكرنا ان الحيوة الدنيا بنفسها لاتبقي و لاتدوم و الجزاء الاخروي انما يحصل بالاكتساب و لكن هؤلاء انما يجزون لما نسوا لقاء يومهم هذا فنسيهم الله اي تركهم فان نسيانه تعالي بمعني الترك اي معاملة التارك و ذلك لان الحيوة الدنيا عرضية لا بقاء لها و لا دوام بل ليست حيوة حقيقة و انما هي موت و الحيوة الحقيقية انما هي في الآخرة قال الله تعالي و ما هذه الحيوة الدنيا الا لهو و لعب و ان الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون اقول لعله تعالي مثل [ص 192] الحيوة الدنيا بالتماثيل التي يخيل للناظرين انها حية كعصي السحرة و هي اموات حقيقة و الحيوان الحقيقي هي الدار الآخرة فاذا لم‌يكتسب الانسان الا الحيوة الدنيا فما له في الآخرة من نصيب و هو منسي من رحمة الله بالجملة وجه الكلام في التأويل انما هو الي العقل الذي هو الحجة الباطنة و قوله و اذا رأوا تجارة او لهوا اي النفوس الامارة اذا رأوا تجارة يعطون انفسهم و يتجرون تجارة خاسرة بان يأخذوا شيئا يضرهم في الآخرة او لهوا من قبيل الحيوة الدنيا فلاتبقي لهم و لاتدوم و تلهيهم عن ذكر الله و عن الصلوة انصرفوا اليها و تركوك قائما تخطبهم و تدعوهم و لكنهم ان تدعهم لم‌يسمعوا دعاءك و لو سمعوا مااستجابوا لك قل يا ايها العقل المطيع الذي اقامك ربك مقامه في الاداء ان ما عند الله اي نفسه و كلامه و وعظه فان كل ذلك عند الله و من عند الله الاتري قوله ان الذين عند ربك لايستكبرون عن عبادته و يسبحونه و له يسجدون و اي عبادة اعظم من عبادة العقل و هو الذي عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و عن النبي صلي الله عليه و آله ماعبد الله بمثل العقل ، فهو عند الله و كلامه و وعظه من عند الله و كل ذلك خير من اللهو و من التجارة بان تعطي نفسك مجانا او بثمن بخس يوجب خسران الدنيا و الآخرة و الله خير الرازقين اي انكم ان شريتم انفسكم ابتغاء مرضات الله التي هي العقل كان الله تعالي خير الرازقين لكم به و منه فان مواد النفس الملكوتية التأييدات العقلية و اي رزق اهنأ و الذ و اشهي و اوفق بطبع المرتزق [ص 193] مما هو من سنخ مادته و طينته فافهم و تدبر ، و من تأويلاتها ان العرش و الكرسي و السموات في كل عالم انما هي مظاهر الرسول صلي الله عليه و آله و اوصياؤه عليهم السلام و عناصر كل عالم و ما يتولد منها رعاياهم في هذا العالم و هؤلاء الرعايا لهم معاملتان معاملة بينهم و بين المبادي بواسطة او بغير واسطة و معاملة بينهم بعضهم مع بعض و لاتؤل الي المبادي لشدة انهماكهم في المنتهيات و اعراضهم عن المبادي و في هذه المعاملة قد يعطون شيئا و يأخذون عوضا فيؤثرون و يتأثرون و يخسرون في تجارتهم و قد يعطون و لايأخذون شيئا و هو لهو صرف كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لايقدرون مما كسبوا علي شئ ذلك هو الضلال البعيد فخاطب الله تعالي العرش و الكرسي و السموات ان امر العناصر السفلية هكذا اذا رأوا تجارة يؤثرون و يتأثرون لتساوي قوة الطرفين او لهو يتأثرون و يعطون انفسهم و لايأخذون شيئا لضعف بنيتهم انصرفوا اليها و تركوك قائما تدعوهم