المقصد الاول

في صنوف السابقين و بيان درجاتهم علي نهج الحكمة و فيه فصول :

فصل - اعلم ان الله سبحانه اول ما تجلي تجلي بذات ظاهرة و جوهرة حقيقية اذ لا سابق عليها حتي تكون صفة لها او عارضة عليها ثم تجلي بها بصفاتها و اسمائها التي هي كمالاتها و وجوداتها اي ظهوراتها ثم بها اي بتلك الاسماء خلق ما خلق فاول ما خلق هو الوجود الذي به كل شئ موجود و الماء الذي منه كل شئ حي و هو الحقيقة و الفؤاد و النور و مثل ذلك الوجود في صورة العقل فقيل اول ما خلق الله العقل ثم امره بالادبار فادبر الي مقام الروح ثم الي مقام النفس ثم الي مقام الطبع ثم الي مقام الهباء ثم الي مقام الاظلة ثم الي مقام الجسم نازلا من العرش الي الفرش فصار جميع المراتب العالية مخبوءة مستورة تحت حجاب التراب و صارت فيه بالقوة بمعني قوة الظهور ثم لما دعا الله عز و جل العقل الي الاقبال خرجت تلك المراتب الي الفعلية شيئا فشيئا و عند خروج كل رتبة الي الفعلية ان وقفت حصل نوع من الخلق و الا صعد الي النوع الاعلي فاول ما تحرك الي الاقبال تحركت الطبايع بالتركب المحض فتركب [ص 232] بعضها ببعض فلما وقفت لجمودها و عدم مطاوعتها حصل منها الجماد اللهم الا ما كان منها كثير الرطوبة مطاوعا فصعدت فظهر عليها آثار صوافي الطبايع فلما وقفت لجمودها حصل منها النبات اللهم الا ما كان منها اكثر رطوبة فصعدت فظهر عليها آثار الحيوة الفلكية فصارت حيوانا لما وقفت و منها ما كان اكثر مطاوعة فصعدت فظهر عليها آثار النفس الناطقة المميزة فصارت انسانا لما وقفت و منها ما كان اكثر مطاوعة فصعدت فظهر عليها آثار الروح الملكوتي فصارت نبيا و سفيرا لما وقفت و منها ما كان اكثر مطاوعة فصعدت فظهر عليها آثار روح القدس و يختص ذلك المقام بمحمد و آل‌محمد صلوات الله عليهم الذين بهم فتح الله و بهم ختم و هكذا و لما كان المقصود ذكر مراتب الانسان نقتصر عليه و عليه قس ما سواه .

اعلم ان الانسان له مراتب منها ما هي آية الاعالي و صفتهم فهو و ان كان في مقام النفس الناطقة الا ان فيه صفة الروح الملكوتي و صفة صفة العقل و ما فيها من صفة الفؤاد و ما فيها من صفة الاسماء و ما فيها من صفة المسمي و منها ما هي من مراتب انسانيته من طبعه و مادته و مثاله و جسمه و كمن جميع المراتب العالية في جسمه فاذا دعا الله العقل الي الاقبال و صار يقبل و يرقي شيئا بعد شئ صار يخرج تلك المراتب واحدة بعد واحدة من الكمون الي البروز و من القوة الي الفعلية فلا كل انسان جميع مراتبه العشرة فيه بالفعل بل منهم من ليس فيه بالفعل الا جسمه و منهم من صار فيه بالفعل مثاله و منهم مادته و هكذا فالجهال من الاناسي فاما هم واقفون في مقام الجمادية و اما هم واقفون في مقام النباتية و اما هم واقفون في مقام الحيوانية و اما العلماء منهم فهم الذين قد صار فيهم النفس الناطقة القدسية [ص 233] بالفعل فحصل لهم العلم بالله و برسوله و بحججه سلام الله عليهم و بشرايعه و احكامه و ما اراده من خلقه بقدر الطاقة البشرية و حصل لهم بذلك الخشية من الله عز و جل و الفرقان الذي به يفرق بين الحق و الباطل و من ترقي منهم فقد صار فيهم صفة الروح الملكوتية بالفعل فازدادوا علما و صاروا محدثين و الهموا بالواردات الغيبية و الرؤي الصالحة التي هي جزء من ستة و اربعين جزءا من النبوة و من ترقي منهم فقد صار فيهم صفة العقل بالفعل فكتب الله في قلوبهم الايمان و ايدهم بروح منه اي برأس من رؤس روح القدس و عون من اعوانه و دخل في عباد الله المأيوس عنهم الشيطان و من اهل الرضوان لانهم بايعوا الله تحت شجرة العقل و هي الباكورة التي اكل منها روح القدس في جنان الصاقورة فاضيفوا الي العقل و صاروا منه و اليه لا فرق بينهم و بينه الا بالظلية و الاصلية و صاروا خلفاء الرسول و العقل الظاهر الذي عبد به الرحمن و اكتسب به الجنان و من ترقي منهم و صعد صار الفؤاد فيه بالفعل فصار من اهل الحكمة عارفا بالله و صفاته و الحجج و صفاتهم و نظر الي الامثلة الملقاة في هويات الاشياء و عرف البدء و الكيف و اللم و هيهنا منتهي ترقي اهل العلم و بذلك يحوزون مراتب المجادلة و الموعظة و الحكمة و يصيرون من اهل المشاهدة و العيان الي غير ذلك من الفضائل التي يتحملها الصدور و لايتحملها السطور و من ترقي منهم و صعد صار مقام الاسماء فيه بالفعل و حصل فيه قدرة و قوة و تمكن من الامر و النهي و الحكم في البلاد و العباد و استجيب دعاؤه فيما اراد و استجاب الله دعاء من دعاه به من اهل السداد لقوله تعالي لله الاسماء الحسني فادعوه بها ، و منهم من ترقي و صعد الي مقام المسمي اي الموقع الذي [ص 234] يقع عليه الصفة و قدس ساحة الذات العليا عن الاقتران بالصفات لشهادة الصفة و الموصوف بالاقتران و المسمي صفة في الحقيقة مقترنة بالصفة ، رجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله و اللسان عن بيان فضائل هؤلاء و الذين قبلهم كليل و القلب من عدم تحمل الزمان عليل فالكتمان اولي و البيان بالاشارة احري و ان الله جل و عز لم‌يجعل في قوة انسان شيئا الا و قد اراد اخراجه منه و هيأ اسباب اخراجه و سيخرج يوما ما اللهم الا ان يكون بدء كينونته من رتبة دنيا و ليست بحيث تليق بحكاية العلياء فذلك يقف عند وصوله الي اعلي رتبته و يختم عليه و ان كان يسير في تلك الرتبة الي ما لا نهاية له و هو تأويل قوله تعالي و لكل منا مقام معلوم و هو قوله سبحانه و لكل درجات مما عملوا و قد اصطلح آل‌محمد عليهم السلام علي ان من صار فيه النفس بالفعل و صار عالما او الروح او العقل او الفؤاد فهو نجيب و من صار فيه صفة الاسماء بالفعل فهو نقيب و قلما يخلو النقيب عن حكاية المسمي و من صار جميع المراتب العشرة فيه بالفعل فهو الكامل المكمل حقا و هو المطيع لله فيما امر الله صدقا و الممتثل امر اقبل بقدر الطاقة البشرية صدقا قال الله تعالي يا بن آدم انا رب اقول للشئ كن فيكون اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي تقول للشئ كن فيكون انا حي لااموت اطعني فيما امرتك اجعلك مثلي حيا لاتموت و لعلي نقلته بالمعني و قال انه ليتقرب الي اي العبد بالنوافل حتي احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به و بصره الذي يبصر به و لسانه الذي ينطق به و يده التي يبطش بها ان دعاني اجبته و ان سألني اعطيته .

