ثم ان بعض الاجلة النبلاء و السادة النجباء ادام الله عزهم و اطال بقاءهم امرني ببيان بعض ما اورد بعض الناس علي هذه السلسلة العلية و نسبوا اليهم مما هو مخالف لضرورة الاسلام علي نحو الاختصار فان مشايخنا رضوان الله عليهم و لاسيما ابي و اخي اعلي الله تعالي مقامهما قد كتبوا كتبا و رسائل متعددة في دفع الشبهات و بينوا الحق في كل مسألة مستوفي بما لا مزيد عليه الا ان الناس لاجل تفصيلها قلما يرجعون اليها و ينظرون فيها فامروني ايدهم الله تعالي ان اضيف الي ما كتبت كلمات مختصرة في مسائل مهمّة مما اوردوا لعل بعضا من الموردين ينظر الي ما نكتب هنا فينصف في حقنا و الله ولي التوفيق .
و اولا اشهد الله الذي لا اله الا هو و الملائكة و اولي العلم ان ما القيه اليك عين ما اضمره في قلبي و ادين الله سبحانه به .
و اقول ثانيا ان مذهبنا و ديننا دين الله الذي هو الاسلام و قد ارسل لاظهاره خير الانام محمد بن عبدالله عليه و آله الصلوة و السلام فالحق ما جاء به و صدقه و الباطل ما انكره و كذبه و ذلك من امر التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فالحق ما جاء به فيما اسر او اعلن و فيما بلغنا عنه او لميبلغ الا ان ما بلغنا عنه و علمناه نعتقد به عينا و ما لميبلغنا نعتقد به اجمالا و ما قام عليه ضرورة الاسلام بحيث يكون بديهيا عند المسلمين اعني اهل الحل و العقد منهم و خاصة عند الفرقة المحقة الاثنيعشرية و لميخالف بعضهم بعضا و اتفقوا علي انه من دين النبي صلي الله عليه و آله فهو الحق الذي لا مرية فيه و نحن معتقدون متدينون به و منكرون لما خالفه و لو وجد في كلماتنا بعض المتشابهات لزم المنصف المتدين ان يردّه الي محكم كلامنا الذي نصرح به و لو بني علي الحكم بالمتشابهات لزم الاخذ بمتشابهات الكتاب و السنة و الحكم بمقتضاها ايضا و هو باطل اجماعا بل ضرورة و بالجملة لست بصدد التفصيل و الا لاوضحت لك السبيل .
فمن تلك الايرادات المهمة ما نقول في ولاية اولياء آلمحمد عليهم السلام و شيعتهم و البراءة من اعدائهم انها الركن الرابع من اركان الايمان و هذا مما نص عليه في اخبار آلمحمد عليهم السلام و النصوص الدالة عليه اكثر من ان تحصي في هذه العجالة الا اني اذكر منها قليلا من كثير و يكتفي به الناظر الخبير فمن ذلك ما في تفسير العسكري عليه السلام في قوله عز و جل و ان كنتم في ريب مما نزلنا علي عبدنا الآيات ، الي ان عد بعض المعجزات الي ان قال : و اما دعاؤه الشجرة فان رجلا من ثقيف كان اطب الناس يقال له حارث بن كلدة الثقفي جاء الي رسول الله فقال يا محمد جئت لاداويك من جنونك الي ان طلب من رسول الله صلي الله عليه و آله ان يدعو شجرة فرفع رسول الله يده الي تلك الشجرة و اشار اليها ان تعالي فانقلعت الشجرة باصولها و عروقها و جعلت تخد في الارض اخدوداً عظيما كالنهر حتي دنت من رسول الله فوقفت بين يديه و نادت بصوت فصيح ها انا ذا يا رسول الله ما تأمر لي (كذا) فقال لها رسول الله دعوتك لتشهدي لي بالنبوة بعد شهادتك لله بالتوحيد ثم تشهدي لعلي هذا بالامامة و انه سندي و ظهري و عضدي و فخري و لولاه لماخلق الله شيئا مما خلق فنادت اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له و اشهد انك يا محمد عبده و رسوله ارسلك بالحق بشيرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا و اشهد ان عليا ابن عمك هو اخوك في دينك اوفر خلق الله من الدين حظا و اجزلهم من الاسلام نصيبا و انه سندك و ظهرك و قامع اعدائك و ناصر اوليائك و باب علومك في امتك و اشهد ان اوليائك الذين يوالونه و يعادون اعداءه حشو الجنة و ان اعداءك الذين يوالون اعداءك [ص 3] و يعادون اولياءك حشو النار فنظر رسول الله الي الحارث بن كلدة فقال يا حارث اومجنونا تعد من هذه آياته ، الي ان نقل نظير ذلك عن اميرالمؤمنين (ع) في جواب الطبيب اليوناني و اظهاره المعجزات الباهرات الي ان قال اليوناني اني لئن كفرت بعد ما رأيت فقد بالغت في الغي و العناد و تناهيت في الامر و الهلاك اشهد انك من خاصة الله صادق في جميع اقاويلك عن الله فمرني بما تشاء اطعك قال علي (ع) آمرك ان تقر لله بالوحدانية و تشهد له بالجود و الحكمة و تنزهه عن العبث و الفساد و عن ظلم الاماء و العباد و تشهد ان محمدا (ص) الذي انا وصيه سيد الانام و