و لايجيبون و صار امرهم كما قال تعالي و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ، قل ما عند الله الذي قال و ان من شئ الا عندنا خزائنه و ماننزله الا بقدر معلوم و قال و في السماء رزقكم و ما توعدون و قال و انزلنا من السماء ماءا طهورا لنحيي به بلدة ميتا و نسقيه مما خلقنا انعاما و اناسي كثيرا و قال و انزل لكم من [ص 194] السماء ماءا فانبتنا به حدائق ذات بهجة ماكان لكم ان تنبتوا شجرها ءاله مع الله بل هم قوم يعدلون و امثال ذلك من الآيات كثيرة و ما عند الله خير من الاخلاد الي الارض و اتباع الهوي و التجارة و اللهو و الله خير الرازقين حيث جعل في السماء رزقكم و ما توعدون من اخبار الرجعة و القيمة و هذا معني يجري في كثير من العوالم و اما من شاء الله منها و رفعه اليه و قربه من بيوت السموات التي اذن الله ان ترفع كما قال رفيع الدرجات ذو العرش و بقي في مسجد السموات فسجد لله كما سجد الشمس و القمر و ساير ما فيها و اتصل بها و قبل دعوتها و اتعظ بمواعظها ففاز بما عند الله و ما عند الله خير و ابقي .

الباطن في البرهان في حديث مر صدره في بيان باطن الآيتين السابقتين عن ابي‌جعفر عليه السلام ثم خاطب الله عز و جل في ذلك الموقف محمدا صلي الله عليه و آله فقال يا محمد و اذا رأوا الشكاك و الجاحدون تجارة يعني الاول او لهوا يعني الثاني انصرفوا اليها قال قلت انفضوا اليها قال تحريف هكذا نزلت و تركوك مع علي قائما قل يا محمد ما عند الله من ولاية علي و الاوصياء خير من اللهو و من التجارة يعني بيعة الاول و الثاني للذين اتقوا قال قلت ليس فيها للذين اتقوا قال فقال بلي هكذا نزلت الآية و انتم هم الذين اتقوا و الله خير الرازقين ، اقول و هذا احد البواطن للآية الشريفة و باطن آخر علي نحو ما ذكر في الآيات السابقة ان الخطاب الي القائم عليه السلام و يصرح بذلك قوله تعالي و تركوك قائما فقال يا محمد بن الحسن صلوات الله عليه [ص 195] و علي آبائه الطاهرين اذا رأوا الشكاك و الجاحدون تجارة او لهوا ينطبق علي الخلفاء العباسيين تارة و علي الدجال و السفياني اخري و علي الاول و الثاني اخري و هما الاصل و العمدة و الاولي و الاليق قال المفضل في حديثه يا سيدي ثم يسير المهدي الي اين قال عليه السلام الي مدينة جدي رسول الله صلي الله عليه و آله فاذا وردها كان له فيها مقام عجيب يظهر فيه سرور المؤمنين و خزي الكافرين قال المفضل يا سيدي ما هو ذاك قال يرد الي قبر جده عليه السلام فيقول يا معاشر الخلايق هذا قبر جدي رسول الله صلي الله عليه و آله فيقولون نعم يا مهدي آل‌محمد فيقول و من معه في القبر يقولون صاحباه و ضجيعاه ابوبكر و عمر فيقول و هو اعلم بهما و الخلايق كلهم جميعا يسمعون من ابوبكر و عمر و كيف دفنا من بين الخلق مع جدي رسول الله صلي الله عليه و آله و عسي المدفون غيرهما فيقول الناس يا مهدي آل‌محمد ما هيهنا غيرهما انهما دفنا معه لانهما خليفتا رسول الله صلي الله عليه و آله و ابوا زوجتيه فيقول للخلق بعد ثلث اخرجوهما من قبريهما فيخرجان غضين طريين لم‌يتغير خلقهما و لم‌يشحب لونهما فيقول هل فيكم