بقي الكلام فيما روي في اخبار اصحاب الكهف عن الصادق عليه السلام انه لايدخل الجنة من البهائم الا ثلثة حمارة بلعم بن باعورا [ص 129] و ذئب يوسف و كلب اصحاب الكهف و قد ذكرتم انه ينافي ما في بعض الاخبار ان الحيوانات لاتدخل الجنة و لايحضرني الآن من تلك الاخبار شيء و نسبتم الي مشايخنا اعلي الله مقامهم ان الحيوانات لا حشر لها لعدم شعورها و ليس كذلك و انما كلامهم انه لا حشر للحيوانات في محشر الانسان و اما علي نحو الاطلاق فلا بل الموجودات كلها لها حشر حتي الجماد و النبات و قد شرح ذلك شيخنا الاوحد اعلي الله مقامه اجمالا في جواب الشيخ احمد بن صالح القطيفي (ره) و قال ان كل مخلوق يحشر لان كل مخلوق مكلف من حيوان و جماد نام و غيره قال سبحانه و ما من دابة في الارض و لا طائر يطير بجناحيه الا امم امثالكم مافرطنا في الكتاب من شيء ثم الي ربهم يحشرون ثم استدل علي ذلك بدليل الحكمة اجمالا ان الوجود كله من نوع واحد كما ان النور المنبعث من السراج من نوع واحد الا انه كلما كان اقرب الي السراج كان اقوي و كلما كان ابعد كان اضعف و درجات الخلق بالنسبة الي مشية الله تعالي كذلك مختلفة و احساس الموجودات و ادراكها ايضا بهذه النسبة مختلفة و بقاؤها و دوامها و انقضاؤها و فناؤها ايضا كذلك و التكليف لكل شيء بنسبة شعوره و ادراكه و ثوابه و عقابه كذلك فان كان الشيء شاعرا حساسا باقيا دائما عند الخلق كان ثوابه او عقابه ايضا باقيا دائما عند الخلق و ان [ص 130] لميكن كذلك و كان منقطعا كان ثوابه و عقابه ايضا منقطعا عند الخلق و لكنه علي اي حال مذكور معلوم علي ما كان عند الله تعالي و هذا مجمل كلامه روحي فداه ، ثم استدل علي ذلك ببعض الاخبار في تكاليف بعض الاشياء و مجازاتها نحو ما روي في ماء زمزم و افتخاره علي الفرات و اجراء عين من الصبر فيه و نحو ذلك و الحاصل ان للحيوانات ايضا تكاليف و حشرا و نشرا و ثوابا و عقابا الا ان مرتبتها لاتتجاوز اسافل عالم المثال و هي من المواليد الزمانية اي ان تعينها و تشخصها بخصوصياتها الزمانية فما دامت هي موجودة ملتئمة و كانت حية فهي باقية عند الخلق و في انفسها و اذا اختلت و تفرقت و ماتت فنت عند الخلق و عند انفسها و رجعت الي اطلاقها و امتزجت باصلها كتراب جعلته لبنة فكانت لبنة معينة ثم بللتها و جعلتها طينا ثانيا فرجعت الي التراب ممازجة معه فالحيوانات ايضا كذلك مواليد زمانية الا انها اقرب الي اعلي الزمان من النبات و الجماد و اعلي الزمان انما هو للحيوان الحاكي للنفس الناطقة و دوينه لساير الحيوانات علي اختلاف درجاتها و علي اي حال الحيوانات من المواليد الزمانية و توجد و تفني في الزمان و تثاب و تعاقب فيه و جنتها و نارها ايضا من تلك العرصة بل اطلاق الجنة و النار دون ذلك ايضا لا مانع منه الاتري ان الفرات يجري من الجنة و نظائره متعددة و الحاصل ان دخول هذه الثلاثة [ص 131] من الحيوانات الجنة و نحوها في الاضحية و البعير الذي حج عليه مرات و امثالها انما هو في جنة تناسبهم و هي من حدهم و مقامهم و لمنجد في الاخبار ما يدل علي بقائها و خلودها في الجنة فانها بانفسها لاتبقي و لاتدوم فكيف يدوم بقاؤها في الجنة و ان كان الله قادرا علي ما يشاء و لكن معذلك قال مايعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم فتدبر و ان نظرنا الي بقائها و دوامها في اللوح المحفوظ فهو بقاء لله لا لانفسها الزمانية فان نفوسها فنت و اضمحلت و رجعت الي الاطلاق و امتزجت بموادها و الله سبحانه كما يثبتها في اللوح يثبت نعيمها و جنتها ايضا لكنها ليست لها و لاتتنعم بها بعد ما فنت في الزمان و علي اي حال اثبات حشر لها في محشر الانسان لا دليل عليه و قول اميرالمؤمنين عليه السلام في النفس الحيوانية ان عودها عود ممازجة ينافي القول بحشرها في محشر الاناسي و اعلم ان لكلمات آلمحمد عليهم السلام وجوها من المعاني و عللا و اسبابا لاداء مقاصدهم بأي لفظ المتر ما روي انه قال ابوعبدالله عليه السلام من مثل مثالا او اقتني كلبا فقد خرج من الاسلام فقيل له هلك اذا كثير من الناس فقال انما عنيت بقولي من مثل مثالا من نصب دينا غير دين الله و دعا الناس اليه و بقولي من اقتني كلبا مبغضا لاهل البيت اقتناه فاطعمه و سقاه من فعل ذلك فقد خرج من الاسلام و قيل له بلغنا عن رسول الله صلي الله عليه و آله [ص 132] انه قال ان الله تبارك ليبغض البيت اللحم و اللحم السمين