ثم اعلم ان قلم الاقلام الذي جري به ما اراد الله سبحانه و كتبه بيده انما هو مقام نفس المشية التي خلقت المشية بها و هو العلم الازلي الذي خلقت به المشية ايضا كما قالوا عليهم السلام بالعلم خلقت المشية ، و هو كمال الله الذي لا نقص فيه و لا تغير و لا تبدل و قد جف القلم بما كان و ما هو كائن الي يوم القيمة و هو ما روي عن النبي صلي الله عليه و آله قال سبق العلم و جف القلم و تم القضاء بتحقيق الكتاب و تصديق الرسالة و السعادة من الله و الشقاوة من الله عز و جل ، اقول فعلمه تعالي لايتغير في ذلك الكتاب و قد جف القلم بما كان و ما يكون و علمه تعالي اولي بحقيقة التصديق ثم انه عز و جل انزل ما علمه في امكان المشية و الامكان الجايز و العوالم التي دونهما و ظهوره في كل عالم علي حسب حكاية هذا العالم كالشبح الظاهر في المرايا فانه يظهر في كل مرآت علي حسبها و تلك العوالم كلها من الواح المحو و الاثبات الي ان ينتهي الي هذا العالم عرصة الاجسام الزمانية لان تلك العوالم كلها انما هي ظهورات مراتب المشية و مراتب المشية مما فوق الامضاء كل مرتبة منها بالنسبة الي ما دونها تقبل المحو و الاثبات و البداء كما هو [ص 31] معلوم من بيانات مشايخنا رضوان الله عليهم و لكن اذا امضي الشيء في هذا العالم ثبت و ارتفع عنه البداء فان ما شاء الله في عرصة المادة النوعية يمكن ان يمحي في مقام الصورة النوعية و ما اراده هنا يمكن ان يمحوه في عرصة المادة الشخصية و ما قدره هنا يمكن ان يمحوه في اثناء الصورة الشخصية و اوايل القضاء و هو قولهم عليهم السلام في الدعاء و الصدقة او احدهما انهما يردان القضاء المبرم و اما اذا امضي الشيء في هذا العالم و تم القضاء بالامضاء ارتفع عنه البداء و هو ما بينه و شرحه مولانا الكاظم عليه السلام لما سئل كيف علم الله قال علم و شاء و اراد و قدر و قضي فامضي ما قضي و قضي ما قدر و قدر ما اراد فبعلمه كانت المشية و بمشيته كانت الارادة و بارادته كان التقدير و بتقديره كان القضاء و بقضائه كان الامضاء فالعلم متقدم المشية و المشية ثانيه و الارادة ثالثه و التقدير واقع علي القضاء بالامضاء فلله تبارك و تعالي البداء فيما علم متي شاء و فيما اراد لتقدير الاشياء فاذا وقع القضاء بالامضاء فلا بداء فالعلم في المعلوم قبل كونه و المشية في المنشأ قبل عينه و الارادة في المراد قبل قيامه و التقدير لهذه المعلومات قبل تفصيلها و توصيلها عيانا و قياما و القضاء بالامضاء هو المبرم من المفعولات ذوات الاجسام المدركات من ذي لون و ريح و وزن و كيل و ما دب و درج من انس و جن و طير و سباع و غير ذلك [ص 32] مما يدرك بالحواس فلله تبارك و تعالي فيه البداء مما لا عين له فاذا وقع العين المفهوم المدرك فلا بداء و الله يفعل ما يشاء الحديث ، و هو في غاية الصعوبة الا ان مشايخنا اعلي الله مقامهم و لاسيما ابي رضوان الله عليه شرحه في بعض بياناته و نسأل الله تعالي بحرمة محمد و آل‌محمد (ص) ان يعرفنا مرادهم و الحاصل ان ما علمه الله سبحانه في علمه السابق انما ينزل في تلك العوالم السابقة علي هذا العالم علي حسبها و يتعين شيئا فشيئا الي ان ينتهي الي هذا العالم عالم الاجسام و ينتهي القضاء بالامضاء فيخرج الشيء من حد البداء و يثبت و يستقر علي ما علمه الله في علمه السابق و يستنسخ من ذلك الكتاب فما كتب في ذلك الكتاب بقلم الاقلام فهو ثابت قائم و ما كتب في الدنيا ايضا ثبت و استقر علي طبق ذلك الكتاب و اما فيما بينهما و ان كان كل شيء موافقا لعلمه في تلك المقامات و اما في نسبة بعضها الي بعض قد يجري المحو و الاثبات و من باب التقريب و التمثيل نقول انه لو اخذ الكاتب القلم و شرع في الكتابة فهو في الاثناء قد يريد ان يكتب شيئا فينقض ارادته و يكتب شيئا آخر الي ان يتم الكتاب و يمضي و يختم فح يقع الكتاب موافقا لما علمه في نفسه اولا فح يقول كتبت بالقلم كذا و كذا و اما ما اراده في ذهنه ثم نقض ارادته فلايقول كتبت بالقلم كذا و اعلم ان دقايق هذه المسألة كثيرة و لو اردنا ان [ص 33] نشرحها طال بنا المقال و صعب ادراكه ايضا و الحاصل ان آل‌محمد عليهم السلام لما كانوا سبب الاسباب و ان من شيء لنا الا و انتم له السبب و اليه السبيل و كل ما اجري الله سبحانه من امره في العوالم الالف الف يجريه بهم حتي ان المحو و الاثبات ايضا بسببهم و هو قولهم عليهم السلام بنا يمحو الله ما يشاء و بنا يثبت ، و لكن الامور الممحوة ليس لها شأن كثير حتي يقال انها فيهم و منهم و لكن الامور المثبتة لها شأن و مزيد اختصاص و هي تجري بهم و هم القلم الذي يكتب بهم ما يكتب و يمضي في هذا العالم الجسماني و عاجل الحيوة الدنيا و هذا امر عام في كل ما يوجد انه بهم يوجد و لكن من باب التمثيل نقول ان سعادة السعيد انما تتم و تمضي و تخرج من حد البداء في الدنيا بامتثال امرهم (ص) و شقاوة الشقي كذلك ايضا بمخالفتهم فلو لم‌يظهر من احد سعادة في الدنيا و لم‌تختم عليه لم‌يكتب في جبينه مؤمن حقا و لو لم‌يظهر منه شقاوة تختم عليه هنا لم‌يكتب في جبينه كافر حقا و لكن هنا تختم السعادة و الشقاوة علي ما علم الله سبحانه في سابق علمه و بهم يكتب بقلم القدرة كما ورد في اخبار دابة الارض و العصا و الميسم فتدبر بالجملة و لنذكر بعض الاخبار مما يؤيد المعاني المذكورة ففي فصل الخطاب عن ابي‌عبدالله عن ابيه عليهما السلام في قوله تعالي ن و القلم و ما يسطرون قال ن نهر في الجنة اشد [ص 34] بياضا من اللبن قال فامر الله القلم فجري بما هو كائن و ما يكون فهو بين يديه موضوع ما شاء منه زاد فيه و ما شاء نقص منه و ما شاء كان و ما شاء لايكون و سئل ابوعبدالله عليه السلام عن ن و القلم قال ان الله خلق القلم من شجرة في الجنة يقال لها الخلد ثم قال لنهر في الجنة كن مدادا فجمد النهر و كان اشد بياضا من الثلج و احلي من الشهد ثم قال للقلم اكتب قال يا رب ما اكتب قال اكتب ما كان و ما هو كائن الي يوم القيمة فكتب القلم في رق اشد بياضا من الفضة و اصفي من الياقوت ثم طواه فجعله في ركن العرش ثم ختم علي فم القلم فلم‌ينطق بعد و لاينطق ابدا فهو الكتاب المكنون الذي منه النسخ كلها اولستم عربا فكيف لاتعرفون معني الكلام و احدكم يقول لصاحبه انسخ ذلك الكتاب اوليس انما ينسخ من كتاب آخر من الاصل و هو قوله انا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ، اقول فالخبر الاول انما هو فيما يكتب بالاقلام الجزئية التي هي في عوالم يقبل المحو و الاثبات و الخبر الثاني الذي يشعر بجفاف القلم و عدم نطقه من بعد ابدا فهو في بيان ما كتب بقلم الاقلام الذي لايتغير و لايتبدل و لايقبل المحو و الاثبات مع ان الاثبات مكتوب فيه و المحو ايضا مكتوب فيه و معذلك لايعرض عليه التغيير فتدبر فانه صعب فاعمال العباد لما كانت معلومة مثبوتة في ذلك الكتاب و تقع في الدنيا علي طبق ما في ذلك الكتاب كانت هنا نسخة منه [ص 35] ثم تثبت هذه النسخة في الالواح الدهرية علي ما علمها الله سبحانه اولا و آخرا و اصلا و فرعا بالجملة فبهذه المناسبة قال عليه السلام فينا السيف و القلم في العاجل ، اي ان ما يكتب بالقلم الدنيوي هنا في مقام الامضاء انما هو بنا و يسعد السعيد مثلا باطاعتنا و الشقي بمخالفتنا و كل اكوان الاشياء و افعالها بهم الا انا لسنا بصدد بيانه علي التفصيل .