من يعرفهما فيقولون نعرفهما بالصفة و ليس ضجيعا جدك غيرهما فيقول هل فيكم احد يقول غير هذا او يشك فيهما فيقولون لا فيؤخر اخراجهما ثلثة ايام ثم ينتشر الخبر في الناس و يحضر المهدي و يكشف الجدران عن القبرين و يقول للنقباء ابحثوا عنهما و انبشوهما فيبحثون بايديهم [ص 196] حتي يصلون اليهما فيخرجان غضين طريين كصورتهما فيكشف عنهما اكفانهما و يأمر برفعهما علي دوحة يابسة نخرة فيصلبهما عليها فتحيي الشجرة و تورق و تونع و يطول فرعها فيقول المرتابون من اهل ولايتهما هذا والله الشرف حقا و لقد فزنا بمحبتهما و ولايتهما و يخبر من اخفي نفسه فمن في نفسه مقياس حبة من محبتهما و ولايتهما فيحضرونهما و يرونهما و يفتنون بهما و ينادي منادي المهدي كل من احب صاحبي رسول الله و ضجيعيه فلينفرد جانبا فتتجزأ الخلق جزئين احدهما موال و الآخر متبرئ منهما فيعرض المهدي علي اوليائهما البراءة منهما فيقولون يا مهدي آل رسول الله نحن لم‌نتبرأ منهما و لسنا نعلم ان لهما عند الله و عندك هذه المنزلة و هذا الذي بدا لنا من فضلهما انتبرأ الساعة منهما و قد رأينا منهما ما رأينا في هذا الوقت من نضارتهما و غضاضتهما و حيوة الشجرة بهما والله نبرأ منك و ممن آمن بك و ممن لايؤمن بهما و من صلبهما و اخرجهما و فعل بهما ما فعل فيأمر المهدي عليه السلام ريحا سوداء فتهب عليهم فتجعلهم كاعجاز نخل خاوية ثم يأمر بانزالهما فينزلان اليه فيحييهما باذن الله تعالي و يأمر الخلايق بالاجتماع ثم يقص عليهم قصص فعالهما في كل كور و دور حتي يقص عليهما قتل هابيل بن آدم عليه السلام و جمع النار لابرهيم عليه السلام و طرح يوسف عليه السلام في الجب و حبس يونس في الحوت و قتل يحيي عليه السلام و صلب عيسي عليه السلام و عذاب جرجيس و دانيال عليهما السلام و ضرب [ص 197] سلمان الفارسي و اشعال النار علي باب اميرالمؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام لاحراقهم بها و ضرب يد الصديقة الكبري فاطمة بالسوط و رفس بطنها و اسقاطها محسنا و سم الحسن عليه السلام و قتل الحسين عليه السلام و ذبح اطفاله و بني عمه و انصاره و سبي ذراري رسول الله صلي الله عليه و آله و اراقة دماء آل‌محمد عليهم السلام و كل دم سفك و كل فرج نكح حراما و كل ربوا و حنث و فاحشة و اثم و ظلم و جور و غشم منذ عهد آدم عليه السلام الي وقت قيام قائمنا عليه السلام كل ذلك يعدده عليهما و يلزمهما اياه فيعترفان به ثم يأمر بهما فيقتص منهما في ذلك الوقت بمظالم من حضر ثم يصلبهما علي الشجرة و يأمر نارا تخرج من الارض فتحرقهما و الشجرة ثم يأمر ريحا تنتسفهما في اليم نسفا الحديث ، اقول ما يفعل بهما و باتباعهما ذلك اليوم انما هو نتيجة ما قاله رسول الله صلي الله عليه و آله في ذلك اليوم الذي كان يصلي في المسجد و يخطب و انصرف الناس عنه الا ثمانية ان لولا هؤلاء الثمانية الذين جلسوا في مسجدي لاضرمت المدينة علي اهلها نارا و حصبوا بالحجارة كقوم لوط و في ذلك اليوم لما كانت النطف الطيبة في الاصلاب الخبيثة لم‌يعذبهم و لما تزيلوا عذبهم كما قال لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا