رسالة في جواب المرحوم المبرور السيد عبدالله الموسوي البصري
عن خمس مسائل منها ما سأله بعض اهل البصرة
من مصنفات العالم الرباني و الحكيم الصمداني
مولانا المرحوم الحاج زينالعابدين خان الكرماني اعلي الله مقامه
الحمد لله رب العالمين و الصلوة و السلام علي خير خلقه محمد و آله الطاهرين و رهطه المخلصين و اللعن علي اعدائهم و غاصبي حقوقهم و ناصبي شيعتهم اجمعين الي يوم الدين .
و بعد يقول العبد المسكين المستكين ابن محمدكريم زينالعابدين ان جناب لب اللباب و سليل الاطياب و سلالة الانجاب الاخ الفاضل الورع الاواه السيد عبدالله ابن الزكي الصفي السيد علي الموسوي البصري حرسه الله تعالي و بلغه ما يتمناه قد امرني بالجواب عن مسائل معضلة و مطالب مشكلة منها ما سأله بعض اخواننا ايدهم الله تعالي من اهل البصرة و منها ما اضاف اليها بنفسه مع انه و الحمد لله ذو فهم ذكي و ذهن لوذعي المعي يسعه التتبع في الاخبار و بيانات مشايخنا الابرار و استخراج بعض ما خفي عليه من الاسرار و اني ايضا لو فرض ان اعرف شيئا منها كان اقل قليل من معاني تلك الآيات و الاخبار و اين انا من معرفة حقايقها و معانيها المتكثرة علي اني كما ترون و تعلمون مع ضعف البنية و فتور القوي [ص 3] مبتل بامور عجيبة غريبة من لوازم آخر الزمان و الدهر الخوان لايبقي للانسان قلب مجتمع و نظر دقيق حديد كالذي ابتلي برياح عاصفة و اهبية و اغبرة و رمال منتشرة منتسفة لايقدر ان يفتح عينه و ان فتحها احيانا لمير و لميجد شيئا الا و ذرّت في عينه الرمال و القذي عصمنا الله من الفتن و آمننا من المحن في تلك الزمن بحق محمد و آلمحمد (ص) و عجل فرجهم و فرجنا بهم بحقهم و حرمتهم صلوات الله عليهم و علي اي حال تعلمون ما نحن عليه و لاتحتاجون الي اظهار و لا بد ان اكتفي من البيان باقل ما تنحل به عقد المشكلات ان شاء الله تعالي و لا حول و لا قوة الا بالله العلي العظيم و صلي الله علي محمد و آله الطاهرين .
قال ايده الله تعالي بعد ما اطري علي بالفاظ استحيي والله من ذكرها و نقلها لما اعرف من نفسي من القصور و التقصير و اسأل الله العزيز الخبير ان لايؤاخذني بما يقولون و يجعلني خيرا مما يظنون و لايخرق الثناء سمعي و لااسرّ بمدايح اعلم افتقادي لاقل منها ، بالجملة قال سلمه الله تعالي :
الاولي - شرح الحديث الشريف المروي في الكتاب المبين عن الامام العسكري صلوات الله عليه و علي آبائه و ولده الخلف بتمامه و بيان اسراره و هو هذا : كشكول الشيخ اعلي الله مقامه عن الحسن العسكري عليه السلام قد صعدنا ذري الحقايق باقدام النبوة و الولاية و نورنا سبع طرايق ( طبقات خل ) باعلام [ص 4] الفتوة و الهداية فنحن ليوث الوغي و غيوث الندي و طعناء ( كذا . طعان خل ) العدي و فينا السيف و القلم في العاجل و لواء الحمد و العلم ( الحوض خل ) في الآجل و اسباطنا خلفاء الدين و حلفاء اليقين ( حلفاء الدين و خلفاء النبيين خل ) و مصابيح الامم و مفاتيح الكرم و الكليم البس حلة الاصطفاء لما عهدنا منه الوفاء و روح القدس في جنان الصاقورة ( الصاغورة خل ) ذاق من حدائقنا الباكورة و شيعتنا الفئة الناجية و الفرقة الزاكية صاروا لنا ردءا و صونا و علي اعدائنا البا و عونا و سيحفر ( سينفجر لهم خل . سيسفر لنا خل ) لهم ( لنا خل ) ينابيع الحيوان بعد لظي النيران ( خ . لتمام الم و طه و الطواسين من السنين ) ( و هذا الكتاب درة من درر الرحمة و قطرة من بحر الحكمة . نسخة ) و كتبه الحسن ابن علي العسكري في سنة اربع و خمسين و مأتين ، انتهي .
الذري بضم الذال جمع الذروة بضم الذال او كسرها كمدية و مدي و هي من كل شيء اعلاه .
و النبوّة اتت واوية من النبوة و النباوة كضربة و سحابة اي ما ارتفع من الارض و النبي كغني شيء ارتفع عن الارض او ارض مرتفعة و منه لاتصلّوا علي النبي ، اي علي ارض مرتفعة محدوبة و النبي مشتق من النَبْوة لانه اشرف و علا علي ساير الخلق و هو فعيل بمعني فاعل و الاسم النبوّة كسموّ بهاء و قيل النبيئ علي فعيل مهموزا لانه انبأ عن الله و اخبر و الابدال و الادغام لغة فاشية مختار كما في الذرية [ص 5] و البرية و الاسم النبوءة كرطوبة و تقلب الهمزة واوا و تدغم و نبأ كنفع و المصدر كفلس و سرور ايضا اي ارتفع و منه النبي صلي الله عليه و آله لرفعته و علو مقامه علي ساير الخلق و اخباره عن الله تعالي و في فرايد اللغة جاء اعرابي الي رسول الله صلي الله عليه و آله فقال يا نبيء الله قاله مهموزا فقال لست بنبيء الله و لكني نبي الله و فسره في باب الهمزة يعني الخارج من مكة الي المدينة فلذلك انكره عليه لانه ليس من لغة قريش فقال لاتنبر باسمي فانما انا نبي الله اي لاتهمز باسمي من النبر بالنون و الموحدة و الراء المهملة و هو الهمز وزنا و معني و به الارض نبأً كفلس جاءت به و بالشيء اخبر به و كامير الطريق الواضح و المكان المحدوب .
