الباطن قد مر في الخبر عن رسول الله صلي الله عليه و آله ان فضل الله نبيكم و رحمته ولاية علي بن ابيطالب عليه السلام و في البرهان عن ابي‌جعفر و ابي‌عبدالله عليهما السلام قالوا لولا فضل الله عليكم و رحمته قال فضل الله رسوله و رحمته ولاية الائمة و عن ابي‌الحسن عليه السلام في قوله و لولا فضل الله عليكم و رحمته قال الفضل رسول الله صلي الله عليه و آله و رحمته اميرالمؤمنين عليه السلام و عن العبد الصالح عليه السلام قال الرحمة رسول الله صلي الله عليه و آله و الفضل علي بن ابيطالب عليه السلام ، اقول قول العبد الصالح عليه السلام مأخوذ من قوله تعالي و ماارسلناك الا رحمة للعالمين و ساير الاخبار مأخوذة من قوله تعالي كتب علي نفسه الرحمة و اعلم ان الامر في آل‌محمد عليهم السلام بخلاف ساير الخلق فانهم صلوات الله عليهم نور واحد و طينة واحدة و يجري في اولهم ما يجري في آخرهم و بالعكس [ص 95] الا ان الانظار تختلف ثم ان فيما نحن فيه يمكن ان يقال ان كون الفضل رسول الله صلي الله عليه و آله انما هو ظاهر الآية الشريفة لما قد نوه باسمه صلي الله عليه و آله ظاهرا في قوله بعث في الاميين رسولا ثم صرح بان ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و قد شاء ان يعطي الاميين (ص) ذلك و الباطن هنا ما اشرنا اليه ان المراد من الاميين الائمة الاحدعشر و فاطمة صلوات الله عليهم و الرسول اليهم اميرالمؤمنين عليه السلام كما دل علي جواز ذلك ما رويناه من البرهان فالمشار اليه في قوله ذلك فضل الله اميرالمؤمنين عليه السلام كما قال العبد الصالح عليه السلام ان الفضل علي ابن ابيطالب عليه السلام و لا تنافي بين الامرين لان علي بن ابيطالب عليه السلام ايضا نفس رسول الله و فضله ايضا فضل رسول الله ففي البرهان عن ابي‌جعفر عليه السلام محمد بن علي الباقر عليهما السلام عن ابيه عن جده عليه السلام قال خرج رسول الله صلي الله عليه و آله ( ذات ظ ) يوم و هو راكب و خرج علي و هو يمشي فقال له يا اباالحسن اما ان تركب و اما ان تنصرف فان الله عز و جل امرني ان تركب اذا ركبت و تمشي اذا مشيت و تجلس اذا جلست الا ان يكون حد من حدود الله لا بد من القيام و مااكرمني الله بكرامة الا و اكرمك بمثلها و خصني بالنبوة و الرسالة و جعلك وليي في ذلك تقوم في حدوده و في اصعب اموره و الذي بعث محمدا بالحق نبيا ماآمن بي من انكرك و لااقر بي من جحدك و لاآمن بالله من كفر بك و ان فضلك لمن فضلي و ان فضلي لفضل الله و هو قول الله [ص 96] قل بفضل الله و برحمته الآية ، و قد روينا شطرا منه سابقا و قوله و الله ذو الفضل العظيم ففي حديث طويل عن العسكري عن الرضا عليهما السلام قال الله عز و جل و الله يختص برحمته من يشاء و الله ذو الفضل العظيم علي من يوفقه لدينك و يهديه الي موالاتك و موالاة اخيك علي بن ابيطالب عليه السلام الحديث ، و ذلك لانه آتاهم نبيا كمحمد صلي الله عليه و آله و وليا كامير المؤمنين عليه السلام فاي فضل اعظم من هذا و فضل الله تعالي علي خلقه نعمه و احسانه و هم اعظم النعم و اعلاها و اسناها و افضلها و اولها و اصلها و معدنها و مأواها فكيف لايوصف بالعظم و هو واضح .

قال الله تعالي : مثل الذين حملوا التورية ثم لم‌يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله و الله لايهدي القوم الظالمين .

القراءة قال الرازي في حملوا قرئ بالتخفيف و التثقيل .

اللغة في المعيار المثل كلمة تسوية يقال هذا مثله بالكسر و بفتحتين كما يقال شبهه و شبهه و زاد آخر مثيله كما يقال شبيهه ج من الثلاثة امثال كجسم و اجسام و سبب و اسباب و شريف و اشراف و بالكسر بمعني الشبه و النظير الي ان قال و قوله تعالي ليس كمثله شئ اي ليس كصفة تعريفه شئ فانها التي عرف الله بها نفسه ان لا شبه له و لا نظير و عن بعضهم يستعمل المثل علي ثلثة اوجه بمعني التشبيه و بمعني نفس الشئ و ذاته و زائدة و يوصف به المذكر و المؤنث و [ص 97] التثنية و الجمع الي ان ذكر كلمات في المثل بالكسر حكاية الي ان قال و المثل و المثيل كسبب و امير كذلك و قيل المكسور بمعني شبه و المفتوح بمعني الوصف انتهي الي ان قال و المثل الصفة و منه مثل الجنة التي وعد المتقون و الحجة و الدليل و منه و تلك الامثال نضربها للناس و مايعقلها الا العالمون و ما يضرب به ج امثال كسبب و اسباب و الحديث و القصة الي آخر ما ذكر و فسر في مجمع البحرين قوله و جعلناه مثلا لبني‌اسرائيل اي آية و الحمل في المعيار ما يحمل علي الظهر و نحوه ج احمال و حمول كجسم و اجسام و جسوم و قد حمل الرحل علي الدابة كضرب اذا وضعه الي ان قال و حمل به كضرب و المصدر كسحابة كفل فهو حميل به و حامل كامير و فاعل الي ان قال و حملته الشئ تحميلا للمفعولين فحمله من الثلاثي للمطاوع الي ان قال و فلانا الرسالة كلفته حملها و في مجمع البحرين قوله حملوا التوراة ثم لم‌يحملوها اي حملوا الايمان بها فحرفوها و السفر في المعيار الكتاب الكبير و جزء من اجزاء التوراة ج اسفار كجسم و اجسام و في المجمع يحمل اسفارا اي كتبا كبارا من كتب العلم فهو يمشي بها و لايدري بما فيها و كذا كل من علم علما و لم‌يعمل بموجبه و السفر بكسر السين الكتاب الذي يسفر عن الحقايق و الهداية و الارشاد و الدلالة قال في المجمع قوله تعالي اهدنا الصراط المستقيم اي ادللنا عليه و ثبتنا عليه و عن الصادق عليه السلام ارشدنا للزوم الطريق المؤدي الي محبتك و المبلغ الي جنتك من ان نتبع اهواءنا فنعطب او نأخذ بآرائنا [ص 98] فنهلك ، اقول و في حديث اصناف آيات القرآن عن اميرالمؤمنين عليه السلام فسر الهدي بالبيان و الهادي بالمبين كما في قوله انما انت منذر و لكل قوم هاد ، و الظلم في المعيار اصله وضع الشئ في غير موضعه الي ان قال و الظلم علي ثلثة اقسام بين الانسان و بين الله و هو الشرك و الكفر و النفاق نستجير بالله قال تعالي ان الشرك لظلم عظيم و قال و الكافرون هم الظالمون و بينه و بين الناس كأن يأخذ حقهم او نقصه او لم‌يعطهم حقهم و بينه و بين نفسه بان يلقيها في المعاصي و ان لايحليها بالفضائل و لايخليها من الرذائل و عليه قوله تعالي ان الله لايظلم الناس شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون الي ان قال و الظالم من يتعدي حدود الله بدليل قوله تعالي و من يتعد حدود الله فاولئك هم الظالمون .

