و اما ما ذكرتم من بيان الباطن و التأويل في الفاظ الآية فالحق منهما ما دل عليه الاخبار بداهة و نكتفي منها بخبر رويناه في الجواب عن السؤال السابق و نعيده هنا و هو ما روي في البرهان عن ابي‌عبدالله (ع) في قوله تعالي و الارض و ما طحيها قال الارض الشيعة و نفس و ما سواها قال هو المؤمن المستوي هو علي الخلق و قوله فالهمها فجورها و تقويها قال عرفت الحق عن الباطل فذلك قوله و نفس و ما سواها ، قد افلح من زكاها قال قد افلحت نفس زكاها الله و قد خاب من دسيها قوله كذبت ثمود بطغويها قال ثمود رهط من الشيعة فان الله سبحانه يقول فاما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمي علي الهدي فاخذتهم صاعقة العذاب الهون فهو السيف اذا قام القائم ، اقول يمكن استنباط التأويل و الباطن كليهما منه اما بحسب التأويل فاعلم ان الله سبحانه خلق العقل في الانسان و جعله حجة باطنة فيه و سلطانا في ملكه مالكا له بتمليكه و آمرا و ناهيا و خلق النفس و جعلها ملكا و ارضا مملوكة لعقله يعمل [ص 97] فيها بمقتضي امر الله و نهيه و يعبده حق عبادته و قد روي في تفسير قوله تعالي اولم‌يروا انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها قال (ع) اي بموت العلماء ، و ذلك لان الارض ارض النفس و العلماء اطرافها و النفس هي التراب الذي نبتت منه شجرة الطبيعة ثم خلق ابليس من نار الشجرة و قد اخطأ (لع) حيث زعم انه اشرف من آدم (ع) و لم‌يسجد له فان تلك النار تفرعت عن الشجرة و الشجرة نبتت من الارض و تفرعت عنها فهو تحتها بدرجتين و الحاصل ان الارض ارض نفس الانسان و هي اول مرة كانت علي الفطرة التي فطر الله الناس عليها و لكن ابليس لما حسد عليها و دخل علي آدم النفس الانسانية بسبب الحية الحيوانية و غره و حرصه علي اكل الشجرة النباتية النابتة عن الجمادية فهبط الي تلك المراتب الثلث و اضطلم بظل ذي ثلث شعب فقامت نفسا امارة بالسوء و تصرف في ملك العقل و منع العقل عن التصرف و تسلط عليه باجناد الفجور و انواع الخمور و لم‌يدعه يعبد الله تعالي كما امره حتي الهمها الله فجورها و تقويها و عرفها الحق و الباطل و محاسن الخير و مساوي الشر فلامت نفسها علي الشرور و استقبحت الفجور و ان كانت مبتلية بها بحسب العادة و الطبيعة فقد يغلب عليها العقل و تعمل بمقتضاه و قد يغلب عليها الطبيعة و تعمل بمقتضاها حتي انست بالخير و تابت و رجعت الي التوحيد الفطرة الاولية [ص 98] و الي العقل و ما من شأنه من عبادة الله فصارت اختا له من قوله فان تابوا و اقاموا الصلوة فاخوانكم في الدين و مواليكم فرجعت اليه و اطمأنّت تحت ظل العقل و فوضت امرها اليه و ورثها العقل و تملكها كما كان ملكا له اول مرة فالعقل العبد الصالح المحبوب لله تعالي يرث ارض النفس بعد تطبعه بطبع العقل و اطمينانه تحت ظله و تسليمه لامره ثم تعمل بمقتضي اوامر العقل و تترك شهواتها و ميولها حتي تنسي بالمرة و ترضي باوامر العقل و لايسخط شيئا منها فيرضي بها العقل و يأخذها مولاة له و اختا موافقة فهذا احد تأويلات الآية المباركة و لها انواع و لسنا بصدد التفصيل و الا فان في علم الاكسير و علم طب الابدان ايضا الامر كذلك و لعله يمكنك استخراجها بالتفكر و التدبر .

و اما بحسب الباطن فايضا نقول ان الارض ارض الشيعة و العباد الصالحون آل‌محمد عليهم السلام الا انك تعلم ان الشيعة باجمعهم لم‌يخلصوا في ولاية آل‌محمد عليهم السلام و طاعتهم و البراءة من اعدائهم و لكن الله سبحانه اراد تمحيصهم و تخليصهم و افتتانهم و تمييزهم ليميز الله الخبيث من الطيب و بعد ما خلصوا و محضوا و صلحوا لظهور نور المعرفة و الولاية فيهم و تحملوا من فضلهم ما لايتحملون اليوم و تبادروا اليهم و تسابقوا و فوضوا امورهم اليهم حتي استأهلوا لزيارتهم فمن جانبهم ايضا يمكّن الله لهم في الارض [ص 99] ارض قلوب الشيعة و ينور قلوبهم بنورهم و يعرفهم فضلهم حتي تصير الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة فهم ايضا لايبخلون و لايدعونهم مهملين و يرجعون اليهم كالشهاب الثاقب و يحرقون كل شيطان مريد و جبار عنيد و لا حاجة الي التفصيل بازيد من ذلك .

الثالثة - الذي يظهر من بعض الاخبار ان الجنة في السماء و النار في الارض فلا جنة في الارض كما انه لا نار في السماء مطلقا بأي معني من معاني السماء و الارض و قد قال الله سبحانه جنة عرضها كعرض السماء و الارض و ظاهر الآية يدل علي ان الجنة بقدر السماء و الارض و لا شك ان خطاب الله عام يجري في جميع معاني السماء و الارض و ح لاينطبق علي ظاهر الخبر و الملتمس بيان حقيقة هذه المسألة مع بيان حقيقة الجنة و اصلها .

اقول اما ان الجنة في السماء و النار في الارض فهو مذكور في اخبار متعددة ففي الكتاب المبين من حديث ابن سلام عن النبي صلي الله عليه و آله فاخبرني عن ارض الجنة ما هي قال يا بن سلام ارضها من ذهب و ترابها المسك و العنبر و رضراضها الدر و الياقوت و سقفها عرش الرحمن قال صدقت يا محمد و فيه قال ابن سلام فاخبرني عن الجنة اين هي قال في السماء السابعة و النار في تخوم الارض السفلي قال صدقت يا محمد و عن اميرالمؤمنين (ع) في جواب الجاثليق قال الجاثليق فاخبرني عن الجنة و النار اين هما قال عليه السلام الجنة تحت العرش في الآخرة [ص 100] و النار تحت الارض السابعة السفلي و عنه (ع) في جواب يهوديين من رؤساء اليهود قال باين تكون الجنة و اين تكون النار قال الجنة في السماء و النار في الارض و من خطبة البيان و الجنة اليوم في السماء السابعة فاذا كان غدا جعله الله حيث يشاء ، الي غير ذلك من الاخبار .