افضل رتبة اهل دار السلام و تشهد ان عليا الذي اراك ما اراك و اولاك من النعم ما اولاك خير خلق الله بعد نبيه محمد رسول الله و احق خلق الله بمقام محمد بعده و بالقيام بشرايعه و احكامه و تشهد ان اولياءه اولياء الله و ان اعداءه اعداء الله و ان المؤمنين المشاركين لك فيما كلفتك المساعدين لك علي ما به امرتك خيرة امة محمد و صفوة شيعة علي الحديث ، اقول لوالله الذي لا اله الا هو لميقل مشايخنا اعلي الله مقامهم و لانقول الا ما يحتوي عليه هذان الخبران و امثالهما فان شئت فاقبل و ان شئت فانكر و من نظر في تفسير العسكري عليه السلام من اوله الي آخره وجده كله في تشييد مباني هذا الركن العظيم و اتقان اساسه و الحمد لله ، انظر ايضا الي ما ذكره عليه السلام في تفسير قوله عز و جل ام تريدون ان تسألوا رسولكم كما سئل موسي من قبل الآية ، من مجيئ الاعرابي الي النبي صلي الله عليه و آله و اتيانه بالضب الي ان امره (ص) باخراجه الضب فاخرجه الاعرابي من الجراب و وضعه علي الارض فوقف و استقبل رسول الله و مرغ خديه علي التراب ثم رفع رأسه و انطقه الله تعالي فقال اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له [ص 4] و اشهد ان محمدا عبده و رسوله و صفيه و ان ذلك العبد الرسول سيد المرسلين و افضل الخلق اجمعين و خاتم النبيين و قائد الغر المحجلين و اشهد ان اخاك هذا علي بن ابيطالب علي الوصف الذي وصفته بالفضل الذي ذكرته و ان اولياءه في الجنان يكرمون و ان اعداءه في النار يهانون فقال الاعرابي و هو يبكي يا رسول الله و انا اشهد بما شهد به هذا الضب و في تفسير قوله عز و جل الذين ينقضون عهد الله روي العسكري (ع) عن الباقر (ع) الذين ينقضون عهد الله المأخوذ عليهم لله بالربوبية و لمحمد بالنبوة و لعلي بالامامة و لشيعتهما بالمحبة ( بالجنة خل ) و الكرامة الخبر ، اقول فانظر تجد ما ذكرناه بلا غبار و في فصل الخطاب لابي اعلي الله مقامه من الكافي عن يعقوب بن جعفر قال كنت عند ابيابرهيم عليه السلام و اتاه رجل من اهل نجران اليمن من الرهبان و معه راهبة فاستأذن لهما الفضل بن سوار الي ان قال ثم ان الراهب قال اخبرني عن [ص 5] ثمانية احرف نزلت فتبين في الارض منها اربعة و بقي في الهواء منها اربعة علي من نزلت تلك الاربعة التي في الهواء و من يفسرها قال ذاك قائمنا فينزله الله عليه فيفسره و ينزل عليه ما لمينزل علي الصديقين و الرسل المهتدين ثم قال الراهب اخبرني عن الاثنين من تلك الاربعة الاحرف التي في الارض ما هي قال اخبرك بالاربعة كلها اما اوليهن فلا اله الا الله وحده لا شريك له باقيا و الثانية محمد رسول الله صلي الله عليه و آله مخلصا و الثالثة نحن اهل البيت و الرابعة شيعتنا منا و نحن من رسول الله صلي الله عليه و آله و رسول الله من الله بسبب فقال الراهب اشهد ان لا اله الا الله و ان محمدا رسول الله صلي الله عليه و آله و ان ما جاء به من عند الله حق و انكم صفوة الله من خلقه و ان شيعتكم المطهرون المستبدلون و لهم عاقبة الله و الحمد لله رب العالمين و في الكتاب المبين من قرة العيون لبعض اصحابنا المحدثين سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول الحمد لله صارت فرقة مرجئة و صارت فرقة حرورية و صارت فرقة قدرية و سميتم الترابية شيعة علي عليه السلام اما والله ما هو الا الله وحده لا شريك له و رسوله صلي الله عليه و آله و سلم و آل رسول الله و شيعة آل رسول الله صلي الله عليه و عليهم و ما الناس الا هم كان علي افضل الناس بعد رسول الله صلي الله عليه و آله و اولي الناس بالناس حتي قالها ثلثا ، اقول الاخبار الدالة علي هذا المعني اكثر من ان تحصي في هذه العجالة الا انا لسنا بصدد التفصيل و اعلم اني علي جناح السفر و ليس معي كثير من الكتب و الا لاخرجت لك الاخبار من اصولها المأخوذة منها و لا قوة الا بالله و مع ذلك ايضا ان افتريته فعلي اجرامي .