الظاهر قال الرازي في تفسيره ما حاصله ان وجه التخلص الي ذكر اليهود الشبهة التي اوردوها علي الآية الثانية من انه صلي الله عليه و آله بمفاد تلك الآية بعث الي العرب خاصة فرد عليهم بانهم حملوا التورية ثم لم‌يحملوها فان فيها نعت الرسول صلي الله عليه و آله و البشارة بمقدمه و الدخول في دينه و الله العالم اقول و لعله يكفي في المناسبة انه لما ذكر امر التوحيد و تسبيح الخلق له تعالي و تقديسه و تنزيهه عما وصفوه به من الولد و امثاله و النبوة و ما خصه الله به من تلاوة الآيات و التزكية و تعليم الكتاب و الحكمة ذكر اهل الكتاب و رد عليهم بتركهم العمل بما في التوراة من الامر بالايمان بمحمد صلي الله [ص 99] عليه و آله و الائمة عليهم السلام و موالاتهم و موالاة اوليائهم و معاداة اعدائهم و الايتمام بهم و امثال ذلك و خص اليهود بالذكر لان النصاري شعبة من اليهود و بينهما عموم مطلق بالجملة فقال تعالي مثل الذين اي صفة الذين حملوا التورية اي كلفوا بالعمل بما فيها و قراءة التثقيل علي الظاهر ارجح فانه علي التخفيف يفيد انهم حملوه اول مرة ثم لم‌يحملوها و لم‌يكن كذلك الا في قليل من المؤمنين منهم و عامتهم لم‌يحملوها من اول الامر الاتري الي قوله تعالي في اليهود الذين قالوا ان الله عهد الينا ان لانؤمن لرسول حتي يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات و بالذي قلتم فلم قتلتموهم ان كنتم صادقين فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات و الزبر و الكتاب المنير و الآيات الدالة علي عدم ايمانهم من اول الامر و عصيانهم في كثير من الامور من امر التوحيد فما دونه كثيرة و لا حاجة الي التفصيل و الغرض انهم لم‌يحملوها من اول الامر و انما حملوا بالتشديد اي كلفوا بالعمل بها و كذلك علي معني التكفيل و التضمين فانه امر كلفهم الله به و فرض عليهم كما فرض علي هذه الامة سنة الله في الذين خلوا من قبل و لن‌تجد لسنة الله تبديلا ثم لم‌يحملوها و لم‌يتكفلوها و لم‌يعملوا بما فيها كمثل الحمار يحمل اسفارا اي كتبا علمية و لاينتفع بما فيها و اعلم ان المراد من ذلك انهم بتركهم العمل بما فيها و اعراضهم عنها و نسيانهم للمراد منها صاروا كالحمار الذي لايعرف شيئا لا انهم من اول الامر كانوا كالحمار فان الله [ص 100] تعالي يقول حملوا التوراة اي كلفوا بالعمل بها و لا تكليف الا بالبيان و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها اي ما عرفها فهم جحدوا بها و استيقنتها انفسهم و يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها و من هنا بئس المثل مثلهم و الا فالحمار المعروف و هو الحيوان الضعيف لايعاب عليه بعدم فهمه لما في الكتاب اذ هو من شأنه و لكن الذي رزقه الله العقل و الفهم و عرفه مراده اذا ترك مراد الله و صير نفسه كالحمار فهو الذي يعاب عليه كالعاقل الذي يشرب الخمر و يزيل عقله باختياره و يصير كالحمار قال الرازي قال اهل المعاني هذا المثل مثل من يفهم معاني القرآن و لم‌يعمل به و اعرض عنه اعراض من لايحتاج اليه و لهذا قال ميمون بن مهران يا اهل القرآن اتبعوا القرآن قبل ان يتبعكم ثم تلا هذه الآية ، اقول عجبا من الرازي مع غزارة علمه و دقة نظره كالذي يشق الشعر بشعرتين يفسر الكتاب و هو صريح في امر الولاية و مصرح بها في اخبار رووها في تفسير آيات كثيرة و مع ذلك ينكرها و يفضل ابابكر علي علي اميرالمؤمنين عليه السلام فلا جرم تبعه القرآن و جرت فيه هذه الآية التي كلامنا فيها و غيرها اعاذنا الله من شرور انفسنا و من كيد الشياطين بحق محمد و آله الطيبين صلوات الله عليهم بالجملة فلما لم‌يحملوها و تركوها شبههم بالحمار الذي يحمل الاسفار و لايعرف ما فيها و له مع ذلك ثقل الحمل فانهم ايضا لما عرفوا اول مرة و استيقنتها انفسهم و لم‌يعملوا بها بقي لهم ثقل الحمل اشد مما يبقي علي الحمار فانه امر زايل اذا قطع المسافة يوضع عنه حمله و يخفف و [ص 101] يعلف و يسام و يعيش في مرتعه و هؤلاء المساكين حملوا اوزارهم كاملة يوم القيمة و من اوزار الذين يضلونهم بغير علم الا ساء ما يزرون و لايخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور كذلك نقص عليك من انباء ما قد سبق و قد آتيناك من لدنا ذكرا من اعرض عنه فانه يحمل يوم القيمة وزرا خالدين فيه و ساء لهم يوم القيمة حملا يوم ينفخ في الصور و نحشر المجرمين يومئذ زرقا و هو اشارة الي حبتر و زريق بالجملة و اختير الحمار لما هو ظاهر من وجوه المناسبة بينه و بين اليهود من قلة فهمه و عدم انفعاله و ذلته مع ذلك و صغاره خلافا للخيل و البغال و الجمال فان الخيل لها فراسة و عزة و شوكة الاتري الي قوله و اعدوا لهم ما استطعتم من قوة و من رباط الخيل ترهبون به عدو الله و عدوكم و لايحصل ذلك برباط الحمير و كذلك الجمال لكم فيها جمال حين تريحون و حين تسرحون و تحمل اثقالكم الي بلد لم‌تكونوا بالغيه الا بشق الانفس ان ربكم لرؤف رحيم و الخيل و البغال و الحمير لتركبوها و زينة و يخلق ما لاتعلمون و الحمير و ان عدت من الزينة و لكن لا شك انها بانفرادها لا زينة فيها كاملة و لا فائدة معتد بها علي حذو ما في الخيل و البغال اماسمعت ما رواه ابن‌طيفور المتطبب قال سألني ابوالحسن عليه السلام اي شئ تركب قلت حمارا فقال بكم ابتعته قلت بثلثة‌عشر دينارا قال ان هذا لهو السرف ان تشتري حمارا بثلثة‌عشر دينارا و تدع برذونا قلت يا سيدي ان مؤنة البرذون اكثر من مؤنة الحمار قال فقال ان الذي يمون [ص 102] الحمار يمون البرذون اماعلمت ان من ارتبط دابة