بالجملة و الاخبار بهذا المعني عديدة ففي الكتاب المبين ايضا عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال اذا قدم القائم عليه السلام و بث ان يكسر الحائط الذي علي القبر فيبعث الله ريحا شديدة و صواعق و رعودا حتي يقول الناس انما [ص 198] ذا لذا فيتفرق اصحابه عنه حتي لايبقي معه احد فيأخذ المعول بيده فيكون اول من يضرب بالمعول ثم يرجع اليه اصحابه اذا رأوه يضرب المعول بيده فيكون ذلك اليوم فضل بعضهم علي بعض بقدر سبقهم اليه فيهدمون الحايط ثم يخرجهما غضين رطبين فيلعنهما و يتبرأ منهما و يصلبهما ثم ينزلهما و يحرقهما ثم يذريهما في الريح ، اقول و يخطر ببالي خبر رواه السيد المحدث البحراني (ره) في حلية الابرار او المحجة من حكاية اميرالمؤمنين عليه السلام هذه الوقايع لعمر بن الخطاب و هو يقول كرارا يكون هذا و يكون هذا و لكن لايحضرني الآن محله و يجب للمؤمن النظر في اخبار اهل البيت عليهم السلام و الاعتبار بها و اليقين بها حتي لايفتتن بما يري من خوارق العادات عليهما ان شرفه الله بظهور مولاه و بروز هذه الآثار اعاذنا الله من شرور انفسنا و ثبتنا علي دينه ولاية آل‌محمد عليهم السلام و ولاية اوليائهم و البراءة من اعدائهم ربنا لاتزغ قلوبنا بعد اذ هديتنا و هب لنا من لدنك رحمة انك انت الوهاب بالجملة و الغرض ان في ذلك الزمان ايضا اذا رأوا اللهو و التجارة ينصرفون عن القائم عليه السلام و يفتنون بهما قل يا قائم آل‌محمد (ص) ان ما عند الله خير للذين اتقوا من ولاية اعداء آل‌محمد عليهم السلام من اللهو و من التجارة و القائم و آباؤه الطاهرون صلوات الله عليهم عند الله و عن علي بن ابرهيم في قوله ان الذين عند ربك يعني الرسل و الانبياء و الائمة عليهم السلام لايستكبرون عن عبادته الآية [ص 199] و ما عند الله خير و ابقي و رزق ربك خير و ابقي و كل ذلك لان الله خير و ابقي و ما عنده آياته و علاماته التي لا فرق بينها و بينه الا انهم عباده و خلقه و لفظ الجلالة يفسر هنا برسول الله صلي الله عليه و آله من باب حذف المضاف ظاهرا و من باب قوله و يحذركم الله نفسه حقيقة علي ما فسره الصادق عليه السلام و لا علينا ان نشير هنا الي السر في قوله خير الرازقين و امثاله كارحم الراحمين و احكم الحاكمين و احسن الخالقين و الله خير حافظا و هو ارحم الراحمين فمما ينحل به هذا الاشكال ما فسروه ائمتنا صلوات الله عليهم من ان التشبيه و الاشتراك اذا لم‌يكن في المعني و كان في صرف اللفظ لاينافي التوحيد و قد شرحوا ذلك في اخبار عديدة مفصلة لو اردنا ان نذكرها لطال بنا المقال و لكن قال رسول الله صلي الله عليه و آله في خبر الله واحد و احدي المعني و الانسان واحد ثنوي المعني جسم و عرض و بدن و روح فانما التشبيه في المعاني لا غير ، اقول يعني ان التشبيه الممنوع هو ما كان في المعاني دون الالفاظ و قد يكتفي في اختلاف المعني اثبات صفة او اسم او فعل له تعالي علي نحو الاستقلال و المالكية و لغيره تعالي علي نحو عدم الاستقلال و المالكية فيرتفع بذلك الاشتراك بالكلية و مثال ذلك في الظاهر ما اذا اعطاك المولي شيئا