[ص 235] فصل - اعلم ان النقباء علي ما عرفت هم الذين استجابوا دعاء اقبل بجميع مراتبهم و توجهوا الي الله سبحانه بكلهم و صعدوا اليه باقدام الامتثالات حتي قطعوا جميع المراتب التكوينية و التشريعية و التدوينية و سافروا الاسفار الاربعة فيها جميعا و اما النجباء فهم الذين سافروا الاسفار الاربعة في جميع مراتب التكوين و التدوين حتي اطلعوا علي حقايق الاشياء و الامثلة الملقاة فيها بقدر الطاقة البشرية و انكشف لهم المراتب الكونية حتي عرفوا الكيف و اللم و شاهدوا الحقايق وجدانا و اري ان اكتفي في معرفتهم بما كتبه السيد الاجل الاستاد اجل الله شأنه و انار برهانه لحكم عندي وجهها و شرحها .

قال اجل الله شأنه في شرح القصيدة المبارك : النقباء هم ثلثون نفسا و لهم هيمنة علي الاشياء بطاعة الله سبحانه و ظهرت عليهم احكام الاسماء العظام الثمانية و العشرين و كل اسم له هيمنة علي عالم من العوالم و طور من الاطوار كالبديع المربي لعالم العقول و قد ظهر عليه سر هذا الاسم فيتصرف في العقول كيف شاء الله من الزيادة و النقصان و الصحة و الفساد و الخلل و الثبات و كالباعث المربي لعالم الارواح و النفوس باحوالها يتصرف في الارواح و النفوس كيفما يريد مما اراد الله و هكذا الي تمام الثمانية و العشرين من الاسماء المربية لقوسي النزول و الصعود و المراتب كلها مجتمعة في الانسان الصغير لكونه انموذجا من العالم الانسان الكبير فاذا ظهرت عليه آثار تلك الاسماء تظهر تصرفاته لظهور تلك الاسماء فيدعو الله سبحانه بالاسم المربي لذلك العالم فيقع الامر كما يريد و بالجملة فالنقباء قد كملوا الاسفار الاربعة في مراتب التكوين و الذوات و كملوا الاسفار الاربعة في مقام الاسماء و الصفات و كملوا الاسفار [ص 236] الاربعة في مقام الحروف و القوي و الاعداد فصاروا مظاهر للحق سبحانه في كل المقامات فيكون لهم التصرف في كل الجهات و هؤلاء الثلثون لهم الاتصال بالغوث الاكبر و السر الاعظم بواسطة الاركان و يتصلون به ما ارادوا و شاؤا في كل الاحيان فكل منهم الانسان الكامل و البشر الواصل قد ظهرت فيه النفس الناطقة القدسية التي من عرفها فقد عرف الله و من جهلها فقد جهل الله و من تخلي منها فقد تخلي من الله قد ظهرت فيه القوي الخمس و الخاصيتان اما القوي فهي علم و حلم و فكر و ذكر و نباهة و اما الخاصيتان فالنزاهة و الحكمة فنزهوا عن مقتضي الكثرات و امتلؤا حكمة من بارئ السموات و سامك المسموكات و هؤلاء هم الرواق الثاني بعد الرواق الاول و اما النجباء فقال فيهم هم اربعون علي ما ذكروا و قالوا و هؤلاء هم الذين اكملوا الاسفار الاربعة في التكوين و لم‌يصلوا الي مقام الاسماء و الصفات و مقام سلب القيود و الانيات مهما شاؤا و ارادوا و هم العلماء الاعلام و الامناء و القوام و الحفاظ و الحكام و هم الذين كلفوا بحفظ الدين و سد الثغور التي فيها طرق للشياطين و حفظ القلوب عن تطرق ابليس اللعين بجنوده من الجن و الانس اجمعين و علموا طريق التعليم بامارات الحق و اليقين و معاونة الضعفاء و المساكين في امر الدين من غير ان يتصرفوا في التكوين و لايلزم ان تنقاد الاشياء و تنفعل لهم و للنقباء هيمنة و استيلاء عليهم و نسبتهم الي النقباء نسبة النقباء الي الاركان و هم الذين ورد فيهم عن طرق اهل البيت عليهم السلام ان لنا في كل خلف عدولا ينفون عن ديننا تحريف الغالين و انتحال المبطلين و هم القري الظاهرة للسير الي القري المباركة في قوله تعالي و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا [ص 237] فيها قري ظاهرة و قدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي و اياما آمنين ، الليل عبارة عن . . . ● و اليوم عبارة عن العلم و اليقين و الامان عن الغلط و الفساد و هم الذين في علومهم مستندون الي كتاب الله و سنة نبيه و الدليل العقلي الواضح و آية من العالم فانه الكتاب الاكبر من قوله تعالي سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق و هم اصحاب الشريعة و الطريقة و الحقيقة و هؤلاء آخر الرواق و بعض المشايخ قال ان بعد النجباء قوم صالحون و هم ثلثمائة و ستون نفسا و هم العلماء الا ان مقامهم دون مقام النجباء و لم‌يثبت لنا ذلك بواضح الدليل و الذي دل عليه الدليل من وسائط الخلفاء و رواق مدينة العلم هو الذي ذكرناه و نص عليه سيد الساجدين و زين‌العابدين عليه السلام الي ان قال اعلم ان الذي ذكرناه من بيان النقباء و النجباء محصله ان الفرق بينهم باعتبار صعودهم لاكمال الاسفار الاربعة فمن سافر متصاعدا الي ان بلغ مقام مبدء تكوينه و قطع المنازل الثمانية و العشرين في التكوين و المنازل الثمانية و العشرين في التدوين و هو مراتب الحروف ثم صعد منها الي ان قطع المنازل الثمانية و العشرين من منازل الاسماء التي هي ارباب الانواع حافظة وجود كل مرتبة من مراتب التكوين و التدوين و مفيضة عليهما بالفيض المقدس من خزانة الفيض الاقدس فاذا قطع تلك المنازل و سري تلك المراحل فقد حصل الاسم الاعظم الجامع الكلي بالنسبة الي جميع مراتب العوالم و الاسماء العظام و المختصة كل اسم منها بمرتبة من المراتب فعال مؤثر في جميع شؤن تلك المرتبة و اطوارها و احوالها و كل ما لها بها منها اليها عندها فهو الواقف علي فوارة القدر الجاري بامر مستقر و يفيض علي كل مرتبة بحسب [ص 238] اطوارها و شؤنها ما يناسب مقامها و مرتبتها فقد بلغ من المقام الي ان حصل الاسماء العظام و الاسم الجامع الكلي التام منفعل له الاشياء لما عنده من تلك الاسماء و تخضع لديه و تخشع عنده فهو الفعال في مراتب الوجود مما يختص بمرتبته في السلسلة العرضية و هذا الواصل الكامل هو النقيب و النجيب هو الذي اكمل الاسفار الاربعة في مراتب التكوين و التدوين و لم‌يقطع منازل الاسماء و لم‌يرحل اليها فما دام هو في هذا المقام نجيب و اذا رحل الي مراحل الاسماء و منازلها و قطع تلك المراحل الي ان وصل مقام الاسم الجامع يكون نقيبا فالنجيب قبل النضج التام و الاعتدال العام و النقيب هو المعتدل الفعال فالنجباء يصلون الي مقام النقباء و النقباء هم في كمال المرتبة و لايصلون الي رتبة الاركان لان سلسلة النقباء مع الاركان طولية و مع النجباء عرضية هذا ملخص ما ذكرناه و محصل ما بيناه و لكنه في هذه الايام قد ورد وارد غيبي من عالم اللاهوت علي القلب و عرفت ان النقباء و النجباء هم قسمان لايوصل كل منهما الي ما يصل اليه الآخر .