و اما قوله عليه السلام : و لواء الحمد و العلم في الآجل ، فاعلم اولا ان فضائل آل‌محمد عليهم السلام بالنسبة اليهم لايختص بعالم دون عالم فان لواء الحمد و العلم في الدنيا ايضا فيهم و منهم و لايفقدون شيئا من فضلهم هنا الا ان ظهور فضائلهم للعارفين بهم من جميع الخلق في الآخرة اظهر و ابين بل و معرفة الناس بالله تعالي و صفاته و اسمائه ايضا في الآخرة اظهر و ابين الاتري الآيات التي يشعر فيها بلقاء الله سبحانه في الآخرة مع انه لايدرك و لايري في الدنيا و لا في الآخرة و لكن لما كانت آياته و علاماته و مقامات تعريفه التي لا تعطيل لها في كل مكان في الآخرة ابين و اظهر ذكر لقاؤه تعالي في الآخرة و ذلك لان الدنيا كما تعلم عرصة الاعراض و الامراض و خفاء الحقايق و الجواهر و قد جعلت كذلك لمقام الابتلاء و الامتحان و لو خلص الحق لم‌يخف علي ذي حجي و لم‌يقدر احد علي انكاره و لكنه تعالي من باب قوله نكروا لها عرشها ننظر اتهتدي ام تكون من الذين لايهتدون جعل [ص 36] الامر علي ما تري مختلطا ممتزجا يتمكن كل احد ان يأخذ نصيبه و ما سأله من ربه الاتري ان الشمس لو كانت صاحية ضاحية ظاهرة بينة لم‌يقدر احد علي انكارها و اما اذا جللها السحاب و ان كانت طالعة يمكن ان ينكرها كثير من ضعفاء العيون او المتعنتين المكابرين و هذا هو من العلل العظيمة في خفاء الحجة و غيبته عليه الصلوة و السلام و عجل الله فرجه فان الناس اولا استرادوا المعرفة بالحجج عليهم السلام في الجملة بظهور الآيات و المعجزات منهم (ص) واحدا بعد واحد و قد تمادي الظلم و الجور بسبب الخلفاء الجائرة لعنهم الله و آل الامر الي اضطرار الناس الي الرجوع الي آل‌محمد عليهم السلام كما رجعوا الي اميرالمؤمنين عليه السلام بعد قتل عثمان و لكن لما كانت بواطن الناس غالبا علي خلاف الحق و لمايكمل الامتحان و الافتتان كما يظهر من اختلاط المؤمنين و المنافقين في اصحاب اميرالمؤمنين عليه السلام و سلوكهم معه علي مقتضي سرائر نفاقهم آل الامر الي ان سأل الله تعالي ان يبدله باصحابه الحاضرين خيرا منهم و يبدل الناس به شرا منه و استجاب الله له ذلك و كذلك الامر في خفاء الحجة الغايب عليه السلام لما اراد الله الامتحان و الافتتان و تمحيص المؤمنين و تخليصهم من المنافقين غيب حجته الكبري صلوات الله عليه الذي امره في ظهوره كالشمس في ظهورها من غير مانع و بغيبته اخذ [ص 37] من الحق ضغث و من الباطل ضغث و تمكن كل احد ان يأخذ بما يهواه و بالجملة الدنيا دار الامتحان و الافتتان و جللت السحب شموس الحقايق و لم‌يظهر منها الا بقدر ما يظهر من نور الشمس المغيمة و من تلك الحقايق فضايل آل‌محمد عليهم السلام و هي ثابتة لهم موجودة بالفعل و لكن الدنيا دار ابتلاء و امتحان و خفاء للحق الم‌تسمع ما روي في حديث المفضل قال عليه السلام يا مفضل فمن اين قلت برجعتنا و مقصرة شيعتنا تقول معني الرجعة ان يرد الله الينا ملك الدنيا و ان يجعله للمهدي ويحهم متي سلبنا الملك حتي يرد علينا قال المفضل لا والله ماسلبتموه و لاتسلبونه لانه ملك النبوة و الرسالة و الوصية و الامامة الحديث ، و في معاني الاخبار عن ابي‌جعفر (ع) عن اميرالمؤمنين (ع) في خطبة انا صاحب لواء رسول الله (ص) في الدنيا و الآخرة و رسول الله فرطي و انا فرط شيعتي ، فلواء الحمد و ساير الوية رسول الله صلي الله عليه و آله عندهم في الدنيا و الآخرة و علمه ايضا عندهم و قد روي مكررا قوله صلي الله عليه و آله انا مدينة العلم و علي بابها و انا مدينة الحكمة و علي بابها ، و الاخبار بهذه المعاني اكثر من ان تحصي و لا اختصاص بها بالآخرة كما هو واضح و لكن لما كان ظهور فضايلهم و محامدهم في الآخرة اكثر اختص لواء الحمد بالآخرة و اعلم ان الحمد كما عرفت نقيض الذم و هو الثناء الجميل و المدح [ص 38] ايضا الا ان بعضهم قالوا ان الثناء ان كان بذكر الافعال الاختيارية كان حمدا و ان كان علي ما يخرج من حد الاختيار كالصفات الذاتية كان مدحا و هو بحسب الاستعمال قريب الا اني وجدت في الخبر عن ابي‌عبدالله عليه السلام في طلب بقاء الولد صل ركعتين صلوتك فاحمد الله و اياك ان تسأله حتي تمدحه و ردّد ذلك عليه ، و ظاهره استعمال الحمد و المدح في معني واحد بالجملة فالحمد هو الثناء الجميل و النبي محمد صلي الله عليه و آله مع قوله في مناجاته انت كما اثنيت علي نفسك لااحصي ثناءا عليك ، قد اثني علي ربه بلسان حاله و مقاله بما لم‌يثن عليه احد من خلقه و اظهر من نعته و صفاته الجميلة ما لم‌يدركه و لم‌يعرفه احد من الخلق فان كل اسم حسن و صفة حسنة ظهر في احد من الخلق من مبدئه الي منتهاه فهو من الله سبحانه و النبي صلي الله عليه و آله جمع كلها و اختص بكلها اولا ثم افاض علي ما سواه من فضل الله و جوده و هو فضل الله و كرمه و جوده ما تحمله كل احد و لم‌يخلق بعده من يتحمل ما تحمله بكله الا اهل بيته صلوات الله عليهم الذين هم منه كالضوء من الضوء و من نور واحد و طينة واحدة و نحن ان اردنا ان نذكر ما يفيد هذه المعاني من الاخبار لطال بنا المقال و ضاق بنا المجال و لا حاجة بعد ما ذكره مشايخنا رضوان الله عليهم و جمعوه في المختصرات و المطولات و انت تعلم بضرورة الاسلام و المذهب [ص 39] ان محمدا و آل‌محمد صلوات الله عليهم اول ما خلق الله حيث لايلحقهم لاحق و لايطمع في ادراكهم طامع و اعطاهم اولا ما لم‌يعط احدا من الخلق و اختصهم به ثم اعطاهم و اعطي بهم ساير الخلق كلما يليق بهم فلايفقدون شيئا من الكمال و الجمال و المحامد كلها الا و هم اصله و معدنه و اليهم فرعه فلانقدر علي تخصيص ذكر و لم‌نكلف به الا ان نقول جملا الحمد لله رب العالمين ففي البرهان عن الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابيطالب عن ابيه عن جده عليهم السلام قال جاء رجل الي الرضا (ع) فقال له يا بن رسول الله اخبرني عن قول الله سبحانه الحمد لله رب العالمين ما تفسيره فقال لقد حدثني ابي عن جدي عن الباقر (ع) عن زين‌العابدين (ع) ان رجلا جاء الي اميرالمؤمنين (ع) فقال اخبرني عن قول الله تعالي الحمد لله رب