و قوله (ع) : و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدايقنا الباكورة ، فاعلم ان روح القدس علي ما يظهر من الاخبار انما هو العقل الكلي و قد قال الصادق (ع) ان الله تبارك و تعالي خلق روح القدس و لميخلق خلقا اقرب اليه و ليست باكرم خلقه عليه الخبر ، و عن النبي (ص) اول ما خلق الله العقل و عن الصادق عليه السلام ان الله تعالي خلق العقل و هو اول خلق خلقه من الروحانيين عن يمين العرش من نوره ، و هو صريح في ان المراد من روح القدس ايضا هو هذا و به يؤيدهم الله و يسددهم من غير حاجة منهم اليه كما في الملائكة و انما هم بمنزلة خدمهم يعملون بامر الله و امرهم و لايعصون الله ابدا و يفعلون ما يؤمرون و لايفترون و اعلم ان اولية العقل او الروح انما هي في عرصة الاكوان و الا فالامكان مقدم عليه و قوله [ص 67] تعالي له الخلق و الامر انما يكون الخلق من مقام العقل الي ما دونه و الامر من مراتب الامكان كما هو معلوم الا ان الامر امر فعلي و امر مفعولي و كلاهما من الامكان فالامر الفعلي امكان راجح و الامر المفعولي امكان جايز و كلاهما مقدم علي الخلق بالمعني الاخص بالجملة فالعقل اول الاكوان و هو روح القدس اي المقدس عن الشوائب الصورية و لوازم الانية و دونه الروح الملكوتي و هما الروحان الذان قال علي بن ابيطالب عليه السلام ان لله نهرا دون عرشه و دون النهر الذي دون عرشه نور من نوره و ان في حافتي النهر روحين مخلوقين روح القدس و روح من امره الحديث ، و العرش مقام المشية و النهر الامكان الجايز و قد يعبر عنه بالنون و الصاد كما في الكتاب و السنة و الروحان المخلوقان في حافتي ذلك النهر العقل الجبروتي و الروح الملكوتي و اما النور من نوره فهو الحقيقة المحمدية صلوات الله عليه و آله التي يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار بالجملة ثم ان دون الروح الملكوتي النفس القدسية الملكوتية التي قال اميرالمؤمنين عليه السلام في حقها قوة لاهوتية بدء ايجادها عند الولادة الدنيوية مقرها العلوم الحقيقية الدينية موادها التأييدات العقلية فعلها المعارف الربانية ، اقول و هو في بيان نفوس الاناسي في الخلق الدنياوي و غرضنا من ذكره بيان ترتبها علي العقل و ان موادها من تأييداته بالجملة و قد ذكرنا في [ص 68] ابتداء الشرح ان المولود مركب من مادة و صورة و هما بعبارة اخري العقل و النفس فالعقل مادته و النفس صورته و هما بكليتهما و جمعيتهما انما يجتمعان في الخلق الاول و اما فيمن دونه فعلي حسبهم في مقامهم فالنفوس القدسية الانسانية موادها من تأييدات العقل لا من نفسه و عينه بالجملة فالعقل و هو مادة المولود يمينه و النفس يساره و هي اليسار الذي خلقت حواء و هي زوجة آدم عليه السلام من ضلعه الايسر اي من نفسه و هو قوله تعالي خلق لكم من انفسكم ازواجا فالنفس يسار المولود المركب منهما و هي عرصة الجنان له كما في دعاء الوضوء اللهم اعطني كتابي بيميني و الخلد في الجنان بيساري ، فاليمين مقام العقل و كتابه المعطي بيمينه كتاب حسناته التي عملها بمقتضي عقله فان العقل ما عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و اليسار مقام نفسه محل الجنان المكتسب بالعقل و الحاصل بتأييده و توفيقه و تسديده فالعقل سببها المادي و المسبب متأخر عن السبب و انما صارت النفس محل الجنان لان الشهوة و الالتذاذ بالنعمة من شأن النفس ان الذين سبقت لهم منا الحسني اولئك عنها مبعدون لايسمعون حسيسها و هم فيما اشتهت انفسهم خالدون و الضمير في عنها راجع الي جهنم و قال ان الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة الاتخافوا و لاتحزنوا و ابشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن اولياؤكم في الحيوة [ص 69] الدنيا و في الآخرة و لكم فيها ما تشتهي انفسكم و لكم فيها ما تدعون فالجنة مقامها عرصة النفس و النفس اذا صارت مطمئنة راضية مرضية و جعلت شهوته و محبته في خالقه جعل الله تعالي ما اشتهت نعمة لها و جنة فتدبر و اعلم ان درجات الجنان مترامية من لدن العقل الي عالم النفس بل و الي عالم الطبيعة فان الجان المؤمنين ايضا يدخلون الجنة و معذلك لايتجاوزون عرصة الطبيعة و جنان الانس من عرصة النفس الي الروح الي العقل و هو قولهم عليهم السلام الجنة اسفلها اكل و شرب و اعلاها العلم ، و العلم صوري و معنوي و العلم المعنوي من شأن العقل و الاكل و الشرب الحاصل من الشهوة من شأن النفس و هي مركز الجنان علي المعني الخاص و ان كان الاعلي اعلي و اما فوق مقام العقل فهو اعلي من مقام الجنان و هو قولهم (ع) اذا تنعم اهل الجنة بالجنة تنعم اهل الله بلقاء الله ، فلقاء الله من فوق مراتب الجنان و هو مقام الرضوان بالجملة فاعلي درجات الجنان من مقام العقل و هي صاقورة الجنان و قحف رأسها و روح القدس الذي هو العقل يذوق من حدايقهم هناك باكورتها و اول ما ادرك من ثمارها بعد ان لمتكن لكنه من جهة عدم جامعيته و عدم كونه من اكرم الخلق كما مر في الخبر لايذوق بنفسه من ساير الثمار و من جميع الحدايق الا ما يذوق منها بالوسايط فالنفس القدسية [ص 70] تتكون من تأييد العقل ثم تتنعم بما هو من شأنها و كذلك المواليد الروحانية اي الانبياء تتكون من تأييده و يتنعمون في جنانهم بما هو من شأنهم و يكفي ما ذكرنا في بيان هذه الفقرة ان شاء الله .
قال عليه السلام : و شيعتنا الفئة الناجية و الفرقة الزاكية صاروا لنا ردءا و صونا و علي اعدائنا البا و عونا .