ثم شرع في تحقيق المسئلة ما حاصله ان في السلسلة العرضية لايتحقق الداني الا بالعالي و العالي مفيض الداني و سبق كل رتبة علي الدانية وجودي الي ان قال ما خلاصته ان العالم ينحل الي شيئين احدهما الاجزاء و الثاني الكل فالموجودات لها مقام في الجزئية و لها مقام في التمامية و الجامعية فكما ان الاجزاء تحتاج الي وجود ما هو اقرب منها كذلك الكليات و مرادي بها الحقايق الجامعة كافراد الانسان فان كل واحد تام في الجامعية و جامع للاجزاء الحقيقية و تمام هذا النوع لايتحقق الا بالوسائط كالاجزاء ففي الانسان من هو بمنزلة القطب الذي يدور عليه الكون بتمامه و هو الحقيقة [ص 239] المحمدية صلي الله عليها مع ما تشتمل عليه من المراتب و المقامات الي ان قال من مقام التوحيد الذي هو مقام البيان و مقام المعاني اركان التوحيد و مقام الابواب مقام الانبياء الي ان قال و من مقام الامام الذي هو مقام خلفائه الي ان قال فهو صلي الله عليه و آله و خلفاؤه و اولاده هو القطب الي ان قال و من هو بمنزلة العرش الاركان الاربعة المذكورون و من هو بمنزلة الكرسي الحامل للمنازل التي بالسير فيها يكمل القمر شهرا تاما ثلثين يوما هم النقباء ثلثين نفسا علي ما قاله اميرالمؤمنين عليه السلام و من هو بمنزلة الافلاك السبعة هم النجباء فعلي هذا البيان التام تبين لك ان النجباء لهم مركز يدورون حوله و مقام يقفون عنده لايصلون الي مقام النقباء في حال من الاحوال الي ان قال فالسبعة في مقامها تدور و تستمد بلا انقطاع و الكرسي في محله و مركزه يدور بلا انقطاع و العرش في محله و مركزه يدور بلا انقطاع و كل عال منها محل فيض للسافل و كذلك النجباء لهم مقام و مرتبة لايصل اليها احد مما تحتهم من المؤمنين و غيرهم ، الي آخر كلامه اعلي الله مقامه .

و اقول ان الله سبحانه بدأ كل فرد من افراد الانسان من مرتبة من المراتب و هي اول اذكاره و مبدء اطواره ثم انزلهم جميعهم الي غاية البعد اي التراب ثم دعاهم الي الاقبال اليه و العود الي ما بدءوا منه فمن كان مبدء كونه من الكرسي و نزل الي التراب و صار فيه جميع المراتب العالية فيه بالقوة و رجع فخلع عن نفسه الاعراض شيئا بعد شئ لا بد و ان يمر علي جميع المراتب التي نزل منها و يمكث في كل مرتبة ما شاء الله ثم يصعد كما كان نطفة مدة ثم علقة زمانا و هكذا فكذلك يمر علي الافلاك زمانا فيكون الذي هو في الحقيقة نقيب نجيبا مدة و النقابة [ص 240] فيه بالقوة و النجابة بالفعل ثم يصعد من رتبة الافلاك الي الكرسي فيصير نقيبا و كذلك من بدئ من الافلاك و نزل الي التراب يكون مدة في رتبة الطبايع ثم يعود الي ما بدئ منه فلربما يكون الرجل في اصل خلقه نجيبا و ظهر مدة في عرض العلماء ثم ترقي و فاز بمقام النجابة فبهذا المعني يمكن ان يصير العالم نجيبا و النجيب نقيبا و اما صعود كل واحد عن مبدء ذكره فلا كيف و جميع ما للنجيب نازل من النقيب و جميع ما للعلماء نازل من النجباء فان لكل طبقة حدا لايتجاوزه و هو تأويل قوله تعالي و لكل منا مقام معلوم .

فصل - في عدد هؤلاء الاصناف . قال شيخنا الاوحد اعلي الله مقامه و رفع في الخلد اعلامه في رسالة الرجعة في تفسير حديث النبي صلي الله عليه و آله :

فيخرج النجباء بمصر و الابدال من الشام و عصائب العراق الخبر ، اقول النجباء جمع نجيب و هم صنف من الاولياء ، قال في الرسالة الصوفية المسماة بالحقيقة المحمدية : النجباء و هم الاربعون و قيل السبعون القائمون باصلاح امور الناس الي آخر كلامه ، و قيل انهم تحت الابدال فوق الصالحين لانهم يقولون انه لا بد للنظام في تمامه من قطب و هو محل نظر الله من العالم و اربعة اركان و اربعين بدلا و سبعين نجيبا و ثلثمائة و ستين صالحا فلو اختل هذا العدد من العالم بطل النظام و نقله منا الشيخ ابرهيم الكفعمي في حاشية كتاب الجنة اخذه عنهم و لم‌نجد لذلك في اخبارنا الا ما اشار اليه علي بن الحسين عليه السلام في حديث الخيط الاصفر ، ثم ذكر الخبر ثم قال و لم‌يذكر شيئا من عدد الاركان و لا النقباء و لا النجباء نعم روي في اخبارنا في ذكر حال الحجة في قوله عليه السلام نعم المنزل طيبة و ما بثلثين من وحشة و يمكن ارادة الابدال و انهم ثلثون .