و الولاية من الوَلْي كفلس و هو بمعني القرب و الدنو و قيل حصول الثاني بعد الاول من غير فصل و الولاية ككتابة السلطان و الربوبية و تفتح و منه قوله تعالي هنالك الولاية لله الحق و قيل يعني يومئذ يتولون الله و يتبرأون مما كانوا يعبدون و بالكسر و الفتح النصرة يقال هم علي ولاية اي مجتمعون في النصرة و قيل بالفتح المصدر و بالكسر الاسم كالامارة و النقابة لانها اسم لما توليته و قمت به و في الحديث بني الاسلام علي خمس و منها الولاية و هي محبة اهل البيت عليهم السلام و اتباعهم في الدين و الامتثال لاوامرهم و الانتهاء عن نواهيهم و التأسي بهم في الاعمال و الاخلاق و هي كلها من لوازم القرب [ص 6] و الدنو و عدم الفصل .
و الطرايق جمع طريقة ككتيبة و كتائب النخلة الطويلة ج طريق بلا هاء و السهلة من الاراضي و الحال و المذهب و عمود المظلة و شريف القوم و امثلهم للواحد و الجمع و قد يجمع علي طرايق يقال هذا رجل طريقة قومه و هؤلاء طريقة قومهم و من الكتاب و ان لو استقاموا علي الطريقة اي علي الطاعة و قيل لميشركوا بالله شيئا و قيل علي المذهب و قيل علي الولاية و مثلها و يذهبا بطريقتكم المثلي اي سنتكم و دينكم و مذهبكم و ما انتم عليه و جعلنا فوقكم سبع طرايق اي سبع سموات سميت لتطارق بعضها علي بعضها اي تطابقها واحدتها طريقة ايضا كنا طرايق قددا اي كنا فرقا مختلفة اهواؤها .
و الطبقات علي النسخة الاخري ايضا يمكن ارادة السموات منها و منه الذي خلق سبع سموات طباقا اي بعضها فوق بعض مطبقا له من اطرافها او كل سماء كالطبق للاخري و طبقات الناس في مراتبهم الواحدة طبقة كقصبات و قصبة .
و اعلام جمع علم كسبب و اسباب بمعني العلامة .
و الفتوة كعتلّة كما في الفرائد طعام موضوع و نائل مبذول و بر معروف و اذي مكفوف ش و الكرم الي ان قال و الفتا الشاب و السخي الكريم و يأتي يائيا بهذا المعني و بمعني العبد و المملوك قال في الفرايد و الاصل ان يقال للشاب الحديث السن الفتي ثم استعير للعبد و ان كان شيخا مجازا تسمية باسم ما كان عليه ، اقول و منه قوله تعالي [ص 7] اذ اوي الفتية الي الكهف فانهم كانوا شيوخا و سموا بالفتية كما في الخبر لمكان عبوديتهم و ايمانهم او لسخائهم و كرامتهم و تركهم للدنيا .
و الهداية مصدر من هدي بمعني الارشاد و الدلالة ، و في الفرائد و قيل الهدي علي ضربين هدي دلالة و ارشاد و بيان و هو الذي يهدي به الانبياء و الرسل و الحجج و من حذا حذوهم هادون و الخلق به مهديون و منه ك انك لتهدي الي صراط مستقيم ، انك لعلي هدي مستقيم ، و جعلناهم ائمة يهدون بامرنا و هدي توفيق و تأييد و هو الذي تفرد به الله تعالي و منه انك لاتهدي من احببت و لكن الله يهدي من يشاء ، ان الله لايهدي القوم الظالمين ، الذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ، اقول و هو كلام متين الا ان الظاهر ان قوله انك لعلي هدي مستقيم من القسم الثاني اي انك موفق مؤيد للاستقامة و الاهتداء و السداد و لذلك وصفه بمستقيم فتدبر .
و الليث الاسد و الطلق اللسان البليغ و به سمي الرجل لشجاعته يقال فلان ليث غابة و الاليث الشجاع و في الحديث و هو اليث اصحابه اي اشدهم و اشجعهم و اجلدهم .
و الوغي الجلبة و الصوت الشديد و الصراخ و منه قيل للحرب الوغي لما فيها من الصراخ و الجلبة و قيل الوعي بالمهملة كعلي الصوت و الجلبة و الوغي بالمعجمة الحرب نفسها .
و الغيوث جمع غيث و هو المطر و النبات و الكلاء الذي ينبت بماء السماء يقال رعينا الغيث .
[ص 8] و الندي السخاء و ندي الرجل جاد و الاسم الندي و هو ندي كغني و ندي الكف اي سخي و يأتي بمعني النداوة و البلة القليلة .
و الطعناء جمع الطعين اي المطعون و لمار استعماله بمعني الفاعل و ان كان القياس يجوزه كالرحيم و الرحماء و اما الطعّان فهو مبالغة الفاعل كشداد و لعله هنا اصح و من هنا علّم عليه بلفظ كذا للدلالة علي بعد صحته .
و العدي كالي جمع العدو و قيل اسم جمع اذ لميأت جمع بهذا الوزن من الصفات .
و السيف كبيت معلوم و سيف البحر ساحله .
و القلم في الفرايد اول ما خلق الله ش و الذي يكتب به الكاتب م فعل بمعني مفعول كالحفر بمعني المحفور و لهذا قالوا لايسمي قلما الا بعد البري و قبله هو قصبة و يسمي السهم قلما ايضا لانه يقلم اي يبري ك علم بالقلم يعني علم الانسان الكتابة التي يتم بها امور الدنيا في مشارق الارض و مغاربها عن القمي و التقدير علم الخط بالقلم هذا في الظاهر و في الباطن علمكم بمحمد (ص) فانه القلم اول ما خلق الله ن و القلم و ما يسطرون النون الدواة و القلم ما يكتب به و ما يسطرون ما يكتبون .