ثم انه لايخفي ان لاولياء آلمحمد عليهم السلام درجات و مقامات و منهم المقربون السابقون و منهم اصحاب اليمين و قد كتبت رسالة اخري في تلك الايام التي [ص 6] تشرفت بلثم العتبة العلية الحسينية صلوات الله علي مشرفها و اثبت هذه المطالب بآيات الكتاب و آثار الائمة الاطياب (ص) اجمالا و اجمل القول هنا انه لا شك ان بين ائمتنا صلوات الله عليهم و ضعفاء مواليهم اكابر من شيعتهم هم الوسائط و السفراء بين الائمة (ص) و عامة شيعتهم و هم المشار اليهم في قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و في قوله تعالي فلولانفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم و لا شك ان ولاية هؤلاء و معرفتهم من بين شيعتهم الزم و اوجب من معرفة عامة شيعتهم الضعفاء و اظن هذه المسألة من البديهيات الاولية التي فطر الله الناس عليها اليس انه يجب ان يكون الانسان مقلدا او مجتهدا و اذا كان مقلدا اليس انه يجب ان يعرف المجتهد فيواليه و يقلده و يأخذ عنه امور دينه و هذا والله بعينه هو غرضنا من الركن الرابع و لانريد غير ذلك و نسميه اصلا لان معرفة الفروع متفرعة علي هذا الاصل ، انظر الي التحقيق الانيق الذي ذكره القمي رحمه الله في القوانين في بحث التجزي في الاجتهاد فانه صرح بان معرفة المجتهد من مسائل اصول الدين التي لا بد فيها من الاستدلال بالعقل و ان كان النقل ايضا دالا عليها و نحن نكتفي هنا بذكر بعض الاخبار ففي الكتاب المبين عن ابي اعلي الله مقامه من حيوة القلوب و البحار عن المفضل عن الصادق عليه السلام انه قال قال الله تعالي افترضت علي عبادي عشر فرائض اذا عرفوها اسكنتهم ملكوتي و ربحتهم جناتي اولها معرفتي و الثانية معرفة رسولي الي خلقي و الاقرار به و التصديق له و الثالثة معرفة اوليائي و انهم الحجج علي خلقي من والاهم فقد والاني و من عاداهم فقد عاداني فهم [ص 7] العلم فيما بيني و بين خلقي و من انكرهم اصليه ناري و ضاعفت عليهم عذابي و الرابعة معرفة الاشخاص الذين اقيموا من ضياء قدسي و هم قوام قسطي و الخامسة معرفة القوام بفضلهم و التصديق لهم و السادسة معرفة عدوي ابليس و ما كان من ذاته و اعوانه و السابعة قبول امري و التصديق برسلي و الثامنة كتمان سري و سر اوليائي و التاسعة تعظيم اهل صفوتي و القبول عنهم و الرد اليهم فيما اختلفوا فيه حتي يخرج الشرح منهم و العاشرة ان يكون هو و اخوه في الدين شرعا سواءا فاذا كانوا كذلك ادخلتهم ملكوتي و آمنتهم من الفزع الاكبر و كانوا عندي في عليين ، اقول و هذا الخبر صريح في وجوب معرفة العلماء الكملين من الشيعة و هم الذين اقيموا من ضياء قدسه و تعداد الفرايض عشرة لاينافي ما نقول من الاربعة فان الفريضة السابعة و الثلثة بعدها متعلقة بالعمل و الرابعة و الخامسة و السادسة انما هي تفصيل ما نقول من ولاية الاولياء و البراءة من الاعداء فلاتغفل ، و الولاية و البراءة انما هما حقيقة شئ واحد و يؤتي بهما في حال واحدة الاتري انك كلما اقبلت الي النور فقد ادبرت عن الظلمة ، بالجملة فلا محيص عن معرفتهم حتي انه ورد عن النبي صلي الله عليه و آله سلمان باب الله في الارض من عرفه كان مؤمنا و من انكره كان كافرا و ورد في الكتاب المبين من العوالم عن جابر عن علي بن الحسين عليهما السلام في حديث الخيط قال له جابر الحمد لله الذي من علي بمعرفتكم و الهمني فضلكم و وفقني لطاعتكم و موالاة مواليكم و معاداة اعدائكم قال صلوات الله عليه يا جابر اوتدري ما المعرفة المعرفة اثبات التوحيد اولا ثم معرفة المعاني ثانيا ثم معرفة الابواب ثالثا ثم معرفة الامام رابعا ثم معرفة الاركان خامسا ثم معرفة النقباء سادسا ثم معرفة النجباء سابعا و هو قوله تعالي لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل ان تنفد كلمات ربي و لو جئنا بمثله مددا الحديث ، [ص 8] فلا شك في وجوب معرفتهم الا انه ثبت لنا بدلالة الاخبار ان المعرفة الشخصية لارباب هذه المقامات اي النقابة و النجابة في زمان الغيبة مما لايتيسر لانهم بانفسهم لايدّعون هذه المقامات و الداني لايعرف العالي الا بدلالة منه و دعوة الي نفسه اذ لميجعل الله سبحانه للناس اداة ينالون بها المعرفة حتي يكون سبحانه هو المعرف لهم كما قال سبحانه لايكلف الله نفسا الا ما آتاها اي ما عرفها و ورد بذلك اخبار ناصة صريحة فالخلق بانفسهم لايعرفون اهل تلك المقامات و اهلها ايضا لميظهروا من انفسهم تلك الشئون فانحصر الامر في معرفة العلماء الموثوق بهم المنصوبين من قبل الحجة عجل الله فرجه بالنصوص العامة اي العلامات و الصفات و هو قول الحجة (ع) اما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الي روات حديثنا فانهم حجتي عليكم و انا حجة الله