انظر الي جامعية الكتاب المستطاب لمراتب المعرفة و قد كان هذا من دأب مولانا العسكري عليه السلام في الغالب كما هو محسوس فيما وجد من تفسيره عليه السلام علي رغم المنكرين لفضل شيعة آلمحمد عليهم السلام و هذه الفقرة ايضا جرت علي حذو سابقتيها فان الزكوة قد تأتي بمعني صفوة المال و التزكية التطهير و الفرقة الزاكية الطاهرة الصالحة قال الله تعالي مازكا منكم من احد و المتر الي الذين يزكون انفسهم بل الله يزكي من يشاء و قال لاهب لك غلاما زكيا اي طاهرا من الشرك و الذنوب و تزكية هذه الفرقة من شأنه تعالي و الله يزكي من يشاء و مازكا منكم من احد و النجاة ايضا اما من الهلاك فمعلوم و يأتي بمعني الرفع و الارتفاع و النجوة الارض المرتفعة و هي ايضا في معني التزكية و التصفية و التطهير كما هو معلوم فهذه الفئة و الفرقة لما صاروا ردءا و صونا و ظهيرا معينا يصوننا عن الآفات و الشرور و البا و عونا تجمعوا علي دفع اعدائنا و الاعانة علي ضررهم طهرهم الله و زكاهم و صفاهم و رفعهم عن حضيض [ص 71] الكثافات و الخبائث و نجاهم من الهلكات و هي كلها من ظهور نور الاصطفاء صلي الله علي محمد و آلمحمد كما تشهد به آية ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا و قد روي في البرهان عن ابيعبدالله (ع) في قوله تعالي و الارض و ما طحيها قال الارض الشيعة و نفس و ما سواها قال هو المؤمن المستوي هو علي الخلق و قوله فالهمها فجورها و تقويها قال عرفت الحق من الباطل فذلك قوله و نفس و ما سواها ، قد افلح من زكاها قال قد افلحت نفس زكاها الله و قد خاب من دسيها و الله قوله كذبت ثمود بطغويها قال ثمود رهط من الشيعة فان الله سبحانه يقول فاما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمي علي الهدي فاخذتهم صاعقة العذاب الهون فهو السيف اذا قام القائم ، اقول لعل هؤلاء الرهط من الشيعة الذين عبر عنهم بثمود او جماعة منهم هم الذين روي فيهم عن ابيجعفر (ع) في حديث و يسير الي الكوفة فيخرج منها ستةعشر الفا من البترية ● شاكين في السلاح قراء القرآن فقهاء في الدين قد قرعوا جباههم و شمروا ثيابهم و عمهم النفاق و كلهم يقول يا بن فاطمة ارجع لا حاجة لنا فيك فيضع السيف فيهم علي ظهر النجف عشية الاثنين من العصر الي العشاء فيقتلهم اسرع من جزر جزور فلايفوت منهم رجل و لايصاب من اصحابه احد دماؤهم قربان الي الله الخبر ، و نحو ذلك في خبر آخر و الغرض ان الفرقة الزاكية هؤلاء الذين [ص 72] زكاهم الله و طهرهم من الدنس لما بذلوا انفسهم في نصرة آلمحمد عليهم السلام بذكر فضائلهم و الذب عنهم بدفع اعدائهم و رد شبهاتهم و اكاذيبهم و ظنونهم و آرائهم فكلما سعوا هؤلاء في تخريب بنيان الدين و اعراض الخلق عن الائمة الطاهرين صلوات الله عليهم اجمعين قيض الله جماعة من اولياء آلمحمد عليهم السلام يقومون بازائهم يردون عليهم و يظهرون كيدهم و مكرهم و فساد اقوالهم و اعمالهم و في الكتاب المبين عن ابيالحسن العسكري عليه السلام قال قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام علماء شيعتنا مرابطون بالثغر الذي يلي ابليس و عفاريته يمنعونهم عن الخروج علي ضعفاء شيعتنا و عن ان يتسلط عليهم ابليس و شيعته النواصب الا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان افضل ممن جاهد الروم و الترك و الخزر الف الف مرة لانه يدفع عن اديان محبينا و ذلك يدفع عن ابدانهم ، و الاخبار بهذه المعاني متكثرة و لسنا بصدد التفصيل و كذلك الاخبار في زكاء طينتهم و طهارة مولدهم عن الادناس و نجاتهم من الهلكات اكثر من ان تحصي فان شئت فراجع الي الكتاب المبين و غيره من الجوامع .
قال عليه السلام : و سيحفر ( سينفجر خل . سيسفر خل ) لهم ( لنا خل ) ينابيع الحيوان بعد لظي النيران ( خ . لتمام الم و طه و الطواسين من السنين ) .