و الحمد في المعيار نقيض الذم و عن بعضهم هو الشكر و الرضا و الجزاء و قضاء الحق و عن ابيعبدالله عليه السلام في تفسير الحمد لله رب العالمين الشكر لله الخبر ، و لواء الحمد يؤتي بها نبينا صلي الله عليه و آله و علي عليه السلام حاملها ش الي ان قال و احمد علي صيغة [ص 9] التفضيل اسم نبينا (ص) سماه الله به لانه محمود في اهل السماء و جعل اسمه محمدا لانه محمود في الارض و في جميع اهل القيمة في فصل القضاء لايشفع احد غيره ش و محمود ايضا اسمه صلي الله عليه و آله .
و اسباط جمع سبط كجسم و اجسام اي ولد الولد و القبيلة من ولد اسحق عليه السلام و في الفرايد من النهاية الحسين سبط من الاسباط اي امة من الامم .
و خلفاء جمع خليفة و هي الخليف و التاء للمبالغة و الخليفة بمعني السلطان و يجوز ان يكون فاعلا لانه خلف من قبله اي جاء بعده و يجوز ان يكون مفعولا لان الله جعله خليفة .
و الدين قال في الفرايد انه وضع الهي لاولي الالباب يجمع الاصول و الفروع و في الحديث من تفسير الامام (ع) في مالك يوم الدين الحساب و اما في غير هذا الموضع الدين عند الله الاسلام و من يبتغ غير الاسلام دينا فلنيقبل منه فهو الاعتقاد بالجنان و الاقرار باللسان و العمل بالاركان و المراد بهذا الاسلام الاسلام المرادف للايمان جمع اديان كعيد و اعياد و قد تكثر في الحديث مفردا و جمعا و الدين ايضا العادة و السيرة و الشأن و الحال و الجزاء و المكافاة و العبادة و الطاعة و القهر و الغلبة و الاستعلاء و السلطان و الملك و الحكم و القضاء و التدبير و التوحيد و اسم لجميع ما يعبد الله به و الملة و الورع و المعصية و الاكراه و قد جاء في الكتاب باغلب هذه المعاني .
و الحلفاء من [ص 10] الحلف اي القسم و اصله المعاقدة و المعاهدة علي ان يكون امرهم واحدا و الحليف المحالف فعيل بمعني مفاعل ج حلفاء كحكيم و حكماء .
و اليقين في الفرائد هو اطمينان العقل بموافقة معقوله للواقع و في الحديث في تفسيره ان يعمل لله كأنه يراه و هو في الاصل مصدر او اسم فاعل لمبالغة الوصف و يقال علمه يقينا و علم يقين بالوصفية و علم اليقين بالاضافة اي ليس فيه شك الي ان قال و يقن الامر يقنا كفرح فرحا و يقنا كسمع سمعا ثبت و وضح فهو يقين فعيل بمعني فاعل .
و المصابيح جمع مصباح و هو السراج و الشهاب الثاقب المضيء و لقد زينا السماء الدنيا بمصابيح و جعلناها رجوما للشياطين .
و الامم جمع امة و في الفرائد الجماعة و هي في اللفظ واحدة و في المعني جمع كالقوم و الامام و جماعة ارسل اليهم رسول من الله تعالي و الجيل من كل حي و الجنس كالام بلا هاء في الاخيرين .
و المفاتيح جمع مفتاح و هو آلة الفتح و الفتح يأتي لمعان كثيرة ظاهرة و معنوية .
و الكرم كسبب مصدر كرم اي عز و نفس و حسن و ضد اللؤم و ما اشبه ذلك .
و الاصطفاء من اصطفي اي اخذ صفوه و اختاره و المصطفي المختار .
و عهدنا منه اي لقينا و عرفنا .
و الوفاء ضد الغدر و وفي بالعهد و الوعد اي انجز و احضر و قضاه .
و روح القدس خلق اعظم من الملائكة العظام يقوم وحده فيكون صفا و تقوم الملائكة صفا و في الكتاب يوم يقوم الروح و الملائكة صفا .
[ص 11] و الصاقورة كباكورة القحف المشرف علي الدماغ و جنان الصاقورة الجنان العليا .
و الباكورة الفاكهة اول ما يدرك و اول ما عجل الاخراج .
و الفئة الطائفة و الجماعة المنقطعة عن غيرها كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة .
و الردء المظاهر و المعاون ارسله معي ردءا .
و الالب بالفتح و الكسر هم عليه الب واحد اي مجتمعون بالظلم و العداوة و بمعني الطرد الشديد و التدبير علي العدو من حيث لايعلم .
و اللظي النار او لهبها .
و اعلم ان العبارات الشريفة معانيها بحسب الظاهر واضحة ان شاء الله و لكن نذكرها فقرة فقرة و نذيلها بما عرفنا الله تعالي من معانيها و اسرارها و لا حول و لا قوة الا بالله .
قال عليه الصلوة و السلام : قد صعدنا ذري الحقايق باقدام النبوة و الولاية و نوّرنا سبع طرايق ( طبقات خل ) باعلام الفتوة و الهداية .