و قول الصادق (ع) انظروا الي رجل منكم قد روي حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف احكامنا فارضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكما و قول العسكري (ع) في تفسيره رواية عن ابيه لولا من يبقي بعد غيبة قائمكم عليه السلام من العلماء الداعين اليه و الدالين عليه و الذابين عن دينه بحجج الله و المنقذين لضعفاء عباد الله من شباك ابليس و مردته و من فخاخ النواصب لمابقي احد الا ارتد عن دين الله و لكنهم الذين يمسكون ازمة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكانها اولئك هم الافضلون عند الله ، اقول فالمرجع و الملاذ يومنا هذا العلماء و لا بد من وجودهم و هو ما روي في الكتاب المبين من محاسن البرقي عن ابيجعفر عليه السلام قال لنتخلو الارض من رجل يعرف الحق فاذا زاد الناس فيه قال قد زادوا و اذا نقصوا منه قال قد نقصوا و اذا جاؤا به صدقهم و لو لميكن ذلك كذلك لميعرف الحق من الباطل و عن ابيعبدالله عليه السلام سمع يقول ان الارض لاتترك الا بعالم يحتاج الناس اليه و لايحتاج الي الناس [ص 9] يعلم الحلال و الحرام و سمع يقول لمتبق الارض الا و فيها عالم يعرف الحق من الباطل ، اقول فلا بد من وجود عالم عارف باحكام آلمحمد عليهم السلام و حلالهم و حرامهم متبع لهم مقتديا و متأسيا بهم و لا بد للناس من التأسي و الاقتداء و الايتمام بهؤلاء العلماء بداهة و اذا ائتموا بهم صاروا هؤلاء العلماء بحسب اللغة و العرف ائمة للناس كما تسمي امام الجماعة اماما من غير نكير بل كل من تقدم جماعة من اهل الحق او الباطل و ائتم به جماعة يسمي اماما و قد قال سبحانه ائمة يهدون بامرنا و قال ائمة يهدون الي النار و قال يوم ندعو كل اناس بامامهم و هو يعم المؤمنين و الكفار و قد ورد هذا اللفظ بعينه في اخبار كثيرة في حق علماء الشيعة ، و مشايخنا رضوان الله عليهم تأسوا بهم في استعمال هذا اللفظ في بعض المقامات فلما نظر الي كلامهم بعض المتعسفين رموا مشايخنا بانهم اعتقدوا بالامامة الكلية في حق الشيعة و العياذ بالله و ان الائمة المعصومين يزيدون علي الاثنيعشر نعوذ بالله و لا لوم علي من اشتبه عليه فان بعض الصوفية خرجوا من ضرورة الشيعة و جوزوا لمراشدهم ان يبلغوا مقام الامامة و الولاية الكلية نعوذ بالله بل قالوا ان لكل عصر وليا قائما و ارادوا منه هذا المعني و لكن مشايخنا يتبرؤن الي الله سبحانه من هذا الاعتقاد الفاسد و المذهب الكاسد و لعن الله من الحق بالائمة الاثنيعشر (ص) المعلومين المعينين وصي ابن وصي غيرهم فانهم (ص) في مقام لايفوقهم فائق و لايلحقهم لاحق بل و لايطمع في ادراكهم طامع و اما الامامة بالمعني العام الذي يستعمل في كل مقام من حق او باطل او من الامور المتعارفة كالعلوم و الصناعات و غيرها اي المؤتم به في اي شئ كان فاي مانع منه هذه اخبار آلمحمد عليهم السلام فانظر و انصف هل يجوز استعمال هذه اللفظة فيما نحن فيه ام لا المتسمع ما رواه في الكافي في حديث الهمام المشهور في صفة المؤمن بُعده ممن تباعد منه بغض و نزاهة و دنوه ممن دنا منه لين و رحمة ليس [ص 10] تباعده تكبرا و لا عظمة و لا دنوه خديعة و لا خلابة بل يقتدي بمن كان قبله من اهل الخير فهو امام لمن بعده من اهل البر و من العوالم في خبر الصادق (ع) الا و ان لكل شئ اماما و ان امام الارض ارض تسكنها الشيعة و عن علي عليه السلام في فضل العلم يرفع الله به اقواما يجعلهم في الخير ائمة يقتدي بهم ترمق اعمالهم و تقتبس آثارهم و من تفسير الامام (ع) قال يرفع الله بهذا القرآن و العلم بتأويله و بموالاتنا اهل البيت و التبري من اعدائنا اقواما فيجعلهم في الخير قادة و ائمة في الخير تقتص آثارهم و ترمق اعمالهم و يقتدي بفعالهم و من تحف العقول في حديث طويل عن علي بن الحسين عليهما السلام الي ان قال فحقوق ائمتك ثلثة اوجبها عليك حق سائسك بالسلطان ثم سائسك بالعلم ثم حق سائسك بالملك و كل سائس امام الحديث ، اقول انظر كيف عمم اللفظ في كل سائس و انظر في الاخبار السابقة و اخبار كثيرة اخر لسنا بصدد التفصيل و انا بمقتضي هذه الاخبار جوزنا اطلاق اسم الامام علي العالم الشيعي الذي تأتم به لكن لمنرد بذلك انهم يتلون ساداتهم في الفضل و العياذ بالله و ليس لاحد ان يرمينا و يفتري علينا بذلك فان بناءا عليه