[ص 241] و قد سمعت كلام السيد الاجل قبل في عددهم انه ايضا متردد لانهما لم‌يظفرا بنص في ذلك و انا ظفرت بالنص في العوالم رواه من بصاير الدرجات و رأيته ايضا في بصاير الدرجات في الباب الثامن و الخمسين و المائة قال حدثنا عمران بن موسي عن محمد بن الحسين عن عنبس بن هشام عن الحسين عن يونس عن ابي‌عبدالله عليه السلام قال اذا اراد الله ان يخلق اماما اخذ الله بيده شربة من تحت عرشه فدفعه الي ملك من ملائكته فاوصلها الي الامام فكان الامام من بعده منها فاذا مضت عليه اربعون يوما سمع الصوت و هو في بطن امه فاذا ولد ربي بالحكمة و كتب علي عضده الايمن و تمت كلمة ربك صدقا و عدلا لا مبدل لكلماته و هو السميع العليم فاذا كان الامر يصل اليه اعانه الله بثلثمائة و ثلثة‌عشر ملكا بعدة اهل بدر فكانوا معه و معهم سبعون رجلا و اثناعشر نقيبا فاما السبعون فيبعثهم الي الآفاق يدعون الناس الي ما دعوا اليه اولا و يجعل الله له في كل موضع مصباحا يبصر به اعمالهم انتهي . و من هذا الخبر يظهر ان النقباء اثناعشر و النجباء سبعون و هو في النقباء نص و في النجباء ظاهر و خبر ثلثين ليس فيه نص علي انهم النقباء فلعل بعض النجباء الكليين معهم و يقرب هذا المعني ما اتخذ رسول الله صلي الله عليه و آله باشارة جبرئيل اثني‌عشر نقيبا من الانصار تسعة من الخزرج و هم اسعد بن زرارة و براء بن معرور و عبدالله بن حزام ابوجابر و رافع بن مالك و سعد بن عبادة و منذر بن عمر و عبدالله بن رواحة و سعد بن ربيع و عبادة بن صامت و ثلثة من الاوس ابوالهيثم بن التيهان و اسيد بن خضير و سعد بن خثيمة كما اتخذ موسي في بني‌اسرائيل اثني‌عشر نقيبا و كذلك يقرب هذا المعني اتخاذ موسي [ص 242] اثني‌عشر نقيبا و اتخاذ عيسي اثني‌عشر حواريا .

المقصد الثاني

في الاشارة الي بعض فضائلهم التي خصهم الله بها و في هذا المقصد فصول :

فصل - اعلم انه لا شئ من مراتب المخلوقات يتجاوز مبدأه فانه اول اذكاره التي ذكره الله عنده و ذكر الله عنده و هذا باب من العلم يفتح منه ابواب و ينبغي ان نشرح حقيقة هذه المسئلة اذ لم‌تشرح في كتاب . اعلم ان كل شئ هو هو بصورته التي هو بها يمتاز عن غيره و هذا لاينافي قولنا في غير هذا المحل ان الشئ شئ بمادته و صورته فان مراد القوم بذلك الاختلاف اي ان الشئ هل هو المادة و الصورة عرض او هو الصورة و المادة عارضة او هو الوجود و الماهية تبع للوجود او هما معا فان مراد من قال ان الشئ هو الوجود و الماهية عارضة حاله ان الوجود هو الحق جل و علا و هو الشئ بحقيقة الشيئية و هو بنفسه متحد غير متكرر و انما جاءت الكثرة من عروض هذه الماهيات العدمية في الرتب الخلقية و من قال بعكس ذلك فمراده ان الشئ هو الماهية الثابتة غير المجعولة و ان الله لم‌يخلقها و انما افاض عليها فامكانها في وجودها و هي الصور العلمية التي هي عين الذات و الذي يقول ان الشئ هو الوجود و الماهية تبع اراد ان الامر واحد و لايصدر منه الا الواحد و ما صدر منه هو الوجود و الماهية التي بخلاف الوجود لايمكن صدورها من الامر الوجودي فلو صدر منه لكان وجودا لا ماهية و لعدم الامتياز فالله سبحانه خلق الاربعة و الزوجية امر تبعي لايحتاج الي جعل جاعل فاردنا ان نقول ان جميع ذلك توهمات و الحادث حادث بمادته و صورته فالله سبحانه خلق المادة لا من شئ [ص 243] و في اي صورة ما شاء صورها كما حققناه في محله و الذي نريده هنا ان الشئ في الظاهر يسمي بذلك الشئ بصورته فلو سلب عنه الصورة و صورت المادة العرضية الظاهرية بغير تلك الصورة لم‌تمتنع الاتري ان الكلب كلب ما دام علي صورته فاذا استحال ملحا تغير صورته لا مادته و ان المادة باقية علي حالها و ان تغير حكمها في بطن الصور و مادة الكلب هي مادة الملح و هما واحدة في الحالين فالاصل في الكلب اي ما به الكلب كلب و ليس به الكلب ملحا هو الصورة الكلبية بالجملة ان الشئ في الظاهر يسمي بذلك الشئ بصورته و وضع الاسم له من حيث صورته لا مادته و الاسم وصف منفصل مطابق لصورته و تلك الصورة حدود و تعينات خاصة فهي كم خاص و كيف خاص و جهة خاصة و رتبة خاصة و مكان خاص و وقت خاص و وضع خاص و اجل خاص و كتاب خاص فاذا اجتمعت هذه الحدود صار شيئا خاصا في تلك الحدود فما فوق تلك الحدود غيرها و ما دونها غيرها فهو محصور في حدها و رتبتها من الوجود فاذا كان الشئ شيئا ناقصا ملكيا اختص بذلك الحد الخاص و لكل منا مقام معلوم ، فلايتحول عنه و لايزول عما جعل عليه و ان كان الشئ جامعا فيحتوي علي حدود ما يجمعه فان كان جامعا مركبا من شيئين يحتوي علي حدهما او ثلثة فعلي حدها و هكذا الي ان ينتهي الامر الي الانسان الكلمة الجامعة و العالم الصغير الذي قال في صورته اميرالمؤمنين عليه السلام هي المختصر من اللوح المحفوظ و ينسب اليه :

و انت الكتاب المبين الذي باحرفه يظهر المضمر

أتزعم انك جرم صغير و فيك انطوي العالم الاكبر [ص 244] 