العالمين ما تفسيره فقال الحمد لله هو ان عرف عباده بعض نعمه عليهم جملا اذ لايقدرون علي معرفة جميعها بالتفصيل لانها اكثر من ان تحصي او تعرف فقال لهم قولوا الحمد لله علي ما انعم الله علينا الحديث ، و هو طويل شريف و حقيقة الحمد هو نفس محمد صلي الله عليه و آله فانه (ص) هو المحمد و هو المحمود و هو احمد و هو الحمد من باب زيد عدل ظاهرا و هو قوله تعالي سبحان ربك رب العزة عما يصفون و سلام علي [ص 40] المرسلين و الحمد لله رب العالمين و قد اختصه تعالي بنفسه و قال انه لله رب العالمين لا لنفسه من حيث نفسه و لا لاحد من ساير الخلق فان كل ثناء و اسم و صفة و خير و نور يفهم او يوهم او لايفهم و لايوهم ارتضاه الله لنفسه فهو فيه و منه و هو نفسه و حامله و موقعه و مجري آثاره باذن الله في ساير خلقه فانه تعالي في ذاته منزه عن جميع ذلك و سبحان الله عما يصفون لكنه سبحانه لما اراد من خلقه ان يعرفوه و كان لايعرف من نحو ذاته جعلهم (ص) آياته و علاماته و مواقع اسمائه و صفاته و اختصهم بنفسه و جعل معرفتهم معرفته و انكارهم انكاره فمن عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و من عرفهم هكذا لله فقد شكر الله و حمده لان الشكر هو الاعتراف بالنعمة و الثناء الجميل و فعل ما يجب من الطاعة و ترك المعصية و ضده الكفران قال الله تعالي لئن شكرتم لازيدنكم و لئن كفرتم ان عذابي لشديد بالجملة و من باب ما ذكرنا اولا ان الدنيا عرصة الابتلاء و لم‌يظهروا من فضلهم الا القليل اذا قامت القيمة و ارتفعت الاعراض اظهروا من فضل الله و فضلهم ما اراد الله و هو ما روي في الكتاب المبين عن جعفر عن ابيه عن آبائه عليهم السلام قال قال النبي صلي الله عليه و آله ان الله تبارك و تعالي اذا جمع الناس يوم القيمة وعدني المقام المحمود و هو واف لي به اذا كان يوم القيمة نصب لي منبر له الف درجة [ص 41] فاصعد حتي اعلو فوقه فيأتيني جبرئيل عليه السلام بلواء الحمد فيضعه في يدي و يقول يا محمد هذا المقام المحمود الذي وعدك الله تعالي الي ان قال ثم اقوم و اثني علي الله ثناءا لم‌يثن عليه احد قبلي ثم اثني علي الملائكة المقربين ثم اثني علي الانبياء و المرسلين ثم اثني علي الامم الصالحين ثم اجلس فيثني الله علي و يثني علي ملائكته و يثني علي انبياؤه و رسله و يثني علي الامم الصالحة الحديث ، فذلك اليوم يوم ثنائه صلي الله عليه و آله علي الله باظهار فضله و اظهار صفاته و اسمائه و ثناء الله و ثناء ملائكته و انبيائه و رسله (ع) و عباده الصالحين علي محمد (ص) بما خصه الله تعالي به .

ثم اعلم ان من صفاته تعالي العظمي فضله و عدله الظاهرين فيه صلي الله عليه و آله يوم القيمة و هو العامل بمقتضاهما باذن الله عز و جل و من هنا اختص باتيان لواء الحمد يوم القيمة فانه يوم الجزاء و القضاء الحق و هما من معاني الحمد خاصة كما عرفت و قد روي في الكتاب المبين قال ابوعبدالله (ع) في حديث عن رسول الله (ص) يؤتي بناقة من ياقوتة احمر ● و زمامها زبرجد اخضر حتي اركبها ثم آتي المقام المحمود حتي اقضي عليه و هو تل من مسك اذفر الحديث ، و روي عن علي النقي عن آبائه عن اميرالمؤمنين علي (ع) قال سمعت النبي (ص) يقول اذا حشر الناس يوم القيمة ناداني مناد يا رسول الله ان الله جل اسمه قد امكنك من مجازاة محبيك و محبي اهل بيتك الموالين لهم فيك و المعادين لهم فيك [ص 42] فكافهم بما شئت فاقول يا رب الجنة فانادي بوئهم منها حيث شئت فذلك المقام المحمود الذي وعدت به ، اقول قوله و المعادين لهم فيك الظاهر ان فيه سقط او الكلمات زائدة او هي عطف علي محبيك علي بعد او علي الموالين و لم‌يذكر جزاء المعادين و الخبر كما في البرهان و الكنز محكي من امالي الشيخ و ليس من سهوه رحمه الله ببعيد بالجملة و الاخبار الواردة في شفاعته صلي الله عليه و آله و انها المقام المحمود متكثرة و لا حاجة الي التفصيل و هنا حديث طويل شريف دال علي اظهاره لعدله عز و جل لسنا بصدد نقله كله و حاصله كما في البرهان عن جعفر بن محمد عليهما السلام انه اذا كان يوم القيمة حشر الله الخلايق في صعيد واحد حفاة عراة غرلا كما خلقوا اول مرة فيقفون حتي يلجمهم العرق فيقولون ليت الله يحكم بيننا و لو الي النار يرون ما في النار راحة مما هم فيه فيأتون آدم و يقولون انت ابونا و انت نبي فاسأل ربك يحكم بيننا و لو الي النار فيقول آدم لست بصاحبكم و يعتذر بعصيانه و يدلهم علي نوح (ع) و هكذا الي ان يدلهم عيسي (ع) علي محمد (ص) ثم قال ابوعبدالله عليه السلام ما من نبي ولد من آدم الي محمد الا و هم تحت لواء محمد قال فيأتونه و يسألونه كما مر فيقول نعم انا صاحبكم فيأتي دار الرحمن و هي عدن فاذا نظر الي ربه يمجده تمجيدا لم‌يمجده احد كان قبله و لايمجده احد كان بعده [ص 43] ثم يخر ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك و قل يسمع قولك و اشفع تشفع و سل تعط فاذا رفع رأسه و نظر الي ربه مجده تمجيدا افضل من الاول ثم يخر ساجدا و هكذا مرتبة ثالثة فيقول رب احكم بين عبادك و لو الي النار فيقول نعم يا محمد ثم يؤتي بناقة من ياقوت الي ان يأتي المقام المحمود ثم يدعي بابرهيم و يحمل علي مثلها حتي يجيء و يقف عن يمين رسول الله ثم يضرب يده علي كتف علي بن ابيطالب ثم يؤتي بناقة مثل ما مر و يأتي حتي يقف بين رسول الله (ص) و ابيه ابرهيم (ع) ثم يخرج مناد من عند الرحمن فيقول يا معشر الخلايق اليس العدل من ربكم ان يولي كل قوم ما كانوا يتولون في دار الدنيا فيقولون بلي و اي شيء عدل غيره فيقوم شياطين مضلة للامم السالفة و يتبع كل قوم من اضلهم الي النار حتي يبقي هذه الامة ثم يخرج مناد من عند الله فيقول يا معشر الخلايق اليس العدل من ربكم ان يولي كل فريق من كانوا يتولون في دار الدنيا فيقولون بلي و اي شيء عدل غيره فتقوم شياطين هذه الامة واحد بعد واحد و يتبع كلا منهم من كان يتولاه و يقوم ائمتنا صلوات الله عليهم و يتبعهم من كان يتولاهم و نسأل الله ان يجعلنا من شيعتهم الخالصين التابعين لهم يوم الدين و الحاصل انه يوم ظهور العدل بسبب نبينا محمد