الله المحمود فكل من سميته محمودا النبي صلي الله عليه و آله او غيره فقد اعتقدت بربوبيته و الله العلي فكل من سميته عليا فقد اعتقدت بربوبيته لا والله ليس ذلك من الشرك في شئ فانها الفاظ مشتركة و لها معان متعددة و في كل مقام يراد منها شئ غير ما يراد في مقام آخر و كذلك الامر فيما نحن فيه و لا كل احد سمي اماما فهو من الائمة الاثنيعشر (ص) نعوذ بالله الست تسمي امام الجمعة اماما مع ان الجماعة في الجمعة و العيدين من حقوق آلمحمد عليهم السلام و هذا مقامهم حتي انه ورد ان في العيدين يتجدد حزن آلمحمد (ع) لما يرون حقهم مغصوبا في ايدي اعدائهم و مع ذلك الناس يسمون [ص 11] امام الجمعة اماما فهل تراهم عدوا الائمة المعصومين ثلثةعشر لا والله لميريدوا ذلك و لايريدون فانصفوا في حقنا قليلا و لاتنسبونا الي ما نتبرأ منه و لعن الله من اعتقد ان الائمة المعصومين (ص) يتعدون الي ثلثةعشر و اكثر و اسألكم لم اقتصرتم علي ثلثةعشر مع انه لا بد لكل زمان و قرن من عالم بين الناس يأتمون به و هو امام لمن ائتم به بداهة فان كان هذا اعتقادا بامامته الكلية و العصمة الحقيقية فلم لاتقولون انا نعتقد باربعين او خمسين اماما و العياذ بالله من بوار العقل و قبح الزلل و به نستعين فاعلموا و تيقنوا انا لمنزد علي الائمة الاثنيعشر صلوات الله عليهم احدا بل لايلحقهم احد بل لايعرفهم بحقيقة المعرفة احد الا هم و لعن الله من قال بغير ذلك و بما خالف ضرورة الشيعة الا ان الانصاف قليل و المرد و المستعان بالله الجليل .
و مما قالوا في حق مشايخنا رضوان الله عليهم بعد ما سمعوا منهم ان الاعراض الدنيوية لاتأتي مع الانسان في الآخرة و انما يحشر بطينته الاصلية التي خلق منها اول مرة مصفاة عن الاعراض التي توجب الفناء و الدثور انهم انكروا المعاد الجسماني و كلما نادوا علي انفسهم و تبرؤا من هذا الاعتقاد الفاسد لميقبلوا و لمينصفوا في حقهم بل لمينظروا الي كتب العلماء المحققين و الحكماء المتبحرين ليروا اقوالهم و يطلعوا علي بياناتهم هذا المجلسي اعلي الله مقامه في البحار و حق اليقين يصرح بعين هذا المعني افتكفره و تعده خارجا من ضرورة الاسلام و كذلك تلميذه المقدم عبدالله بن نورالله صاحب العوالم و جماعة اخري من علمائنا المحققين صرحوا بهذا المعني افتكفر هؤلاء لا والله ليس لاحد ان يكفرهم لانهم لميخالفوا الضرورة و لميخالفوا اخبار آلمحمد عليهم السلام و لكن الناس قنعوا في دينهم بمعتقدات العجايز اللاتي لايميزن هرا [ص 12] من بر و يردون علي العلماء الربانيين تبعا لقول العجايز بالحديث المجعول الذي لمنجده في اصل من الاصول و ها انا اذكر لك بعض الاخبار المروية عن آلمحمد عليهم السلام فان شئت فاسلم تسلم و الا فقل في حق العلماء ما شئت فانهم بعد ما اتبعوا آلمحمد عليهم السلام فيما قالوا لايبالون باعتراضات الناس ، فمن ذلك ما روي في الكتاب المبين من العوالم عن هشام بن الحكم انه قال الزنديق للصادق عليه السلام اني للروح بالبعث و البدن قد بلي و الاعضاء قد تفرقت ، الي ان قال (ع) : ان الروح مقيمة في مكانها روح المحسن في ضياء و فسحة و روح المسيء في ضيق و ظلمة و البدن يصير ترابا منه خلق و ما تقذف به السباع و الهوام من اجوافها مما اكلته و مزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لايعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الارض و يعلم عدد الاشياء و وزنها و ان تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب فاذا كان حين البعث مطرت الارض مطر النشور فتربو الارض ثم تمخض مخض السقا فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب اذا غسل بالماء و الزبد من اللبن اذا مخض فيجتمع تراب كل قالب فينتقل باذن الله تعالي الي حيث الروح فتعود الصور باذن المصور كهيئاتها و تلج الروح فيها فاذا قد استوي لاينكر من نفسه شيئا الخبر ، اقول المراد من تراب الروحانيين هو طينتهم الاصلية و صارت بمنزلة الذهب بصفائها و اعتدالها الذي يوجب له البقاء و اما الطينة العرضية فهي مستلزمة للفناء كما في الدنيا ، و لاتزعم ان مشايخنا رضوان الله عليهم فسروه بهذا المعني برأيهم و اثبتوا هنا عرضا و جوهرا من تلقاء انفسهم انظر الي ما روي في الكتاب المبين من الوافي و في فصل الخطاب من العلل عن ابرهيم