و اما قولكم فلا جنة في الارض كما انه لا نار في السماء مطلقا فيحتاج الي بيان و من الله التوفيق للبيان ثم ذكرتم الآية و اشرتم الي سعة الجنة و انها بقدر السماء و الارض فاشكل عليكم من انه لم‌يبق للنار محل تكون فيه و قد استشكل في هذا قبل ذلك ايضا كما روي في البرهان من سؤال اسقف نجران عمر بن الخطاب قال يا عمر انتم تقرأون في كتابكم جنة عرضها كعرض السماء و الارض فاني تكون النار قال فسكت عمر و نكس رأسه فقال اميرالمؤمنين عليه السلام و كان حاضرا اجب هذا النصراني فقال له عمر بل اجبه انت فقال عليه السلام له يا اسقف نجران انا اجيبك اذا جاء النهار اين يكون الليل و اذا جاء الليل اين يكون النهار فقال الاسقف ماكنت اري احدا يجيبني عن هذه المسألة فقال من الفتي يا عمر قال هذا علي بن ابيطالب ختن رسول الله صلي الله عليه و آله و ابن عمه و اول من آمن معه هذا ابو الحسن و الحسين الحديث ، اقول تدبر في الحديث الشريف انه صلوات الله عليه اجاب عن حقيقة المسألة بلسان اهل الدنيا بحيث يرتفع [ص 101] الاشكال بالمرة و لاتبقي مزاحمة بين الليل و النهار ابدا فانك اذا قلت ان سعة النهار من افق المشرق الي افق المغرب يسألك السائل انه اذا كان كذلك فاين يكون الليل فتقول انه ايضا من افق المغرب الي افق المشرق و قد صدقت في القولين و لم‌يزاحم النهار الليل و لا الليل النهار و لم‌يضيق احدهما المكان علي الآخر و كذلك الامر في عرض الجنة و النار اذا قيل ان الجنة عرضها كعرض السماء و الارض فالنار ايضا عرضها كعرض الارض و السماء و لا مزاحمة بينهما و لم‌تضيق احديهما المكان علي الآخر و ليست الجنة في النار و لا النار في الجنة و الجنة في السماء السابعة و النار في تخوم الارضين و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حديثه مع الجاثليق و الدنيا رسم الآخرة و الآخرة رسم الدنيا و ليس الدنيا الآخرة و لا الآخرة الدنيا اذا فارق الروح الجسم يرجع كل واحد الي ما منه بدئ و ما منه خلق ، اقول و لنشر الي بعض المقدمات لعل بها ينحل بعض المشكلات و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .

اعلم اولا ان هذا العالم الذي تراه له وجود كوني و وجود شرعي و هو بحسب وجوده الكوني عام شامل يشمل البر و الفاجر علي نهج واحد قال الله تعالي و لولا ان يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة و معارج عليها يظهرون و لبيوتهم ابوابا و سررا عليها [ص 102] يتكئون و زخرفا و ان كل ذلك لما متاع الحيوة الدنيا و الآخرة عند ربك للمتقين فسماء الله بحسب الكون تظل علي كل شيء و ارض الله تقل كل شيء و تنبت كل شيء و سحاب الله يمطر علي كل شيء و لا فرق بحسب الكون بين السماء و الارض و لا اختصاص لاحدهما باحد و لا جنة في ظاهر تلك السموات الدنيوية و قد وجدت ذيل الآية ان الآخرة عند ربك للمتقين فخص النعمة بالآخرة و كذلك لا نار في تلك الارضين و قد رأيت في الاخبار نحو ما روي عن علي عليه السلام ان النبي (ص) قال و الذي نفس محمد بيده لو ان قطرة من الزقوم قطرت علي جبال الارض لساخت الي اسفل سبع ارضين و لمااطاقته فكيف بمن هو طعامه و الذي نفسي بيده لو ان قطرة من الغسلين قطرت علي جبال الارض لساخت الي اسفل سبع ارضين و لمااطاقته فكيف بمن هو شرابه و الذي نفسي بيده لو ان مقماعا ( مقمعا خ‌ل ) واحدا مما ذكره الله في كتابه وضع علي جبال الارض لساخت الي اسفل سبع ارضين و لمااطاقته فكيف بمن يقع عليه يوم القيمة في النار ، فاذا كان الامر كذلك فكيف يتصور ان تكون النار في تلك الارضين بل الفرق بين نعم الآخرة و نعم الدنيا ايضا كذلك و لاتطيق نعم الجنة سموات الدنيا البتة و لاتدركها و بواطن هذه السموات و الارضين ايضا لها وجود كوني عام شامل لا اختصاص لها بمؤمن و لا كافر و لا جنة و لا نار نعم لظاهر الدنيا [ص 103] و باطنها خصوصيات كونية اذا قام الشرع و تميز المؤمنون من الكفار قد ينسب بعضها الي المؤمنين و بعضها الي الكفار و انما هو بمناسبات كونية حصلت لها مع اكوان المؤمنين و الكفار او فعلياتها الشرعية فوادي السلام مثلا و الاراضي الطيبة في باطنها مناسبة مع ارواح المؤمنين و كذلك وادي برهوت و بعض الاراضي الخبيثة في باطنها مناسبة مع ارواح الكفار و كذلك الفرات مثلا لها مناسبة مع المؤمنين و دجلة لها مناسبة مع الكفار و مع ذلك ما اكثر الكفار الذين دفنوا في وادي السلام ظاهرا و نقلوا الي تربهم الاصلية باطنا و ما اكثر المؤمنون الذين دفنوا في اراض خبيثة و نقلوا الي تربهم الاصلية باطنا و الله يفعل ما يشاء و قد جعل الدنيا دار عرض لايعبؤ بها و قد سمي الحيوة الدنيا لعبا و لهوا و لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ماسقي كافرا منها شربة ماء ابدا و لكنها اهون منها و قد سماها لاشيء و قد روي ما حاصله ان الدنيا تسأل الله يوم القيمة ان يجعلها اجرا لمؤمن فيقول الله لها يا لاشيء اني قد زويتك عن المؤمن في الحيوة الدنيا الفانية فكيف اجعلك اجرا له في دار البقاء و الخلود انتهي حاصل الخبر ، و الحاصل ان الجنة و النار ليستا في ظاهر الدنيا و لا باطنها المتعلق بها و لكن الله سبحانه لما خلق الجن و الانس لمعرفته و عبادته و الاستفازة من احسانه و نعمته خلق اولا محمدا و آل‌محمد [ص 104] عليهم السلام اشرف بريته و اخذ عليهم الميثاق بعبادته و معرفته فقاموا بحق ما اراد الله منهم و حقيقته و عملوا باعلي درجة من العمل تسعه قدرة مخلوق باقدار الله سبحانه و حوله و قوته فجزاهم الله باحسن الجزاء و انعم عليهم بافضل النعم و اشرفها و انعمها حتي كأنه جعلهم نفس نعمته و جنته اي كانت النعمة لهم اوفق شيء بمقامهم و كانت صبغة الله و من احسن من الله صبغة و نور الله الذي لايطفي ابدا و قد كان لنعمه تعالي عليهم فضل و زيادة لايقدر بقدر و يسع ساير الخلق جميعا و زيادة لو افيض علي الكل