متوقعا به امرنا و يغيظ به عدونا و هو منسوب الينا لدر الله رزقه و شرح صدره و بلغه امله و كان عونا علي حوائجه ، اقول نعم ان كان مع الحمير الخيل و البغال كما كان لرسول الله صلي الله عليه و آله و للائمة صلوات الله عليهم كان حسنا و زينة و قد يكون الحمار ارفق للركوب بالجملة لا شك ان الامثل بحال هؤلاء اليهود الحمار ظاهرا و باطنا و لذا شبههم به ثم قال تعالي بئس مثل القوم الآية قال الرازي و الطبرسي انه ذم المثل و المراد منه ذمهم و معناه اي بئس القوم مثلا الذين كذبوا كما قال ساء مثلا القوم و موضع الذين رفع و يجوز ان يكون جرا ، اقول هذا علي الظاهر و علي ما هو الواقع فالمثل بنفسه اولي بالذم كما ستعرف و انما ذمت اليهود بالتشبه به و هو الاصل و من هنا ذم المثل بالجملة و المراد بالآيات قيل الآيات الدالة علي صحة نبوة محمد صلي الله عليه و آله و هو المنقول عن ابن‌عباس و مقاتل و قيل الآيات التوراة لانهم كذبوا بها حين تركوا الايمان بمحمد صلي الله عليه و آله قال الرازي ان هذا اشبه هنا ، اقول و لا فرق كثيرا بين التفسيرين فان المذكور في التوراة ايضا آيات محمد صلي الله عليه و آله الدالة علي صحة نبوته صلي الله عليه و آله ثم قال تعالي و الله لايهدي القوم الظالمين اي المشركين به فان الشرك لظلم عظيم و الظالمين لانبياء الله و اوليائه و المنكرين لهم و الناصبين لهم و المنكرين لفضائلهم و الغاصبين لحقوقهم و كذلك الظالمين لانفسهم بتعدي حدود الله كما قال و من [ص 103] يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه فهؤلاء لايهديهم الله بل يضلهم عن طريق الجنة بفعلهم و ظلمهم علي الله و علي انبيائه و اوليائه و علي انفسهم كما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في قوله عز و جل يضل الله من يشاء و يهدي من يشاء فنسب الضلالة الي نفسه في هذا الموضع و هذا ضلالهم عن طريق الجنة بفعلهم و نسبه الي الكفار في موضع آخر و نسبه الي الاصنام في آية اخري فمعني الضلالة علي وجوه فمنه ما هو محمود و منه ما هو مذموم و منه ما ليس بمحمود و لا مذموم و منه ضلال النسيان فالضلال المحمود و هو المنسوب الي الله تعالي و قد بيناه و المذموم هو قوله تعالي و اضلهم السامري و قوله تعالي و اضل فرعون قومه و ماهدي و مثل ذلك في القرآن كثير و اما الضلال المنسوب الي الاصنام فقوله تعالي في قصة ابرهيم عليه السلام و اجنبني و بني ان نعبد الاصنام رب انهن اضللن كثيرا من الناس الآية و الاصنام لم‌تضلن احدا علي الحقيقة انما ضل الناس بها و كفروا حين عبدوها من دون الله عز و جل الحديث ، و هو طويل شريف نافع جدا في تفسير الكتاب و قوله عليه السلام هذا ضلالهم عن طريق الجنة بفعلهم كلام ظاهره سهل و باطنه ممتنع الادراك الا لمن اخذ ذلك عن آل‌محمد عليهم السلام و رزقه الله بهم الفهم و العلم جعلنا الله منهم بحقهم و بحرمتهم صلوات الله عليهم و بيان ذلك علي نحو الاجمال ان الفعل لايكون الا بين فاعل و قابل فانك اذا طرحت آنية فان انكسرت تقول كسرتها و ان لم‌ينكسر تقول طرحتها و الفاعل هو الله تعالي و [ص 104] القابل هو العبد بحول الله و قوته باختيار العبد الذي خوله الله و مع ذلك هو المالك لما ملكهم و القادر علي ما اقدرهم عليه فاذا اختار العبد الضلال و اعد نفسه له اضله الله ان شاء و اذا اختار الهدي و اعد نفسه له هداه الله ان شاء و المضل و ان كان هو الله و لكنه لايظلم الناس شيئا و لكن الناس انفسهم يظلمون و من هنا قال عليه السلام و نسبه الي الكفار في موضع آخر ، و هو محتمل معنيين احدهما ان المراد منه الضلال المذموم المذكور بعد ذلك و الثاني ان الضلال بنفسه قد ينسب الي نفس الضال الاتري الي قوله قل ان ضللت فانما اضل علي نفسي و الغرض انك اذا نظرت الي الضال من حيث قابليته و اختياره قلت ضل فلان علي نفسه و اذا نظرت الي انه لا فاعل في الوجود الا الله قلت اضله الله علي علم و ذلك لما علم تعالي منه اختيار الضلال فاضله و بالجملة المسألة في غاية الصعوبة و لعلها لاتنحل الا بانضمام ما ذكرته في بيان الفضل و العدل و الله العالم بحقايق كلامه و كثيرا ما يذكر ابي العلامة اعلي الله مقامه و رفع في الدارين اعلامه في ذيل هذه الآية و اشباهها انها دالة علي التسديد و التقرير الذي فيه شفاء و نور لعين كل ضرير و لا علينا ان نشير الي مراده اعلي الله مقامه من كلامه فاعلم ان الله سبحانه هو الاحد الكامل الذي لا نقص فيه و لا عجز و لا جهل و لا زوال و لا فناء و لا مغلوبية و لا مقهورية بل هو القوي العزيز الذي لايغالبه شئ و لايمنعه شئ و لايستر نوره شئ و لايدحض حجته احد ثم انه تعالي خلق خلقه و جعل لهم حيثين حيثا اليه تعالي و هو [ص 105] وجودهم و حيثا الي انفسهم و هو ماهيتهم كما تري في الانوار المنطبعة في المرايا ان لها حيثا الي المنير يحكي عنه و حيثا الي انفسها يحكي عنها و جعل الوجود فيهم آيته و نوره و الدليل عليه يحكي عن صفته تعالي و هو آية تعريفه و تعرفه ففيه نوعا من صفات الله تعالي المشار اليها في كل احد بحسبه و المهية بخلاف ذلك في جميع ما للوجود ففيها عكس ما للوجود ثم ان الوجود و المهية يختلفان في الخلق بحسب قربهم و بعدهم من المبدأ و اقبالهم اليه و اعراضهم عنه و صفاء قابليتهم و كدورتها كما هو ظاهر من المرايا و النور الواقع عليها و كلما كان الوجود اقوي كان حكايته لكمالات الله و انواره و صفاته احسن و اتم و اكمل و كلما كانت المهية اقوي كان الامر بخلاف ذلك فالعبد اذا اقبل الي ربه و وحده علي ما امره