فتلك الكلمة مشتملة علي جميع الحروف الكونية اي انموذجها الا ان افرادها مختلفة في فعلية جميع تلك الحروف و قويتها الا انها منطوية فيها و الكامل منهم من صار جميع تلك الحروف من حيث هي هي فيه بالفعل و منشأ الآثار و الافعال و اكمل منه من صار جميع تلك الحروف فيه بالفعل من حيث ربها اي كونها اسماء الرب و صفاته كما يأتي ان شاء الله و معني استجماع الانسان جميع الحروف انه في نفسه مبدأ من مقام هو فوق جميع مراتب الجن و الحيوان و النبات و الجماد بل العرش و الكرسي و الافلاك و الطبايع و ما بينها فهو في ذلك المقام في مقام مبدأ جميع هذه المقامات التي هي دونها و جميعها مندمجة فيه فان مقام النفس الناطقة مقام دهرية جميع هذه الكثرات و وحدتها و هذا الاندماج في الكلي علي حسبه و في الجزئي علي حسبه و اما فيما دون ذلك المقام فهو متنزل اليها مار عليها اخذ من كل رتبة لباسا منها الي ان اتي الي غاية البعد فاحتوي بذلك علي جميع مراتب الحروف بحسبه اي الكلي بكليته و الجزئي بجزئيته فبذلك قلنا ان الانسان كلمة جامعة مركبة من جميع الحروف الكونية و الا فهو في نفسه ليس مركبا منها نعم هو حقيقة بدءت من مقام مبدئية ما سواها فهي مذكورة فيها بصلوح الظهور و التجلي كما ان جميع ما تصنعه من افعالك و آثارك مندمجة في نفسك و هي محتوية علي مباديها و لاجل ذلك كانت النفس هي الكتاب الذي قد سبق قال الله تعالي مااصاب من مصيبة في الارض و لا في انفسكم الا في كتاب من قبل ان نبرأها و كل شئ احصيناه في امام مبين و هو اللوح المحفوظ الذي يكون افعالك فيه مرسوما قبل ان تفعل و حين ما تفعل و بعد ان تتحول عنه و تفعل غيره [ص 245] فاحتواء النفس في ذاتها علي ما دونها هكذا فتركيب الانسان من الحروف عند تنزلها الي المراتب الكونية فالانسان المحسوس كلمة جامعة و لكن لايتجاوز النفس القدسية التي هي مبدأ ايجادها و النبي كلمة جامعة ايضا و لكنه يتجاوز النفس القدسية و يصل الي مقام الروح الملكوتية ثم لايتجاوزها و اما الخاتم عليه السلام فهو ايضا كلمة جامعة تامة لكنه يتجاوز الروح و يعود الي حيث بدئ فكما بدأكم تعودون فالانسان في نفسه له حدود انسانية و هو محصور في رتبتها لايتجاوزها فالاعلي منه رتبة الانبياء و الادني منه رتبة الجن فان صعد كان نبيا لا انسانا و ان نزل كان جنا لا انسا و هو يعود الي حيث بدئ فافهم ما شرحنا لك فالانسان جميعهم ذووا نفس ناطقة نوعا و لكن للنفس الناطقة مراتب كما ان هذا العالم بكله جسم لكن للطبايع رتبة و للافلاك رتبة و للكرسي رتبة و للعرش رتبة و كل نفس جزئية لها حد و هي مأخوذة و مُبدأَة من رتبة معينة من مراتب النفس فلرب انسان خلق من ظواهر طبايع عالم النفوس فهي فيه بالفعل و البواقي فيه بالقوة و لا كمال في القوة و لايثاب الانسان عليها و لايصعد علي مدارجها لو كانت بالفعل فهو كالجماد في ذلك العالم و لرب انسان خلق من صوافي طبايع ذلك العالم فهو كنباته و لرب انسان خلق من فلك قمره فهو كحيوانه و لرب انسان خلق من فلك زهرته فهو كجن ذلك العالم و لرب انسان خلق من ساير افلاكه فهو انسان ذلك العالم الاناسي الجزئية و لرب انسان خلق من كرسي ذلك العالم فهو النجيب الكلي و لرب انسان خلق من عرش ذلك العالم فهو النقيب الكلي و جميع هؤلاء اصحاب نفوس قدسية و في كل واحدة منها ما لها بالفعل و ما فوقها بالقوة ليس لها درجته و لا ثواب [ص 246] اهله و لا عينهم و لا علمهم و لا عملهم فلكل منهم مقام معلوم و لما كان بدؤ كل فرد منهم من درجة يكون عوده اليها و كلما يصعد باقدام امتثالاته و طاعاته و توجهاته الي الله سبحانه يصعد الذي قبله مثله و اسرع فابدا يكون النسبة بينهما باقية و هو قول الصادق عليه السلام كما رواه في الكافي في حديث طويل ان الله سبق بين المؤمنين كما يسبق بين الخيل يوم الرهان ثم فضلهم علي درجاتهم في السبق اليه فجعل كل امرأ منهم علي درجة سبقه لاينقصه فيها من حقه و لايتقدم مسبوق سابقا و لا مفضول فاضلا تفاضل بذلك اوائل هذه الامة و اواخرها و لو لم‌يكن للسابق الي الايمان فضل علي المسبوق اذا للحق آخر هذه الامة اولها نعم و لتقدموهم اذا لم‌يكن لمن سبق الي الايمان الفضل علي من ابطأ عنه و لكن بدرجات الايمان قدم الله السابقين و بالابطاء عن الايمان اخر الله المقصرين لانا نجد من المؤمنين من الآخرين من هو اكثر عملا من الاولين و اكثرهم صلوة و صوما و حجا و زكوة و جهادا و انفاقا و لو لم‌يكن سوابق يفضل بها المؤمنون بعضهم بعضا عند الله لكان الآخرون بكثرة العمل مقدمين علي الاولين و لكن ابي الله عز و جل ان يدرك آخر درجات الايمان اولها و يقدم فيها من اخر الله او يؤخر فيها من قدم الله الخبر ، و يدل علي ذلك ايضا خبر اجزاء الايمان و درجاته و فيه فمن لم‌يجعل فيه الا عشر جزء لم‌يقدر علي ان يكون مثل صاحب العشرين و كذلك صاحب العشرين لايكون مثل صاحب الثلثة الاعشار الخبر ، و المراد بالسبق السبق الرتبي الي الاجابة لا السبق الزماني في التولد و بلوغ التكليف و قبول الاسلام اذ كم من ناقص يتقدم و كم من كامل يتأخر و اوائل هذه الامة اي اولهم اجابة و اعلاهم [ص 247] درجة فالعرش اسبق في الاجابة من الكرسي و الكرسي اسبق من الافلاك و الافلاك اسبق من الطبايع و هذه الاخبار دالة علي ما ذكره سيدنا الاجل من ان النجيب لايقدر ان يصل الي رتبة النقيب و لكن علي ما شرحنا الظاهر بالنجابة و السالك في مناهجها المخلوق بذاته من رتبة النقابة يقدر ان يصل الي رتبة النقابة بخلاف من بدئ من رتبة النجابة فلايتجاوزها و لايتحمل ما يتحمله النقيب بالجملة تبين مما ذكرنا ان الشئ لايتجاوز مبدأه و كل شئ يعود الي حيث بدئ منه فعلي ذلك ليس الشئ بموجود فيما فوق حده و ليس له مشعر من هناك و لا ذكر وجودي فليس نجد شيئا من حيث هو مفقود فيه ابدا ابدا الا بقدر ما تجلي ذلك العالي فيه به اي بذلك الداني فلا اطلاع للداني ابدا و لا يقصد مرادا غير ما وصله في رتبته و لذا قال السيد الاستاد اجل الله شأنه في جوامع كلمه كلما طرق سمعك يمكنك الوصول اليه اذ الشئ ما لم‌يقع في مدركك و ينطبع و تنفعل منه و تتحد بما نالك لاتكاد تدركه و الذي هو فوقك لايقع بذاته في مشاعرك فلاتنال ذاته بل بصفاته و انت صفاته و نوره فقد تجلي لها بها و بها امتنع منها و اليها حاكمها فليس يكاد يدرك الكرسي العرش ابدا فان لجسم العرش حيزا لاينزل منه و لجسم الكرسي حيزا لايصعد منه فلايتلاقيان ابدا و ما تري في الاناسي من تلاقي العالي و الداني فانما هو تلاقي جسم عرضي مع جسم عرضي و هما من صقع واحد و لا ترتب بينهما و انما العبرة بالنفوس الاتري ان اباذر يتلاقي سلمان بجسمه و لايتلاقيه بايمانه فلو علم ابوذر ما في قلب سلمان لكفره فكذلك الكرسي لايتلاقي جسم العرش حيث لا عارض فليس عند الكرسي من العرش الا صفة العرش اذ ما دون الذات الصفة [ص 248] و لا ثالث بينهما فلاينال الكرسي و لايفهم و لايعقل من العرش الا صفته و تلك الصفة ليس الا اعلي مقامات الكرسي فليس يقوم صفة العرش مع الكرسي في صف فلو وقف لكان بعض الكرسي و حيزه حيز الكرسي و عنصره من عنصر الكرسي فهو الكرسي فقد وصف العرش نفسه للكرسي بالكرسي و كذلك الكرسي بالنسبة الي الافلاك و الافلاك الي الطبايع فلايعرف النجباء من النقباء الا ما ظهر من النقباء لهم بهم غاية الامر ان الكرسي صفة متصلة للعرش فلا ضير و كذلك جميع ما كان في عرصة واحدة كل دان صفة متصلة بالعالي و ليس الترتب بينها بالاثرية و المؤثرية سوي ما كان بين النقباء و الاركان فانه بالطول و اشد بينونة .