ثم خلق ساير الخلق علي طبقاتهم و اخذ عليهم المواثيق و ارسل اليهم الرسل مبشرين و منذرين فمنهم من آمن و منهم من كفر و منهم من اختار منزلة بين الكفر و الايمان علي ما هو معلوم من اختلاف حالاتهم و جعل سبحانه في حكمته ان يجزيهم بعدله و فضله ما اختاروا لانفسهم بتخييره فجزي الله المؤمنين من فضل ما فضل به محمدا و آل‌محمد صلوات الله عليهم و جزي الله الكفار بكفرهم و بغيهم و مخالفتهم لآل‌محمد عليهم السلام بخلاف ما اعطاهم من نعمه و كراماته فالجنة حقيقة مخلوقة من نور آل‌محمد عليهم السلام و من فضل ما آتاهم و هو ما روي ان الجنة و الحور العين خلقت من نور وجه مولانا الحسين عليه السلام و ارواحنا فداه فروح القدس و من خلق من نوره من الملائكة و الانس و الجن المؤمنون انما يتنعمون من [ص 105] فضل ما انعم الله عليهم (ص) من نعمه كما مر في الخبر ان روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة ، و الاخبار المصرحة بهذا المعني كثيرة و لسنا بصدد التفصيل فالجنة حقيقة دار رضا الله التي اختارها لهم و هم يعطون شيعتهم و مواليهم من فضل ما انعم الله عليهم صلوات الله عليهم و لكن ليس عطاؤهم (ص) بامر جبلي طبيعي لهم فلايكون لهم فيه اختيار و لا لاجل حاجة لهم فيعطون شيئا و يأخذون شيئا بدله فان العوض و المعوض كليهما من عندهم و من عطائهم فكيف يفرض حاجتهم و معاملاتهم مع ساير الخلق عينا معاملات الله مع الخلق و لا سبيل لمعاملة الله مع خلقه و معاملة الخلق مع الله تعالي الا سبيل آل‌محمد (ع) كما هو معلوم و ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم و من يطع الرسول فقد اطاع الله و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا و ان الله سبحانه انما يعامل خلقه باختياره من غير حاجة منه اليهم و قد جعل في حكمته ان لايعطي احدا شيئا الا بدعائه و مسألته و قال ادعوني استجب لكم و مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم و الدعاء و المسألة انما هو عبارة عن تعديد القابلية و تهيئتها لاخذ عطائه فانه معذلك عطاؤه غير محظور و لا ممنوع عن احد و انما يعطي و يمنع علي حسب سؤال السائلين بلسان استعدادهم و قولهم (ص) في الدعاء يا من يعطي من سأله [ص 106] يا من يعطي من لم‌يسأله و لم‌يعرفه تحننا منه و رحمة ، فانما يفسر بالدعاء باللسان الظاهر فانه يمكن ان يعطي احدا شيئا لم‌يسأله بلسانه و اما السؤال بتعديد القابلية فمما لا بد منه في حكمة الايجاد الاتري ان البحر مملو من الماء و لايبخل الله بالنسبة الي احد المخلوقين و لكن الاناء الصغير اذا سأله من ماء البحر يعطيه بقدره و الكبير بقدره انزلنا من السماء ماءا فسالت اودية بقدرها فمن اقبل الي الله تعالي و اطاعه فيما امره به من سبيله الذي جعله اليه و تقرب اليه و سأله من عطائه يعطيه علي حسب وعده تعالي و حسب استعداد العبد و اما اذا انكره و اعرض عنه و عصاه و تباعد من دار قربه و رضاه فلو فرض ان يسأله من عطائه بلسانه ايضا كان هذا السؤال كذبا و استهزاءا و سخرية و هو كسؤال آنية صغيرة كل ماء البحر بل كسؤال آنية صغيرة ملقاة علي وجهها او ممتلية من التراب فتسأل الماء كله و هو استهزاء البتة و الله يستهزؤ بهم و يمدهم في طغيانهم يعمهون و لسنا بصدد تفصيل البيان اكثر من ذلك .

ثم اعلم ان هذه السموات و الارضين و ان كانت علي ما ذكرنا من الامور الكونية التي هي خارجة عما نحن بصدد بيانه و لكنها امثال لقوم يعلمون و تلك الامثال نضربها للناس لعلهم يعقلون و انت تعلم ان كل شيء مركب من وجود و مهية او حيث فعلية و مفعولية او نور و ظلمة و ذلك لان امر الله سبحانه في نفسه [ص 107] لا خصوصية له و لا كيف و لا كم و لا قيد بقول مطلق ابدا و لايختص بايجاد شيء خاص ابدا لما هو معلوم في مقامه من لزوم المناسبة بين السبب و المسبب فالسبب اذا كان مطلقا فلا جرم مسببه ايضا مطلق لا خصوصية فيه و لكنه تعالي لما اراد ايجاد الاكوان الخاصة و الاعيان المتشخصة المتعينة جعل لايجاد كل شيء في نفسه حيث فعلية و حيث مفعولية و جعل حيث الفعلية سببا لايجاد حيث المفعولية و هو قول مشايخنا اعلي الله مقامهم ان كل شيء مخلوق بنفسه عند مؤثره القريب و لا شك ان هذين الحيثين ان كانا بحيث لا فرق بينهما من كل جهة لم‌يستحق احدهما ان يكون سببا موجبا لايجاد الجهة الاخري و لا الآخر ان يكون مسببا له ناشئا عنه تابعا له قائما به البتة فلا جرم تكون الجهة الفعلية احكي لصفة امر الله و فعله و مشيته و اشبه به و اقرب اليه و الجهة المفعولية اقل شبها و حكاية عنه و ابعد من مقامه فجهة الفعلية في كل شيء اوحد و الطف و ابسط و اوسع و اجمع و اكمل من جهة المفعولية البتة الاتري شبح الشمس في المرآت ما اكثر الفرق بينه و بين نفس المرآت و هكذا الامر في كل شيء و كل مقام فالسموات في كل عالم هي جهة الفعلية و يد المبدأ العالي فيه في ايجاد جهة المفعولية التي هي ارضه و عناصره و سمواته اشبه مراتبه بالمبدأ و اشرفها و الطفها و اعدلها و ابسطها و اوسعها و اجمعها و ابقاها [ص 108] و ادومها و ابعدها عن التغير و الفساد و البوار كما هو محسوس في هذا العالم مع ان عالم الاجسام كله من عرصة الاعراض و عرصة الدثور و الفناء و لكن معذلك سموات هذا العالم ابقي اجزائه و اعلاها و ادومها و اعدلها و محل التقدير و التدبير فيها و زايدا عليه الارض و ما فيها و ما عليها عند السماء الاولي كحلقة في فلاة قي و هكذا كل سماء مع ما فيها الي تخوم الارض عند السماء العليا هكذا الي السماء السابعة فقس بينها و بين الارض و اعرف صغر قدرها و حقارتها عند السماء السابعة و لكن معذلك انظر و اعتبر ان الارض بعناصرها و مواليدها اذا صفت و لطفت و اعتدلت و ميزت بين اعراضها و اصولها و كثائفها و لطائفها و طرحت الاعراض و الكثايف عنها ترقت و صعدت الي السموات و هو قوله عليه السلام اليس