به و اطاعه فيما احب و كره و قصده من حيث دعاه اليه غلبت فيه جهة الوجود و النورانية و الخير و الكمال و الجمال و الثبات و الدوام و القوة و الغلبة و غيرها من صفات المبدأ و اذا اعرض عنه بالمرة او اشرك به و هو ايضا اعراض و كفر فان الله سبحانه لا شريك له و من وجدت له شريكا فليس هو الله اذ هو هو وحده لا شريك له فالشرك ايضا كفر ستر نور التوحيد بالمرة بالجملة فاذا اعرض العبد عن ربه و غلبت فيه المهية و شقوتها قويت فيه صفات المهية و ضعفت صفات الوجود فمن هنا يستلزم الباطل الاخترام و ادحاض الحجة و الزهوق و الفضيحة و الجهل و العجز و الصغار و الذل و عدم الفلاح و الخسارة [ص 106] و الضلالة عن الطريق و امثال ذلك في الدنيا و الآخرة فان في كل منهما تظهر تلك الصفات لها علي ما يناسب المقام و تقتضيه المصلحة و الحكمة فالهداية و هي الارشاد و الدلالة و البيان و ظهور السبيل و الاستقامة علي الطريقة و قطع المنازل البعيدة و النجاة من بوادي الهلكة في الدنيا و الآخرة لاتحصل للظالم البتة و الامر في نعيم الآخرة اظهر بالنسبة و لكن في الدنيا ايضا الامر كذلك الاتري الي قوله تعالي في يوسف عليه السلام ذلك ليعلم اني لم‌اخنه بالغيب و ان الله لايهدي كيد الخائنين فلم‌يهد الله الخائن و اظهر كيده و مكره و انطق الصبي و شهد ببراءة يوسف عليه السلام و شهدت النسوة و زليخا نفسها ببرائته و انهن ماعلمن عليه من سوء فهكذا لايهدي كيد الخائنين و كذلك يقول لايهدي من يضل فيظهر امره و يدحض حجته و يبطل دعواه و يقول و لايفلح الساحر حيث اتي الم‌تسمع من سحرة آل فرعون كيف لم‌يفلحوا قبل ان يؤمنوا مع انهم من كبار السحرة و اقويائهم و قد انتجبهم فرعون من بين جماعة كثيرين فجاؤا و سحروا اعين الناس و استرهبوهم و جاؤا بسحر عظيم و القوا حبالهم و عصيهم و كانت يخيل اليه من سحرهم انها تسعي فاوجس في نفسه خيفة موسي فقال الله له لاتخف انك انت الاعلي و الق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ان ما صنعوا كيد ساحر و لايفلح الساحر حيث اتي فالقي السحرة سجدا و قالوا آمنا برب هرون و موسي فهكذا لايفلح الساحر في الدنيا و لايهدي الظالم و لا ناصر له من عند الله و ذلك لانه بقلبه اعرض [ص 107] عن ذكر الله و من اعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا فيصير امرهم مثل هؤلاء اليهود الذين ضربت عليهم الذلة و المسكنة اينما ثقفوا و لايهديهم الله في الدنيا و لا في الآخرة و ان مردهم الي النار و كذلك الامر في جميع الكفار و المشركين و النصاب و اعلم ان الدنيا دار امتحان و افتتان و قد يديم الله عليهم بعض النعم امتحانا لهم و لغيرهم و اتماما للحجة و ليست تلك النعم لهم بخير بل هي استدراج سنستدرجهم من حيث لايعلمون و املي لهم ان كيدي متين و لايحسبن الذين كفروا ان ما نملي لهم خير لانفسهم انما نملي لهم ليزدادوا اثما و لهم عذاب مهين ايحسبون ان ما نمدهم به من مال و بنين نسارع لهم في الخيرات بل لايشعرون و مع ذلك يظهر لهم و لغيرهم بطلان امرهم بادحاض حجتهم و انقطاع دعوتهم و انخماد نورهم و اما اهل الحق فلايزالون في اتمام حجة و قوة نور شيئا فشيئا الي ان يظهرهم الله علي الدين كله و لو كره المشركون و الكافرون بالجملة فالله لايهدي القوم الظالمين كما في هذا المقام و مقامات كثيرة من الكتاب بالفاظ متعددة متكررة و غير متكررة .

التأويل من تأويلات هذه الآية المباركة ان اليهود هنا النفوس الامارة بالسوء التي هادت عن طريق الحق لا اليه و قد حملت التوراة و هي كتاب الله علي لسان العقل الجزئي الذي هو الحجة الباطنة فيه شرايع دينه و احكامه و عبره و امثاله و مواعظه و لم‌تحملها النفوس الامارة و لم‌تعمل بمقتضاها و نبذتها وراء ظهورها حتي نسيتها بالمرة كأنها [ص 108] لم‌تعرفها فمثلها كمثل الحمار و هو الجهل الاول حمل اسفار كتاب الله المهيمن علي الكتب الجامع لجميعها و هو القرآن الجامع لكل رطب و يابس و كل شئ احصيناه في امام مبين الصادر عن العقل الاول الكلي بوحي الله تعالي اليه حيث قال له اياك آمر و اياك انهي و اياك اعاقب و اياك اثيب و ما اشبه الجهل الاول بالحمار فان من صفاته علي ما عدها موسي بن جعفر عليهما السلام لهشام بن الحكم الجهل و السفه و السهو و النسيان و الغباوة و الانكار و القذر و التعب و الكسل و الخفة و الحمق و غير ذلك مما يليق كلها بالحمار و من شأنه ثم ذم المثل خاصة لانه الاصل و لايجتمع خصاله علي ما هو فيه في غيره من النفوس الامارة كما لاتجتمع خصال العقل الا في نبي او وصي نبي او مؤمن امتحن الله قلبه للايمان كما ذكره عليه السلام في هذا الخبر و لا شك ان اجتماعها فيهم ايضا قد يكون علي الاصالة و هو خاص بالمعصومين الاربعة‌عشر صلوات الله عليهم و قد يكون علي نحو الفرعية و الحكاية فيمكن في غيرهم و كذلك الامر في الجهل فانه لايجتمع خصاله علي الحقيقة و الاصالة الا في الاولين و الباقون فروعهم و منهم كليون و منهم جزئيون و علي اي حال نفس الحمار اولي بالذم ممن شبه به فلاجل ذلك ذم المثل اصالة فتذم المتشبهون به بالتبع و سيأتي تمام الكلام في بيان الباطن و لا حول و لا قوة الا بالله و قد ذمه بسبب التكذيب لآيات الله و هي الآيات و العلامات و الخصال الموهوبة للعقل فان الجهل يكذب كلها و يقابل كلها باضدادها و يظلم عليه فيشرك بالله و يغصب حقوق العقل و العقلاء و [ص 109] يظلم نفسه لتعديه عن حدود الله فلا جرم لايهديه الله بل يضله عن طرق الخير و النور كما لايخفي و الله العالم بحقايق معاني كلامه .