و قد تصدي بعض المنتحلين لبعض العلوم الحرفية للحساب و جمعوا اعداد [ص 73] الحروف المقطعة الواقعة في اوايل السور و زاد بعضهم حروف لظي النيران ايضا و حاسبوها و زادوا و نقصوا و زعموا ان بهذه الحسبانات يمكن استخراج سني غيبة القائم عليه السلام كما زعموا في حديث ابيلبيد المخزومي ايضا حتي انه يخطر ببالي ان المجلسي رحمه الله ايضا حاسب حسبانات علي اعداد مختلفة في دوائر حروف ابجد و عندي انه لايجوز الاعتماد علي هذه الحسبانات ابدا انظر الي الاخبار المانعة عن التوقيت و خاصة فيما رواه المفضل بن عمر رضوان الله عليه حيث ذكر الصادق عليه السلام آيات من الكتاب مخصصة لعلم الساعة به تعالي و ان من وقت هذا الامر فقد شارك الله في علمه و قالوا عليهم السلام انا لمنوقت فيما مضي و لانوقت فيما يستقبل و من وقت لك هذا الامر فلاتهابن ان تكذبه و كذب الوقاتون و كذب الوقاتون ، الي غير ذلك من الالفاظ و معذلك كيف يجوز لشيعي الاعتماد علي هذه الحسبانات و امثال تلك الاخبار ان كانت صحيحة فهي من الرموز التي لاتفك الا بعد ظهوره عليه السلام كبعض العلل في غيبته عليه السلام انهم (ع) قالوا انها سر من سر الله و امر من امر الله و لايكشف عنها الا بعد خروجه عليه السلام كما لميظهر علل ما فعله خضر عليه السلام الا بعد مفارقة موسي (ع) اياه بالجملة و الحاصل انه لايستفاد من هذه الرموز شيء يعتمد عليه علي انه مما وجد في نسخة دون نسخة و اختص بالم [ص 74] و طه و الطواسين مع ان الحروف المقطعة في اوايل السور اكثر من ذلك و قد يشمل الكل حديث ابيلبيد و من المحتمل ان ذكر هذه خاصة هنا ايضا من باب التمثيل و المراد كل الحروف و العلم عند الله فلا حاجة الي التعمق فيها من هذه الجهة و المراد من قوله عليه السلام لظي النيران ، الشدايد التي نزلت و تنزل علي الشيعة في زمن الغيبة التي اشير اليها في حديث اللوح و غيره من الاخبار و ان كان الصحيح سيحفر لنا كما في نسخة فيعم لظي النيران الشدايد التي اصابتهم صلوات الله عليهم حتي ما اصاب النبي صلي الله عليه و آله بنفسه و قد روي من قوله (ص) مااوذي نبي مثل ما اوذيت ، و لكن الظاهر ان الصحيح سيحفر لهم بمناسبة ما قبله القريب منه فيرجع الي الشيعة و حفر ينابيع الحيوة و انفجارها اخيرا لهم انما يناسب حال الشيعة بداهة فان آلمحمد (ص) قد انفجرت لهم الينابيع من بدؤ خلقهم و لميكونوا امواتا ابدا و لايموتون كيف و الله تعالي يقول في القدسي يا بن آدم انا حي لااموت اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي حيا لاتموت ، و قال استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم ، و لاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله و رسول الله و آله (ص) بنص الكتاب اول المسلمين و اول العابدين بل هم عين روح الله و نفسه التي بها حيوة كل شيء و الماء الذي منه حيوة كل [ص 75] شيء انما تفجر من تحت عرشهم الذي هو عرش الله و مستوي الرحمن و لايحتاجون الي ان ينفجر بعد ذلك لهم ينابيع الحيوان و لكن شيعتهم اذا ساروا في ظلمات ايام الغيبة و طلبوا ذلك الماء المعين الذي غار في تلك الظلم كما قال تعالي قل ارأيتم ان اصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ينفجر لهم ذلك الماء بعد عسر و كد و طلب و تعب شديد و في البرهان بسنده عن علي بن جعفر عن اخيه موسي بن جعفر قال قلت له تأويل قول الله عز و جل قل ارأيتم ان اصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين فقال اذا فقدتم امامكم فلمتروه فماذا تصنعون ، و الاخبار بهذا المعني متعددة و سئل الرضا عليه السلام عن قول الله عز و جل قل ارأيتم الآية ، فقال عليه السلام ماؤكم ابوابكم اي الائمة و الائمة ابواب الله بينه و بين خلقه فمن يأتيكم بماء معين يعني بعلم الامام ، اقول و هذا الخبر يشتمل علي الباطن و التأويل معا و يمكن بمقتضاه و مقتضي الخبر الذي كلامنا فيه ان يقال ان المراد من ينابيع الحيوة ينابيع العلم و قد قال اميرالمؤمنين العالم حي و ان كان ميتا و الجاهل ميت و ان كان حيا و قال (ع) العالم حي بين الموتي الجاهل ميت بين الاحياء و عن ابيعبدالله (ع) جعفر بن محمد عن آبائه عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلي الله عليه و آله العالم بين الجهال كالحي بين الاموات و في رسالة ابيجعفر عليه السلام [ص 76] الي سعد الخير الي ان قال يا اخي ان الله عز و جل جعل في كل من الرسل بقايا من اهل العلم يدعون من ضل الي الهدي و يصبرون معهم علي الاذي يجيبون داعي الله و يدعون الي الله علي (خ) بصيرة (خ) فابصرهم رحمك الله فانهم في منزلة رفيعة و ان اصابتهم في الدنيا وضيعة انهم يحيون بكتاب الله الموتي و يبصرون بنور الله من العمي كم من قتيل لابليس قد احيوه و كم تايه ضال قد هدوه يبذلون دماءهم دون هلكة العباد ما احسن اثرهم علي العباد و اقبح آثار العباد عليهم ، اقول فاهل العلم و المتعلمون منهم مع خلوص النية احياء بنور العلم و اليقين و المعرفة و قد روي عن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال قال النبي (ص) لعلي عليه السلام يا علي و اعلم ان اعظم الناس يقينا قوم يكونون في آخر الزمان لميلحقوا النبي (ص) و حجب عنهم الحجة فآمنوا بسواد في بياض و عن ابيخالد الكابلي عن علي بن الحسين عليهما السلام قال تمتد الغيبة بولي الله الثانيعشر من اوصياء رسول الله صلي الله عليه و آله و الائمة بعده يا اباخالد ان اهل زمان غيبته القائلون بامامته المنتظرون لظهوره افضل اهل كل زمان لان الله تعالي ذكره اعطاهم من العقول و الافهام و المعرفة ما صارت به الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة و جعلهم في ذلك الزمان بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله (ص) بالسيف اولئك المخلصون [ص 77] حقا و شيعتنا صدقا و الدعاة الي دين الله سرا و جهرا و قال انتظار الفرج من اعظم الفرج ، اقول فامثال هؤلاء قد انفجرت لهم ينابيع الحيوة و حييوا بانوار العلم و المعرفة و الايمان و اليقين لانهم كأنهم من اهل المعاينة و صارت الغيبة عندهم بمنزلة المشاهدة و ازيدك خبرا آخر تقر به عينا بعون الله و توفيقه و اشكر