الليثي عن الباقر عليه السلام في حديث طويل بين فيه اختلاط طينتي المؤمن و الناصب الي ان قال فاذا عرض اعمال المؤمن و اعمال الناصب علي الله يقول الله عز و جل انا عدل لااجور و منصف لااظلم و عزتي [ص 13] و جلالي و ارتفاع مكاني مااظلم مؤمنا بذنب مرتكب من سنخ الناصب و طينه و مزاجه هذه الاعمال الصالحة كلها من طين المؤمن و مزاجه و الاعمال الردية التي كانت من المؤمن من طين العدو الناصب و يلزم الله تعالي كل واحد منهم ما هو من اصله و جوهره و طينته و هو اعلم بعباده من الخلايق كلهم افتري هيهنا يا ابرهيم ظلما او جورا او عدوانا ثم قرأ معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده انا اذا لظالمون يا ابرهيم ان الشمس اذا طلعت فبدا شعاعها في البلدان كلها اهو باين من القرصة ام هو متصل بها شعاعها يبلغ في الدنيا المغرب و المشرق حتي اذا غابت يعود الشعاع و يرجع اليها اليس ذلك كذلك قلت بلي يا بن رسول الله قال فكذلك كل شئ يرجع الي اصله و جوهره و عنصره فاذا كان يوم القيمة ينزع الله تعالي من العدو الناصب سنخ المؤمن و مزاجه و طينته و جوهره و عنصره مع جميع اعماله الصالحة و يرده الي المؤمن و ينزع الله تعالي من المؤمن سنخ الناصب و مزاجه و طينته و جوهره و عنصره مع جميع اعماله السيئة الردية و يرده الي الناصب عدلا منه جل جلاله و تقدست اسماؤه الحديث ، و هو بتمامه في بيان هذا المعني و عن عبدالله بن كيسان عن ابيعبدالله (ع) في جواب سؤاله عن علة صدور المعاصي عن المؤمن و الطاعات من الكافر قال (ع) اماعلمت يا بن كيسان ان اخذ طينة من الجنة و طينة من النار فخلطهما جميعا ثم نزع هذه من هذه و هذه من هذه فما رأيت في اولئك من الامانة و حسن الخلق و حسن السمت فمما مسهم من طينة الجنة و هم يعودون الي ما خلقوا منه و ما رأيت من هؤلاء من قلة الامانة و سوء الخلق و الزعارة فمما مسهم من طينة النار و هم يعودون الي ما خلقوا منه ، اقول و اخبار طينة المؤمن و الكافر كلها شاهدة بهذا المعني الا انا لسنا بصدد التفصيل فانشدك الله ايها المعترض ان كان يجوز ان [ص 14] يؤخذ من طين المؤمن ما فيه من طينة الناصب و جوهره و يؤخذ من طين الناصب ما فيه من طينة المؤمن و يرجع كل شئ الي شيئه و اصله و جوهره و مبدئه فاي بأس علي من اعتقد ذلك و عن ابيعبدالله (ع) في بيان طينة قلوب المؤمنين انها من عليين و قلوب اعدائهم انها من سجين الي ان قال و الله راد كل طينة الي معدنها فرادهم الي عليين و رادهم الي سجين و من البحار عن الصدوق قال عيسي بن مريم للحواريين بحق اقول لكم انه لايصعد الي السماء الا ما نزل منها ، اقول فطينة عليين نزلت من السماء و تصعد اليها و طينة سجين من الارض و تنزل اليها و من ارشاد الديلمي في حديث الجاثليق عن اميرالمؤمنين عليه السلام و الدنيا رسم الآخرة و الآخرة رسم الدنيا و ليس الدنيا الآخرة و لا الآخرة الدنيا اذا فارق الروح الجسم يرجع كل واحد الي ما منه بدئ و ما منه خلق ، اقول والله ماادري امايرجعون الي اخبار آلمحمد عليهم السلام ام يرجعون و لايعرفون ام يعرفون و ينكرون فانا لله و انا اليه راجعون و قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث فهكذا الانسان خلق من شأن الدنيا و شأن الآخرة فاذا جمع الله بينهما صارت حيوته في الارض لانه نزل من شأن السماء الي الدنيا فاذا فرق الله بينهما صارت تلك الفرقة الموت ترد شأن الاخري الي السماء فالحيوة في الارض و الموت في السماء و ذلك انه يفرق بين الارواح و الجسد فردت الروح و النور الي القدرة الاولي و ترك الجسد لانه من شأن الدنيا الحديث ، و من معالم الزلفي عن المفضل بن عمر عن ابيعبدالله عليه السلام مثل روح المؤمن و بدنه كجوهرة في صندوق اذا اخرجت الجوهرة منه طرح الصندوق و لميعبأ به ، قال ان الارواح لاتمازج البدن و لاتواكله و انما هي اكليل البدن محيطة به ، اقول انظر الي موافقة هذين الخبرين معني و اعلم مع ذلك انا لاننكر المعاد الجسماني فان المراد من [ص 15] الروح المشار اليه في هذين الخبرين و غيرهما هو الطينة الاصلية و هي جسم لطيف البس قالبا كثيفا كما قال الصادق (ع) في جواب الزنديق بعد ما قاس الروح بنور السراج حيث يذهب و لايعود قال (ع) و الروح جسم رقيق قد البس قالبا كثيفا و ليس بمنزلة السراج الذي ذكرت