فقال انا لنأكل اللحم و نحبه و انما عني البيت الذي يؤكل فيه لحوم الناس بالغيبة و عني باللحم السمين المتبختر و المختال في مشيه ، و يخطر ببالي ان رسول الله صلي الله عليه و آله كان في غزوة يعطي المؤلفة قلوبهم من الغنايم فاتاه ضعيف او منافق و سأله عنها مع فضاضة و خشونة فاقبل رسول الله صلي الله عليه و آله الي اميرالمؤمنين عليه السلام و قال اقطع لسانه فزعم الناس انه امر بقطع لسانه ظاهرا ثم رأوا اميرالمؤمنين عليه السلام ذهب و اخذ شيئا من الغنائم و اعطاه و الحاصل ان كثيرا ما يتفق ان لايراد من الكلمة ظاهرها و لعل من تلك الكلمات نحو هذا الخبر فانك تعلم ان ذئب يوسف (ع) مثلا لميكن ذئب معين هناك فيتهمه اخوة يوسف ان هذا الذئب اكله و انما هو كلام نوعي يشمل كل ذئب كان موجودا في تلك البرية اقلا فلتكن كلها من اهل الجنة بمقتضي هذا الخبر و هو بعيد بداهة فلعل من تلك الوجوه التحريص علي الخيرات و لو بالنظر الي حال الحيوان انه مع خساسته يفعل كذا فلم لاافعل انا مثلا كما تري في الاخبار انهم (ع) مدحوا بعض الاخلاق من بعض الحيوانات حتي من نحو الكلب مثلا و الله العالم بحقايق اسراره و علي اي حال بمحض وجود بعض تلك الاخبار يشكل القول بخلاف ما ثبت من كلام اميرالمؤمنين عليه السلام [ص 133] ان الحيوانات عودها ممازجة اي في محشر الاناسي هي ممازجة دون ذلك في موادها النوعية و لاتأتي هناك ممتازة متشخصة علي ان هنا بعض اخبار من طرق العامة يدل علي عود الحيوانات كاقتصاص الجماء من القرناء و امثالها و لا اعتماد عليها بهذا المعني الا ان تأول بما لاتخالف قول اميرالمؤمنين عليه السلام و لا حاجة الي تفصيل زايد فان مولاي ابي العلامة اعلي الله مقامه ايضا قد بين هذا في الفطرة السليمة فان شئت فراجع .
الخامسة - قد ذكر مولاي العلامة اعلي الله مقامه و رفع في جنات الخلد اعلامه في حواشيه علي كتاب الله العظيم عند قوله تعالي و مايعمر من معمر و لاينقص من عمره الا في كتاب ان ذلك علي الله يسير حديثا و هو هذا مانعلم شيئا يزيد في العمر الا صلة الرحم حتي ان الرجل يكون اجله ثلاث سنين فيكون وصولا للرحم فيزيد الله في عمره ثلثين سنة الي آخر فان ظاهر الحديث يدل ان عمره كان قبل صلة الرحم ثلاث سنين فزادت بصلة ثلاثين و يشكل ذلك ان كان المراد بها الصلة الشرعية الظاهرية فان ابن سنتين او ثلاث لايعرف الصلة و القطيعة فضلا عن ان تصدر منه احداهما فكيف يترتب عليهما ذلك الحكم و ان كان المراد انه في علم الله يكون وصولا و علم الله اولي بحقيقة التصديق فذلك و ان كان حقا الا ان الله سبحانه لميجر احكامه الظاهرية علي هذا المنوال و المأمول من فضلكم و جودكم ان [ص 134] تمنوا علي بالجواب ان رأيتم صلاحا في ذلك و السلام عليكم اولا و آخرا بدءا و عودا مني و من اخواني اهل البصرة و المحمرة و ما ولاهما و رحمة الله حررته بيدي الداثرة في ليلة الخميس الثانية و العشرين من شهر ربيع الثاني و انا العبد المسكين رقكم و عبيدكم عبدالله الموسوي البصري .
اقول و عليكم يا سيدي و علي اخواني من اهل البصرة و المحمرة السلام و التحية و الاكرام و اعتذر اليكم من طول المدة في جواب المسائل و لكني كما ترون في تشويش حال و تبلبل بال ماكان يسعني و يتيسر لي الجواب و لماقدر معذلك علي اداء حقكم من حسن الاجابة و العذر عند كرام الناس مقبول و اما هذا الاشكال في معني الخبر فلا اشكال فيه فان الاجل هنا غاية وقت حلول الموت او المدة الباقية من العمر و المراد انه اذا بقي من عمر الرجل ثلث سنين فوصل رحمه يزيد في عمره علي ان المتبادر من لفظ الرجل ما اذا كان كبيرا و اما اذا كان صغيرا يقال له الصبي او الطفل او الغلام مثلا علي حسب سنه و اما الرجل و ان كان خلاف المرأة و لكن استعماله في الطفل غير متداول علي ان الاخبار بعضها شارح لبعض و هي بالمعني الذي ذكرنا متعددة قال الرضا عليه السلام يكون الرجل يصل رحمه فيكون قد بقي من عمره ثلث سنين فيصيرها الله ثلثين سنة و يفعل الله ما يشاء ، و بهذا المعني اخبار كثيرة و نسأل الله عز و جل [ص 135] للعمل بمقتضاها و لا حاجة الي تفصيل زايد .
و قد تمت الرسالة في الثالث و العشرين من شعبان المعظم سنة ثمان و اربعين بعد ثلثمأة و الف حامدا مصليا مستغفرا راجيا عفو ربه معتذرا الي اخواني ملتمسا لعفوهم عما قصرت في اداء حقوقهم و نسأل الله العفو عنا و عنهم جميعا فانه هو العفو الغفور .