الله علي هدايته و الحمد لله الذي هدانا لهذا و ماكنا لنهتدي لولا ان هدانا الله فعن ابيبصير عن ابيعبدالله عليه السلام قال قال الله اجل و اكرم و اعظم من ان يترك الارض بلا امام عادل قال قلت له جعلت فداك فاخبرني بما استريح اليه قال يا ابامحمد ليس يري امة محمد فرجا ابدا ما دام لولد بني فلان ملك حتي ينقرض ملكهم فاذا انقرض ملكهم اتاح الله لامة محمد برجل منا اهل البيت يشير بالتقي و يعمل بالهدي و لايأخذ في حكمه الرشا والله اني لاعرفه باسمه و اسم ابيه ثم يأتينا الغليظ القصرة ذو الخال و الشامتين القائم العادل الحافظ لما استودع يملأها عدلا و قسطا كما ملأها الفجار جورا و ظلما ، اقول قد كتب اخي العلامة (اع) في هامش هذا الحديث : يشبه ان يكون هذا الرجل الذي يقوم قبل القائم عليه السلام احمد بن زينالدين اعلي الله مقامه و ظن ابنطاوس انه هو لانه كان بعد ملك بني العباس و كان يشير بالتقي و يعمل بالهدي و الله اعلم انتهي . و الحاصل ان ينابيع الحيوان يمكن [ص 78] ان يكون المراد منها العلماء الداعون الي آلمحمد عليهم السلام الداعين الي ما يحيي الناس من قوله استجيبوا لله و للرسول اذا دعاكم لما يحييكم و بالقياس الي ذلك ايضا يمكن ان يقال ان المراد من لظي النيران ايضا مخالفوهم الناصبون الداعون الي النار فان ابتلاء الشيعة المخلصين بامثال هؤلاء قد كان من زمانهم (ص) الي زماننا هذا و قد روي عن العسكري عليه السلام انه خاطب اباهاشم الجعفري فقال يا اباهاشم سيأتي زمان علي الناس وجوههم ضاحكة مستبشرة و قلوبهم مظلمة منكدرة السنة فيهم بدعة و البدعة فيهم سنة المؤمن بينهم محقر و الفاسق بينهم موقر امراؤهم جاهلون جائرون و علماؤهم في ابواب الظلمة سائرون اغنياؤهم يسرقون زاد الفقراء و اصاغرهم يتقدمون علي الكبراء كل جاهل عندهم خبير و كل مجيل ● عندهم فقير لايميزون بين المخلص و المرتاب و لايعرفون الضأن من الذئاب علماؤهم شرار خلق الله علي وجه الارض لانهم يميلون الي الفلسفة و التصوف و ايم الله انهم من اهل العدول و التحرف يبالغون في حب مخالفينا و يضلون شيعتنا و موالينا فان انالوا منصبا لميشبعوا من الرشا و ان خذلوا عبدوا الله علي الريا الا انهم قطاع طريق المؤمنين و الدعاة الي نحلة الملحدين فمن ادركهم فليحذرهم و ليصن دينه و ايمانه ثم قال يا اباهاشم هذا ما حدثني به ابي عن آبائه عن جعفر بن محمد [ص 79] عليهم السلام و هو من اسرارنا فاكتمه الا عن اهله و عن العسكري عليه السلام ايضا في حديث ذكر حال علماء اليهود الي ان قال و كذلك عوام امتنا اذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر و العصبية الشديدة و التكالب علي حطام الدنيا و حرامها و اهلاك من يتعصبون عليه و ان كان اصلاح (كذا) امره مستحقا و بالترفرف بالبر و الاحسان علي من تعصبوا له و ان كان للاذلال و الاهانة مستحقا فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالي بالتقليد لفسقة فقهائهم فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا علي هواه مطيعا لامر مولاه فللعوام ان يقلدوه و ذلك لايكون الا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم فاما من ركب من القبايح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلاتقبلوا منهم عنا شيئا و لا كرامة و انما كثر التخليط فيما يتحمل عنا اهل البيت لذلك لان الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه باسره لجهلهم و يضعون الاشياء علي غير وجوهها لقلة معرفتهم و آخرين يتعمدون علينا الكذب ليحرزوا من عرض الدنيا ما هو زادهم الي نار جهنم و منهم قوم نصاب لايقدرون علي القدح فينا فيتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا و ينتقصون لنا عند نصابنا ( انصارنا خل ) ثم يضيفون اليه اضعافه و اضعاف اضعافه من الاكاذيب علينا التي نحن برءاء منها [ص 80] فيتقبله المستسلمون من شيعتنا علي انه من علومنا فضلوا و اضلوهم و هم اضر علي ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد علي الحسين بن علي عليهما السلام و اصحابه فانهم يسلبونهم الارواح و الاموال و للمسلوبين عند الله عز و جل افضل الاحوال لما لحقهم من اعدائهم و هؤلاء علماء السوء الناصبون المشبهون بانهم لنا موالون و لاعدائنا معادون يدخلون الشك و الشبهة علي ضعفاء شيعتنا فيضلونهم و يمنعونهم عن قصد الحق المصيب لا جرم ان من علم الله من قلبه من هؤلاء العوام انه لايريد الا صيانة دينه و تعظيم وليه لميتركه في يد هذا الملبس الكافر و لكنه يقيض له مؤمنا يقف به علي الصواب ثم يوفقه الله للقبول منه فيجمع له بذلك خير الدنيا و الآخرة و يجمع علي من اضله لعن الدنيا و عذاب الآخرة ، اقول قد ذكرنا هذه الاخبار لتعلم ان لظي النيران حقيقة من غير تأويل ما يؤججون هؤلاء من النيران علي عوام الشيعة المساكين و اما الشدائد الواردة علي الشيعة فهي و ان كانت صعبة لكنها من عذاب الدنيا الفانية و للمبتلين بها معذلك عند الله افضل الاحوال في البرزخ و الآخرة بفضل الله و جوده و ينابيع الحيوان لهم في العاجل انما ينفجر بسعي العلماء الراشدين جزاهم الله عنا و عن جميع المسلمين المسلّمين لهم خير جزاء المحسنين و شكر سعيهم بحق محمد و آله الطيبين صلواته عليهم اجمعين و في الآجل [ص 81] فسينفجر ببركات مولانا الحجة عجل الله فرجه و اصحابه الكبار من ماء الحيوة و العلم و المعرفة ما يستغني به اصحابه عن الشمس و القمر و تقوي ابصارهم و بصائرهم بحيث يرون الماضين من الائمة الطاهرين (ص) و اصحابهم المخلصين الماحضين انهم رجعوا الي الدنيا و هم احياء كأنهم لميموتوا ابدا و انما ذلك بقوة بصائرهم و الا فان اهل الرجعة يرجعون بعد موتهم في الدنيا علي اختلاف درجاتهم بلا مهلة او مهلة قليلة و لاينتظرون ان يرجعوا بعد ذلك و انما الانتظار لاهل الدنيا فينتظرون ان تقوي بصائرهم فيرون اهل الرجعة و يعرفونهم فالحيوة الواقعية انما تحصل للمؤمنين في ظهوره عليه السلام و قد روي ان اهل زمانه تزيد علومهم و معارفهم حتي ان العجوزة المؤمنة تتفقه في دينه و لايحضرني الآن محل الرواية حتي ارويها بلفظها و هذا حاصل من اخبار متكثرة في شأن اصحابه صلوات الله عليه .