فصل - اعلم ان الشيئين لايخلوان من ان يشتركا في المادة و يفترقا في الصورة كالباب و السرير مثلا فانهما يشتركان في المادة و هي الخشب و يفترقان في الصورة و اما يفترقان في المادة و الصورة معا كالشمس و نورها مثلا فان الشمس مادتها الجرم السماوي و صورتها الضياء الاصلي و النور ليس من الجرم السماوي بل من شبح منفصل عن الشبح المتصل به و صورته من نفس ذلك الشبح المنفصل و الاول منهما اي ما كان المادة مشتركة علي قسمين فاما ان يكون الشيئان في عرض واحد او يكون احدهما اعلي من الآخر و حيزه اعلي و بنفسه اقوي او اوحد و اشرف فما كان المادة مشتركة و هما في عرض واحد فالنسبة بينهما تسمي بالتواطي علي اصطلاح القوم و ما كان احدهما اعلي و الآخر اسفل فهما علي التشكيك مطلقا علي الاصح فليس نسبة جميع افراد الانسان علي التواطي بل الاعلم الاشرف الاتقي اعلي درجة ان اكرمكم [ص 249] عند الله اتقيكم ، و لكل درجات مما عملوا ، و يؤت كل ذي فضل فضله ، و لقد فضلنا بعض النبيين علي بعض ، تلك الرسل فضلنا بعضهم علي بعض ، الي غير ذلك من الآيات الدالة علي سبق درجة بعض الاناسي كما ان درجات اجزاء العالم بعضها فوق بعض كالماء فوق التراب و الهواء فوق الماء و الافلاك فوق الطبايع و بعضها فوق بعض فالنسبة بينها علي التشكيك اي المادة واحدة و التفاوت بالصفاء و الكدورة و اللطافة و الكثافة فصورة الكثافة درجتها تحت درجة اللطافة و لاتعرض صورة الكثافة علي المادة اللطيفة ما لم‌يعرضها صورة اللطافة و المادة القابلة للصورة اللطيفة لاتتصور بالصورة الكثيفة اول مرة قبل ان تتلبس بالصورة اللطيفة و للمادة في الصورة تكثف و تغلظ و تكثر به تصلح للصورة الكثيفة فالمادة هي امكان الصورة العالية و الصورة العالية هي امكان الصورة الدانية و هكذا حتي تصل الي غاية البعد فاذا لاتصلح مادة النار و اهبيتها للتلبس بصورة الهواء قبل ان تتلبس بصورة النار فاذا تلبست بصورة النار و تكثفت صلحت للتلبس بصورة الهواء و لاتصلح للتلبس بصورة الماء الا بعد تلبسها بصورة الهواء و هكذا فلو اخذت صورة الجمود التي بها يكون التراب ترابا ظهر بالمائية فلو اخذت عنه صورة الرطوبة اللزجة التي بها يكون الماء ماء صار هواء و لو اخذت الصورة الرطبة الهوائية عن الهواء صار نارا و لو اخذت عنه صورة النارية صارت فلكية علي حسب درجاتها الي ان تأخذ عن العرش صورة العرشية فيبقي المادة الجسمانية التي لاتصلح الا للتلبس بصورة العرشية اول مرة و تصلح لساير الصور علي ترتيب عرفت فعماد وجود التراب الماء و عماد وجود الماء الهواء و عماد وجود النار الافلاك بترتيبها و عماد وجود الافلاك الكرسي و عماد [ص 250] وجود الكرسي العرش و عماد وجود العرش الجسم المطلق و هكذا تصعد صاعدا الي ان عماد وجود العقل الماء الاول و ذلك انه قد ثبت عندنا ان المادة الواحدة لاتصلح لصورتين مختلفتين في الرتبة فانها ان كانت قابلة للصورة الكثيفة لاتكون قابلة للصورة اللطيفة و كذلك العكس فمادة الياقوت لاتصلح لصورة اللبنة و مادة اللبنة لاتصلح لصورة الياقوت و ما تري من تصعيد الرمل الي ان يصير ماسا فانك تأخذ عنه صورة الرملية ثم تصفي المادة ثم تلبسها صورة اصفي ثم تنزع عنها صورتها ثم تصفي مادتها ثم تلبسها صورة اصفي الي ان تعود مادته بصفاء مادة الماس و صورته بصفاء صورة الماس كما ان الله سبحانه يصفي الحصص العنصرية الي ان يصير بصفاء الروح البخاري الحيواني الفلكي و اذا لم‌يصر الرمل ماسا فان الرمل بمادته و صورته انتزع عن المادة اللطيفة التي كانت في غيبها و صالحة للماسية اللهم الا ان يراد بالمادة ما في غيب الشئ و لو في اقصي غاية اللطافة و الا فالمادة المقارنة للصورة الرملية تلك الكثافة التي كانت عارضة علي المادة الاولية الاتري ان صورة الكسر تعرض الجمود و مادته الجامد و صورة الجمود قد عرضت الماء و ليس الكسر يعرض الماء و لكن يعرض الجامد فالماء يجمد و الجامد ينكسر فافهم فاني قد كررت العبارة ليتضح لك ما كان يبين بالاشارة .