الباطن المراد من اليهود في الباطن اعداء آل‌محمد عليهم السلام و ادلته كثيرة منها الاخبار المروية عن العسكري عليه السلام في تفسيره فانه و آباؤه الطاهرون في اكثر اخبارهم اجروا اليهود و النواصب مجري واحدا كما لايخفي علي الناظر فيه و في الكتاب المبين عن سديف المكي قال حدثني محمد بن علي الباقر و مارأيت محمديا قط يعدله قال حدثنا جابر بن عبدالله الانصاري قال خطبنا رسول الله صلي الله عليه و آله فقال ايها الناس من ابغضنا اهل البيت بعثه الله يوم القيمة يهوديا قال قلت يا رسول الله و ان صام و صلي و زعم انه مسلم و في حديث آخر قال جابر فقمت اليه فقلت يا رسول الله و ان شهد ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله فقال و ان شهد ان لا اله الا الله فانما احتجز من سفك دمه او يؤدي الجزية عن يد و هو صاغر ثم قال عليه السلام من ابغضنا اهل البيت بعثه الله يوم القيمة يهوديا فان ادرك الدجال كان معه و ان هو لم‌يدركه بعث في قبره فآمن به ان ربي عز و جل مثل لي امتي في الطين و علمني اسماءهم كما علم الاسماء كلها فمر بي اصحاب الرايات فاستغفرت الله لعلي و شيعته ، اقول و انما يبعثون يهوديا لان بواطنهم يهود و لاجل ذلك ابغضوا آل‌محمد عليهم السلام قال تعالي لتجدن اشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود و الذين اشركوا و اهل ذلك الزمان بالنسبة الي بني‌اسرائيل نوعا [ص 110] كالاصل و الفرع فحقيقة اليهود هؤلاء النواصب و اليهود فرعهم و كانوا لايظهرون العداوة مثل ما اظهروا في هذا الزمان بل كانوا يتوسلون بهم صلوات الله عليهم في مهماتهم و هؤلاء النواصب عادوهم و غصبوا حقوقهم و اهرقوا دماءهم لعن الله اول ظالم ظلم حق محمد و آل‌محمد و آخر تابع له علي ذلك بالجملة و باطن التوراة ايضا كتاب فضايل آل‌محمد عليهم السلام مما ظهر لبني‌اسرائيل و لهذه الامة اما هذه الامة فامرهم ظاهر و اما بنواسرائيل فقد كانت التوراة و صحف موسي ملئي من فضايل آل‌محمد عليهم السلام كما يشهد بذلك اخبار آل‌محمد عليهم السلام و لاسيما تفسير العسكري عليه السلام و قد كلفوا بالعمل بها باشد تكليف حتي ان الله تعالي يقول و اذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة و ظنوا انه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة و اذكروا ما فيه لعلكم تتقون و المراد منه ما فعل باسلافهم لما ابوا قبول ما جاء موسي من دين الله و احكامه و من الامر بتفضيل محمد صلي الله عليه و آله و علي عليه السلام و خلفائهما علي ساير الخلق و ما اخذ عليهم من العهد و الميثاق بمحمد و علي و آلهما الطيبين المنتجبين للخلافة من الخلايق و لاصحابهما و لشيعتهما و ولايتهم و التسليم لهم مما هو مذكور في تفسير العسكري عليه السلام و قد وقع نظير ذلك كله بابين وجه و اظهر ابلاغ في هذه الامة في يوم الغدير و غيره فابوا و خالفوا و ان سلموا ظاهرا كما سلمت اليهود في الظاهر و خالفوا بقلوبهم فمثل هؤلاء بالحمار و هو الاول و الثاني ملحق به يحمل اسفار فضايل آل‌محمد عليهم السلام [ص 111] التي يسفر عنها كما يسفر الصبح الصادق بل الشمس الطالعة في الآفاق و مع ذلك يعرض عنها و يتركها كأنه لايعرفها كالحمار و قد روي في البرهان في تفسير قوله تعالي ان انكر الاصوات لصوت الحمير قال سأل رجل اميرالمؤمنين عليه السلام ما معني هذه الحمير فقال اميرالمؤمنين الله اكرم ان يخلق شيئا ثم ينكره انما هو زريق و صاحبه في تابوت من نار في صورة حمارين اذا شهقا في النار انزعج اهل النار من شدة صراخها و فيه عن شرف‌الدين النجفي عن ابي‌جعفر او ابي‌عبدالله عليهما السلام و قولهم له فما لهم عن التذكرة معرضين قال يعني بالتذكرة ولاية اميرالمؤمنين عليه السلام قوله كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة قال كأنهم حمر وحش فرت من الاسد حين رأته و كك المرجئة (ظ) اذا سمعت بفضل آل‌محمد صلوات الله عليهم نفرت عن الحق و في فصل الخطاب قال ابوعبدالله عليه السلام ليونس لاتغرنك صلوتهم و صومهم و كلامهم و رواياتهم و علومهم فانهم حمر مستنفرة الخبر ، اقول و الخبران يعمان الجميع و الاول فيهما خاصة و هذا العموم هو موجب التشبيه و قد نقول في القرآن ان المشبه فيه عين المشبه به و في هذه الاخبار شهادة به و قد يظهر حقيقة ذلك بالنظر الي كلية الاولين و اولويتهما بالنسبة الي جميع اظلالهما فالظاهر من الكل و العامل من وراء ايديهم و المسمي باسمائهم انما هو هما كما يظهر من معاملة القائم صلوات الله عليه و علي آبائه الطاهرين معهما في ظهوره و في الرجعة فهما الحماران و قد عم الاسم [ص 112] اتباعهما علي نحو الحقيقة بعد الحقيقة و لاجل ذلك ذم الله المثل فقال بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله فان ذمه لعنه الله يشمل جميع تابعيه الاتري انك لو قلت ما انتن الحلتيث مثلا شمل ذلك جميع روائحه المنتشرة في الفضاء و تكذيبهم لآيات الله تكذيبهم للائمة و الانبياء صلوات الله عليهم فانهم آياته كما قال و جعلنا ابن مريم و امه آية ، و في البرهان في قوله عم يتسائلون عن النبأ العظيم عن ابي‌جعفر عليه السلام كان اميرالمؤمنين عليه السلام يقول ما لله آية هي اكبر مني و لا لله من نبأ اعظم مني و لقد فرضت ولايتي علي الامم الماضية فابت ان تقبلها و عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلام في هذه الآية قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام ما لله نبأ اعظم مني و ما لله آية اكبر مني و لقد عرض فضلي علي الامم الماضية علي اختلاف السنتها فلم‌تقر بفضلي ، اقول و الاخبار في انهم صلوات الله عليهم آيات الله اكثر من ان نحصيها في هذه العجالة و ان الله لايهدي القوم الظالمين اي ظالمي آل‌محمد صلوات الله عليهم حقهم حتي ان الشرك بالله الذي هو من اعظم الظلم انما هو التشريك معهم في امر الخلافة و لعن الله من جعل اميرالمؤمنين عليه السلام رابع خلفاء هذه الامة و ان الله سبحانه في ذاته لا شريك له و لايتصور له شريك و لئن سألتهم من خلق السماوات و الارض ليقولن الله و انما الشرك بالله انما يتحقق في هذا المقام و سئل الباقر عليه السلام عن قوله تعالي و من الناس من يتخذ من دون الله اندادا يحبونهم كحب الله قال هم اولياء فلان و فلان [ص 113] اتخذوهم ائمة دون الامام الذي جعله الله للناس اماما و سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول و لاتتخذوا الهين اثنين انما هو اله واحد يعني بذلك و لاتتخذوا امامين انما هو امام واحد و عنه في قوله تعالي ءاله مع الله بل اكثرهم لايعلمون قال اي امام هدي مع امام ضلال في قرن واحد ، اقول فالظلم باي معني انما وقع عليهم فان الشرك تحقق بالنسبة اليهم و ظلم الانفس ظلم بهم فانهم انفس هذه الامة بدليل آية المباهلة و آية قد جاءكم رسول من انفسكم اي من الائمة و ظلم الناس ايضا ظلم بهم قال الله تعالي ثم افيضوا من حيث افاض الناس يعني رسول الله صلي الله عليه و آله كما في الخبر و قالوا عليهم السلام نحن الناس و شيعتنا اشباه الناس و ساير الناس نسناس ، فالظلم بجميع اقسامه انما وقع بهم و هم المظلومون اللهم العن اول ظالم ظلم حق محمد و آل‌محمد و آخر تابع له علي ذلك .

قال الله تعالي : قل يا ايها الذين هادوا ان زعمتم انكم اولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت ان كنتم صادقين و لايتمنونه ابدا بما قدمت ايديهم و الله عليم بالظالمين قل ان الموت الذي تفرون منه فانه ملاقيكم ثم تردون الي عالم الغيب و الشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون .

القراءة قال الرازي قرئ فتمنوا الموت بكسر الواو و في قراءة ابن‌مسعود ملاقيكم من غير فانه .