ثم في نسخة قال عليه السلام : و هذا الكتاب درة من درر الرحمة و قطرة من بحر الحكمة .
و هو هكذا حقيقة و هنا حديث آخر وجد بخطه عليه السلام و هو ايضا لما كان درة من درر الرحمة احببت نقله ليكون الختام ايضا مسكا ففي الكتاب المبين انه وجد بخط مولانا ابيمحمد العسكري عليه السلام اعوذ بالله من قوم حذفوا محكمات الكتاب و نسوا الله رب الارباب و النبي و ساقي الكوثر في مواقف الحساب و لظي [ص 82] و الطامة الكبري و نعيم دار الثواب فنحن السنام الاعظم و فينا النبوة و الولاية و الكرم و نحن منار الهدي و العروة الوثقي و الانبياء كانوا يقتبسون من انوارنا و يقتفون آثارنا و سيظهر حجة الله علي الخلق بالسيف المسلول لاظهار الحق و هذا خط الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي اميرالمؤمنين ، اقول و الكتابان المستطابان قريبان بحسب المضمون و نقتصر علي ما ذكر في شرح الكتاب المسؤل عنه و التوفيق من الله الوهاب .
قال ايده الله تعالي : الثانية - بيان قوله تعالي و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون فما المراد بالكتابة و الزبور و الذكر و الارض و الارث و العباد الصالحين ظاهرا و باطنا و تأويلا و ما المراد بالبعدية المذكورة اهي البعدية الزمانية او الرتبية و ان كان المراد بالعباد الصالحين الائمة سلام الله عليهم اولا و بالذات و شيعتهم ثانيا و بالعرض كما يشهد به بعض الاخبار فالارض بأي معني من معانيها لمتخرج من ايديهم سابقا حتي يرثوها لاحقا كما هو صريح بعض الاخبار ايضا .
اقول قال الطبرسي (ره) بعد ذكر صدر الآية في تفسير الزبور و الذكر ان فيه اقوال احدها ان الزبور كتب الانبياء و معناه كتبنا في الكتب التي انزلناها علي الانبياء من بعد كتبته في الذكر اي ام الكتاب [ص 83] الذي في السماء و هو لوح المحفوظ عن سعيد بن جبير و مجاهد و ابن زيد و هو اختيار الزجاج قال لان الزبور و الكتاب بمعني واحد و زبرت كتبت و ثانيها ان الزبور الكتب المنزلة بعد التورية و الذكر هو التورية عن ابنعباس و الضحاك و ثالثها ان الزبور زبور داود و الذكر تورية موسي عن الشعبي و روي عنه ايضا ان الذكر القرآن و بعد بمعني قبل ان الارض يرثها عبادي الصالحون قيل يعني ارض الجنة يرثها عبادي المطيعون عن ابنعباس و سعيد بن جبير و ابن زيد فهو مثل قوله و اورثنا الارض و قوله الذين يرثون الفردوس و قيل هي ارض المعروفة يرثها امة محمد بالفتوح بعد اجلاء الكفار كما قال (ع) زويت لي الارض فاريت مشارقها و مغاربها و سيبلغ ملك امتي ما زوي لي منها عن ابنعباس في رواية اخري و قال ابوجعفر عليه السلام هم اصحاب المهدي في آخر الزمان و يدل علي ذلك ما رواه الخاص و العام عن النبي (ص) الي آخر ما نقل من روايات العامة في هذا المعني و لا حاجة الي نقلها ، اقول و لكل ما ذكروا وجه وجيه و يوجد في اخبارنا شواهده و لنذكر بعض الاخبار الواردة في هذا المضمار و لا قوة الا بالله ففي كنز الدقايق من تفسير علي بن ابرهيم قال في الكتب كلها ذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون قال القائم و اصحابه عليه السلام و قال الزبور فيه ملاحم و تحميد و تمجيد و دعاء و فيه قال اعطي الله [ص 84] داود و سليمن ما لميعط احد من الانبياء من الآيات علمهما منطق الطير و الان لهما الحديد و الصفر من غير نار و جعلت الجبال يسبحن مع داود فانزل الله اليه الزبور فيه توحيد و تمجيد و دعاء و اخبار رسول الله و اميرالمؤمنين و الائمة من ذريتهما عليهم السلام و اخبار الرجعة و ذكر القائم و عن ابيعبدالله (ع) انه سئل عن قول الله تعالي و لقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ما الزبور و ما الذكر قال الذكر عند الله و الزبور الذي انزل علي داود و كل كتاب نزل فهو عند اهل العلم و نحن هم و عن ابيجعفر عليه السلام قال قوله تعالي ان الارض لله يرثها عبادي الصالحون هم آلمحمد عليهم السلام و سئل (ع) عن قول الله لقد كتبنا في الزبور الآية ، قال نحن هم قال قلت ان في هذا لبلاغا لقوم عابدين قال هم شيعتنا و عن ابيالحسن موسي بن جعفر عليه السلام في قول الله و لقد كتبنا الآية ، قال آلمحمد و من تابعهم علي منهاجهم و الارض ارض الجنة و عن ابيجعفر عليه السلام قال قوله ان الارض يرثها عبادي الصالحون هم اصحاب المهدي آخر الزمان ، اقول و اطلاق الذكر علي القرآن معلوم و قد قال تعالي انا نحن نزلنا الذكر و انا له لحافظون و قال لما سمعوا الذكر و اطلاقه علي ساير الكتب ايضا معلوم و كلها ذكر الله و روي في الكنز قال ابوالحسن الرضا عليه السلام لابيقرة صاحب شبرمة التورية و الانجيل [ص 85] و الزبور و الفرقان و كل كتاب كان كلام الله انزله للعالمين نورا و هدي و هي كلها محدثة و هي غير الله حيث يقول الله او يحدث لهم ذكرا ، اقول فلا اشكال في الآية الشريفة من هذا الحيث حيث ان الذكر يطلق علي التورية و الصحف النازلة علي الانبياء قبل موسي (ع) و الزبور زبور داود عليه السلام و قد كتب في زبور داود (ع) بعد ما كتب في التورية و ساير ما نزل من عند الله قبل ذلك ان الارض يرثها عبادي الصالحون و ان اخذ الذكر بمعني القرآن ايضا فلا مانع منه الا اني لمار