اعلم ان الله سبحانه احد يمتنع معه ذكر ما سواه بنفي او اثبات و مجهول الكنه و منزه عن الاسماء و الصفات و اراد معذلك ان يعرف نفسه و يدل عليها بانواع الدلالات و اجمع التعبيرات علي حسب ما تتمكن منه الممكنات فخلق الخلق علي ما خلق و لميخلق شيئا فردا قائما بذاته للذي اراد من الدلالة عليه و ذلك لان الخلق الفرد القائم بالذات امر غير معقول و انما هو كماء الشعير القمحي فان الشيء ان كان فردا قائما بالذات لميكن خلقا بداهة و هو الله سبحانه و لا كلام [ص 12] فيه و اذا كان خلقا فلا محالة لايكون فردا قائما بالذات بل هو مركب من ظهور فعل فاعله و من نفسه و هو قوله تعالي و من كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون فكل شيء مركب من شيئين و حاصل من زوجين لعلهم يتذكرون اي يرون من انفسهم الدلالة عليه كما هو حاصل الخبر و من ذلك يعلم ان الدلالة عليه ليست بدلالة تكشف عنه و انما هي صرف اثبات وجوده فان الحادث المركب منتهي دلالته علي وجود محدث مركب بكسر الكاف و لايكشف عن الاحد القديم الفرد القائم بالذات بداهة بالجملة فالحاصل ان الخلق باجمعهم مركب من زوجين و هذان الزوجان ينتهيان الي ثلث البتة فان الزوجين اذا تركبا حصل شيء ثالث غير الزوجين بداهة و هذا امر سار جار من اول الخلق الي آخره و كلهم مركبون من مادة و صورة و المادة مقام النفي و القوة و الامكان و الصورة هي الاثبات و الفعلية و الكون و الله سبحانه منزه عنهما حقيقة و وجود ثالث فوقهما مركب منهما منزه عنهما بالنسبة دال علي ربهما و انما يتكثر درجات الخلق باختلاف درجات هذين الزوجين فان كانا لطيفين صافيين شافين عما ورائهما من الكمالات كان الوجود الثالث الحاصل من تركيبهما اعلي و اشرف و اجمع و احكي لما ورائه و ان كانا غليظين كثيفين حاجبين كان الوجود الحاصل من تركيبهما ادني و اخس و انقص و اقصر و احجب لما ورائه فامر الله سبحانه [ص 13] في ايجاد الممكنات واحدة الا ان القوابل في حكايته مختلفة و ان قلت من اين جاء اختلاف القوابل قلت علمها الله سبحانه علي ما هي عليه و لميكن شيئا مذكورا في الكون و العين ثم خلقها علي ما علمها و لايظلم ربك احدا و لسنا بصدد تفصيل هذا البيان و الغرض ان اختلاف درجات الخلق بحسب اختلاف موادهم و صورهم و من باب ان المواد و الصور كلها مأخوذة من الامكان كانت لكل منها امكانية الا انها في كل شيء علي حسبها و القوي الامكانية في كل شيء و لكل شيء انما هي بقدر ان لايخرجه عما هو عليه فانه ان خرج عما هو عليه و ظهرت هنا فعلية اخري غير الاولي لمتكن هي من امكانات الفعلية الاولي و انما هي من امكان اعلي الاتري انك ان محوت البياض عن الابيض و سوّدته لميصر البياض سوادا فانه لا بياض بعد محو البياض و انما حصل السواد علي جسم صالح و هو غير البياض فتدبر فعلي حسب درجات المواد و الصور و امكانيتها و صلوحها في مراتب الترقي و التنزل يمكن لهما الترقي و التنزل كما ان النفط مثلا دهن معروف يؤخذ من معدنه و يقرب من النار و يشتعل الا انه عند خروجه من معدنه غليظ كثيف اسود عفن و اذا اشتعل ظهر منه نور كدر ظلماني و دخان كثيف غليظ و رايحة منتنة مؤذية كما هو معلوم و اذا صفي و قطر و اخذ منه كثايفه الارضية خرج اصفي و اشف و اقل رايحة و لونه حينئذ اصفر بالنسبة [ص 14] و اذا اشتعل صار انور و دخانه الطف و رايحته اطيب بالنسبة ثم اذا صفي ثانيا و قطر ترقي في جميع تلك الكمالات و هو في جميع تلك المراتب نفط معلوم و ان سميت باسماء مختلفة و هكذا الامر في جميع الممكنات و هذا هو سر الترقي و الصعود في الدرجات و التنزل و الهبوط الي الدركات و لو لميجعل الله عز و جل تلك القوي و الامكانات في كل شيء علي حسبه لميكلفهم في الشرع الكوني الوجودي و لا في الشرع الشرعي بشيء و لايكلف الله نفسا الا ما آتاها و معاذ الله ان نأخذ الا من وجدنا متاعنا عنده فعلي حسب امكان الممكنات دعيت و كلفت الي الصعود الي اعالي الدرجات و اعلي الممكنات و اشرفها و اكثرها صلوحا للفوز بالمقامات نفس الامكان لانه امكان مطلق بلا شرط و لا قيد يمنعه عن بروز بعض الكمالات و اذا شرع في الترقي و العروج الي مبدأ المبادي يعرج اليه الي ان يكون من ربه قاب قوسين او ادني اي بل ادني فيكون له معه حالات هو فيها هذا و هذا هو مع انه هو هو و هذا ذاك و بالجملة صعود الممكن الي اعلي ما يمكن فيه باقدام مادته و صورته و ترقيه بترقيق مادته و صورته الاتري في التراكيب الظاهرة العرضية انه كلما كانت اجزاء المركب اصفي و الطف و اعدل كان المزاج الظاهر عليها من تحت حجاب الواحدية علي ما حققه ابي العلامة اعلي الله مقامه و رفع في الدارين اعلامه اعلي و ارق و الطف و اعدل و اوحد و انفذ و اولي بما دونه و الذي يعمل فيه العامل المكلف و يصفيه و يلطفه و يهيؤه [ص 15] لحكاية المثال الملقي فيه هو تلك الاجزاء لا نفس المثال فانه من عند العالي و من عطائه و لايعمل فيه يد العامل الاتري انك اذا اردت ظهور الشاخص في المرآت علي كمال ما ينبغي لا بد لك من اصلاح