اللغة في المعيار هاد الرجل هودا كقال تاب و رجع الي الحق فهو هائد ج هود كبازل و بزل و سمي بالجمع و بالمضارع و في التنزيل و قالوا كونوا هودا او نصاري و يقال هم يهود غير منصرف [ص 114] للعلمية و وزن الفعل او لانه جعل قبيلة كما قيل هذه مجوس غير منصرف لانهم ارادوا به القبيلة و يجوز دخول الالف و اللام فيقال اليهود فيمتنع التنوين لانه نقل عن وزن الفعل الي باب الاسماء و النسبة اليه يهودي علي لفظه و عن بعضهم و قيل اليهودي نسبة الي يهود بن يعقوب عليه السلام انتهي و في المجمع قوله انا هدنا اليك اي تبنا و الهود في العرف التوبة يقال هاد يهود هودا اذا تاب و رجع الي الحق الي ان قال و عن الصادق عليه السلام سمي قوم موسي اليهود لقوله تعالي انا هدنا اليك و تهود الرجل اي صار يهوديا و في الحديث فابواه يهودانه و ينصرانه اي يعلمانه دين اليهود و النصاري الي آخر و في مجمع البيان فسر هادوا اي سموا يهودا و الرازي قال اي تهودوا و الزعم علي ما في المعيار فيه ثلث لغات فتح الزاء و ضمها و كسرها قال و يطلق بمعني القول و منه زعم الخليل و سيبويه مثلا اي قال و عليه قوله تعالي او تسقط السماء كما زعمت و قال ما حاصله انه يطلق علي الظن و علي الاعتقاد و منه قوله تعالي زعم الذين كفروا ان لن‌يبعثوا و قال بعضهم و اكثر ما يكون الزعم في ما يشك فيه و ما لايتحقق و عن آخر هو كناية عن الكذب و عن آخر اكثر ما يستعمل في ما كان باطلا او فيه ارتياب و عن آخر الزعم بتثليث الزاء القول الحق و الباطل و الكذب و اكثر ما يقال في ما يشك فيه و فعله كنصر و الزعمي ككرسي الكذاب و الصادق ضد انتهي ، اقول و في مجمع البحرين و البرهان كل زعم في القرآن كذب و الاولياء في المعيار [ص 115] الولي كفلس القرب و الدنو الي ان قال و جلس مما يليه اي يقاربه و قيل الولي حصول الثاني بعد الاول من غير فصل و اوليته الشئ من الافعال قربته منه الي ان قال و الولاء ايضا الملك و الموالون يقال هم ولاء فلان و النصرة و خص في الشرع بولاء العتق و وليت الامر اليه بكسر لامهما ولاية ككتابة تقلدته و قمت به كتوليته علي تفعل و البلد و الصبي و المرأة و البيع و عليه في الجميع يتعدي بنفسه و بعلي ولاية ايضا اذا ملكت امرها فالفاعل الوالي ج ولاة كرام و رماة الي ان قال و الولاية ككتابة السلطان و بالفتح و الكسر النصرة الي ان قال و والا فلانا ضد عاداه معاداة فالفاعل الموالي بالكسر ج بالواو و النون الي ان قال و الولي ضد العدو و هو المحب و الصديق و النصير و في المجمع فسر الاولياء بالاصدقاء و الانصار و الاتباع و التمني في المعيار مناه الله منيا كرمي ابتلاه و اختبره واوية يائية و الشئ قدره الي ان قال و المني ايضا القدر و القصد و الموت كالمنية الي ان قال و تمنيت كذا علي تفعل قيل مأخوذ من المني و هو القدر لان صاحبه يقدر حصوله و قيل اراده الي ان قال و تمنيت الكتاب علي تفعل ايضا قرأته و الاسم الامنية ج الاماني ايضا و منه قوله تعالي و منهم اميون لايعلمون الكتاب الا اماني و يقال اهذا شئ رويته ام شئ تمنيته و فلان كذب و الحديث اخترعه و افتعله و هو مقلوب من المين و هو الكذب و في المجمع و التمني هو قول القائل لما لم‌يكن ليته كان كذا و ليته لم‌يكن كذا لما كان الي ان قال قوله فتمنوا الموت قال المفسرون لانه [ص 116] من ايقن انه من اهل الجنة اشتاق اليها و تمني سرعة الوصول الي النعيم و التخلص من الدار ذات الشوائب كما روي عن المبشرين بالجنة و كان علي عليه السلام يطوف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن عليه السلام ما هذا زي المحاربين فقال يا بني لايبالي ابوك علي الموت سقط ام سقط الموت عليه ، اقول في النهج ما معناه فان اقل يقولوا حرص علي الملك و ان اسكت يقولوا جزع من الموت والله لابن ابي‌طالب آنس بالموت من الطفل بثدي امه و الموت في المعيار الموت كثوب ضد الحيوة الي ان قال و يطلق الموت ايضا علي النوم و الحيوة علي الانتباه و منه دعاء الانتباه الحمد لله الذي احيانا بعد ما اماتنا و يقال مات فلان موتا اذا قام و علي البلي يقال مات الثوب اذا بلي و علي السكون يقال ماتت الريح اذا سكنت و علي ما يقابل الحيوة النباتية نحو كيف يحيي الارض بعد موتها و علي ما يقابل العقل و الايمان نحو اومن كان ميتا فاحييناه و جعلنا له نورا يمشي به و انك لاتسمع الموتي و علي الخوف و الحزن و ما لايلايم الطبيعة نحو و يأتيه الموت من كل مكان و ما هو بميت و يستعار للاحوال الشاقة كالفقر و الذل و السؤال و الهرم و ما اشبه ذلك الي ان قال و الميتة كصيحة ما لم‌تلحقه الذكاة ج بالالف و التاء و المراد بالميتة في عرف الشارع عليه السلام ما مات حتف انفه او قتل علي هيأة غير مشروعة اما في الفاعل او في المفعول فما ذبح للصنم او في الحرام او لم‌يقطع منه الحلقوم ميتة و ماتت الارض ايضا موتا كسبب و مواتا كسحاب خلت من [ص 117] العمارة و السكان فهي موات الي آخر ما ذكر و في المجمع قوله تعالي اومن كان ميتا فاحييناه و جعلنا له نورا الآية قال الباقر عليه السلام ميتا لايعرف شيئا و نورا يمشي به في الناس اماما يأتم به كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها قال الذي لايعرف الامام ، اقول في الكتاب المبين في حديث عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال الله عز و جل يخرج الحي من الميت و يخرج الميت من الحي فالحي المؤمن الذي يخرج طينته من طينة الكافر و الميت الذي يخرج من الحي هو الكافر الذي يخرج من طينة المؤمن فالحي المؤمن و الميت الكافر و ذلك قوله عز و جل اومن كان ميتا فاحييناه فكان موته اختلاط طينته مع طينة الكافر و كان حيوته حين فرق الله عز و جل بينهما بكلمته كذلك يخرج الله عز و جل المؤمن في الميلاد من الظلمة بعد دخوله فيها الي النور و يخرج الكافر من النور الي الظلمة بعد دخوله الي النور و ذلك قوله عز و جل لينذر من كان حيا و يحق القول علي الكافرين انتهي ، اقول قوله تعالي استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم صريح في هذا المعني و الغيب في المعيار غاب الشئ عنه كباع و المصدر كبيت و صيحة و كتاب و كينونة و سرور و رطوبة و معاش و مبيع ضد حضره كتغيب عنه و تغايب علي تفعل و تفاعل و فلان بعد و الشئ في الشئ و المصدر ككتابة و رطوبة و سحاب و كتاب و صيغة تواري فهو غايب في جميع ذلك ج غيب كراكع و ركع و غياب كحاكم و حكام و غيب كخادم و خدم و غيب كصاحب و صحب و غائبون بالواو و [ص 118] النون الي ان قال و الغيب كلما غاب عنك و كأنه مصدر بمعني الفاعل و ما اطمأن من الارض و الشك و الشحم ج غيوب كفلس و فلوس و غياب كسهم و سهام و الغيب ايضا ما لم‌يكن و الشهادة ما قد كان ش الي ان قال و غيابة كل شئ كسحابة قعره و ما سترك منه و منه غيابة الجب و الوادي ج غيابات الي آخر ما ذكر و في المجمع قوله عالم الغيب فلايظهر علي غيبه احدا الا من ارتضي من رسول عن الباقر عليه السلام ان الله تعالي عالم بما غاب عن خلقه في ما يقدر من شئ و يقضيه في علمه قبل ان يخلقه و قبل ان يفيضه الي الملئكة الحديث ، الي ان قال قوله عالم الغيب و الشهادة اي المعدوم و الموجود و قيل ما غاب عن الخلق و ما شاهدوه و السر و العلانية و في هامش المجمع لولد المؤلف عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قول الله تعالي الذين يؤمنون بالغيب من آمن بقيام القائم انه حق .