استعمال بعد بمعني قبل كما قالوا و في الفرايد و المعيار ذكر استعماله بمعني مع كقوله تعالي عتل بعد ذلك زنيم اي مع ذلك و لكن بمعني قبل فلميذكره الا ان للقرآن هيمنة علي ما قبله من الكتب كما قال تعالي و انزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب و مهيمنا عليه فجميع الكتب السابقة واقعة تحت هيمنة القرآن و من بعده و هو سابق علي الكل فلا مانع من ان يعد الزبور بعد القرآن و قد فسر ابي العلامة اعلي الله مقامه في تعليقاته علي كتاب الله الذكر هنا بالقرآن لان القرآن مهيمن علي الكتب و قول بعض المفسرين في الذكر انه ام الكتاب و هو اللوح المحفوظ ايضا صحيح و قد مر عن ابيعبدالله (ع) في تفسير الذكر انه عند الله و يصرح بهذا المعني ايضا ما روي في علل الشرايع سئل ابوعبدالله عليه السلام عن بدو النسل من آدم فقال عليه السلام فيما قال ويح هؤلاء اين هم عما لميختلف فيه فقهاء اهل الحجاز و لا فقهاء اهل [ص 86] العراق ان الله عز و جل امر القلم فجري علي اللوح المحفوظ بما هو كائن الي يوم القيمة قبل خلق آدم بالفي عام و ان كتب الله كلها فيما جري فيه القلم في كلها تحريم الاخوات علي الاخوة مع ما حرم و هذا نحن قد نري منها هذه الكتب الاربعة المشهورة في هذا العالم التورية و الانجيل و الزبور و الفرقان انزلها الله من اللوح المحفوظ علي رسله صلوات الله عليهم اجمعين منها التورية علي موسي و الزبور علي داود و الانجيل علي عيسي و الفرقان علي محمد صلي الله عليه و آله و علي النبيين عليهم السلام ليس فيها تحليل شيء من ذلك الحديث ، و بناءا عليه يصح قولهم ان الزبور يشمل جميع الكتب اي المكتوب قال تعالي و كل شيء فعلوه في الزبر و هو جمع زبور كرسول و رسل اي الكتب و دواوين الحفظة و صحفهم لكن في خبر ابيعبدالله (ع) في تفسير الذكر و الزبور قال الذكر عند الله و الزبور الذي انزل علي داود ، الا ان قوله و كل كتاب نزل فهو عند اهل العلم ، يومي الي اطلاق الزبور علي ما سوي المزمور ايضا فتدبر و الحاصل ان تفاسيرهم في هاتين الكلمتين قريبة و اما المراد من قوله ان الارض يرثها عبادي الصالحون فقد مر عن ابنعباس و غيره يعني ارض الجنة يرثها عبادي المطيعون و من اخبارنا ايضا عن ابيالحسن موسي بن جعفر (ع) قال آلمحمد و من تابعهم علي منهاجهم و الارض ارض الجنة ، اقول و هو ايضا قول الله تعالي و قالوا [ص 87] الحمد لله الذي صدقنا وعده و اورثنا الارض نتبوء من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين و لكن لايدل علي تخصيص الارض هنا بارض الجنة اي جنة الآخرة فان الله سبحانه يقول و نريد ان نمن علي الذين استضعفوا في الارض و نجعلهم ائمة و نجعلهم الوارثين و نمكن لهم في الارض و نري فرعون و هامان و جنودهما منهم ما كانوا يحذرون فانه ظاهر في هذه الارض و شواهده كثيرة في الاخبار و كذلك قال تعالي وعد الله الذين آمنوا و عملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض و ليمكنن لهم دينهم الذي ارتضي لهم الآية ، و هو ايضا ظاهر في هذه الارض و امثالهما ايضا توجد في الكتاب و هي كلها في الاخبار عن ظهور القائم عليه السلام و رجعتهم (ص) و ايام الظهور من الدنيا و الارض ارضها و كثر في الاخبار انه لو لميبق من الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتي يظهر القائم (ع) و يملأ الارض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا و الحاصل ان كون ارض الجنة موروثة لهم لاينافي كون ارض الدنيا ايضا لهم و راجعة اليهم و العباد الصالحون هم آلمحمد (ص) و شيعتهم التابعون علي منهاجهم و المراد من الكتابة كما سألتم ان كان المراد ظواهر تلك الكتب فهي علي ظاهرها و لا مانع من نسبة الكتابة الي نفسه و هو تعالي و ان كان لميكتب بل لمنسمع ان ينزل من السماء كتاب نحو الكتب الارضية الا ما ينقل من نزول [ص 88] تورية في لوح و النبي او الناس كانوا يكتبون و الكاتب اذا كتب بامر آمر ينسب الكتابة اليه علي ان الكتابة تأتي بمعني القضاء و الايجاب و الفرض و معانيها كثيرة فلا مانع من ان تكون الكتابة علي ظاهرها و اما ان كان المراد من الذكر اللوح المحفوظ فالكتابة فيه هي كيان تلك الكتب بحسب معانيها و الفاظها و مداليلها في اللوح المحفوظ بل و ثبوت موضوعاتها وجودا في اللوح و ذلك لان المراد من اللوح المحفوظ علي ما يظهر من اخبار كثيرة صفحات العوالم المجردة الدهرية الجبروتية و الملكوتية من مقام العقل الجبروتي الي مقام النفس الملكوتية فانها عوالم مجردة دهرية و هي بدهريتها محيطة بما كان و ما يكون الي يوم القيمة الا ان ما مضي في عرصة الزمان فهي ثابتة في اللوح دهرا علي ما مضي زمانا و لايتغير و لايتبدل و ما لميمض فهو ثابت في اللوح علي الكلية و الاطلاق الي ان يمضي و يتعين في عرصة الزمان و قد فصل و بين هذه المطالب مولاي و سيدي ابي العلامة اعلي الله مقامه في كتبه و خاصة في رسالته المسماة باللوح المحفوظ فالامور الآتية مذكورة فيها علي نحو الكلية الا انها لكمال وحدتها و كليتها و احاطتها علي جميع الزمانيات لايفصل فيها بين ما مضي و ما سيأتي تفصيلا زمانيا و انما يفصل بينها في اسافلها و اظلالها في