فصل - اعلم ان الله عز و جل بعد ما انزل العقل الذي خلقه اول مرة الي عرصة التراب فقد تبدل حيوته بالموت او كماله بالنقص و قوته بالضعف و فعلية ظهوره بالقوة و لكنه موجود في غيب التراب و ليس العقل في التراب ككون صورة الكوز قوة في التراب فيكون معدوما بل علي ما ذكرت لك في الفصل [ص 251] السابق من تلبس الماء بالجمود و تصور الجمود بالكسر و ليس الماء معدوما في المكسور و لكنه عرضته اغشية فاستتر تحت غيوم تلك الاغشية ألم‌تسمع ان العقل الكلي ملك له وجوه بعدد كل نفس و علي كل وجه حجاب فاذا بلغ الرجل يكشف عن وجهه فيقع نور العقل علي قلبه فيصير عاقلا فذلك الملك موجود و وجهه موجود لكنه مستور و من وراء الستر مفقود و بالقوة فافهم ذلك فانه دقيق فالعقل موجود في ضمن التراب و به يكون عاقلا و مكلفا يجري عليه من التكليف ما يجري علي العقلاء قالتا اتينا طائعين و لكن لاتفقهون تسبيحهم الي غير ذلك و لكنه قد عرضته اغشية عديدة تبلغ كلياتها تسعة‌عشر و عند عروض كل غشاء خفي منه نور و قوة و كمال و ادراك الي ان بلغ التراب فاستتر نوره من كل باب و اين التراب و رب الارباب و لكن لم‌يعدم و بذلك الوجود دعاه الله اليه و خاطبه و امره و نهاه فانجذب الي دعائه الجاذب ما لم‌يعقه عن الصعود و الانجذاب تلك الاغشية و الاعراض المتعلقة به فان اجزاء الاعراض و اعراض الاجزاء مختلفة فساع سريع نجا و متأخر بطيء رجا و متخلف مقصر سجي فقام يصعد منه ما لم‌يعقه عائق و اخذ في خلع الاعراض عنه بقوة الامتثال فكلما خلع عرضا اشتد قوة في الامتثال و كلما اشتد قوة اشتد قوة في خلع الاعراض علي حذو قوله عليه السلام بالحكمة يستخرج غور العقل و بالعقل يستخرج غور الحكمة ، ففي كل درجة ترق الاغشية و سحائب الاستار و يزداد ظهور الانوار ففي القدم الاول ترقي من الترابية الي المعدنية و في القدم الثاني ترقي الي البرزخية كالمرجان و شبهه و في القدم الثالث ترقي الي النباتية و في القدم الرابع الي البرزخية كالبورايخ و في القدم الخامس الي [ص 252] الحيوانية و في القدم السادس الي البرزخية كالنسناس و المسوخات و في القدم السابع الي الانسانية ثم ترقي في درجات الانسانية الي الصالحية ثم الي العالمية ثم الي النجابة ثم الي النقابة و لا شك انه في كل منزل من المنازل يزداد نورا و قوة و كمالا و يظهر من انواره بسبب رقة الحجاب ما لم‌يكن ظاهرا الي ان يسفر عن وجهه فيعود الي حيث بدئ و ذلك في النقباء في الدنيا و البرزخ و الآخرة وجدانية و لايسفر العقل عن وجهه وجودا الا في مقام الرضوان في اقصي الجنان و في غيرهم لم‌يسفر عن وجهه وجودا و لا وجدانا و الا لم‌يخصص الله القول باناس دون آخرين و لم‌يقل ان في ذلك لذكري لمن كان له قلب او القي السمع و هو شهيد و لم‌يقل انما يتذكر اولوا الالباب و لم‌يقل لو كنا نسمع او نعقل ماكنا في اصحاب السعير ، فاذا ارباب العقول اقل قليل من الناس يوجد منهم واحد بعد واحد و ليس ذلك حظ كل عالم ففي النجباء لم‌يظهر و لايظهر الا ظل العقل و هم به عالمون بما هم عالمون و في العلماء بظل ظله و هكذا فلاينال درجته بلا حجاب الا النقباء فبذلك وجب علي النجباء ان ينقادوا للنقباء و يسمعوا لهم و يطيعوا امرهم في كل حال فلو عاش النجيب الف سنة في علمه و عمله لم‌يبلغ رتبة النقباء و هم مدلجون بين يديه ابدا لايصل اليهم سرمدا و هو بمادته و صورته دون رتبتهم و مادته من صورتهم و صورته من دون ذلك فمادة النقباء من اعلي عليين و صورتهم من دون ذلك و مادة النجباء من حيث صورة النقباء و صورتهم من دون ذلك فالنقباء وسايط كل فيض شرعي او كوني للنجباء لايصل اليهم شئ منها من التوحيد فما دونه الي ارش الخدش فما فوقه الا بهم و لذلك معذورون فيما لايبلغ عقولهم مما يتحمله [ص 253] اولئك الاعلون مقاما كما في قوله عليه السلام لو علم ابوذر ما في قلب سلمان لكفره او لقتله بالجملة و كذلك نسبة النقباء في الفؤاد بالنسبة الي الحجج عليهم السلام فان الحجج عليهم السلام هم المنكشف لهم الفؤاد بنفسه بلا ستر و حجاب و اما النقباء فمعرفتهم تنتهي الي ظل الفؤاد و ظاهره و لايبلغ نفس الفؤاد الا هم صلوات الله عليهم من عرف نفسه فقد عرف ربه و من عرفهم فقد عرف الله و من جهلهم فقد جهل الله و بنا عرف الله و لولانا ماعرف الله و انفسنا و انفسكم ، لقد جاءكم رسول من انفسكم ، فهم آيات الله الظاهرة في الخلق قال سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم حتي يتبين لهم انه الحق فهم آيات الله بهم يعرف الله و النقباء ارباب ظواهر الآيات و جعلنا بينهم و بين القري التي باركنا فيها قري ظاهرة و واصلون اليها وصول وجدان ظاهر لا وصول حقيقة و لهم مقام العقل كما عرفنا بلحاظ و ان كان بلحاظ آخر هم ايضا ارباب ظواهر العقول و الواصل الي العقول الانبياء و ان كان بلحاظ آخر الفؤاد هو مقام البيان و المعاني و العقل هو مقام النبوة و الروح مقام الانبياء و النفس هو مقام النقباء و لها مراتب كل في رتبته و ان كان بلحاظ آخر الفؤاد مقام البيان و العقل مقام المعاني و الروح مقام الابواب اي الانبياء و النفس مقام الاوصياء و النقباء و النجباء في افلاك مشاعر النفس و فيها اذكار السابقين و اخبارهم من شاء استخبرهم فهم عالمون بالاخبار عارفون بالاسرار بالجملة الانظار مختلفة و لكل وجه في مقامه لاينافي بعضها بعضا و الاصل فيه ان عالم البشر عالم مثل هذا العالم له عرش و كرسي و افلاك و طبايع و ليس وراء العرش ضيق و لا سعة و لا مادة و لا صورة و لا مكان و لا زمان نعم فوق العرش [ص 254] رتبة الجسم المطلق و هو فؤاد هذا العالم فالحجج حين نزلوا عالم البشر للتبليغ نزلوا منزلة العرش الذي هو اول ما خلق الله من هذا العالم و اما الفؤاد فهو الرحمن المستوي علي العرش فهو آية الله و مقام تعريفه و تعرّفه و لايحسب من عالم الخلق و اول ما خلق الله العقل و به خلق ساير خلقه اي بادباره فاخذ الله لهم قلوبا من عرش ذلك العالم و هو اعلي عليين لايشاركهم في تلك الطينة احد و هم ارواحهم و انوارهم و طينتهم واحدة هذا و العرش له درجات من محدبه الي مقعره و اما الانبياء فهم من رشح ابدان آل‌محمد عليهم السلام فهم في مقام الكرسي الذي هو من شعاع العرش و ظاهره و رشحه ثم النقباء الذين هم من شعاع الانبياء في مقام الشمس الحاكية لعلم العرش و الكرسي القائم مقامهما و لسان ترجمانهما و اما النجباء فهم في مقام فلك زحل و فلك المشتري و فلك المريخ اصحاب البواطن و اما العلماء فهم في مقام فلك الزهرة و عطارد و القمر اصحاب الظواهر و ساير الاناسي التابعين المطيعين في مقام الطبايع فان عرفت ذلك فلك التعبير بعد بما تشاء فان في كل فلك ذكر جميع ما هو اعلي منه فبوجدانه ذكر فلك و وصوله رتبة ذكره قد ينسب اليه فافهم راشدا موفقا .