المرآت و تصفيتها و تلطيفها و تسويتها و تعديلها و تصقيلها حتي تحكي عن الشاخص علي كمال ما ينبغي و ليس لك ان تصلح الشاخص و لاتعمل يدك فيه و لايكون منال آلاتك و ادواتك و لو تكلفت و جاهدت في ذلك كان جهدك عبثا لا طائل فيه بل مضرا بحالك فان ما من العبد اصلاح القابلية و تقرير العبودية و اذا طمع في الربوبية و ليست منال ايديه و عجز عن الوصول اليها و لميجد فرصة لاصلاح القابلية بل و تركه عمدا و اخلد الي الارض و اتبع هواه فلا جرم تنسلخ منه الآيات و تستولي عليه الشهوات و تفسد عليه ما مضي و ما هو آت و قد خسر الدنيا و الآخرة ذلك هو الخسران المبين و انظر الي السراج ايضا فان المواد العرضية و ان كانت صالحة لحكاية النار و لكن لا كل مادة تحكيها و انت اذا اردت حكاية مادة للنار لا بد لك من اصلاح القابلية من الدهن و الفتيلة و ما يستلزمها و ليس لك ان تعمل في ناريته شيئا و لاتقدر عليه فان النار غيب باطن لاتنالها ادواتك و انما عليك اصلاح القابلية و اذا تركت ذلك و عمدت الي اصلاح النار عجزت عن هذا و بقيت القابلية فاسدة او افسد مما كانت فلاتنال بغيتك ابدا [ص 16] و كذلك الامر في كل مقام حتي الاكسير اذا اردت تكميله و تكثير نفوذه و سريانه و قدرته علي تكميل المواد الناقصة لا بد لك من اصلاح مادته و اركانه فان مثال المؤئر الظاهر فيها لا قصور فيه من حيث نفسه و كل القصور من جهة غلظة الاركان و كثافتها و تكثرها و اختلافها كجند متشتت مختلف يضعف عن مقابلة الخصوم و كلما كان الرئيس قويا لايعمل شيئا حتي يكون افراد الجند متحدين موافقين حامين بعضهم لبعض فيكسر الصفوف و لايكترث بالالوف فحاصل الكلام في كل مقام ان المولود انما يصعد الي اعلي درجات مبدئه بتصعيد مادته و صورته و هذا التصعيد اذا كان في الكون كان شرعا كونيا و مشرعة كونية و اذا كان في الشرع كان شرعا شرعيا و له في مراتبه حالات و اسماء شرعية و المواليد الاولية في مبدأ الايجاد ايضا لهم مادة و صورة و مادتهم من النور و هو ابوهم و صورتهم من الرحمة و هي امهم و النور مقام النبوة التي تنبئ عن المنير و مستعلية منزهة عن الحدود الصورية و الرحمة مقام الولاية التي وسعت كل شيء و استولت علي كل شيء و دنت و قربت منها و صعودهم صلوات الله عليهم الي ذري الحقايق انما هو باقدام النبوة و الولاية اي موادهم و صورهم فهم ابدا يصعدون بهذين القدمين الشريفين و يشتد ظهور المثال الملقي فيهم ابدا فلا حد وقوف لسير القدمين و لو لمنزدد لنفد ما عندنا و لا نهاية ظهور للمثال الملقي فيهم [ص 17] و كلما يشتد ظهور المثال يشتد ظهور افعاله و آثاره و نوره فيما دونه الاتري انك كلما اصلحت الدهن و الفتيلة اشتد ظهور النار فيهما و النار كوجه محجوب بنقاب كلما رققه صار الوجه اظهر و كلما اشتد ظهور النار في الشعلة نوّر الفضاء اكثر و انور و اضوء و لولا ظهور النار ابدا كان الفضاء مظلما ابدا و مراتب الدخان و الدهن و الفتيلة كلها و ما والاها ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لميكد يراها و لكن اذا صفي الدهن و الفتيلة و الدخان الحاصل منهما اشتد ظهور النار بحيث يفضل و يزيد علي محلها الخاص بها فيخرج من حدها و ينبث في الفضاء و ينور ما والاها و هو قوله عليه السلام و نورنا سبع طبقات باعلام الفتوة و الهداية ، و تلك السبع طبقات اولا و بالذات من مراتب نفس السراج و ثانيا و بالعرض من مراتب الفضاء فان لهم كما تعلم من مقام العقل الي الجسم سبعة مقامات كلية مختصة بهم صلوات الله عليهم و كلها منورة بنورهم و اذا خرج النور من حد نفسه و اضاء ما في الخارج نور سبع طبقات اشار اليها سيدنا الاوحد اعلي الله مقامه في كتابه الخاص الي ابي الامجد رفع الله اعلامه و عبر عنها بالقري السبعة و هي قرية العلماء و النجباء الجزئيين و النقباء الجزئيين ثم الكليين منهما ثم الاركان ثم الامام و هو في مقامهم البشرية الظاهرية لا الولاية الكلية الخاصة بهم فنوروا تلك السبع طبقات و هي ذري [ص 18] الحقايق التي صعدوا عنها باقدام النبوة و الولاية فحكوا مثال الحقيقة العليا و اظهروا افعالها فيما دونها و هي اعلام الفتوة و الهداية فانهم فتية آمنوا بربهم و عباد مكرمون لايسبقونه بالقول و هم بامره يعملون و يهديهم ربهم بايمانهم و بهم اكرم الله علي ساير الناس و بهم يرزقون و بهم يمطرون كما في الاخبار الاتنظر الي قوله تعالي و في السماء رزقكم و ما توعدون و معذلك ان لمتضئ الشمس علي الارض و البحار و لمتُثر سحابا و لمتنشره في الجو و لمتمطر و لمينبت النبات و لمتعش الحيوانات لمترزق احد من اهل الارض مع ان الله سبحانه يقول و في السماء رزقكم و ما توعدون و معذلك لايرزق احد الا علي ما ذكرنا و اشرنا فما لمينور تلك الطبقات السبعة و لميظهر النور فيها و لميؤثر فيما دونها لميهتد احد الي شيء و لميرزق احد بشيء و الكلام هنا طويل الذيل و ان اردنا التفصيل لميسعنا الوقت و لايقتضي الحال .
قال عليه السلام : فنحن ليوث الوغي و غيوث الندي و طعناء ( طعان . خل ) العدي .