عرصات المثال و اما في عرصة الملكوت و الجبروت الخالصة في الدهرية فكان ما مضي [ص 89] و ما سيأتي كلها بالفعل و ان كان ما سيأتي لميمض في عرصة الدنيا و يقبل المحو و التغير فتدبر و المسألة صعبة معسر بيانها بلسان سهل بالجملة ثم ان مما يأتي في عرصة الزمان وراثة عباد الله الصالحين الارض و ما فيها ظاهرا و باطنا و هي و ان لمتقع بعد ظاهرا في الدنيا علي نحو الشهود و البروز بحيث يشهده و يعرفه العالم و الجاهل لما اشرنا سابقا انه تعالي لما اراد الامتحان و الافتتان فمن باب قوله نكروا لها عرشها ننظر اتهتدي ام تكون من الذين لايهتدون و قوله ان الساعة آتية اكاد اخفيها لتجزي كل نفس بما تسعي اجري الامور علي ما تري و اخفي وراثتهم ظاهرا مع انه امر قد علمه الله سبحانه في سابق علمه و بني ملكه عليه و هو الحق الذي لايجري البداء فيه بجعله تعالي علي حسب حكمة الايجاد فانه عز و جل رفع البداء عن الامر الممضي و تري انه قال و قل جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا علي صيغة الماضي الممضي و هو و ان كان رسول الله صلي الله عليه و آله يقرؤه عند حطه الاصنام عن الكعبة و يوم الغدير و قد جاء الحق و زهق الباطل و اضمحل ظاهرا حول الكعبة و في محضره يوم الغدير و لكن لميضمحل حقيقة و قد كانت المنافقون اخزاهم الله يعبدون الاصنام في بيوتهم و قلوبهم و كانوا يسرون في صدورهم غصب الخلافة و قد سمعت قول مولانا الصادق عليه السلام في تفسير قوله تعالي [ص 90] ليظهره علي الدين كله ما حاصله انه لميجئ تأويل هذه الآية و لو جاء لميكن بعد يهودية و لا نصرانية و لا ملة من الملل الباطلة و خاصة الكفر و النفاق المكنون في صدور الاصحاب الحاضرين و كذلك الامر في قوله زهق الباطل انه لميجئ تأويله في ذلك الزمان الي زماننا هذا و انما يجيء عند قيام القائم عليه السلام و قد قال ابوجعفر عليه السلام في قوله و قل جاء الحق و زهق الباطل قال اذا قام القائم ذهبت دولة الباطل و عن حكيمة رضي الله عنها في خبر طويل لما ولد القائم كان نظيفا مفروغا منه و علي ذراعه الايمن مكتوب جاء الحق و زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا ، اقول و قد كتب ذلك حين لميجئ تأويله ظاهرا و معذلك نزلت الآية بصيغة الماضي و ذلك لان ما اخبر عنه تعالي بما في علمه الازلي فهو مما لايجري فيه البداء و قد ورد ان ما اخبر الله به ملئكته و رسله و اخبروا به عنه فلايبدو له فيه و لايكذب انبيائه و رسله و قد قيل لابيجعفر (ع) في حديث هل يبدو لله في المحتوم قال نعم قيل له فيجاز ان يبدو لله في المحتوم قال نعم قال له فيجاز ان يبدو لله في القائم قال القائم من الميعاد والله و الله لايخلف الميعاد ، بالجملة و هو عند نزوله في الزمان و وقوع الامور واحدا بعد واحد يكون ميعادا لميجئ اجله بعد و اما في علمه الازلي الذي لايعزب عنه مثقال ذرة فهو امر ثابت قائم بني الملك عليه و ان لميجئ اوانه في عرصة [ص 91] الزمان و يخطر ببالي من الاخبار ما يبين علة الاخبار بلفظ الماضي انه من جهة ثبوته و لكن لايحضرني الآن محله حتي ارويه بلفظه و الغرض ان القرآن نزل بعلم الله الي اللوح المحفوظ ثم نزل منه الي عالم الشهادة و قد نزل اولا في ليلة القدر الي البيت المعمور ثم نزل منه ظاهرا منجما في طول ثلث و عشرين سنة و البيت المعمور علي ما في بعض الاخبار في السماء الرابعة و في السماء الرابعة نهر يقال له الحيوان كما في الكنز في رواية عن ابيهريرة عن النبي (ص) و عن ابيعبدالله (ع) في حديث طويل في المعراج فلما فرغ من مناجاته رد الي البيت المعمور و هو في السماء السابعة بحذاء الكعبة و روي عن الباقر (ع) انه قال ان الله وضع تحت العرش اربع اساطين و سماهن الضراح و هو البيت المعمور ، اقول و لا تنافي بينها فان السماء الرابعة فلك الشمس و هي مقام الطبيعة و هي مقامها حقيقة تحت الكرسي مقام النفس و انما نزلت الي الرابعة لانها قلب الافلاك و قطبها ثلثة من فوقها و ثلثة من تحتها فوضعت في الرابعة لتكون نسبتها الي الكل علي السواء و مقامها الواقعي في السابعة و انما نزل القرآن من اللوح المحفوظ عرصة النفس الملكوتية التي هي مركز اللوح الي مقام الطبيعة التي هي مبدأ العوالم الشهادية ثم نزل منها منجما في طول عشرين سنة فتدبر و ما ذكرنا في صفة النفس انها مركز اللوح مأخوذ مما روي [ص 92] في الكتاب المبين من سؤال ابنسلام عن النبي صلي الله عليه و آله قال فاخبرني عن اللوح المحفوظ مما هو قال من زمردة خضراء اجوافه اللؤلؤ بطانته الرحمة قال صدقت يا محمد ، اقول قال اخي العلامة (اع) ظهر من هذا الخبر ان اللوح مقام النفس لانها زمردة و اجوافها اللؤلؤة اي العقل بعد التنزل فيها و بطانتها الرحمة اي الروح الملكوتي فانه من الريح و الريح من نفس الرحمان ، اقول شواهد كون اللوح مقام النفس متعددة و لكنا لسنا بصدد التفصيل و المراد ان القرآن و ساير الكتب كانت في اللوح المحفوظ كما مر في حديث العلل و قد جري القلم بها ثم نزل منه الي البيت المعمور الذي هو في اقرب مقامات عالم الشهادة الي الغيب اعني الشمس التي هي ظاهر الطبيعة و هي تلي عالم النفس التي هي اللوح المحفوظ بالجملة فاللوح