صلي الله عليه و آله و ظهور الفضل ايضا منهم بشفاعتهم للمشفوعين جعلنا الله عز و جل من الخالصين منهم [ص 44] في ولايتهم و طاعتهم و قد رؤي (ص) مقبلا علي علي بن ابيطالب (ع) و هو يتلو هذه الآية و من الليل فتهجد الي محمودا فقال يا علي ان ربي عز و جل ملكني الشفاعة في اهل التوحيد من امتي و حظر ذلك عن من ناصبك او من ناصب ولدك بعدك ، اقول و من ولدهم اولياؤهم فان النبي صلي الله عليه و آله و عليا عليه السلام ابوا هذه الامة و قد قالوا عليهم السلام ليس الناصب من نصب لنا اهل البيت فانك لن‌تجد احدا يقول اني ابغض محمدا و آل‌محمد و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انكم تتولونا و انكم من شيعتنا ، بالجملة ثم ان هذه اللواء العظيمة الجليلة تعطي علي (ع) و هو حاملها يوم القيمة و هو الذي يحكم بين العباد و يدخل اولياءه الجنة و اعداءه النار و هو واضح ثابت محقق حتي علي العامة العمياء (لع) و هذه لواء كلية يقوم تحتها الاولون و الآخرون و يحكم لهم و عليهم بحكم الله عز و جل و لكن هنا الوية خاصة جزئية بالنسبة بيد كل احد من اوليائهم لواء منها يحكمون فيمن يليهم بما اراد الله و ادلة هذا ايضا كثيرة نذكر واحدا منها ففي الكتاب المبين عن ابي‌بصير عن ابي‌عبدالله (ع) قال شيعتنا من نور الله خلقوا و اليه يعودون و والله انكم لملحقون بنا يوم القيمة و انا لنشفع فنشفع و والله انكم لتشفعون فتشفعون و ما من رجل منكم الا و سترفع له نار عن شماله و جنة عن يمينه فيدخل احباءه الجنة و اعداءه النار ، اقول و هو و ان لم‌يرد بلفظ اللواء و لكن قد عرفت ان من [ص 45] معانيه الشفاعة و الاخبار بهذه المعاني في فضل علماء الشيعة و غيرهم من ساير صنوفهم في القيمة في مقام الشفاعة و الشهادة و غيرهما اكثر من ان تحصي و لسنا بصدد التفصيل و الحاصل ان لواء الحمد يؤتي بها النبي (ص) و يعطيها عليا عليه السلام و يحكم و يقضي و يجزي كل احد بما اراد الله سبحانه و اراده النبي (ص) و العلة فيه واضحة فانه عليه السلام نفس النبي (ص) بنص الكتاب و صورته و الشئون المعنوية في مقام الظهور انما تظهر من الصورة كما ان الضوء و الحرارة و ساير الآثار النارية الغيبية انما تظهر من صورة الشعلة و لولا الشعلة اي الدخان المشتعل لم‌تمسسه نار و لم‌تظهر آثارها ابدا و ان كانت النار ثابتة بالقوة و لكن السبيل الذي جعله الله لبروز تلك الآثار المعنوية انما هو الصورة كما هو معلوم في حكمة مشايخنا (رض) و معذلك انت تعلم انه لولا النار المؤثرة لتلك الآثار لم‌يظهر من الدخان و لو كان موجودا اثر ابدا فالآثار اصلها من النار و لكن تظهر من الدخان علي حسبه و كذلك العلم المذكور في الخبر امره هكذا و النبي (ص) مدينته و علي عليه السلام بابها و هو معلوم مأثور في اخبار متكثرة الا ان هنا نكتة لا بد من الاشارة اليها و هي ان النبوة كما عرفت مقامها العقل المعنوي المادي و هي عرصة الاجمال و عدم التعين و اذا نسب اليها العلم كان علما اجماليا لا تعين فيه و كانه [ص 46] علم و لا معلوم من الجزئيات كعلم الروح الحيواني في مقام اطلاقه بالمبصرات و المسموعات و غيرها فانه اجمالي اطلاقي و اما اذا ظهر في العين و الاذن و حضرت عنده المبصرات و المسموعات علمها هنا علي نحو الخصوصية و كذلك الامر في ذلك المقام و من باب ان العلم عندنا هو حضور المعلوم عند العالم و الجزئيات لاتتجاوز مقام الصورة نقول ان العلم بها من شأن علي عليه السلام مقام الولاية القريبة من الاشياء المتولية لها التي هي نفس النبي (ص) و اما مقام النبوة فهو من عرصة الاجمال و اللاتعين الم‌تسمع قول اميرالمؤمنين عليه السلام في صفة العقل محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشيء قبل كونه ، و قبل كون الشيء مقام اجماله و ابهامه و اما عند كون الشيء فهو مقام تعينه و خصوصيته فمن هنا قلنا ان هذا العلم من شأن مقام الولاية كما اشرنا ايضا سابقا و مع ذلك لايوجب جهلا لاحدهما صلوات الله عليهما و آلهما بعلم الآخر و قد قال علي (ع) علمته علمي و علمني علمه ، و كيف يجهل احدهما بعلم الآخر و النبي (ص) عقل علي (ع) و مادته و علي (ع) نفس النبي (ص) و صورته و لايفترقان ابدا و النفس كما سمعت من كلمات مشايخنا (اع) خاصة عرصة العلم و هو ظاهر ظاهر قوله تعالي كلا انا خلقناكم مما تعلمون يأول الي المصدر اي من علمكم فان النفوس الانسانية مخلوقة من عرصة العلم و تعيناتهم كلها بحسب [ص 47] علومهم كما هو مبين مشروح في حكمة مشايخنا و الحاصل ان قوله (ع) و لواء الحمد و العلم في الآجل ، فلواء الحمد يؤتي بها النبي (ص) في القيمة و العلم هنا علم علي عليه السلام و قد قلنا انه مقام الشهادة و هي مقدمة للشفاعة و النبي (ص) و ان كان شهيدا ايضا و لكنه (ص) شهيد علي آله و آله (ع) شهداء علي الناس كما قال تعالي يوم نبعث من كل امة شهيدا عليهم من انفسهم و جئنا بك علي هؤلاء شهيدا و قال تعالي ليكون الرسول شهيدا عليكم و تكونوا شهداء علي الناس و الخطاب الي الائمة (ص) حقيقة فالشهادة التي يدركها و يعرفها الناس في مقام الولاية بل و دونها في ساير الطبقات و ان لنا مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا و لكنهم معذلك اولي باشعتهم منهم بالجملة و من هنا قلنا ان العلم من مقام الولاية فتدبر و لست بصدد التفصيل و لا لي مجال .

و من لطايف ما في هاتين الفقرتين الشريفتين تطابق ما في العاجل و الآجل و الظاهر و الباطن فانه ظهر ان بالسيف و القلم تتعين و تظهر و تثبت اعمال الناس و عقايدهم و لولاهما لم‌يقم للاسلام عمود و لااخضر له عود و الدنيا دار العمل و الآخرة دار الجزاء و ماتجزون الا ما كنتم تعملون ففي الآخرة ايضا لواء الحمد و العلم علي ما ذكرنا يرجع الي المجازاة و اعطاء كل ذي حق حقه فتفهم و وجد في نسخة في الكتاب المبين [ص 48] ايضا بدل العلم الحوض قال (ع) و لواء الحمد و الحوض في الآجل ، و لعله كان اصح و معذلك ماء الحوض ايضا قريب من العلم تأويلا و قد يأول بماء الولاية و هو ايضا صحيح سديد و لا حاجة الي الاطناب في شرحه .