اعلم ان انارة ذلك المصباح المنير و هدايته للناس الي الله العزيز الخبير لا بد في حكمته تعالي و ان تكون علي نحو التخيير و ان كان الله سبحانه قادرا علي هداية الخلق باجمعهم و لو شاء الله لهدي الناس جميعا و لكن يضل من يشاء و يهدي من يشاء و فاعل يشاء هو الله تعالي و قابله العبد و يهديهم ربهم بايمانهم و بكفرهم لعناهم [ص 19] و انا هديناه السبيل اما شاكرا و اما كفورا و انما خيرهم الله عز و جل لان المختار المطيع اعلي و افضل و احكي لصفة مبدئه البتة من المقهور المجبور الضعيف الذي لايقدر علي المخالفة كما هو واضح بل و لايعد مطيعا و لكن بعد ما سبق اليهم الشيطان و دعاهم الي سبيله من سبيل اهوائهم و ما اشتهته انفسهم و غلب عليهم العادة و الطبايع المنحرفة حتي رسخت في قلوبهم و اثرت في اعماقهم لميبق لهم صلاحية التخيير الاتري ان الخام المنسوج اذا كان ابيض لا لون فيه يمكن ان يقبل كل لون ورد عليه و لكن اذا تلون بلون غير محمود يعسر قبوله للون آخر فلا بد لك من اخذ لونه و تبييضه بعسر شديد حتي يمكن ان يقبل منك اللون الذي اردته و هكذا الامر في حال الناس و فطرتهم الاصلية ان كانوا باقين علي الفطرة الاولية كانوا امة واحدة صالحة لقبول الايمان و الكفر و بعث الله اليهم النبيين مبشرين و منذرين فمنهم من آمن و منهم من كفر و لكن بعد ما امرهم الشيطان فغيروا خلق الله و اتخذوه وليا من دون الله فكفروا او اشركوا ثم اراد الله تعالي ان يبعث اليهم نبيا آخر و هم علي الكفر و الشرك و لايصغون الي دعوته ابدا لا بد له من اظهار دعوته بالقهر و الغلبة في الجملة بقدر ان يمحو عنهم و يغسل درن الكفر و الشرك في الجملة و يظهر في فطرهم صلوح الاختيار الكامن فيهم ثم يدعوهم الي توحيده [ص 20] عز و جل فان آمنوا هداهم بايمانهم و ان كفروا لعنهم بكفرهم و هذا وجه ما امر نبينا محمد صلي الله عليه و آله بالجهاد اولا ثم بعد ما ظهر عليهم الاختيار و اعلن فيهم دعوة العزيز الجبار تركهم باختيارهم فآمن من آمن و كفر من كفر و من هنا ظهروا تارة بالقهر و الغلبة و اظهار القدرة و القوة و التخويف و تارة بالبذل و العطاء و التأليف و ذلك لان منهم من لايرجع الي الاختيار الا بالقهر و الغلبة و منهم من لايرجع اليه الا بالتطميع و التأليف و من هنا جعلوا حصة من الزكوة للمؤلفة قلوبهم الا ان اداء هذه الحصة مختص بهم لانهم العارفون باحوال الخلق و اما غيرهم فلا و لميكلف غيرهم بالجهاد و لا بالتأليف بالبذل لعدم علمهم بالبواطن بالجملة فمن هنا وصفوا انفسهم تارة بانهم ليوث الوغي و طعان العدي و تارة بانهم غيوث الندي و هو من كمال جامعيتهم كما في الامثلة التي ضربنا السراج اذا اضاء و اشتعل فهو بناريته يحرق و بنوريته ينير و يفيض النور و لكنه لنقصانه و قصوره احراقه و انارته طبيعيان جبليان و اما فيهم فليس الامر كذلك و انما هما فيهم باختيارهم علي حسب اقتضاء حال الناس فمن يقتضي القهر يقهرون عليه و من يقتضي الرفق يرفقون به و في حال يناسب القهر يقهرون و في حال يناسب الرفق يرفقون و هذا هو حق الكمال و حقيقته الدال علي كمال الله سبحانه فان كمال الله [ص 21] ظاهر في خلقه و في كل احد علي ما يقتضيه و اما ذاته سبحانه فمنزهة عن الكمال و النقص و كمال توحيده نفي الصفات عنه و لو كان الله عز و جل معطيا في ذاته و بذاته لميتأت منه المنع و لو كان مانعا في ذاته و بذاته لميتأت منه العطاء و لكنه تعالي في ذاته منزه عن كليهما و انما يعطي و يمنع في خلقه و بخلقه و هو قوله سبحانه الله لطيف بعباده يرزق من يشاء فانه من كمال لطافته لايحد بعطاء او منع و لكن بعباده يرزق من يشاء و لطافته ايضا ظهور احديته و قدسه في اعلي مواقع صفاته بالجملة و من هنا نقول ان السجايا المحمودة لا كمال فيها حقيقة و انما الكمال فيما كان اختياريا اراديا و هو ما روي في الكتاب المبين عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان الخُلق منيحة يمنحها الله عز و جل فمنه سجية و منه نية فقيل فايتهما افضل فقال صاحب السجية هو مجبول لايستطيع غيره و صاحب النية يصبر علي الطاعة تصبرا فهو افضلهما ، اقول و هذا هو ما ذكرنا ان الحكمة تقتضي ان يكون الخلق مختارين و قد كان الله تعالي قادرا علي ان يجعل سجايا الخلق جميعا علي الايمان و الهداية و لكن لميكن له فيهم فضل كما ان كثيرا من الحيوانات لها سجايا حسنة حتي امر الناس باكتساب اخلاقهم و لكن ليس لها في تلك السجايا فضل شرعي و اجر اخروي بداهة فتدبر و الانسان في نفسه القدسية ملكوتي مجرد عن السجايا الطبيعية [ص 22] و بعد ما اكتسب ما اختاره سبحانه له في مواقع افعاله و اجري كلا في محله مما امره تعالي به و ان كانت متضادة متناقضة ففيه الكمال و ظهور الجمال و الجلال من الله المتعال و اعلم ان النبوة و الولاية هنا كما عرفت هما تعبيران عن المادة و الصورة او العقل و النفس و المادة مقام الايتلاف و الاتحاد و الرفق و الوفاق و الصورة مقام الاختلاف و البينونة و التمايز ليميز الله الخبيث من الطيب و قال رسول الله صلي الله عليه و آله لا اختلاف في الله و لا في و لكن الاختلاف فيك يا علي ، و هو النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون و الباب الذي باطنه و هو مقام النبوة فيه الرحمة و ظاهره اي الولاية من قبله العذاب و قد سبقت رحمته غضبه و ما ارسلناك الا رحمة للعالمين فبمناسبة هذين المقامين المذكورين اولا وصفوا انفسهم هنا ايضا بانهم ليوث الوغي من حيث الصورة و غيوث الندي من حيث المادة و قوله طعان العدي ايضا من لوازم الصورة و ناسب التأكيد به لان بالصورة يكون الشيء هو هو و هو غير غيره و اما المادة فمنها الاشتراك و الاتحاد فتدبر .
قال عليه الصلوة و السلام : و فينا السيف و القلم في العاجل و لواء الحمد و العلم في الآجل .