فصل - اعلم ان للكامل من الاناسي في اي مقام يكون المقامات الاربعة التي اشرنا اليها في باب النبوة و الامامة و هي مقام البيان و المعاني و الابواب و الامامة فان فيهم ذكرا من الفؤاد و ذكرا من العقل و ذكرا من الروح و ذكرا من النفس فهي فيه من المقامات السفلي كما كانت في آل‌محمد عليهم السلام من المقامات العلياء و لانحتاج الي شرح المقامات لانها قد مرت في البابين [ص 255] المتقدمين و الذي نقوله هنا ان الكاملين هم القري الظاهرة للسير الي القري المباركة و قد امر الله الضعفاء ان يسيروا في هذه القري فان الله لايكلف نفسا الا ما آتيها و لم‌يجعل لاحد الوصول الي القري المباركة ابدا فان الناس ليسوا مشاركين لهم في المادة و الصورة و انما تحد الادوات انفسها و تشير الآلات الي نظائرها ، فلو انك و انت من التراب قدرت ان تدرك الفلك عساك ان تدرك من ليس من مقامك فاذا ليس لاحد الوصول الي القري المباركة بل و لا الي القري الظاهرة الا بقدر ما فيه من صفتهم و ذكرهم فرجع من الوصف الي الوصف و دام الملك في الملك انتهي المخلوق الي مثله و الجأه الطلب الي شكله ، فلايتجاوز شئ عن حده و مقامه و هو تأويل قوله تعالي قل كل يعمل علي شاكلته فان الادراك عمل و الشاكلة هي الطريقة الناشئة من الطبيعة اللازمة لرتبته فادراك كل شئ علي حسب طبعه و يلزم كل طبع حيزه و لايتجاوزه فالضعفاء لايكادون يصلون الي مقام الوسائط فضلا عن مقام القري المباركة و لما كان ما فيك صفتهم المتصلة و ينبغي لك ان تسير في تلك الصفة سيرا وجدانيا قال جل شأنه سيروا فيها ليالي و اياما آمنين و للسير فيهم اربع مقامات ادناها السير فيما ظهر فيهم من انوار الامامة فتشاهد نور امامك فيهم لانهم شعاعه و شيعته و نوره و الشعاع صفة المنير و اعلي منه السير فيما ظهر فيهم من انوار الابواب و ذلك ان المؤمن مادته من نور الباب بينه و بين ربه مع ان شيعة الامام و شيعة النبي واحدة باعتبار فشيعة علي هو شيعة النبي و بالعكس و باعتبار مادته من نور النبي و صورته من نور الولي و هما ابوا هذه الامة و المؤمن اخو المؤمن لابيه و امه ابوه النور و امه الرحمة و روي سلمان باب الله في الارض و انه كان محدثا [ص 256] و من العلماء و من اهل البيت و اعلي منه السير في مقام المعاني فان الله جل و عز خلق المؤمن من نور عظمته و جلال كبريائه و نور المؤمن اشد اتصالا بنور الله من اتصال نور الشمس بالشمس ، و اعلي منه السير في مقام البيان و ذلك قوله عليه السلام اتقوا فراسة المؤمن فانه ينظر بنور الله قال عليه السلام جالسوا من يذكركم الله رؤيته و يزيد في علمكم منطقه و يرغبكم في الآخرة عمله و قال سبحانه و في الارض آيات للموقنين و في انفسكم افلاتبصرون و سنريهم آياتنا في الآفاق و في انفسهم و اعلم ان خلق الله جل جلاله علي نوعين بسائط ناقصة و مركبات جامعة و لا شك ان آية الاحد في الكلمة الجامعة اظهر من البسايط الناقصة و المركبات الجامعة تتفاوت في الرتبة و لا شك انه لا مركب اجمع من الانسان في الغيب و العيان و خلق الله الانسان في احسن تقويم و لقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر و البحر و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا و الصورة الانسانية هي اكبر حجة الله علي خلقه فجهة الرب علي ما تظهر في الانسان لاتظهر في شئ من الاشياء كما انه لايعمل بحدود الشريعة المقدسة التي هي ظهور حدود التوحيد احد كالانسان فاذا كان الانسان انسانا شرعيا فهو حجة الله الكبري و آية الله العظمي و برهان الله النير و دليل الله الانور و لايقوم الحجة علي احد من الخلق بشئ مثل ما يقوم علي الشخص بالانسان الشرعي الكامل و ليس بعد العيان بيان و ان كان للجدران آذان ، فالعادل عنه الي ما يعدل الي بسائط ناقصة فيه جميع ما هو غيره بالقوة الي مثل ظلية تابعة لذوات المثل الخارجية فالمثل الخارجية اولي بان تكون حجة و آية الي حقايق نورية فاية حقيقة اولي من الحقيقة الانسانية لاسيما [ص 257] الكاملة بالجملة الانسان اعظم آية لله سبحانه فانه الكلمة الجامعة فان كان جميع الحروف الكونية فيه بالفعل فذلك ما كنا نبغ و ان كان جميع الحروف الشرعية فيه بالفعل فذلك المبدء و المرجع و هو الغاية و المفزع لم‌يشق من عرفه و لايسعد كل السعادة من جهله .