من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و قوله ان القلب اذا صفا ضاقت به الارض حتي يسمو و قوله خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت اوايل جواهر عللها و اذا اعتدل مزاجها و صح منهاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد ، اقول فالطبايع الارضية لو خليت و طبعها فاتبعت هواها اخلدت الي الارض و ساخت فيها و بعدت عن السموات محال امر الله الواسعة البسيطة و تقديره [ص 109] و التزمت الاضداد و اوجبت لها الضيق و الشدة و القتر كالمسمار في محله يضيق عليه من اطرافه البتة فهذه امثال ضربها الله لنا لعلنا نعرف شيئا منها و نعتبر و نتعظ بها انه تعالي اذا امرنا بقطع العلايق و ترك القيود و فك الاغلال انما اراد خيرنا و صلاحنا و رشدنا و هدايتنا و تيسير العروج لنا الي فسحة السموات العلي و سعتها و رحبها و التي اعد فيها من محاسنها و نعمها و الفعليات المكنونة فيها و الاتصال و القرب باوايل جواهر العلل التي لا شيء اعلي منها و اطيب و انعم و ابقي و كل هذا من صفات الجنة و نعمها و ما اعد الله فيها انظر الي النور بالنسبة الي المنير لو حجبته عن المنير و جعلت بينه و بينه استارا و سبحات هل يبقي علي النورانية و الدوام و الخلود فيها ام اذا هتكت الاستار و قطعت القيود فبالبداهة بقاؤه علي النورانية بهتك الحجب و الاستار البتة فاذا عرفت ذلك و تبينت ما هناك فاعلم ان امر الله تعالي في الكون و الشرع واحدة و السموات الشرعية و عرشها و كرسيها معلومة معروفة و هي اوائل جواهر العلل التي اوجدها الله تعالي في بدأ ملكه و جعلها محال مشيته و ارادته و مسكن قدره و قضائه و جعلها اصل كل خير و اوله و منشأه و مبدأه صلوات الله عليهم و الآيات و الاخبار الدالة علي ذلك اكثر من ان تحصي حتي ان تسميتهم بالعرش و الكرسي و السموات لها [ص 110] شواهد كثيرة و حقيقة الجنة و اصل النعمة انما هي مخلوقة من انوارهم و الفوز بها انما يكون بالتقرب منهم و التخلق باخلاقهم و الاستنارة بانوارهم و ولايتهم و طاعتهم و البراءة من اعدائهم الاتري ان من كان له حدايق و جنات و هو ساكن فيها و اردت التنعم بها لا بد لك من التقرب اليه و التخلق باخلاقه و العمل بمرضاته و الاجتناب عن مساخطه و الدخول عليه من الابواب التي فتحها للداخلين و الاضياف لا من ظهورها و حوائطها المعدة لمنع الاجانب و اللصوص عنها ليس البر بان تأتي البيوت من ظهورها و لكن البر من اتقي و أتوا البيوت من ابوابها فرسم الدخول عليها ان تدخل من الباب باذن صاحب البيت و رضائه و الا فبغير هذا الوجه لايمكن فهنا ايضا اذا كانت الجنة مخلوقة من انوار آل‌محمد عليهم السلام و هم سماوات اوايل جواهر العلل و قد قال تعالي و السماء رفعها و وضع الميزان الاتطغوا في الميزان و في البرهان عن ابي‌الحسن الرضا عليه السلام سئل عن هذه الآية قال السماء رسول الله رفعه الله اليه و الميزان اميرالمؤمنين نصبه لخلقه قيل الاتطغوا في الميزان قال لاتعصوا الامام قيل و لاتخسروا الميزان قال لاتبخسوا الامام حقه و لاتظلموه و عن ابن‌عباس في حديث عن رسول الله صلي الله عليه و آله ثم تلا هذه الآية و السماء ذات البروج ثم قال اتقدر يا بن عباس ان الله يقسم بالسماء [ص 111] ذات البروج و يعني به بالسماء و بروجها قلت يا رسول الله فما ذاك قال اما السماء فانا و اما البروج فالائمة بعدي اولهم علي و آخرهم المهدي و عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قوله و السماء و الطارق قال السماء في هذا الموضع اميرالمؤمنين و الطارق الذي يطرق الائمة من عند ربهم مما يحدث بالليل و النهار و هو الروح الذي مع الائمة عليهم السلام قال و النجم الثاقب قال ذاك رسول الله (ص) ، و في الكتاب المبين في حديث طارق بن شهاب و حديث عبدالعزيز تسميتهم (ع) بالسماء الظليلة موجودة و المسألة واضحة و لا حاجة الي تطويل و الحاصل ان الله سبحانه انعم علي محمد و آل‌محمد (ص) بافضل نعمائه و بهم انعم علي شيعتهم و الناصبون لشيعتهم مانقموا منهم الا ان اغناهم الله و رسوله من فضله ثم لايخفي ان الصعود الي سموات انوارهم (ص) يحتاج الي تصفية الظاهر و الباطن و ترقيقهما و تلطيفهما و تخفيف اثقالهما و اوزارهما و المطاوعة لامرهم و الانجذاب بجذبهم الاتري ان الشمس جاذبة و لكن الحجر الغاسق لاينجذب اليها الا ان يلطف و يخفف و يصعد و من اجزائه ايضا كل جزء كان اخف و مطاوعته لها اكثر كان صعوده اليها اسرع و المؤمن بجميع مراتبه و ان كان مطاوعا مطيعا لكن عاقلته التي هي رأس من رأوس العقل الذي يعبد به الرحمن و يكتسب به الجنان و هي [ص 112] من السماء السابعة كوكب زحل في الانسان اطوع مراتب النفس الظلية البرزخية في الانسان لامر الله الملك المنان و هي محل ظهور الجنان فيه اليوم و اما في القيمة لما كانت مراتب الانسان و مشاعره و روحه و جسمه و نفسه و عقله و كلما له في غاية الاتحاد و اللطافة و النعامة فكأنه لا حاجة الي تخصيص مقام الجنة بالسماء السابعة بل سمواته و ارضوه كلها من الجنة و الي الجنة و عرض جنته كعرض السماء و الارض و لو وجد في بعضها ايضا ما يخالف رضا الله و العياذ بالله كفّره الله في الدنيا و غفر له و شفع له شفعاؤه و محوا سيئاته و اعطوه من فاضل حسناتهم حتي لايبقي فيه ما يخالف دخوله الجنة و دار رضاه فيكون بجميع مراتبه بشرا ملكيا و ارضا سماويا و لا اختصاص لمقامه في الآخرة بالسماء السابعة و هذا الذي ذكرنا مأخوذ مما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة البيان قال و الجنة اليوم في السماء السابعة فاذا كان غدا جعله الله حيث يشاء ، و في جواب الجاثليق عن الجنة و النار اين هما اجمل الجواب فقال عليه السلام الجنة تحت العرش في الآخرة ، و لعله اشارة الي ما ذكرت من اتحاد مراتبه و سمواته و ارضه في الآخرة فقال (ع) ان الجنة تحت