و هذه الفقرة الشريفة ايضا جرت علي حذو ما سبق كما نبينه ان شاء الله و لايخفي في الظاهر ان لهما ارتباطا لا بد في انتظام الملك منهما و قد قيل ان قوام امر الدين و الدنيا بشيئين [ص 23] القلم و السيف و السيف تحت القلم و قد نظمه بعض الشعراء و احسن فيما قال :
ان يخدم القلم السيف الذي خضعت له الرقاب و دانت حذره الامم
فالموت و الموت شيء لايغالبه مازال يتبع ما يجري به القلم
كذا قضي الله للاقلام مذ برئت ان السيوف لها مذ ارهفت خدم
اقول و كلام الامام عليه السلام في هذا الكتاب يؤيد صحة هذا القول و جودة هذا النظم و عن علي بن ابرهيم القمي (ره) في تفسيره لقوله تعالي علم بالقلم قال علم الانسان الكتابة التي بها تتم امور الدنيا في مشارق الارض و مغاربها ، و تفسيره رحمه الله مأخوذ من اخبار اهل البيت صلوات الله عليهم و الحاصل ان للسيف و القلم ارتباطا و اختصاصا في الظاهر به اردفهما عليه السلام هنا و تخصيصهما بالعاجل معلوم لان السيف لايعمل به الا في الدنيا و اما في الآخرة فلا حاجة لهم اليه و انما امرهم صلوات الله عليهم فيها يجري بكن فيكون و قولهم للنار خذي هذا و ذري هذا .
و قوله (ع) : و لواء الحمد و العلم في الآجل ايضا ظاهر و شواهده كثيرة في اخبارهم ففي فصل الخطاب في حديث في بيان الوسيلة الي ان قال فقال رسول الله [ص 24] صلي الله عليه و آله فاقبل يومئذ متزرا بريطة من نور علي تاج الملك و اكليل الكرامة و علي بن ابيطالب امامي و بيده لوائي و هو لواء الحمد مكتوب عليه لا اله الا الله محمد رسول الله المسلمون هم الفائزون بالله الحديث ، و في حديث عن النبي صلي الله عليه و آله يا علي ان امتي اول الامم يحاسبون يوم القيمة ثم ابشرك يا علي ان اول من يدعي يوم القيمة يدعي بك هذا لقرابتك مني و منزلتك عندي فيدفع اليك لوائي و هو لواء الحمد فتسير به بين السماطين و ان آدم و جميع من خلق الله يستظلون بظل لوائي الحديث ، و في الكتاب المبين عن النبي (ص) في حديثه لخديجة و هو طويل شريف و اعطاني في علي لآخرتي اني اعطي يوم القيمة اربعة الوية فلواء الحمد بيدي و ادفع لواء التهليل لعلي و اوجهه في اول فوج و هم الذين يحاسبون حسابا يسيرا و يدخلون الجنة بغير حساب عليهم و ادفع لواء التكبير الي حمزة و اوجهه الي الفوج الثاني و ادفع لواء التسبيح الي جعفر و اوجهه الي الفوج الثالث ثم اقيم علي امتي حتي اشفع لهم ثم اكون انا القائد و ابرهيم السائق حتي ادخل امتي الجنة الحديث ، و عن ابنعباس في حديث قال رسول الله صلي الله عليه و آله اذا كان يوم القيمة اتاني جبرئيل و بيده لواء الحمد و هو سبعون شقة الشقة منه اوسع من الشمس و القمر فيدفعه الي فآخذه و ادفعه الي علي بن ابيطالب عليه السلام فقال [ص 25] رجل يا رسول الله (ص) فكيف يطيق علي علي حمل اللواء و قد ذكرت انه سبعون شقة الشقة منه اوسع من الشمس و القمر فغضب رسول الله صلي الله عليه و آله ثم قال يا رجل انه اذا كان يوم القيمة اعطي الله عليا من القوة مثل قوة جبرئيل الحديث ، اقول و العلم في هذه الفقرة بمناسبة لواء الحمد يشير الي شهادتهم (ع) في القيمة فان العلم من لوازم الشهادة و قد قال تعالي قل كفي بالله شهيدا بيني و بينكم و من عنده علم الكتاب اي يكون شهيدا ايضا و قال افمن كان علي بينة من ربه و يتلوه شاهد منه و من تفسير علي بن ابرهيم و يقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا علي ربهم يعني بالاشهاد الائمة عليهم السلام الا لعنة الله علي الظالمين آلمحمد حقهم و روي في الكتاب المبين عن ابن ابييعفور عن ابيعبدالله عليه السلام في حديث في اجتماع الناس في القيمة و مجيء الخاتم (ص) و الائمة عليهم السلام و سؤال الله اياهم عن التبليغ الي ان قال يا بن ابييعفور فنحن حجج الله في عباده و شهداء علي خلقه و امناؤه في ارضه و خزانه علي علمه و الداعون الي سبيله و العاملون بذلك فمن اطاعنا اطاع الله و من عصانا عصي الله و قال الباقر عليه السلام في قوله تعالي يوم نبعث من كل امة شهيدا قال نحن الشهود علي هذه الامة ، و الاخبار بهذه المعاني اكثر من ان تحصي الا انا لسنا بصدد التفصيل ثم ان القلم في قوله (ع) و فينا [ص 26] السيف و القلم في التأويل مقام العقل و العلة المادية و في الباطن رسول الله صلي الله عليه و آله لما روي في صفة القلم انه اول ما خلق الله و العقل ايضا اول ما خلق الله من الاكوان و هو روح الخاتم في قوله اول ما خلق الله روحي ، و نوره صلي الله عليه و آله في قوله لجابر اول ما خلق الله نور نبيك يا جابر ، و السيف مقام النفس و سبب التمييز و التقطيع و هو من شأن علي عليه السلام و في معاني الاخبار عن ابيجعفر (ع) عن اميرالمؤمنين عليه السلام في خطبة انا اخو رسول الله صلي الله عليه و آله و ابن عمه و سيف نقمته و عماد نصرته و بأسه و شدته الخطبة ، و كثير من عباراتها يفيد هذا المعني و في تفسير البرهان بسنده عن زيد بن علي في قول الله و اجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا قال السيف و عن ابنعباس في هذه الآية لقد استجاب الله لنبيه (ص) دعاءه