قال عليه السلام : و اسباطنا خلفاء الدين و حلفاء اليقين و مصابيح الامم و مفاتيح الكرم .

و معانيها علي ما مر معلومة الا انا لسنا بصدد المعاني الظاهرة و لو بنينا علي ذلك لطال بنا المقال الا انا نقول ان الدين و اليقين في الفقرتين الاوليين انما يأولان بالنبي (ص) و الائمة (ص) خلفاؤه و حلفاؤه القائمون مقامه و الملازمون له في سيرته و سنته و ثباته علي الحق و ما اراه الله سبحانه من مر الحق و حقيقته التي لا شك فيها و في الخبر عن ابي‌عبدالله عليه السلام في كتابه الي مفضل بن عمر ثم اني اخبرك ان الدين و اصل الدين هو رجل و ذلك الرجل هو اليقين و هو الايمان و هو امام امته و اهل زمانه فمن عرفه عرف الله و دينه و من انكره انكر الله و دينه و من جهله جهل (ظ) الله و دينه و لايعرف الله و دينه و حدوده و شرايعه بغير ذلك الامام كذلك جري بأن معرفة الرجال دين الله الخبر ، و لايخفي ان الدين عند الله الاسلام و من يبتغ غير الاسلام دينا فلن‌يقبل منه و النبي صلي الله عليه و آله اول من اسلم و هو الدين الخالص لله تعالي و اول الموحدين العابدين المطيعين لرب العالمين و له القهر [ص 49] و الغلبة و الاستعلاء و السلطنة و الملك علي ما سواه و من شأنه المجازاة و المكافاة و الحكم و القضاء و اليه و منه تدبير امر الملك و الملكوت و الجبروت و كلما خلق الله سبحانه باذن الله و امره و هو اذنه و امره و اليه يرجع الامر كله من غير استقلال له في نفسه (ص) و الكل من الله و انما عامل الله خلقه هكذا و ان الذين يبايعونك انما يبايعون الله و من يطع الرسول فقد اطاع الله و مارميت اذ رميت و لكن الله رمي فكلما فرض من امثال هذه المعاني كلها يرجع اليه و هو راجع الي الله و ما توفيقي الا بالله و لا حول و لا قوة الا بالله و الجهال يزعمون ان كمال المعرفة ان ينسب جميع ذلك اليهم بالاستقلال و ليس الامر كما زعموا بل والله اضمحلاله و فناؤه في جنب الله من اعظم فضايله صلي الله عليه و آله التي لايساويها فضيلة و لكن الناس اكثرهم لايعقلون بالجملة فهو الدين الخالص لله و آل‌محمد (ص) خلفاؤه القائمون مقامه في جميع ذلك و لاتختص خلافتهم (ص) ببعد ارتحال النبي (ص) من بين الامة و صعوده الي مقامه المحمود صلي الله عليه و آله و انما هو دائما اعلي و ارفع و انبي من مقام ساير الخلق و هم (ص) خلفاؤه القائمون مقامه كما انهم خلفاء الله تعالي و لولاهم لم‌يدركوا شيئا منه و لم‌يتوهموه اعتبر من الدخان المكلس و النار الماسة له ان لم‌يكن دخان لم‌ير اهل الدنيا نارا ابدا و لم‌يستضيئوا بها سرمدا و لكن لما قام [ص 50] الدخان مقام النار و ظهرت فيه وجدوا ظهورها فيه دون ذاتها فانها لاتدرك و اذا كان الامر في نار هي عنصر من عناصر وجود الانسان بل الحيوان و النبات مثلا هكذا فكيف يكون فيمن سبق جميع ما خلق الله نعم الابرار الذين يكون هؤلاء (ص) عناصر وجودهم كما في الزيارة الجامعة و عللهم المادية يمسهم ظهور هؤلاء و نورهم و شعاعهم و يستضيئون بهم و يضيئون علي من سواهم و الحاصل ان الائمة صلوات الله عليهم خلفاء النبي (ص) في كل زمان و قد قال (ص) لعلي (ع) انت مني بمنزلة هرون من موسي الا انه لا نبي بعدي ، و الله تعالي يقول من قول موسي (ع) لاخيه هرون اخلفني في قومي و اصلح و لاتتبع سبيل المفسدين و هو ح حي ذاهب الي الطور فهو خليفته حيا و ميتا و الولي صلوات الله عليه خليفة النبي صلي الله عليه و آله في كل وقت و مقام و الائمة من ولده خلفاؤه عليهم السلام و حلفاؤه الملازمون له (ص) و هو اليقين و قد قال اميرالمؤمنين عليه السلام لو كشف الغطاء ماازددت يقينا ، و اليقين بنفسه من شأن العقل كما ان الدين ايضا من شأنه و قد قال (ص) لا دين لمن لا عقل له ، و لايبعث الله نبيا الا بعد كمال عقله كما في الخبر و انما تتفاضل الانبياء بزيادة يقينهم الذي هو من شأن العقل و لم‌يكمل في احد منهم مثل ما كمل في نبينا محمد صلي الله عليه و آله و قد قال الصادق عليه السلام اليقين يوصل العبد الي [ص 51] كل حال سني و منتهي مقام عجيب كذلك اخبر رسول الله صلي الله عليه و آله عن عظم شأن اليقين حين ذكر عنده ان عيسي بن مريم عليه السلام كان يمشي علي الماء فقال لو زاد يقينه لمشي في الهواء ( علي الهواء خ‌ل ) فدل بهذا ان الانبياء عليهم السلام مع جلالة محلهم من الله كانت تتفاضل علي حقيقة اليقين لا غير و لا نهاية بزيادة اليقين الي الابد و المؤمنون ايضا متفاوتون في قوة اليقين و ضعفه الحديث ، و عظم شأن اليقين انما هو من انه لايحصل حقيقة الا بالمعاينة و قد روي عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قول الله لو تعلمون علم اليقين قال المعاينة ، اقول و هو ظاهر قوله تعالي حيث يقول كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ، و قد روي انه سأل اميرالمؤمنين عليه السلام الحسن و الحسين عليهما السلام فقال لهما ما بين الايمان و اليقين فسكتا فقال للحسن اجب يا ابامحمد قال بينهما شبر قال و كيف ذاك قال لان الايمان ما سمعناه بآذاننا و صدقناه بقلوبنا و اليقين ما ابصرنا باعيننا و استدللنا به علي ما غاب عنا ، اقول فاليقين انما يحصل بالمعاينة و المشعر الذي يتأتي منه المعاينة انما هو العقل لما قال اميرالمؤمنين عليه السلام في شأنه انه محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشيء قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب ، اقول و كل ذلك من شأن النبي (ص) و قد قال تعالي خطابا اليه احكم بما اراك الله [ص 52] و قال ماكذب الفؤاد ما رأي افتمارونه علي ما يري فمقامه مقام المعاينة و شأنه اليقين و الائمة صلوات الله عليهم حلفاؤه و ملازموه و لايفارقونه ابدا فهم حلفاء اليقين صلوات الله عليهم اجمعين فتدبر و وجد في نسخة حلفاء الدين و خلفاء النبيين ، و هو ايضا لا بأس به و المراد من النبيين نبينا (ص) فانه قال رسول الله (ص) في تفسير آية اما النبيون فانا و اما الصديقون فاخي علي .