الظاهر قال الرازي ان هادوا اي تهودوا و كانوا يقولون نحن ابناؤ الله و احباؤه فلو كان قولكم حقا و انتم علي ثقة فتمنوا علي الله ان يميتكم و ينقلكم سريعا الي دار كرامته التي اعدها لاوليائه قال الشاعر :

ليس من مات فاستراح بميت انما الميت ميت الاحياء

فهم يطلبون الموت لا محالة اذا كانت الحالة هذه و قوله تعالي و لايتمنونه ابدا بما قدمت ايديهم اي بسبب ما قدموا من الكفر و تحريف الآيات و ذكر مرة بلفظ التأكيد و لن‌يتمنوه ابدا و مرة بدون لفظ التأكيد و لايتمنونه و قوله ابدا و الله عليم بالظالمين اي بظلمهم من تحريف [ص 119] الآيات و عنادهم لها و مكابرتهم اياها ثم قال تعالي قل ان الموت الذي تفرون منه الآية يعني ان الموت الذي تفرون منه بما قدمت ايديكم من تحريف الآيات و غيره ملاقيكم لا محالة و لاينفعكم الفرار ثم تردون الي عالم الغيب و الشهادة يعني ما اشهدتم الخلق من التوراة و الانجيل و عالم بما غيبتم عن الخلق من نعت محمد صلي الله عليه و آله و ما اسررتم في انفسكم من تكذيبكم رسالته و قوله تعالي فينبئكم بما كنتم تعملون اما عيانا مقرونا بلقائكم يوم القيمة او بالجزاء ان كان خيرا فخير و ان كان شرا فشر الي آخر و قال ان الفاء في فانه ملاقيكم لانه في معني الشرط و الجزاء و في مجمع البيان فانه ملاقيكم اي انكم و ان فررتم من الموت و كرهتموه فانه لا بد ينزل بكم و يلقاكم و يدرككم و لاينفعكم الهرب منه و انما قال فانه ملاقيكم بالفاء و سواء فروا منه او لم‌يفروا منه فانه ملاقيكم مبالغة في الدلالة علي انه لاينفع الفرار منه لانه اذا كان الفرار بمنزلة السبب في ملاقاته فلا معني للتعرض للفرار لانه لايباعد منه و الي هذا المعني اشار اميرالمؤمنين عليه السلام في قوله كل امرئ لاق ما يفر منه و الاجل مساق النفس و الهرب منه موافاته بالجملة و ذكر الطبرسي (ره) نحوا مما ذكره الرازي و اشار الي ما سنذكره علي التفصيل و قال ابي العلامة اعلي الله مقامه دخلت الفاء علي الخبر لان الاسم وصف بالابهام اي الذي و الابهام من حدود الشرط ، اقول يمكن توجيه معني الشرط بان الفرار من الموت حيث منع منه بنفسه موجب لسرعة حلوله كالطير الخائف من الثعلب يسقط نفسه [ص 120] في فيه و الفرار من الموت بنفسه موجب لسرعة الحلول و لعله يدل علي ذلك قوله تعالي قل لن‌ينفعكم الفرار ان فررتم من الموت او القتل و اذا لاتمتعون الا قليلا ثم اعلم ان ظواهر بعض الاخبار من طريق العامة و غيرها تؤيد المعني المذكور للآية فان في تفسير علي بن ابرهيم (ره) قال ان في التوراة مكتوب اولياء الله يتمنون الموت و في مجمع البيان روي عن النبي صلي الله عليه و آله انه قال لو ان اليهود تمنوا الموت لماتوا و لرأوا مقاعدهم من النار ، اقول و الرازي ايضا نقله و ذكر عقيب ذلك و لو خرج الذين يباهلون لرجعوا لايجدون اهلا و لا مالا و من المحتمل كونه من كلامه صلي الله عليه و آله عقيب ذلك و الطبرسي نقل بعد ذلك بفاصلة شبيها بهذه الفقرة و هذا يشعر بان الفقرتين مأخوذتان من خبرين بالجملة قال الطبرسي و روي الكلبي عن ابن‌عباس انه قال كان رسول الله صلي الله عليه و آله يقول لهم ان كنتم صادقين في مقالتكم فقولوا اللهم امتنا فو الذي نفسي بيده لايقولها رجل الا غص بريقه فمات مكانه ، اقول الخبر الاخير صريح فيما فسروا به الآية و اما الاولان فيجري فيهما ما يجري في نفس الآية من الاجمال و لا بد من الرجوع الي اهل البيت عليهم السلام و الخبر الثاني ان كان ما رويناه عن الرازي من تمامه فهو ايضا شاهد علي ان المراد غير هذا المعني ثم اعلم انه وقع لبعض المفسرين هنا اعتراضات علي هذا المعني في ذيل قل ان كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت الآية و لما وجدنا اخبار اهل البيت سلام الله عليهم [ص 121] مؤيدا لقول المعترض نوردها هنا و هي انه ذكر الرازي في تفسيره فان قيل لانسلم انه لو كانت لهم الدار الآخرة خالصة لوجب ان يتمنوا الموت قوله لان نعيم الآخرة مطلوب و لا سبيل اليه الا بالموت و الذي يتوقف عليه المطلوب لا بد و ان يكون مطلوبا قلنا الذي يتوقف عليه المطلوب يجوز ان يكون مطلوبا نظرا الي كونه وسيلة الي ذلك المطلوب الا ان يكون مكروها نظرا الي ذاته و الموت مما لايحصل الا بالآلام العظيمة و ماكانوا يطيقونها فلا جرم ماتمنوا الموت و اجاب عنه الرازي بان الالم الحاصل عند الحجامة لايصرف عن الحجامة للعلم الحاصل بان المنفعة الحاصلة بسبب الحجامة عظيمة وجب ان يكون الامر هيهنا كذلك ، اقول للمعترض ان يقول الالم الحاصل بالحجامة بالنسبة الي ما يحصل عند الموت ضعيف جدا علي انه يري في نفسه الحيوة و العمل مزيدا في نعم الآخرة فما باله يتعجل بالموت و من هنا قال اميرالمؤمنين عليه السلام فيما لايحضرني الآن محله ان جلوسي ساعة في هذا المسجد احب الي من دخولي الجنة ، و ذلك لان جلوسه صلوات الله عليه في المسجد سبب للمزيد في نعم جنته و لاينقصه شيئا و يخطر ببالي انه عليه السلام علله بان هذا رضا الله و ذاك رضاي و قد آثر صلوات الله عليه رضا الله علي رضا نفسه بالجملة السؤال الثاني انه كان لهم ان يقلبوا هذا السؤال علي محمد صلي الله عليه و آله فيقولوا انك تدعي ان الدار الآخرة خالصة لك و لامتك دون من ينازعك في الامر فان كان الامر كذلك فارض بان نقتلك و نقتل امتك فانا [ص 122] نراك و نري امتك في الضر الشديد و البلاء العظيم بسبب الجدال و القتال و بعد الموت فانكم تتخلصون الي نعيم الجنة فوجب ان ترضوا بقتلكم و اجاب الرازي بان الفرق بين محمد عليه السلام و بينهم ان محمدا كان يقول اني بعثت لتبليغ الشرايع الي اهل التواتر و هذا المقصود لم‌يحصل بعد فلاجل هذا لاارضي بالقتل و اما انتم فلستم كذلك فظهر الفرق ، اقول هذا الجواب ايضا ليس بشئ فان