العرش في الآخرة اي ان ما دون قلب المؤمن الذي هو عرش الرحمن من مراتبه كلها من مراتب الجنة فتدبر فانه بيان لطيف استنبطناه من كلام اميرالمؤمنين عليه [ص 113] السلام في الموضعين بالجملة فالجنة و النار انما هما فعليتان مكتسبتان في نفس المؤمن و الكافر و اصل الجنة لآل‌محمد عليهم السلام و عندهم و اصل النار لرؤساء الضلالة و محيطة بهم فكل نفس توجه الي آل‌محمد عليهم السلام و تقرب منهم تأخذ نصيبه علي حسب قابليته و سؤاله و عمله و كل نفس اعرض عنهم و توجه الي اعدائهم و العياذ بالله يأخذ نصيبه منها علي حسب قابليته و عمله فالمؤمن بجميع مراتبه من سماوات وجوده و ارضه اذا توجه الي آل‌محمد (ع) يسمو اليهم و يتنعم بانعامهم و يصير سماويا من اهل عليين كما روي في صفتهم (ع) بشر ملكي و جسد سماوي و امر الهي و روح قدسي ، و الكافر اذا اعرض عنهم و توجه الي اعدائهم يصير ارضيا سجينيا معذبا بعذابهم و لاينافي هذا ذاك و لا هذا ذاك اعتبر من انه اذا توجه زيد الي الشمس و اضاءته من قرنه الي قدمه ثم اعرض و ادبر عمرو عن الشمس و اضطلم من قرنه الي قدمه هل لك ان تقول ان الشمس اضائت لزيد و نورته من قرنه الي قدمه فاين يقع الظلمة من عمرو فلا منافات بين الامرين و كل نفس و ما كسبت و انتم قستم امر الحقايق بعالم الاعراض من انه اذا تملك احد من مكان الي مكان مثلا لايملك ذلك المكان بعينه غيره و اذا كان عرض الجنة كعرض السماء و الارض لايبقي للنار محل و هو هكذا في عالم الاعراض و لكن امر الآخرة وراء ذلك و قد روي في ارواح [ص 114] المؤمنين بعد الموت عن ابي‌عبدالله عليه السلام انها في روضة كهيئة الاجساد في الجنة و عن اميرالمؤمنين (ع) قال النبي صلي الله عليه و آله ان في الجنة سوقا ما فيها شراء و لا بيع الا الصور من الرجال و النساء من اشتهي صورة دخل فيها ، اقول و كل ذلك من اكتساباتهم في الدنيا قال تعالي سيجزيهم وصفهم و قال و ماتجزون الا ما كنتم تعملون فلو ان جميع المؤمنين عملوا عملا واحدا و جزاهم الله بجزائه لم‌ينقص منه شيء و خزائنه تعالي لاتبيد و لاتفني و قد سأل زنديق اباعبدالله عليه السلام فقال من اين قالوا ان اهل الجنة يأتي الرجل منهم الي ثمرة يتناولها فاذا اكلها عادت كهيئتها قال نعم ذلك علي قياس السراج يأتي القابس فيقتبس منه فلاينقص من ضوئه شيء و قد امتلأت الدنيا منه سرجا و في البرهان في سؤال الاسقف عمر بن الخطاب و احالته علي اميرالمؤمنين عليه السلام قال اخبرني يا عمر عن شيء في ايدي اهل الدنيا يشبه بثمار اهل الجنة فقال سل الفتي فقال عليه السلام انا اجيبك هو القرآن يجتمع اهل الدنيا عليه فيأخذون منه حاجتهم و لاينقص منه شيء و كذلك اثمار الجنة الخبر ، فعلي ذلك قس امر الجنة و نعيمها و سعتها و بركاتها بحيث لو اضاف المؤمن في جنته جميع اهل الجنة لوسعهم طعاما و شرابا من غير ان ينقص مما اعد له شيء و لا حاجة الي تفصيل زايد ان شاء الله .

[ص 115] قال سلمه الله تعالي : الرابعة - ما المراد باهل الكهف و ما المراد بكهفهم و علي فرض ان المراد بهم الفتية المذكورون في الاخبار و القصص فاي عجب فيهم حتي ذكرهم الله سبحانه بقوله فيهم و في اهل الرقيم كانوا من آياتنا عجبا و ما المراد بكلبهم و ربما يظهر من بعض الاخبار انه يدخل الجنة و يشكل ذلك ان كان المراد به الحيوان المعروف لمنافاته ظاهرا لبعض الاخبار الدالة علي ان الحيوانات لاتدخل الجنة و لتحقيقات مشايخنا اعلي الله مقامهم و رفع في الدارين اعلامهم في ساير كتبهم من ان الحيوانات لا حشر لها لعدم شعورها .

اقول و لا حول و لا قوة الا بالله اولا انه لا شك ان المراد منهم بحسب الظاهر الفتية المذكورون في الكتاب و الاخبار الصحيحة المأثورة عن الائمة الاطياب صلوات الله عليهم و امرهم بحسب الظاهر ايضا عجيب الا انه توجد في آيات الله امور اعجب منه ايضا فان بعثهم من بعد موتهم و لبثهم في كهفهم ثلثمأة و تسع سنين و هم معذلك علي صفة الاحياء لم‌تبل اجسادهم و كانوا يتقلبون في كل ستة اشهر من جنب الي جنب و كانت اعينهم مفتوحة و طالت اظفارهم و شعورهم و كذلك امر كلبهم من ملازمته لهم و نطقه و غير ذلك مما وقع من آيات الله سبحانه في امرهم كلها عجيبة الا ان عجايب آيات الله تعالي فوق ذلك و قد سمعت ما روي من نطق رأس مولانا ابي‌عبدالله الحسين عليه السلام [ص 116] و ارواحنا فداه كما في كنز الدقايق بسنده عن المنهال بن عمرو (ظ) قال والله انا رأيت رأس الحسين (ع) حين حمل و انا بدمشق و بين يديه رجل يقرؤ الكهف حتي بلغ قوله ام حسبت ان اصحاب الكهف و الرقيم كانوا من آياتنا عجبا فانطق الله تعالي الرأس بلسان ذرب طلق قال اعجب من اصحاب الكهف حملي و قتلي انتهي ، و قوله تعالي ام حسبت يومي الي وجود امور اعجب من امرهم و لكن معذلك ايضا امرهم عجيب و ليس من الامور العاديه في الدنيا بل امر المؤمنين و ايمانهم نوعا بين اهل الدنيا عجيب و كفاهم قلتهم فانهم اقل من الكبريت الاحمر كما روي و الرقيم اختلف في معناه فقيل انه اسم الجبل او الوادي الذي فيه كهفهم و قيل انه اسم قريتهم و قيل انه لوح كتب فيه بعض اهل البلد اسماء اهل الكهف و جعلت علي باب كهفهم و قيل انهم قوم آخرون كانوا ثلثة نفر خرجوا مرتادين لاهلهم فاخذتهم السماء فاووا الي كهف فانحلت صخرة و سدت باب الكهف فحبسوا فيه و دعووا الله تعالي و كل منهم ذكر عملا خالصا عمله لوجه الله تعالي و سألوه الفرج ففرج الله عنهم و قصتهم مشهورة مذكورة في الاخبار و التواريخ و هذا ايضا عجيب و ان كان الله عز و جل وعد الاجابة لكل داع و لكن الداعي حقيقة قليل نادر و معذلك اعجب منه ايضا آيات كثيرة من آيات الله و لسنا بصدد تفصيل هذه المطالب فهذه الواقعة او الواقعتين بحسب الظاهر علي ظاهرها و لا اشكال فيها الا [ص 117] ان من المعلوم ان بناء القرآن المجيد ليس علي رسم التاريخ و ذكر الوقايع الماضية