و قوله (ع) و مصابيح الامم و مفاتيح الكرم ، انما يأوّل المصابيح بظهور النبوة فيهم (ص) فان النبي (ص) السراج المنير في قوله تعالي يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا و مبشرا و نذيرا و داعيا الي الله باذنه و سراجا منيرا و يكاد زيتها يضيء و لو لم‌تمسسه نار و الامم جمع الامة يمكن ان يأول بانفسهم (ص) و كل واحد منهم امة يهدون بالحق و يمكن ان يأول بمن دونهم من الانبياء و الاولياء (ص) و هم ايضا امم و ان ابرهيم كان امة قانتا لله و مفاتيح الكرم ايضا يأول المفاتيح بهم بظهور النبوة فان النبي (ص) هو الفاتح الخاتم و انا فتحنا لك فتحا مبينا و اذا جاء نصر الله و الفتح و هو مفتاح مكنونات الامكان جميعا و قبل خروجه لم‌يخرج شيء و قد فتح الله عز و جل به معدن الكرم و الجود و هو مقام الولاية و الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات الي النور و انما وليكم الله و رسوله و الذين آمنوا الذين يقيمون الصلوة و يؤتون الزكوة و هم راكعون و ان الله [ص 53] و ملائكته يصلون علي النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه و سلموا تسليما فالذين آمنوا يقيمون الصلوة علي رسول الله صلي الله عليه و آله و يتصلون به و يؤتون الزكوة علي من سواهم و يكرمون عليهم الا ان اهل الولاية يأخذونها استحقاقا و تفضلا و من سواهم يأخذون من اوساخها اتماما للحجة عليهم و الذين آمنوا في هذه الآية اميرالمؤمنين عليه السلام باجماع المفسرين و هو الذي يؤتي الزكوة علي جميع اهل العالم و من بعده الائمة من ولده صلوات الله عليهم و مفاتيح كرمهم من ظهور النبوة في الولاية الاتري انه لولا ظهور النار في السراج لم‌يكن له فشو و لا ظهور و لا انبثاث و انبساط نور فهو الهادي للامم و مفتاح الكرم صلي الله عليه و آله و سلم اعتبر مما سأل رجل اباعبدالله (ع) عن مسألة فاجابه فيها فقال الرجل ان كان كذا و كذا ما كان القول فيها فقال مه ما اجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله (ص) لسنا نقول برأينا من شيء و قال ابوجعفر عليه السلام لجابر يا جابر لو كنا نفتي الناس برأينا و هوانا لكنا من الهالكين و لكنا نفتيهم بآثار من رسول الله صلي الله عليه و آله و اصول علم عندنا نتوارثها كابرا عن كابر نكنزها كما يكنز هؤلاء ذهبهم و فضتهم ، اقول فكلما ما يفتون او يعطون و يكرمون بأي معني كونا و شرعا انما هو بظهور نور النبي صلي الله عليه و آله فيهم اعتبر من قوله تعالي ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا [ص 54] فما نهي عنه الرسول (ص) لم‌يكن سبيل اليه من غير سبيلهم قال الله تعالي لسليمان (ع) هذا عطاؤنا فامنن او امسك بغير حساب اي انك ان امسكت اغني الله كلا من سعته علي يد غيرك و اما النبي صلي الله عليه و آله ان امسك و نهي عن شيء يجب الانتهاء عنه و لا سبيل اليه من غيره و هذا حاصل الخبر كما روي فالمفاتيح جمع مضاف يفيد العموم و الكرم جنس محلي باللام و يفيد العموم ايضا فلا شيء يكرم به الله تعالي احدا من خلقه الا ما اكرم من سبيلهم و بالجملة لسنا بصدد التفصيل و الحاصل ان معاني جميع هذه الفقرات من شئون النبوة و الولاية اللتين جعلهما الله فيهم صلوات الله عليهم .

ثم قال عليه السلام : و الكليم البس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء و روح القدس في جنان الصاقورة ذاق من حدائقنا الباكورة .

و اعلم انه لما ذكر اسباب صعودهم (ص) الي ذري الحقايق اراد ان يذكر نحوا من ذلك في مقام الكليم عليه السلام علي حسب شأنه و مرتبته و هو اشارة الي قوله تعالي قال يا موسي اني اصطفيتك علي الناس برسالاتي و بكلامي فخذ ما آتيتك و كن من الشاكرين و قد تعم هذه الصفة بعض الرسل و هو قوله تعالي الله يصطفي من رسله من يشاء و قال و من يرغب عن ملة ابرهيم الا من سفه نفسه و لقد اصطفيناه في الدنيا و انه في الآخرة لمن الصالحين و قال و اذكر عبادنا ابرهيم [ص 55] و اسحق و يعقوب اولي الايدي و الابصار انا اخلصناهم بخالصة ذكري الدار و انهم عندنا لمن المصطفين الاخيار و قال ان الله اصطفي آدم و نوحا و آل ابرهيم و آل عمران علي العالمين و نحوها من الآيات متعددة و هي دالة علي اختلاف مراتب الاصطفاء و يصرح به قوله تعالي ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات باذن الله ذلك هو الفضل الكبير بل عد مريم عليها السلام من المصطفين حيث يقول و اذ قالت الملائكة يا مريم ان الله اصطفيك و طهرك و اصطفيك علي نساء العالمين و قال في طالوت ان الله اصطفيه عليكم و زاده بسطة في العلم و الجسم و الحاصل ان مراتب الاصطفاء مختلفة فموسي عليه السلام مصطفي علي الناس و آدم عليه السلام ايضا مصطفي علي العالمين و مع ذلك بينهما فرق و هو ما روي في اخبار متعددة مأثورة في البرهان و غيره فمنها بعدة طرق عن جابر عن ابي‌جعفر عليه السلام في قول الله عز و جل و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لم‌نجد له عزما قال عهدنا اليه في محمد و الائمة من بعده فترك و لم‌يكن له عزما انهم هكذا و انما سمي اولي العزم لانه عهد لهم في محمد و الاوصياء من بعده و المهدي و سيرته و اجتمع عزمهم علي ان ذلك كذلك و الاقرار به و عن ابي‌حمزة عن ابي‌جعفر عليه السلام قال اخذ الله الميثاق علي النبيين [ص 56] و قال الست بربكم قالوا بلي و ان هذا محمد رسولي و ان عليا اميرالمؤمنين قالوا فثبتت لهم النبوة ثم اخذ الميثاق علي اولي العزم اني ربكم و محمد رسولي و علي اميرالمؤمنين و الاوصياء من بعده ولاة امري و خزان علمي و ان المهدي عليه السلام انتصر به لديني و اظهر به دولتي و انتقم به من اعدائي و اعبد به طوعا و كرها قالوا اقررنا يا ربنا و شهدنا و لم‌يجحد آدم و لم‌يقر فثبتت العزيمة لهؤلاء الخمسة في المهدي و لم‌يكن لآدم عزيمة علي الاقرار و هو قول الله تبارك و تعالي و لقد عهدنا الي آدم من قبل فنسي و لم‌نجد له عزما ، و عن عبدالله بن سنان عن ابي‌عبدالله عليه السلام في قول الله عز و جل و لقد عهدنا الي آدم من قبل من كلمات في محمد و علي و الحسن و الحسين و الائمة من ذريتهم عليهم السلام فنسي و لم‌نجد له عزما هكذا والله نزلت علي محمد صلي الله عليه و آله و عن ابي‌حمزة الثمالي ايضا عن ابي‌جعفر محمد بن علي الباقر (ع) قال ان الله تبارك و تعالي عهد الي آدم عليه السلام ان لايقرب الشجرة فلما بلغ الوقت الذي كان في علم الله تبارك و تعالي ان يأكل منها نسي فاكل منها و هو قول الله تبارك و تعالي و لقد عهدنا الآية ، اقول ففي كل طبقة من الانبياء و غيرهم اختلاف درجات بحسب اختلاف طينهم و مع ذلك طبقة محمد و آل‌محمد عليهم السلام مصطفون بالنسبة الي جميع الخلق حيث لا احد غيرهم و ان كان [ص 57] فيهم جدهم الاطهر صلي الله عليه و آله ايضا مخصوصا بالاصطفاء من بينهم و لكن مع ذلك اختلافهم (ص) ليس كما في ساير الخلق فانهم كلهم نور واحد و طينة واحدة و كلهم مصطفون صلوات الله عليهم اجمعين و كذلك من بعدهم الانبياء مصطفون بالنسبة الي جميع الخلق و ان كان اولوا العزم منهم مصطفين بالنسبة الي من دونهم و كذلك من بعدهم الرسل مصطفون بالنسبة الي ساير الانبياء ثم الانبياء ايضا بالنسبة الي من دونهم ثم ان ولد فاطمة عليها السلام كلهم من المصطفين الا من استثني فانه قد روي في تفسير قوله تعالي ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه و منهم مقتصد و منهم سابق بالخيرات اخبار متكثرة انها نزلت في اهل البيت عليهم السلام و فسروا الظالم لنفسه بمن لايعرف الامام و المقتصد هو العارف بالامام و السابق بالخيرات هو الامام و قالوا هؤلاء كلهم مغفور لهم و لكن روي عن ابي‌بصير قال سألت اباعبدالله عليه السلام عن هذه الآية ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا قال اي شيء تقول انت قال اقول انها خاص في ولد فاطمة (ع) فقال عليه السلام اما من اسلّ سيفه و دعا الناس الي نفسه الي الضلال من ولد فاطمة و غيرهم فليس بداخل في هذه الآية قلت من يدخل فيها قال الظالم لنفسه الذي لايدعو الناس الي ضلال و لا هدي و المقتصد منا اهل البيت العارف حق الامام و السابق بالخيرات الامام ، اقول فلو وجد فيهم من هذا القبيل ان يسل سيفه و يدعو الناس الي نفسه فليس بداخل في [ص 58] هذه الآية و اما غيرهم من اهل البيت (ص) فتشملهم الآية و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء و قد روي عن ابي‌هاشم الجعفري قال كنت عند ابي‌محمد يعني الحسن (ع) فسألناه عن قول الله تعالي ثم اورثنا الكتاب الي باذن الله قال عليه السلام كلهم من آل‌محمد (ع) الظالم لنفسه الذي لايقر بالامام و المقتصد العارف بالامام و السابق بالخيرات باذن الله الامام قال فدمعت عيناي و جعلت افكر في نفسي ما اعطي الله آل‌محمد فنظر الي و قال الامر اعظم بما حدثتك به نفسك من عظم شأن آل‌محمد و قد جعلك مستمسكا بحبلهم تدعي يوم القيمة بهم اذا دعي كل اناس بامامهم فابشر يا اباهاشم فانك علي خير انتهي ، و نسأل الله عز و جل بحقهم و حرمتهم صلوات الله عليهم ان يجعلنا من المستمسكين بحبلهم المعتصمين بوثقي عروتهم و العارفين بفضلهم و المطيعين الموالين لهم و لاوليائهم و المعادين لاعدائهم ثم ان ساير المؤمنين ايضا في الباطن من ذريتهم و يعدون منهم بل لو كان ايمانهم ثابتا مستقرا كانوا اقرب منهم من الذين لم‌يقروا بالامام و لو كانوا فاطميين ظاهرا و لسنا بصدد تفصيل ذلك فقوله عليه السلام و الكليم البس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء ، اشارة الي وفاء موسي (ع) بالعهد المأخوذ منهم في محمد و آل‌محمد عليهم السلام كما وجدت في الاخبار و بذلك صارت الخمسة من اولي العزم و من [ص 59] اعجب ما فيه ان تثبت العزيمة لهؤلاء الخمسة بالاقرار في المهدي عليه السلام مع ان اولهم و اشرفهم نبينا محمد (ص) فكيف كلف بالاقرار فيه و هو افضل منه و لكن لا غرو من ذلك فان كل حق جعله الله عز و جل و اخذ عليه العهد من جميع خلقه يجب علي جميعهم الاقرار به و لو كان امرا جزئيا و كان المكلف بنفسه اعلي منه فانه و ان كان جزئيا لكن جاعله هو الله سبحانه و لا بد من الامتثال لامره ايا كان الم‌تر ما روي في الاخبار ما يدل علي ان تصغير المعصية الصغيرة لعله يجعلها كبيرة و روي اشد الذنوب ما استخف به صاحبه ، و روي في اصحاب العباء (ص) انه لم‌يكن لعلي (ع) ان يجعل غير الحسن وصيه و لم‌يكن للحسن عليه السلام ان يجعل غير الحسين عليه السلام وصيه و لو فرض ان يفعل ذلك احدهم و لن‌يفعل كان لمن سلب حقه ان يعترض علي من سلبه حقه بان الله اختارني كما اختارك و طهرني كما طهرك و ليس لك ان تختار علي غيري و هو حاصل الخبر ، و الغرض ان كلما جعله الله تعالي صغيرا كان او كبيرا لا بد من موافقة امر الله و اطاعته فالنبي صلي الله عليه و آله ايضا لما عهد الله اليه في الائمة (ص) الي المهدي عجل الله فرجه ما عهد لا بد له من الاقرار به و الوفاء به و بالعمل فيه بمرضاته يتقرب الي الله تعالي و قد قال صلي الله عليه و آله لو عصيت لهويت ، و قال تعالي و لو تقول علينا بعض الاقاويل لاخذنا منه [ص 60] باليمين ثم لقطعنا منه الوتين و بالجملة لم‌نكن بصدد هذا البيان و لكن اعترض اشكال اشرنا الي بيانه و حله فالنبي موسي عليه السلام لما وفي بعهد الله و ميثاقه في آل‌محمد عليهم السلام استحق من الله عز و جل و منهم ان يخلعوا عليه بحلة الاصطفاء و اعلم ان الجزاء من الله سبحانه عين العمل كما قال سيجزيهم وصفهم و قال و ماتجزون الا ما كنتم تعملون و عن رسول الله صلي الله عليه و آله انما هي اعمالكم ترد اليكم ، و شواهد هذا المعني كثيرة في الكتاب و السنة و في الحقيقة الجزاء و العمل متلازمان ظاهرهما العمل و باطنهما الجزاء و هذا هو معني حقيقة العدل الذي لايقدر احد ان ينسب ربه تعالي الي الظلم ففي اصطفاء موسي عليه السلام ايضا الامر كذلك لما كان من صفوة طينة الانبياء و الطفهم و اعدلهم و اشدهم مطاوعة لامر الله سبحانه كان اوفي بعهد الله و ميثاقه ممن دونه فهو في مقام العمل يفي بعهد الله و الله تعالي في مقام الجزاء يصطفيه و يختاره علي غيره فمن دونه و ما اصابك من حسنة فمن الله و لما كان مختارا في فعله باختيار اعطاه الله و خوله نسب الوفاء اليه فقال (ع) لما عهدنا منه الوفاء البسناه حلة الاصطفاء ، اعتبر من الارض و لطايفها و غلائظها اذا اشرفت عليها الشمس فاول ما يطاوعها و يصعد اليها لطايفها ثم تنزلها و تصعدها مكررا حتي تتحد و تتشاكل اجزاؤها فتصير نباتا او حيوانا و لولا [ص 61] مطاوعتها اولا لم‌تصل هذه المنزلة و قد قال علي عليه السلام من اعتدل طباعه صفا مزاجه و من صفا مزاجه قوي اثر النفس فيه و من قوي اثر النفس فيه سما الي ما يرتقيه و من سما الي ما يرتقيه فقد تخلق بالاخلاق النفسانية و من تخلق بالاخلاق النفسانية فقد صار موجودا بما هو انسان دون ان يكون موجودا بما هو حيوان فقد دخل في الباب الملكي الصوري و ليس له عن هذه الغاية مغير ، و اعلم ان هذه اللطافة و الاعتدال لسان سؤال كوني يسأل الله عز و جل ان يُسْميه اليه و يستجيب الله له و دعوته تعالي ايضا دعوة كونية عامة تشمل جميع القوابل و القوابل المستعدة اللطيفة تجيب دعوته سريعا علي حسب استعدادها و القوابل الغليظة البعيدة تبطئ في الاجابة او لاتجيب و اذا اجابت بطيئة لم‌تلحق اللطيفة السريعة السير بداهة لكن هذه السرعة و البطؤ من مقتضيات الاستعدادات الكونية و لايلام و لايعاب و لايعاقب العبد شرعا علي