اليهود ايضا بناءا علي مذهبهم لهم ان يقولوا انا ايضا مأمورون بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر و ابطال دعوي المبطل فلانرضي بالموت السؤال الثالث لعلهم كانوا يقولون الدار الآخرة خالصة لمن كان علي دينهم لكن بشرط الاحتراز عن الكباير فاما صاحب الكبيرة فانه يبقي مخلدا في النار ابدا لانهم كانوا وعيديه او لانهم جوزوا في صاحب الكبيرة ان يصير معذبا فلاجل هذا ماتمنوا الموت و ليس لاحد ان يدفع هذا السؤال بان مذهبهم انهم لاتمسهم النار الا اياما معدودة لان كل يوم من ايام القيمة كالف سنة مما تعدون فكانت هذه الايام و ان كانت قليلة بحسب العدد لكنها طويلة بحسب المدة فلا جرم ماتمنوا الموت بسبب هذا الخوف و اجاب عنه الرازي بان القوم ادعوا كون الآخرة خالصة لهم و ذلك يؤمنهم من امتزاج ثوابها بالعقاب ، اقول و هذا ايضا ليس بشئ فان المسلمين ايضا يقولون ان الدار الآخرة خالصة لنا من دون الناس و هذا كلام نوعي يعني ان نعم الآخرة مخصوصة [ص 123] بالمسلم و العاصي منهم عليه وزر عمله و يخاف عذاب الله لا محالة و ان اعتقد النجاة بعد احقاب كما في الخبر و من هنا يخاف الموت و لا لوم عليه فكذا الامر فيهم السؤال الرابع انه عليه الصلوة و السلام نهي عن تمني الموت فقال لايتمن احدكم الموت لضر نزل به و لكن ليقل اللهم احيني ان كانت الحيوة خيرا لي و توفني ان كانت الوفاة خيرا لي و ايضا قال الله تعالي في كتابه يستعجل بها الذين لايؤمنون بها و الذين آمنوا مشفقون منها فكيف يجوز ان ينهي عن الاستعجال ثم انه يتحدي القوم بذلك و اجاب الرازي بانه يجوز ان يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الاوقات روي ان عليا رضي الله عنه كان يطوف بين الصفين في غلالة فقال له ابنه الحسن رضي الله عنه ما هذا بزي المحاربين فقال يا بني لايبالي ابوك اعلي الموت سقط ام عليه يسقط الموت و قال عمار رضي الله عنه بصفين الآن الاقي الاحبة محمدا و حزبه و قد ظهر عن الانبياء في كثير من الاوقات تمني الموت علي ان هذا النهي مختص بسبب مخصوص فانه عليه السلام حرم ان يتمني الانسان الموت عند الشدائد لان ذلك كالجزع و الخروج عن الرضا بما قسم الله فاين هذا من التمني الذي يدل علي صحة النبوة ، اقول و النهي عن التمني لاينحصر فيما رواه المعترض ففي الكتاب المبين قال رسول الله صلي الله عليه و آله لاتتمنوا الموت فان هول المطلع شديد و ان من سعادة المرأ ان يطول عمره و يرزقه الله الانابة الي دار الخلود و دخل رسول الله صلي الله عليه و آله علي رجل يعوده و هو شاك فتمني [ص 124] الموت فقال رسول الله لاتتمن الموت فانك ان تك محسنا تزداد احسانا الي احسانك و ان كنت مسيئا فتؤخر لتستعتب فلاتمنوا الموت ، اقول و التعليل المذكور ذيل الخبر يشهد بانه زايدا علي كونه من الجزع امر غير مرغوب و لكن الانصاف انه لايخلو اخبارنا من الاشارة الي جوازه و سيأتي كلامنا فيه السؤال الخامس ان لفظ التمني مشترك بين التمني الذي هو المعني القائم بالقلب و بين اللفظ الدال علي ذلك المعني و هو قول القائل ليتني مت فلليهود ان يقولوا انك طلبت منا التمني و التمني لفظ مشترك فان ذكرناه باللسان فله ان يقول مااردت به هذا اللفظ و انما اردت به المعني الذي في القلب و ان فعلنا ذلك المعني القائم بالقلب فله ان يقول كذبتم مااتيتم بذلك في قلوبكم و لما علم اليهود انه اتي بلفظة مشتركة لايمكن الاعتراض عليها لا جرم لم‌يلتفتوا اليه و اجاب الرازي بان التمني في لغة العرب لايعرف الا ما يظهر بالقول كما ان الخبر لايعرف الا ما يظهر بالقول و الذي في القلب من ذلك لايسمي بهذا الاسم و ايضا فمن المحال ان يقول النبي عليه السلام لم‌تمنوا الموت و يريد بذلك ما لايمكن الوقوف عليه مع ان الغرض بذلك لايتم الا بظهوره ، اقول الحق ان المعترض لم‌يجانب الاعتساف في هذا الوجه و لم‌يكن من دأب النبي صلي الله عليه و آله و ائمتنا سلام الله عليهم الاحتجاج بشئ يبقي معه شبهة و هنا مع ارادة التمني القلبي يمكن لليهود ان يقولوا تمنينا في قلوبنا و تكذيبه صلي الله عليه و آله لهم يقابلونه بتكذيبه فلايجدي شيئا فالغرض هو التمني باللسان و [ص 125] اوهن من ذلك السؤال السادس هب ان الدار الآخرة لو كانت لهم لوجب ان يتمنوا الموت فلم قلتم ماتمنوا الموت و الاستدلال بقوله تعالي و لن‌يتمنوه ابدا ضعيف لان الاستدلال بهذا انما يصح لو ثبت كون القرآن حقا و النزاع ليس الا فيه و اجاب الرازي عنه بوجوه احدها انهم لو فعلوا لنقل الينا و الثاني انه لو لم‌يأمن عاقبة الحال من انهم لن‌يتمنوه لم‌يتحدهم بذلك و الثالث ما رويناه من اخبارهم انهم لو تمنوا لماتوا بالجملة و نحن نقول اولا في جواز التمني و عدمه اما الاخبار المانعة فقد مر ذكرها و هنا اخبار اخر تدل علي جوازه فعن الحسن بن علي عن ابيه عليه السلام قال قيل لمحمد بن علي بن موسي صلوات الله عليه ما بال هؤلاء المسلمين يكرهون الموت قال لانهم جهلوه فكرهوه و لو عرفوه و كانوا من اولياء الله عز و جل لاحبوه و لعلموا ان الآخرة خير لهم من الدنيا ثم قال عليه السلام يا اباعبدالله ما بال الصبي و المجنون يمتنع من الدواء المنقي لبدنه و النافي للالم عنه قال لجهلهم بنفع الدواء قال و الذي بعث محمدا صلي الله عليه و آله بالحق نبيا ان من استعد للموت حق الاستعداد هو انفع له من هذا الدواء لهذا المتعالج اما انهم لو عرفوا ما يؤدي اليه الموت من النعيم لاستدعوه و احبوه اشد ما يستدعي العاقل الحازم الدواء لدفع الآفات و اجتلاب السلامة ، و نحو ذلك اخبار كثيرة اخر و كان اميرالمؤمنين عليه السلام يقول ما ينظر اشقاها يخضبها من فوقها بدم ، و معروف في الالسنة و لايحضرني الآن محله قول اميرالمؤمنين عليه السلام لما قتل [ص 126] عمار (ره) :