فاعطاه علي بن ابيطالب (ع) سلطانا ينصره علي اعدائه ، و في معني آخر سيف البحر ساحله و جانبه و البحر بحر المادة المعنوية و هي العقل الذي قال اميرالمؤمنين عليه السلام في صفته محيط بالاشياء من جميع جهاتها عارف بالشيء قبل كونه فهو علة الموجودات و نهاية المطالب ، و بحسب الباطن هو الولي نفس النبي صلي الله عليهما و آلهما في قوله و انفسنا و انفسكم و ساحل بحر العلم و باب مدينته فقوله (ع) و فينا السيف و القلم ايضا اسمان للولاية [ص 27] و النبوة المذكورتين في صدر الكتاب و لاينافي ما ذكرنا من تفسير القلم بالنبي صلي الله عليه و آله ما فسر في كثير من الاخبار بعلي عليه السلام و قد قال عليه السلام انا محمد و محمد انا و قال ظاهري امامة و وصية و باطني غيب ممتنع لايدرك ، و كفي فيه عليه السلام انه نفس النبي صلي الله عليه و آله بنص الكتاب و لايفترقان و هما شقان من النور اللاهوتي الذين لايقوم احدهما الا بالآخر كما في الخبر فبأي وصف وصفنا كلا منهما صلوات الله عليهما و آلهما مما ذكروا في فضلهم (ص) كان صوابا و قد قال الله تعالي و توكل علي العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم و تقلبك في الساجدين و في البرهان عن ابيجعفر في قوله عز و جل و تقلبك في الساجدين قال في علي و فاطمة و الحسن و الحسين و اهل بيته صلوات الله عليهم اجمعين ، اقول فاذا كان هو صلي الله عليه و آله متقلبا فيهم فلا مانع من تسمية علي باسمه (ص) الا ما لايقتضيه الحكمة و السياسة كالنبوة مثلا فانه لا نبي بعده (ص) و ان كان علي و الائمة من ولده و فاطمة الصديقة (ص) اشرف و افضل من جميع الانبياء (ع) و لنا ان نقول ان قصبة القلم رسول الله صلي الله عليه و آله و هم عليهم السلام لسانه و اسنانه و بهم يكتب ما يكتب و انما يخرج المداد من بين اسنان القلم كما في خبر ابن سلام فهم العلة المادية و الصورية معا و اللوح مقام فاطمة عليها السلام و انما قال [ص 28] عليه السلام و القلم في العاجل و لا بد في بيانه من الاشارة الي ما يتضح به المراد ان شاء الله و لا حول و لا قوة الا بالله .
فاعلم ان لله سبحانه في ملكه اقلاما متعددة بعضها فوق بعض كما يظهر من دعاء اول ليلة من رجب حكاه ابي العلامة في الطرائف و اخي الفهامة اعلي الله مقامهما منها في الكتاب المبين اسألك يا مولاي بالفجر و الليالي العشر و الشفع و الوتر و الليل اذا يسر و بما جري به قلم الاقلام بغير كف و لا ابهام ، فلله سبحانه اقلام متعددة في كل عالم من العوالم السبعة او الثمانية او الالف الف فانه لايخفي ان في كل عالم دون حقيقة ذلك العالم التي هي مستجمعة لجميع شئون ذلك العالم و اجزائه و جزئياته علي نحو الوحدة مقام مادة نوعية هي بمنزلة المداد لما يكتب فيه من الحروف و الكلمات و العبارات التي يعبر بها عما ثبت له في حقيقته و اول ما يؤخذ فيه من تلك المادة عرش هذا العالم و ذلك لانه اقرب اجزاء الملك بمقام المادة لانه قطبها و قلبها الذي هو اعدل اجزائها الواقع في الوسط لا شرقية و لا غربية بل علي سواء جبلة هذا العالم فهو اشبه شيء بالمادة العليا و هو المادة المعنوية السفلي و لايحتاج في خروجه عنها الي شرط او سبب او مرجح آخر غير نفسها بتأييد الله سبحانه و هو من تمامية المادة الاولي و علة لظهورها من الامكان المطلق فخرج العرش بانشائه تعالي في غاية الكمال و الاعتدال و ان [ص 29] كان له خصوصية ما بالنسبة الي المادة العليا لمقام تنزله و ادباره في الجملة و بتلك الخصوصية التي هي في غاية الكمال و الاعتدال صار ميزانا لتعين القريب و البعيد و الشريف و الوضيع و العالي و الداني و اللطيف و الكثيف و هكذا فانه لولا القطب في كل دائرة لمتكن لاجزاء الدائرة نسب مختلفة الي المطلق الاعلي و كلها منه علي حد سواء منفيون عنده و لكن اذا تعين القطب و القلب اولا لكمال قربه و شباهته بالمطلق الاعلي و استعداده بحسب القابلية للاستضاءة بنوره من قوله تعالي يكاد زيتها يضيء و لو لمتمسسه نار فاشتعل و قام في الوسط و اضاء علي ما سواه فاختلفت النسب هنا و استأهل كل بما يقتضيه من موقعه و مقامه و قربه و بعده منه و المادة العليا هنا في باطن العرش و الحقيقة الاولي التي قلنا انها مستجمعة لجميع ما في الملك علي نحو الوحدة في باطن المادة المطلقة الاولي و هي نفسها التي بها وجدت المادة المطلقة ثم المادة تتجلي بالعرشية المعنوية و العرش هنا هو القلم فيخرج منه رشحات المادة و تتعين في اسنان القلم التي هي الكرسي و بروجه و منازله و النجوم المركوزة فيه فانها اسنان للقلم الذي هو العرش و هو ما روي في الكتاب المبين عن ابيعبدالله عليه السلام قال ان الله تبارك و تعالي خلق روح القدس و لميخلق خلقا اقرب اليه منها و ليست باكرم خلقه عليه فاذا اراد امرا القاه اليها فالقاه الي النجوم فجرت به ، اقول و الروح روح العرش الاطلس [ص 30] المقدس عن التعينات في نفسه و هو قصبة القلم التي لاتظهر في نفسها التعينات الا بعد الخروج من بين اسنانها بالجملة فعرش كل عالم قلم من الاقلام يكتب به ما اراد الله تعالي في ذلك العالم .