فان من المعلوم ان اكثر القصص لم‌يذكر فيها و الله تعالي يقول و لقد ارسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك و منهم من لم‌نقصص عليك فاذا لم‌تكن قصص رسله كلها مذكورة في الكتاب فكيف بساير القصص و من هنا تري القصص المذكورة ايضا غير تامة و انما ذكر ما ذكر من القصص لوجوه من الحكمة هو تعالي عالم بها و لعل منها الاعتبار و الاتعاظ و نحو ذلك كما يظهر من قوله تعالي في قصة بلعم و لو شئنا لرفعناه بها و لكنه اخلد الي الارض و اتبع هواه فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث او تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون فمما ذكر للاعتبار و الاتعاظ و الاحتجاج علي المنكرين للمعاد و علي منكري نبوته صلي الله عليه و آله قصة اصحاب الكهف فان المشركين تعلموها علي ما هو مذكور في الكتاب من اليهود علي نحو الترديد و سألوه صلي الله عليه و آله زعما منهم انه ان اجاب بمثل ذلك كان صادقا و ان خالف ما عندهم كان كاذبا و هو صلي الله عليه و آله ايضا لم‌يذكر لهم منها الا بقدر ما عندهم و قد نهاه الله سبحانه عن اكثر منه حيث قال فلاتمار فيهم الا مراءا ظاهرا و لاتستفت فيهم منهم احدا و قد ذكر منها ما اتم الحجة عليهم من غير تفصيل زايد فهي بحسب الظاهر علي ما [ص 118] ذكر في الكتاب و في اخبار ساداتنا الاطياب صلوات الله عليهم و لكن لها بحسب الباطن و التأويل ايضا معاني كثيرة و عللا و اسرارا غزيرة و ان كنا جاهلين الا ما عسي ان يظهر من بعض الاخبار المتفرقة فالكهف علي ما ذكر الشيخ الاوحد اعلي الله مقامه في شرح قوله عليه السلام كهف الوري ان الكهف غار واسع في الجبل فان كان صغيرا قيل له غار و المنغور (كذا) و المراد هنا في الجبل كالبيت كهف و المراد الملجأ و الحاوي للشيء و المأوي ليه (كذا) و في الحديث الدعاء كهف الاجابة كما ان السحاب كهف المطر يعني ان الدعاء مظنة تضمن الاجابة كما ان السحاب مظنة تضمن المطر .

و اعلم ان اصحاب الكهف رضوان الله عليهم كانوا مؤمنين عارفين و قد ابتلاهم الله بقوم كافرين عابدين للاصنام متعصبين في دينهم كانوا يقتلون من لم‌يسجد لاصنامهم او لم‌يتخذ سلطانهم الها من دون الله و كانوا اي المؤمنون يتقون و يخفون امرهم و قد ضاعف الله بذلك اجرهم و قد روي في البرهان بسنده عن ابي‌عبدالله (ع) قال ان مثل ابيطالب مثل اصحاب الكهف اسروا الايمان و اظهروا الشرك فآتاهم الله اجرهم مرتين و عنه عليه السلام قال ان اصحاب الكهف اسروا الايمان و اظهروا الكفر فاجرهم الله مرتين و عنه (ع) انه ذكر اصحاب الكهف فقال لو كلفكم قومكم ما كلفهم قومهم فافعلوا فعلهم فقيل له و ما كلفهم قومهم فقال كلفوهم الشرك [ص 119] بالله العظيم فاظهروا لهم الشرك و اسروا الايمان حتي جاءهم الفرج و في البحار عن ابي‌عبدالله (ع) قال ان اصحاب الكهف اسروا الايمان و اظهروا الكفر فكانوا علي اظهارهم الكفر اعظم اجرا منهم علي اسرارهم الايمان و قال (ع) مابلغت تقية احد ما بلغت تقية اصحاب الكهف و ان كانوا ليشدون الزنانير و يشهدون الاعياد فاعطاهم الله اجرهم مرتين ، اقول و اعلم ان المؤمن الخالص لايتقي مخافة الهلاكة و لايبالي بالموت و القتل و لكن يتقي ابقاءا لنفسه و لاخوانه كي يعبد الله سبحانه فمن باب حرصه علي العبادة يسعي في حفظ نفسه ليعبد الله و في تقيته ايضا كثيرا ما يتفق ان يتقي بما يوهم العدو موافقته له و هو مخالف له حقيقة كما كان مؤمن آل فرعون لما وشوا عند فرعون انه لايعتقد بربوبيتك فسأله فرعون من ربك قال سلهم اولا من ربهم فسألهم فقالوا انت ربنا فقال المؤمن ربي رب هؤلاء و عني به الله الاحد تعالي و لعل اصحاب الكهف ايضا كثيرا ما يتفق ان يتقوا كذلك و قد كانوا صيارفة كلام كما ورد في اخبار متعددة و علي اي حال كانوا قوما مؤمنين عارفين و قد قيل انهم كانوا علي دين المسيح عليه السلام و قيل انهم كانوا قبل بعث عيسي (ع) و علي اي حال لا شك في ايمانهم بل و يظهر من انطاق الله الكلب لهم ان لهم شأنا عند الله تعالي و كفاهم قوله تعالي في حقهم انهم فتية آمنوا بربهم و زدناهم هدي [ص 120] و ربطنا علي قلوبهم اذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات و الارض لن‌ندعو من دونه الها لقد قلنا اذا شططا و الله العالم بحقيقة حالهم و الحاصل ان حالهم بحسب التأويل لعله تعبير عن مراتب المؤمن في درجات سلوكه و فراره من اذي الطبايع العاتية فالكهف عبارة عن النفس القدسية الانسانية ملاذه و ملجأه من اذي الطبايع التي هي مخالفة لكينونته و هي معذلك عيبة علمه الذي يصونه عن جهل الجاهلين و الفجوة الواسعة بينه البعيدة عن حدود الكهف و جدرانه حلمه و عقله الواقع بينه كما قال اميرالمؤمنين (ع) في خطبة الافتخار انا باب مدينة العلم انا كهف الحلم ، او هو الروح الملكوتي و الشمس التي اذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين و اذا غربت تقرضهم ذات الشمال هي عقله و كلبهم المعلم هو طبيعتهم المعلمة المسلمة المطاوعة الملازمة للنفس القدسية و لكن من شدة ادبه لايلوثها و لايتجاوز عتبة الباب و هو باسط ذراعيه بالوصيد فالكهف هو نفسهم التي يخفون فيها عقايدهم و اسرارهم و علومهم تخفي في نفسك ما الله مبديه فالمؤمن يخفي في نفسه عقايده و اسراره و ما خصه الله به و يكتم امره حتي انه ينهي كلبه عن النباح كما انه روي انهم كانوا يطردون الكلب خوفا من ان يفضحهم بنباحه حتي انطقه الله بلسان ذلق و هو ينادي اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له ذروني احرسكم من عدوكم و يمكن [ص 121] تأويل الكهف بالتقية التي صارت سبب حفظهم و حراستهم فانها ايضا كهف منيع جعله الله للمؤمن و لو لم‌يكن لهم ذلك الكهف قتلوهم و لم‌يبقوا منهم احدا و لكن بالتقية حرسهم الله من شرور اعدائهم حتي اذا اشتد الامر و لم‌يبق لهم قوة لبث شددوا التقية .