المحفوظ هو الذكر الذي ثبت فيه وراثة عباد الله الصالحين للارض باطنا و ظاهرا ثم اثبت في جميع الكتب المنزلة علي الانبياء سلام الله عليهم و خاصة في تلك الاربعة المشهورة التي اقيم اساس الشرايع و الاديان بها و لاينافي ذلك تخصيصهم صلوات الله عليهم الزبور بالذي نزل علي داود (ع) فانه لما كان معروفا بهذا الاسم قال (ع) انه زبور داود و الا ففي جميع الكتب اثبت هذا الامر و كتب حتي انه مع ما وقع فيها من التحريف و التصحيف ايضا قد بقي فيها شواهد هذا المعني و الحمد لله و لسنا بصدد [ص 93] اثبات هذه المسألة و الا لاخرجنا لك من تلك الكتب و لا قوة الا بالله مما يدل علي هذا المعني ما تقر به عينك فاما اشكال ظاهر الآية من هذه الجهة فقد ارتفع و الحمد لله و اما الارض بحسب الظاهر فهي هذه الارض المعروفة التي ملئت جورا و ظلما و غصبت و تملّكت حتي انهم يحسبونها ملكا لهم و وطنا يعدون غيرهم من امثالهم اذا تصرفوا فيها غاصبا مع انهم كلهم غاصبون و قد روي في الكتاب المبين قال ابوعبدالله عليه السلام في حديث الارض كلها لنا فما اخرج الله منها من شيء فهو لنا الي ان قال كل ما كان في ايدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون و محلل لهم ذلك الي ان يقوم قائمنا فيجبيهم طسق ما كان في ايديهم الحديث ، و عنه في حديث آخر و ما كان لنا فهو لشيعتنا و ليس لعدونا شيء منه الا ما غصب عليه و ان ولينا لاوسع مما بين ذه الي ذه يعني بين السماء و الارض ثم تلا هذه الآية قل هي للذين آمنوا في الحيوة الدنيا المغصوبين عليها خالصة يوم القيمة بلا غصب و روي انه قال هرون لابيالحسن موسي حين ادخل عليه ما هذه الدار و دار من هي قال لشيعتنا فترة و لغيرهم فتنة قال فما بال صاحب الدار لايأخذها قال اخذت منه معمورة و لا يأخذها الا معمورة فقال اين شيعتك قال لميكن الذين كفروا الآية ، قال فنحن كفار فقال لا و لكن كما قال المتر الي الذين بدلوا نعمة الله كفرا و في بعض النسخ ليس [ص 94] فيها فترة قال لشيعتنا و لغيرهم فتنة ، و الحاصل ان الارض كلها لهم و شيعتهم فيها محللون و محلل لهم و قد غصبت عليهم اليوم و سيعود اليهم و يرثونها خالصة بلا غصب و قوله تعالي خالصة يوم القيمة في التأويل يوم قيام القائم عجل الله فرجه كما هو معلوم و قولكم ان الارض لمتخرج من ايديهم سابقا حتي يرثوها لاحقا صحيح و قد صرح به الصادق عليه السلام في حديثه مع مفضل بن عمر و لكن المثل في ذلك كأن يكون لك شيء تملكه و تتركه في يد صبي يلعب به فيحسبه ملكا له و يعمل فيه ما يشاء ثم اذا كبر الصبي تأخذه و تمنع الصبي عن اعماله فيه و حين تصرفه فيه ايضا لميكن بقدرة منه و لكنك تركته في يد الصبي و خليت بينه و بينه يلعب به حينا ما و الا فان الصبي لميملك ذلك الشيء و لو انك لمتخل بينه و بينه لميقدر علي التصرف فيه ابدا و كذلك الارض كلها لمالكها و لكنهم تركوها خذلانا في يد العامة يلعبوا بها و هم زعموا خذلان المالك عجزا منه و ضعفا فاستضعفوه و تصرفوا في ملكه و المالك انما فعل ذلك لمصلحة رآها و خذلان و افتتان لهم و الملك ملكه و المال ماله و اذا شاء استرجعه و معني استرجاعه ايضا ادارته في سبيل مرضاته و الا فقبل الاسترجاع ايضا لميخرج من قبضته بل و دورانه و حركته كلها بهم و بهم تحركت المتحركات و سكنت السواكن الا انهم قد يحركون المتحركات باسباب صالحة [ص 95] مرضية و قد يحركون باسباب فاسدة منحرفة مسخوطة و معذلك كل الحركات بتحريكهم الاتري انه لو كان عندك اقلام حسنة معتدلة بعضها و سيئة منحرفة بعض آخر و انت كتبت اولا بالاقلام المنحرفة صونا للمعتدلة ثم كتبت بالمعتدلة فكل الكتابة منك الا ان القلم السيء المنحرف لايكتب حسنا و القلم الحسن يحسن الكتابة فاعرف المثل و الامثال انما تحكي عن الممثل كل منها من جهة و لاتوافق من جميع الجهات و الغرض ان الملك الآن في يدهم الا ان الاسباب و الآلات لما كانت منحرفة لمتنسب الحركات فيها الي المحرك الاصلي لان انحراف الحركات من الآلات و اذا اراد المالك يدع الآلات المنحرفة بل يحرقها و يفنيها و يعمل بالآلات المعتدلة جعلنا الله منها و استعملنا في دولته و جعلنا من خالصي ناصريه لوجهه و الذابين عنه فالملك اولا و آخرا لهم و في قبضتهم الا ان الامر جري علي هذا المنوال حسب ما اجري الله سبحانه امره في مجموع الملك و قد قال تعالي في موضع طوبي لمن اجريت علي يديه الخير و ويل لمن اجريت علي يديه الشر ، و قال خلقكم و ما تعملون و مع ذلك يقول ايضا ما اصابك من حسنة فمن الله و ما اصابك من سيئة فمن نفسك و تقرؤ في الدعاء خيرك الينا نازل و شرنا اليك صاعد ، و كذلك الامر هنا الملك ملكهم و في قبضتهم اذا نظرت من الاعلي و اما اذا نظرت من الاسفل و رأيت القوابل فالقوابل الخبيثة لاتحكي مرضاتهم و تصرفاتهم المرضية فلاتنسب فعلها [ص 96] اليهم و القوابل الطيبة تحكي مرضاتهم و ترجع الافعال اليهم و معذلك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا بالجملة فوراثتهم للارض بهذا المعني ان تقع تصرفاتهم علي ايدي اصحابهم المؤمنين الصالحين فكلما تصرفوا فيها كان علي حسب رضاهم و امرهم صلوات الله عليهم علي ما وردت به الاخبار .