الحديث ، و تلك الطينة الاصلية هي التربة التي يموثها الملك بين النطفتين و هي ما سمع ابوعبدالله عليه السلام يقول ان النطفة اذا وقعت في الرحم بعث الله عز و جل ملكا فاخذ من التربة التي يدفن فيها فماثها في النطفة فلايزال قلبه يحن اليها حتي يدفن فيها و قال ابوبصير للصادق (ع) يا بن رسول الله كيف يكون انتقال الميت و وضع آخر مكانه فقال (ع) يا ابامحمد ان الله عز و جل خلق سبعينالف ملك يقال لهم النقالة ينتشرون في مشارق الارض و مغاربها يأخذون اموات العباد يدفنون كلا منهم مكانا يستحقه و انهم يسلبون جسد الميت من نعشه و يضعون آخر مكانه من حيث لايدرون و لاتشعرون و ما ذلك بعيد (كذا) و ما الله بظلام للعبيد ، اقول انشدك الله هل رؤي و لو مرة واحدة ان يسلب جسد ميت اي الجسد العرضي من نعشه و يوضع آخر مكانه فما معني هذه الاخبار هل تكذب بالروايات كلها او تفرض لها معني سوي ما استنبطه العلماء المحققون من فحاوي اخبار اهل البيت (ع) ام لا ام تطرح تلك الاخبار بالمرة مع ان الجمع مهما امكن اولي من الطرح ، بالجملة و روي من كشكول الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه مضمرا سئل عن الموت ما هو من اي شئ هو فقال هو من الطبايع الاربع التي هي مركبة في الانسان و هي المرتان و الريح و البلغم فاذا كان يوم القيمة نزعن هذه الطبايع من الانسان فيخلق منها الموت فيؤتي في صورة كبش املح اي اغبر فيذبح بين الجنة و النار فلاتكون في الانسان هذه الطبايع الاربع فلايموت [ص 16] ابدا ، اقول ظني اني رأيت الخبر او ما بمعناه في تفسير علي بن ابرهيم فانظر كيف صرح بان تلك الطبايع لاتكون في الانسان في القيمة ، و يدل علي ذلك ايضا ما روي في الكتاب المبين من معالم الزلفي سئل ابوعبدالله عليه السلام عن الميت يبلي جسده قال نعم حتي لايبقي لحم و لا عظم الا طينته التي خلق منها فانها لاتبلي تبقي في القبر مستديرة حتي يخلق منها كما خلق اول مرة و في فصل الخطاب من البحار عن العالم عليه السلام في حديث في صفة خلق الانسان الي ان قال و خلقه بنفس و جسد و روح فروحه التي لاتفارقه الا بفراق الدنيا و نفسه التي تريه الاحلام و المنامات و جسمه هو الذي يبلي ، و في بعض التفاسير من الاختصاص ذكر و جسمه هو الذي يبلي و يرجع الي التراب و في الكتاب المبين من العوالم عن النبي صلي الله عليه و آله في حديث كل ابن آدم يبلي الا العجب و في رواية عجب الذنب ، اقول و هذه الاخبار كما تري مجملات و لاتصرح بحقيقة المراد و لكن هنا حديث شريف رواه ابي اعلي الله مقامه في فصل الخطاب عن الملا محسن في الكلمات المكنونة ارويه هنا لعله يمر بهذه الاوراق احد من العلماء الحكماء فيعرف منه شيئا من حقيقة المسألة و لا قوة الا بالله قال روي ان اعرابيا سأل اميرالمؤمنين عليه السلام عن النفس فقال عن اي نفس تسأل فقال يا مولاي هل النفس انفس عديدة فقال عليه السلام نعم نفس نامية نباتية و نفس حسية حيوانية و نفس ناطقة قدسية و نفس الهية ملكوتية قال يا مولاي ما النباتية قال قوة اصلها الطبايع الاربع بدؤ ايجادها عند مسقط النطفة مقرها الكبد مادتها من لطايف الاغذية فعلها النمو و الزيادة و سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة فقال يا مولاي و ما النفس الحيوانية قال قوة فلكية و حرارة غريزية اصلها [ص 17] الافلاك بدؤ ايجادها عند الولادة الجسمانية فعلها الحيوة و الحركة و الظلم و الغشم و الغلبة و اكتساب الاموال و الشهوات الدنيوية مقرها القلب سبب فراقها اختلاف المتولدات فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود ممازجة لا عود مجاورة فتنعدم صورتها و يبطل فعلها و وجودها و يضمحل تركيبها فقال يا مولاي و ما النفس الناطقة القدسية قال قوة لاهوتية بدؤ ايجادها عند الولادة الدنيوية مقرها العلوم الحقيقية الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية سبب فراقها تحلل الآلات الجسمانية فاذا فارقت عادت الي ما منه بدئت عود مجاورة لا عود ممازجة فقال يا مولاي و ما النفس اللاهوتية الملكوتية فقال قوة لاهوتية جوهرة بسيطة حية بالذات اصلها العقل منه بدئت و عنه وعت و اليه دلت فاشارت عودتها اليه اذا كملت و شابهت و منها بدئت الموجودات و اليها تعود بالكمال الحديث ، اقول لوالله لو ضربت آباط