و اما بحسب الباطن فالكهف كهف آل‌محمد عليهم السلام و في مرآت الانوار عن الجواد عليه السلام قال نحن كهفكم كاصحاب الكهف و في الزيارة الجامعة و اولي الحجي و كهف الوري و ورثة الانبياء ، بل و قد يسمي الله كهفا كما في دعاء في زيارة ابي‌عبدالله عليه السلام اللهم انت حصني و كهفي و حرزي و رجائي و املي لا اله الا انت يا رب العالمين و من دعاء في مشهد العسكريين عليهما السلام يا عدتي عند العدد و يا رجائي و المعتمد و يا كهفي و السند و يا واحد يا احد و يا قل هو الله احد اسألك اللهم بحق من خلقته من خلقك و لم‌تجعل في خلقك مثلهم احدا صل علي جماعتهم و افعل بي كذا و كذا ، اقول لكن كونه تعالي كهفا انما يكون فيهم و بهم و ذاته تعالي منزهة عن جميع ذلك فهم كهف اصحابهم و شيعتهم خاصة و كهف الناس جميعا بل الاشياء كلا الا ان كلا منهم يلوذ بهم بنحو من الانحاء و الغرض انه لا ملجأ و لا منجا لاحد من الخلق الا هم صلوات الله عليهم و رسول الله صلي الله عليه و آله هنا هو الشمس التي اذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين [ص 122] ذات علي اميرالمؤمنين عليهم صلوات المصلين اذ هو اليمين جهة و عملا و فعلا و عددا في ظاهر الحروف و اذا غربت عن الدنيا تقرضهم ذات الشمال فلعن الله اصحاب الشمال حيث كان ممات رسول الله صلي الله عليه و آله محياهم و محيي رسول الله (ص) مماتهم و شيعتهم صلوات الله عليهم في فجوة متسعة و فضاء واسع من ذلك الكهف المنيع مع كونهم محصورين ميتين بحسب الظاهر و لكنهم معذلك في كهف التقية ظاهرا و في سعة رحمة الله و فضله و جوده احياء عند ربهم يرزقون و اعينهم مفتوحة الي عطاء الله و فضله و يقلبهم جنبا الي جنب كالميت بين يدي الغسال و يرجعون الي جماعة احياء مؤمنين كما رجع اصحاب الكهف اليهم و هو مذكور في الاخبار .

و لما ذكرنا ان آل‌محمد عليهم السلام كهف شيعتهم بل الناس بل الخلق جميعا احببت ان افصل ذلك من كلام شيخنا الاوحد الامجد اعلي الله مقامه و رفع في الدارين اعلامه فقال في شرح الزيارة في شرح قوله (ع) كهف الوري فقال :

يعني انهم عليهم السلام ملجأ الوري اي ملجأ الخلق و المراد بالوري الخلق و المراد بالخلق هنا الناس هذا ظاهر اللغة و ظاهر العبارة و لهذا ذكر في كونهم ملاذا ما يناسب الافهام و الا ففي الحقيقة فهم ملجأ جميع المخلوقات كانت الانبياء اذا قصروا التجأوا اليهم و تشفعوا بهم فيشفع لهم روي الصدوق في اماليه باسناده عن معمر بن [ص 123] راشد قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يقول اتي يهودي النبي (ص) قال فقام بين يديه و جعل يحد النظر اليه فقال يا يهودي ما حاجتك فقال انت افضل ام موسي بن عمران الذي كلمه الله و انزل عليه التورية و العصا و فلق له البحر و ظلله الغمام فقال له النبي (ص) انه يكره للرجل ان يزكي نفسه و لكن اقول ان آدم لما اصاب الخطيئة كانت توبته اللهم اني اسألك بحق محمد و آل‌محمد الا ما غفرت لي فغفرها له و ان نوحا لما ركب السفينة و خاف الغرق قال اللهم اني اسألك بحق محمد و آل‌محمد لما نجيتني من الغرق فنجاه الله عنه و ان ابرهيم لما القي في النار قال اللهم اني اسألك بحق محمد و آل‌محمد لما نجيتني منها فجعلها عليه بردا و سلاما و ان موسي لما القي عصاه فاوجس في نفسه خيفة قال اللهم اني اسألك بحق محمد و آل‌محمد لما نجيتني فقال الله جل جلاله لاتخف انك انت الاعلي يا يهودي لو ادركني موسي ثم لم‌يؤمن بي و بنبوتي مانفعه ايمانه شيئا و لانفعته النبوة يا يهودي و من ذريتي المهدي اذا خرج نزل عيسي بن مريم لنصرته و قدمه و صلي خلفه و قال علي بن الحسين عليه السلام حدثني ابي عن ابيه عن رسول الله صلي الله عليه و آله يا عباد الله ان آدم لما رأي النور ساطعا في صلبه اذ كان الله قد نقل اشباحنا من ذروة العرش الي ظهره رأي النور و لم‌يتبين الاشباح و قال الله عز و جل انوار اشباح [ص 124] نقلتهم من اشرف بقاع عرشي الي ظهرك و لذلك امرت الملائكة بالسجود لك اذ كنت وعاء لتلك الاشباح فقال آدم يا رب لو بينتها فقال الله عز و جل انظر يا آدم الي ذروة العرش فنظر آدم عليه السلام و واقع اشباحنا من ظهر آدم عليه السلام الي ذروة العرش فانطبع فيه صور اشباح انوارنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الانسان في المرآت الصافية فرأي اشباحنا فقال ما هذه الاشباح يا رب قال الله عز و جل هذه اشباح افضل خلايقي و برياتي هذا محمد و انا الحمد المحمود في افعالي شققت له اسما من اسمي و هذا علي و انا العلي العظيم شققت له اسما من اسمي و هذه فاطمة و انا فاطر السموات و الارض فاطم اعدائي من رحمتي يوم فصل قضائي و فاطم اوليائي عما يبيرهم و يشينهم و شققت لها اسما من اسمي و هذان الحسن و الحسين و انا المحسن المجمل شققت اسمهما من اسمي هؤلاء خيار خلقي و اكرم بريتي بهم آخذ و بهم اعطي و بهم اعاقب و بهم اثيب فتوسل بهم الي يا آدم و اذا دهتك داهية فاجعلهم الي شفعاءك فاني آليت علي نفسي قسما حقا لااخيب بهم آملا و لاارد بهم سائلا فلذلك حين نزلت منه الخطيئة دعا الله عز و جل فتاب عليه و غفر له ه‍ ، فهذا و امثاله من الاحاديث الدالة علي انهم هم الملجأ و الملاذ فلايستجيب الله الدعاء الا بهم لانهم ذمامه المنيع الذي لايطاول و لايحاول اي لايضام [ص 125] جارهم و لايرام حماهم و لايعدلهم