بيده او يعطيك بيد عبده فتسمي العبد معطيا لظاهر ما اعطاك و المولي معطيا لحقيقة ما اعطاك و لايكون العبد شريكا لمولاه قال الله تعالي هل لكم مما ملكت ايمانكم من شركاء فيما رزقناكم و ذلك لان العبد من [ص 200] حيث نفسه لايقدر علي شئ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لايقدر علي شئ و عطاؤه انما هو باذن المولي و لولاه لم‌يعط و اما المولي فقد يعطي سواءا اذن العبد او لم‌يأذن و علي ذلك جري قوله تعالي في كثير من المقامات كما تري انه يقول الله يتوفي الانفس حين موتها و التي لم‌تمت في منامها و يقول قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم و تتوفاهم الملئكة و قد ينسب الكتابة الي الانسان و قد ينسبها الي يده و كل ذلك من هذا الباب و ليس ذلك من الاشتراك في شئ بل قد امرنا بالعمل بمقتضي ذلك في مقامات و منه شكر العبد و قد قالوا عليهم السلام من لم‌يشكر العبد لم‌يشكر الرب فبذلك يرتفع الاشكال ظاهرا و لكن لايرتفع حقيقة فان مواقع الافعال و الصفات و الاسماء كلها من الخلق و لايفرض اتصافه تعالي بصفة او اجراؤه لفعل بذاته تارة و بايدي خلقه اخري حتي يقال ان ذاته تعالي مستقلة في صفته و فعله و خلقه يفعلون به فلايشاركون له فبم يرتفع هذا الاشكال و بم يستشفي من هذا الداء العضال فاعلم ان الله سبحانه احد منزه عن جميع الصفات مرتفع عن كل السمات سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي المرسلين و الحمد لله رب العالمين و قد خلق لنفسه صفات و اسماءا و افعالا و جعلها آياته و علاماته و جعل لها مواقع من خلقه كما قال عليه السلام من عرف مواقع الصفة بلغ قرار المعرفة ، و هو في ذاته احد محيط بجميع ما خلق اولي بكلها منها في مقامات وجودها و حدود شهودها و هو اقرب اليك من حبل الوريد و معكم اينما كنتم [ص 201] و ما من نجوي ثلثة الا هو رابعهم و لا خمسة الا هو سادسهم و لا ادني من ذلك و لا اكثر الا و هو معهم و هو المذكور بكل لسان المعروف بكل بيان الظاهر لكل من له عينان ايكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتي يكون هو المظهر لك متي غبت حتي تحتاج الي دليل يدل عليك و متي بعدت حتي تكون الآثار هي التي توصلني اليك عميت عين لاتراك و لاتزال عليها رقيبا و خسرت صفقة عبد لم‌تجعل له من حبك نصيبا فهو الموصوف بالصفات في مواقعها و المسمي بالاسماء في مقاماتها و الفاعل للافعال في محالها لايشركه فيها احد و ليس كمثله شئ و هو السميع البصير و لا فاعل في الوجود الا الله و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و في هذه العرصة يرتفع الافتخارات و النسب و الاضافات و الكل منه و اليه و انا لله و انا اليه راجعون و ذاته تعالي مع ذلك منزهة عن الكثرات اذ هي مع انطوائها تحت سطوع نوره تعالي ممتنعة عن ذاته و لا شئ معها ابدا و لكنها في مقامات تجلياته تعالي موضوعة في مقاماتها حاكية لنوره فلايري فيها نور الا نوره و لايسمع منها صوت الا صوته و لكن لها حال اخري في نسبة بعضها الي بعض كالعالي بالنسبة الي الداني و السماء بالنسبة الي الارض و الشريف بالنسبة