الابل دهرا في طلب هذا الخبر و معرفة معانيه كان حريا حقيقا فانظر من اوله الي آخره بنظر الاعتبار و الدقة و اسأل الله بحرمة قائله صلوات الله عليه ان يرشح عليك ما طفح منه صلي الله عليه و سلم و اعلم مع ذلك انا لاننكر ان الكتاب و السنة يصرحان بان الارواح انما ترجع الي ابدانها التي هي في الدنيا بلا شك و لعن الله من انكر ذلك و لكن نقول بمقتضي تلك الاخبار التي رويناها ان للابدان اعراضا و اصولا اما الاعراض فهي ما تجيء و تذهب و ليست منك و لا اليك و اما الاصول فهي ما معك من بدأ تولدك الجسماني اي من حين استقرار نطفتك في الرحم و هي التربة التي يموثها الملك بين النطفتين و هي عجب الذنب المشار اليه في الاخبار الذي يركب عليه ابن آدم و هي ما تجده من كل احد من بدء تولده الدنيوي اي خروجه من الرحم الي ظاهر الدنيا فتعرفه به من بدأ عمره الي آخره [ص 18] و هذا هو ما اشار اليه الصادق عليه السلام في حديثه لمفضل بن عمر في صفة نشو الابدان قال (ع) فاذا خرج الي العالم تراه كيف ينمي بجميع اعضائه و هو ثابت علي شكله و هيئته لايتزايد و لاينقص الي ان يبلغ اشده ان مد في عمره او يستوفي مدته قبل ذلك هل هذا الا من لطيف التدبير و الحكمة ، اقول انشدك الله تأمّل في الخبر و لاتبادر الي الانكار فلعلك تعرف ان الحق فيما نقول و هو كذلك و الحمد لله الاتري ان الطفل يتولد و وزنه مثلا نصف منّ ثم ينمي و يتزايد الي ان يصير في شبابه عشرين منّا فان كان هذا الانسان هو هذا الذي تعنيه و تظن انه هو كيف قال عليه السلام انه ثابت علي شكله و هيئته لايتزايد و لاينقص و لكن مراده عليه السلام منه هو الاجزاء الاصلية المحفوظة فيها من بدأ تولده الي آخر عمره التي لاتزيد و لاتنقص و زيد هو زيد بتلك الاجزاء الاصلية و انت ايضا تعرفه بها فقط و لاتنظر الي صغر الجثة او كبرها و تغير حالاتها ابدا فهذا الانسان يسرق او يزني او يعمل عملا يرد عليه حد من حدود الله تعالي الذي لايظلم الناس شيئا و هو ح مهزول ناقه فيمر عليه ايام يصح و يسمن ثم يجري عليه الحد الشرعي و بالبداهة هذه اللحوم و الجلود و كلما زيد عليه لمتكن معه حال السرقة او الزني افتري الله سبحانه ظلمه و حمل وزر غيره عليه حاشا و تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا و زيد العاصي هو هو بعينه الذي عصي اول مرة و كأنه كان ذلك اليوم ملبسا بثوب ثم خلعه و لبس ثوبا آخر فهذا الذي قال الصادق عليه السلام انه ثابت علي شكله و هيئته لايتزايد و لاينقص ، هو زيد بطينته الاصلية و هي في تلك الاعراض بمنزلة الذهب في التراب فيغسل التراب بالماء و يؤخذ منه ذلك الذهب و هي الجسم الرقيق الذي البس قالبا كثيفا انظر الي ما ورد في الاخبار من صور اهل الجنة و وضعهم هل يشبه اهل الدنيا و هل تليق الدنيا بهم ، و لاتزعم ان تلك الرقة و اللطافة في [ص 19] اجسامهم يخرجها عن الجسمانية اليس ان السماء مع غاية لطافتها جسم اليس ان الحجر يذاب و يصفي فيصير زجاجة و هو جسم ثم يذاب و يصفي فيصير بلورا و هو جسم فلطافة اجسام اهل الجنة لاتخرجهم عن الجسمانية و هي هي بعينها موجودة الآن في ابدان اهل الدنيا رأسها في رأسها و عينها في عينها و انفها في انفها و اذنها في اذنها و رقبتها في رقبتها و صدرها و بطنها و يداها و رجلاها و احشاؤها و جميع اعضائها كل في موضعه من هذا البدن بحيث لو مسست كل عضو من هذا البدن العرضي فقد مسست حقيقة ذلك العضو الاصلي منه في العضو العرضي كما تقبّل الجوربين او الخفين و تقول قبلت رجليه و انت صادق و ان قلت اني قبلت الجورب او الخف قالوا انك مستهزأ او مستهزل او كاذب مع ان ظاهر كلامك حق صدق و لكن الرجلين اولي و اظهر في الجوربين و الخفين و انما وقع تقبيلك علي الرجلين فقط فان احسنت احسنت و ان اسأت اسأت فتأمل و تدبر و لاتبادر الي انكار الحكماء العلماء الاتقياء التابعين للائمة و الانبياء صلوات الله عليهم فانهم والله العظيم لميقولوا الا ما نصوا عليه ساداتهم صلوات الله عليهم و ان انكرت و العياذ بالله رجع انكارك و ردك اليهم عليهم السلام ، و بالجملة طال ما بينوا مشايخنا رضوان الله عليهم هذه المسائل و لست بصدد التحقيقات العلمية و انما اردنا ان نذكر لك من اخبار آلمحمد عليهم السلام ما عسي ان تعرف به حقية ما يقولون و الله الموفق للصواب .