شيء الاتسمع قول الضالين يوم القيمة لما كشف لهم عن الحقايق حتي عرفوا ان ما ينسب للمعبود من الاحوال المرتبطة بالخلق هي بعينها ما لهم عليهم السلام فطاعتهم عين طاعة الله و معصيتهم عين معصية الله و من اطاعهم فقد اطاع الله فلما كشف لهم هذه الحقايق و قيل اين ما كنتم تعبدون من دون الله يعني تطيعونهم في معصية ولي الله تعالي هل ينصرونكم او ينتصرون اي ينجونكم من النار او ينجون انفسهم منها فكبكبوا فيها هم يعني الضالين و الغاوون يعني المضلين الطاغين في معصية الله تعالي و جنود ابليس اجمعون يعني قرناؤهم من الشياطين الذين زينوا لهم ماضيهم و غابرهم قالوا اي الضالون و هم فيها يختصمون مع الغاوين تالله ان كنا لفي ضلال مبين اي والله الذي هو الهادي لمن اطاعه و آمن به لقد كنا في ضلال مبين بمخالفته و طاعة اعدائه اذ نسويكم برب العالمين يعني جعلناكم مساوين لرب العالمين حيث امرنا بطاعة وليه فامرتمونا بمعادات وليه و طاعة عدوه فاتبعناكم و تركنا مالكنا و مصلحنا و مربينا و هادينا و مدبر امورنا فلما كشف لهم في الآخرة عن الحقايق و رأوا انهم عليهم السلام لايعدلهم شيء و لايدنو من مقامهم شيء قالوا ما حكي الله عنهم فمن اعتصم بهم حفظ من شر كل غاشم و طارق من خلق الله الصامت و الناطق لان الله سبحانه [ص 126] خلقهم قبل كل شيء ثم خلق الاشياء و اشهدهم خلقها و انهي اليهم علمها و جعلهم ملاذ كل شيء و مرد كل شيء و اليهم اياب كل شيء و عليهم حساب كل شيء روي المفيد رحمه الله في الاختصاص و الصفار في البصائر باسنادهما الي ابي‌حمزة الثمالي ثابت بن دينار قال سمعت اباجعفر (ع) يقول من احللنا له شيئا اصابه من اعمال الظالمين فهو له حلال لان الائمة منا مفوض اليهم فما احلوا فهو حلال و ما حرموا فهو حرام و في الاختصاص باسناده عن محمد بن سنان قل كنت عند ابي‌جعفر عليه السلام فذكرت اختلاف الشيعة فقال ان الله لم‌يزل فردا متفردا في الوحدانية ثم خلق محمدا و عليا و فاطمة عليها السلام فمكثوا الف دهر ثم خلق الاشياء و اشهدهم خلقها و اجري عليها طاعتهم و جعل فيهم ما شاء و فوض امر الاشياء اليهم في الحكم و التصرف و الارشاد و الامر و النهي في الخلق لانهم الولاة فلهم الامر و الولاية و الهداية فهم ابوابه و نوابه و حجابه يحللون ما شاء و يحرمون ما شاء و لايفعلون الا ما شاء عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون فهذه الديانة التي من تقدمها غرق في بحر الافراط و من نقصهم من هذه المراتب التي رتبهم الله فيها زهق في بحر التفريط و لم‌يعرف آل‌محمد حقهم فيما يجب علي المؤمن من معرفتهم ثم قال خذها يا محمد فانها من مخزون العلم و مكنونه و في البصائر باسناده عن زرارة [ص 127] قال سمعت اباجعفر عليه السلام و اباعبدالله يقول ان الله فوض الي نبيه امر خلقه لينظر كيف طاعتهم ثم تلا هذه الآية و ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا انتهي ، فلما خلق الخلق و اشهدهم امر الخلق و انهي علم الخلق اليهم و امر جميع الخلق من الصامت و الناطق بطاعتهم و انه لايتقدم متقدم و لايتأخر متأخر الا عن امرهم كانوا مرد جميع الاعيان و المعاني و لعل ما اشار علي عليه السلام في خطبته في تنزيه الخالق جل و علا بقوله انتهي المخلوق الي مثله ، يشير في باطن تفسيره الي هذا و مما يدل علي ذلك ما في كتاب محمد بن شاذان بن نعيم بخطه عن حمران بن اعين قال سمعت اباعبدالله عليه السلام يحدث عن ابيه عن آبائه عليهم السلام ان رجلا كان من شيعة علي عليه السلام مريضا شديد الحمي فعاده الحسين بن علي عليه السلام فلما دخل من باب الدار طارت الحمي عن الرجل فقال قد رضيت بما اوتيتم به حقا حقا و الحمي لتهرب منكم فقال له والله ماخلق الله شيئا الا و قد امره بالطاعة لنا يا كباسة قال فاذا نحن نسمع الصوت و لانري الشخص يقول لبيك قال اليس امرك اميرالمؤمنين ان لاتقربي الا عدوا او مذنبا لكي يكون كفارة لذنوبه فما بال هذا و كان الرجل المريض عبدالله ابن شداد الهادي الليثي انتهي ، و روي هذا الحديث ابن‌شهراشوب عن زرارة بن اعين فاذا ظهر لك مما [ص 128] اشرنا اليه و من الروايات انهم ملجأ الكل فاعلم انه قد ذكرنا في مواضع كثيرة انهم باب الله الي الخلق و باب الخلق الي الله و بعد ما عرفت ان كل شيء من الله و انه سبحانه ليس له باب الي الخلق الا هم عليهم السلام و ان الشرط الاعظم و الركن الكلي في وجودات الخلق و مهياتهم و قوابلهم هو وجودهم عليهم السلام لان الله سبحانه اتخذهم اعضادا لخلقه فاذا تحقق لك هذه الامور ثبت عندك انهم الملجأ و الملاذ و المرجع في كل شيء صدر عن مشية الله بعدهم من عين او معني جوهر او عرض ذات او صفة حال او ظرف او بعد جسمي او بعد مكاني او بعد زماني و الحاصل ان كل شيء يلتجأ اليهم في جهة فقره و تختلف حوائج السائلين اليهم فمنهم في خلق او رزق او حيوة او ممات و منهم في نمو و غذاء و منهم في بقاء و حفظ و منهم في طلب و رجاء و منهم في استجارة و وقاء الي غير ذلك علي حسب استعداداتهم و هو قول علي بن الحسين عليه السلام الهي وقف السائلون ببابك و لاذ الفقراء بجنابك يا شافي يا كافي يا معافي يا ارحم الراحمين ، انتهي كلامه اعلي الله مقامه و انار في العالمين اعلامه و الكلام في معني الكهف و اللائذين به المتحصنين فيه بعد بيانه روحي فداه فضل لا حاجة اليه .