الي الوضيع و العلة بالنسبة الي المعلول و المؤثر الي الآثار و الجامع الي المفردات و امثال ذلك من الاختلافات فانها و ان كانت كلها آيات و علامات للذات البحت البات و الاحد المحيط ان لم‌تكن له تلك الآيات المتضادة دل علي محدوديته فان بمضادته بين الاشياء عرف ان [ص 202] لا ضد له و لكن الخلق المتكثر المحدود في حده و مقامه لا بد له في وجوده و بقائه و دوامه من الاعراض عن جهة و الاقبال الي جهة اخري يزيد ذلك في قوته و وجوده و دوامه و لو خالف ذلك فني من اصله فان الماء ان اقبل الي النار فان غلب بخر و ارتفع و ان غلب اطفأ النار و لا بد له من الاقبال الي جهة يزيد في بقائه و لايوجب فناءه فلما نظر الله تعالي الي فقر خلقه و حاجتهم و ذلتهم و عجزهم اختار لنفسه اسماء و صفات جعلهم الاسماء الحسني و الصفات العليا و ندب خلقه اليه بها و من سبيلها فقال تعالي قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا فله الاسماء الحسني و قال و لله الاسماء الحسني فادعوه بها و ذروا الذين يلحدون في اسمائه فخص السلوك اليه و دعوته بما كان من سبيل الاسماء الحسني و كلما ذكر في الاوامر التكليفية الشرعية من هذا القبيل كقوله و اذكر اسم ربك بكرة و اصيلا و قوله و ذكر اسم ربه فصلي و قوله و يذكر فيها اسمه كلها راجع الي ذكر هذه الاسماء الحسني ثم ان وصف هذه الاسماء بالحسني يشير الي ان هناك اسماءا سوئي لم‌يخترها الله له في هذا المقام و لم‌يتسم بها و لم‌يرض لخلقه ان يدعوه بها بل قال في حقها ان هي الا اسماء سميتموها انتم و آباؤكم ماانزل الله بها من سلطان و من الاسماء الحسني اسم الجلالة تعالي شأنه جعلها مستوليا علي ما دق و جل جامعا لكل الاسماء الحسني و الصفات النعمي و ما عنده احسن من جميع ما عند ساير الخلق كما قال و ما عند الله خير و ابقي فالله تعالي رازق و في خلقه [ص 203] رازقون به و لكنه خير الرازقين و هو حاكم و في خلقه حكام بحوله و قوته كما قال ما لكم كيف تحكمون و هو احكم الحاكمين و هو الخالق و في خلقه خالقون بحوله و قوته كما قال تخلقون افكا و هو احسن الخالقين و هو راحم و في خلقه راحمون قد قسم جزءا من مأة جزء من رحمته علي جميع خلقه و منه رحمة الوالد علي ولده و الوالدة عليه و لكنه تعالي ارحم الراحمين فافهم و تبصر و لايجوز الافصاح بالبيان بازيد مما بان الا اني اروي لك حديثين او ثلثا فانظر و اعتبر ففي البرهان باسناده عن ابي‌هريرة و ابن‌عباس في قوله تعالي اليس الله باحكم الحاكمين و قد دخلت الروايات بعضها في بعض ان النبي صلي الله عليه و آله انتبه من ( نومه ظ ) في بيت ام‌هاني فزعا فسألته عن ذلك فقال يا ام‌هاني ان الله عز و جل عرض علي في المنام نفس القيمة و اهوالها و الجنة و نعيمها و النار و ما فيها و عذابها فاطلعت في النار فاذا انا بمعاوية و عمرو بن العاص قائمين في حر جهنم يرضح رأوسهم الزبانية بحجارة من جمر جهنم يقولون لهما هلا انتما بولاية علي بن ابيطالب عليه السلام قال ابن‌عباس فيخرج علي عليه السلام من حجاب العظمة ضاحكا مستبشرا و ينادي حكم لي و رب الكعبة فذلك قوله تعالي اليس الله