ابطائه اللازم لعدم استعداده الكوني لانه سابق علي التكليف الشرعي و هو عصيان كوني و هذا هو معني عصيان آدم عليه السلام و نسيانه فانه لم‌يكن في سرعة الاجابة بحسب القابلية في درجة اولي العزم من الرسل و لم‌يساوهم في درجتهم لكنه عصيان كوني ابتلي به قبل هبوطه الي الدنيا عرصة التكليف الشرعي و بعد ان هبط الي الدنيا فقد عصمه الله عز و جل من الذنوب و برءه من العيوب [ص 62] و جعله نبيا مرسلا سلام الله عليه و ان لم‌يكن في درجة اولي العزم من الرسل و اعلم ان هنا اعتدالا شرعيا اكتسابيا يحفظ الاستعداد الكوني عن التغيير و الانحراف و يكمله و يصعده و هو ايضا قول علي عليه السلام خلق الانسان ذا نفس ناطقة ان زكاها بالعلم و العمل فقد شابهت اوائل جواهر عللها و اذا اعتدل مزاجها و صح منهاجها و فارقت الاضداد فقد شارك بها السبع الشداد ، و يمكن ان يفسر قوله (ع) خلق الانسان ذا نفس ناطقة و قوله اذا اعتدل مزاجها ، بالاستعداد و الاعتدال الكوني و قوله (ع) ان زكاها بالعلم و العمل و قوله صح منهاجها ، بالعمل الشرعي فتدبر و لاتزعم ان كل الاستعداد ما كان كونيا خارجا من حد التكليف الشرعي نعم اصله و مبدؤه الاستعداد الكوني ثم من بعده لا بد من العمل و الاكتساب شرعا و نسأل الله عز و جل ان يوفقنا للعمل بمرضاته و لا حول و لا قوة الا بالله و ابونا آدم صلوات الله عليه بعد ان اهبط الي الدنيا و جعله الله نبيا مرسلا معصوما علي حسب استعداده لم‌يعص الله سبحانه و كان معصوما مطهرا عن الكباير و الصغاير و قد اصطفاه الله علي من دونه الا ان ابنه موسي عليه السلام كان اصفي و اعدل و الطف منه بحسب القابلية و كان اوفي بالعهد منه فبلغ درجة من الاصطفاء لم‌يبلغها آدم عليه السلام بالجملة ثم انه يمكن ان يقال ان وفاء موسي عليه السلام بالعهد [ص 63] انما هو من متعلقات ظهور الولاية و الاصطفاء المفاض عليه من متعلقات ظهور النبوة المصطفي الحقيقي الذي هو صفوة الصفوة (ص) و لايفوقه احد بل و لايدانيه موجود الا الذين هم نفسه و من نوره و طينته و موسي عليه السلام ماكان يطيق هذا الاصطفاء بل لو عرض عليه اعدمه بالمرة كما روي في الكتاب المبين عن موسي بن جعفر الكاظم عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي خلق نور محمد صلي الله عليه و آله من نور اخترعه من نور عظمته و جلاله و هو نور لاهوتية الذي ابتدأ من لاه اي من الالهية من انيته الذي ابتدأ منه و تجلي لموسي بن عمران عليه السلام به في طور سيناء فمااستقر له و لاطاق ( اطاق خ‌ل ) موسي لرؤيته و لاثبت له حتي خر صاعقا مغشيا عليه و كان ذلك النور نور محمد صلي الله عليه و آله الحديث ، فالاصطفاء الخاص به صلي الله عليه و آله يستحيل ان يتحمله موسي عليه السلام و لكنه من ظهوره في قابلية موسي و عيسي و ابرهيم و نوح عليهم السلام حكوا من نور اصطفائه (ص) كل واحد منهم بقدر استعداده و قربه منه و قد وفوا بالعهد و الميثاق المأخوذ عنهم و كلما فاتهم من لوازم الوفاء في دار الدنيا فسيفون به في الرجعة الم‌تسمع ما روي في قوله تعالي و اذ اخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب و حكمة ثم جائكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به و لتنصرنه في البرهان عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال [ص 64] مابعث الله نبيا من لدن آدم فهلم جرا الا و يرجع الي الدنيا و ينصر اميرالمؤمنين و هو قوله لتؤمنن به يعني رسول الله و لتنصرن اميرالمؤمنين عليه السلام ثم قال لهم في الذر اقررتم و اخذتم علي ذلك ( ذلكم خ‌ل ) اصري اي عهدي قالوا اقررنا قال الله للملائكة فاشهدوا و انا معكم من الشاهدين و عن ابي‌جعفر الباقر عليه السلام قال قال اميرالمؤمنين عليه السلام في كيفية خلقهم الي ان قال و اخذ ميثاق الانبياء بالايمان و النصرة لنا و ذلك قوله عز و جل و اذ اخذ الله ميثاق النبيين الي لتؤمنن به يعني محمدا صلي الله عليه و آله و لتنصرن وصيه فقد آمنوا بمحمد و ينصرون وصيه سينصرونه جميعا و ان الله اخذ ميثاقي مع ميثاق محمد بالنصرة بعضنا لبعض فقد نصرت محمدا و جاهدت بين يديه و قتلت عدوه و وفيت الله بما اخذ علي من الميثاق و العهد و النصرة لمحمد صلي الله عليه و آله و لم‌ينصرني احد من انبيائه و رسله و ذلك لما قبضهم الله اليه سوف ينصرونني ، الي غير ذلك من الاخبار في هذا المعني فمن لوازم وفائهم (ع) بعهد الله ان ينصروا اولياءه الاولين سلام الله عليهم اجمعين و اول من يستنصرهم الحجة المنتظر (عج) فينزل عليه عيسي (ع) و يكون وزيره كما في اخبارنا و كذلك ورد في يوشع ابن نون (ع) انه يرجع الي القائم (ص) لنصرته و من بعدهما ساير الانبياء ايضا يرجعون الي نصرته و نصرة ابيه الحسين عليه السلام [ص 65] و ارواحنا فداه حين يرجع و لايحضرني الآن ترتيب رجعاتهم و اوقاتها و لعله يوجد في الاخبار بعض ما يفيد هذا المعني و تخصيص ذكر مولانا المهدي صلوات الله عليه في اخبار معني اولي العزم كما مر لعله بحسب الظاهر من باب ان الانتصار لدين الله و اظهار دولته و الانتقام من اعدائه و عبادته طوعا و كرها كما اشير اليها في الخبر الذي مر انما هي كلها من شأن الحجة المنتظر (ص) و هو موقع قوله تعالي هو الذي ارسل رسوله بالهدي و دين الحق ليظهره علي الدين كله و لو كره المشركون و لم‌يقع ذلك في زمان احد من آبائه الطاهرين (ص) علي حد ما يقع في ظهوره عجل الله فرجه كما صرح به مولانا الصادق (ع) في حديثه لمفضل بن عمر فهذا الامر من شأنه عليه السلام خاصة و انما ظهر ما ظهر من هذا الامر اي الانتصار لدين الله و اظهار دولته فيما سبق من الازمان بسبب هؤلاء الانبياء اولي العزائم و الشرايع و انما اتوا و اعلنوا و اظهروا بما وسعهم و صلح الزمان و الامم لتحمله و كل ذلك كان من شئون الحجة عليه السلام و هو نوح و ابرهيم و موسي و عيسي بل و محمد صلي الله عليه و آله و علي انبياء الله من قبل كما يصرح به عند ظهوره و من اراد ان يحاجهم فليحاجه و كلما ظهر منهم في نصرة دين الله عز و جل فانما هو من آثاره عليه السلام و وفاء هؤلاء الانبياء بالعهد المأخوذ منهم فتدبر و معذلك العهد و الميثاق [ص 66] المأخوذ منهم يتعلق بالنبي (ص) اولا و من بعده بجميع اوصيائه صلوات الله عليهم و لكن غلبتهم علي الدين كله و التمكن من اظهاره و تمكين الناس لهم و التخويف و التحذير و المنع و الطرد و القتل بالنسبة الي الذين منعوهم عن اظهار الدين و اتباعهم و اشياعهم فانما هي من خصايص الحجة المنتظر صلوات الله عليه و علي آبائه الطاهرين و الانبياء اولوا العزايم السنته و اياديه و ان له (ع) مع كل ولي اذنا سامعة و عينا ناظرة و لسانا ناطقا فضلا من انبياء اولي العزم حيث انهم اقربهم منه و اطوعهم له .