باحكم الحاكمين فينبعث الخبيث الي النار و يقوم علي في الموقف يشفع في اصحابه و اهل بيته و شيعته ، اقول تدبر في ذيل الخبر لعلك تتفطن بما اريد و اصرح من ذلك ما ورد في تأويل قوله تعالي قل ادعوا الله او ادعوا الرحمن ايا ما تدعوا [ص 204] فله الاسماء الحسني و قوله و لله الاسماء الحسني فادعوه بها ففي الكتاب المبين في حديث طويل شريف عن سلمان اعلي الله درجته عن علي عليه السلام نحن الاسم المخزون المكنون نحن الاسماء الحسني التي اذا سئل الله عز و جل بها اجاب نحن الاسماء المكتوبة علي العرش و من كنز الدقايق مضمرا عنه عليه السلام قال اذا نزلت بكم شدة فاستعينوا بنا علي الله و هو قول الله و لله الاسماء الحسني فادعوه بها قال نحن والله الاسماء الحسني الذي لايقبل الله عملا الا بمعرفتنا و من الكافي من قوله نحن والله الي آخر مروي عن ابي‌عبدالله عليه السلام و ازيدك اخبارا اخر تقر بها عينا فعن الصادق عليه السلام في زيارة علي اميرالمؤمنين عليه السلام يوم مولد النبي صلي الله عليه و آله السلام علي اسم الله الرضي و وجهه المضيئ و جنبه القوي و صراطه السوي و عن علي عليه السلام انه قال في حديث له طويل ان قوله تعالي و هو الذي في السماء اله و في الارض اله و قوله و هو معكم اينما كنتم و قوله مايكون من نجوي ثلثة الا هو رابعهم فانما اراد بذلك استيلاء امنائه بالقدرة التي ركبها فيهم علي جميع خلقه و ان فعلهم فعله الخبر و عن سدير الصيرفي قال سمعت صامتا بياع الهروي و قد سأل اباجعفر عليه السلام عن المرجئة فقال صل معهم و اشهد جنائزهم و عد مرضاهم و اذا ماتوا فلاتستغفر لهم فانا اذا ذكرنا عندهم اشمأزت قلوبهم و اذا ذكر الذين من دوننا اذا هم يستبشرون يعني بذلك عليه السلام تأويل قوله تعالي و اذا ذكر الله وحده اشمأزت [ص 205] قلوب الذين لايؤمنون بالآخرة و اذا ذكر الذين من دونه اذا هم يستبشرون ، و سئل الباقر عليه السلام عن قوله تعالي و من الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله قال هم اولياء فلان و فلان اتخذوهم ائمة دون الامام الذي جعله الله للناس اماما و عنه عليه السلام في قوله تعالي لقد سمع الله قول الذين قالوا ان الله فقير الآية قال هم الذين يزعمون ان الامام يحتاج منهم الي ما يحملون اليه ، الي غير ذلك من الاخبار و هي كثيرة متفرقة في البرهان و الكنز و مرآة الانوار و تأويل الآيات من كتب تفسير اهل البيت صلوات الله عليهم و غيرها من كتب الاخبار الواردة في فضائلهم كالبحار و العوالم و غيرهما و لو كنا من اهل باطن الباطن لوجدنا الكتاب مصرحا بذلك في آيات عديدة و لكن يا له من حسرة و بما ذكرنا في تفسير هذه السورة المباركة نختم هذه الكراريس و ان وفقني الله تبارك و تعالي لالحقن به تفسير سورة المنافقين ايضا لما بينهما من الارتباط و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطيبين الطاهرين و رهطهم المخلصين و لعنة الله علي اعدائهم اجمعين .

و قد حصل الفراغ من ذلك يوم الاربعاء العاشر من ربيع الثاني من سنة الثلث و العشرين بعد الثلثمائة و الالف حامدا مصليا مستغفرا . تمت .